إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [20]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لم يثبت في موضع البصر أثناء الصلاة شيء، وقد اختلف أهل العلم في استحباب النظر على أقوال: فقيل: إلى موضع السجود، وقيل: إلى القبلة، وقيل إلى الأدعى للخشوع دون تحديد وهو الراجح، أما الأحاديث الواردة في هذا الموضوع فلا تخلو من نكارة، خاصة أنه مما يتكرر ويفترض استفاضته، ومع هذا يتفرد به أمثال ليث بن أبي سليم، ومصعب بن عمير وهو قليل الحديث ولا يحتمل تفرده.

    1.   

    حديث: (كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى لم يجاوز بصره موضع سجوده)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فنكمل شيئاً من الأحاديث المعلولة في كتاب الصلاة.

    أول هذه الأحاديث: هو حديث أم سلمة عليها رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى لم يجاوز بصره موضع سجوده )، هذا الحديث قد رواه ابن ماجه في كتابه السنن، من حديث مصعب بن عبد الله المخزومي عن عمته أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث مما تفرد به مصعب بن عبد الله عن عمته.

    ومصعب بن عبد الله قليل الحديث، ومثله مما لا يحمل العلماء تفرده؛ وذلك لكونه في طبقة متأخرة من التابعين، كذلك أيضاً لقلة حديثه عليه رحمة الله عن أم سلمة عليها رضوان الله، ومثل هذا الحديث يحمله الكثير عن أم سلمة عليها رضوان الله، فلما تفرد به من مثل مصعب بن عبد الله عن أم سلمة كان مما يستنكر ويعل الحديث بتفرده برواية مصعب .

    ومن علامات إعلال هذا الحديث: أن هذا الحديث من المفاريد التي تفرد بها ابن ماجه على بقية أصحاب الكتب الستة.

    ومن قرائن الإعلال: أن الحديث إذا تفرد به ابن ماجه فهذا من قرائن الضعف والإعلال، وذلك أن مثل الأسانيد التي تدور عند ابن ماجه هي موضع إدراك ومعرفة عند الأئمة عليهم رحمة الله، وذلك سواءً كان البخاري أو الإمام مسلم رحمه الله ، أو أبو داود ، و الترمذي ، و النسائي فإنهما لا يوردان ما كان شديد الغرابة والمطروح عندهما، وقد يخرجان ما يخالفه غيرهما من العلماء، واختلف العلماء في إيراد أصحاب السنن الأربع للأحاديث الموضوعة، وهل فيها أحاديث موضوعة أم لا، هذا من مواضع الخلاف.

    أما في ابن ماجه فثمة أحاديث موضوعة وإن كانت ليست بكثيرة، أما بقية السنن كسنن الترمذي و أبي داود ، و النسائي فهم قد رووا عن بعض من اتهم بالكذب وهم قلة، أما أن يكون الحديث في ذاته موضوعاً ويجزم بذلك فهذا لا يكاد يوجد في سنن أبي داود وكذلك الترمذي و النسائي ، أما في ابن ماجه فإنه يوجد مع عدم كثرته على ما تقدم.

    ثم أيضاً إن هذه المسألة وهي مسألة النظر إلى موضع السجود في الصلاة لم يخرج البخاري و مسلم في هذا الباب شيئاً في صلاة الإنسان، وهذا من القرائن التي يعل بها الحديث، وذلك أن البخاري و مسلم لا يكادان يتركان حديثاً في مسألة من المسائل الظاهرة مما يحتاج إليه الإنسان المصلي في كل صلاته فريضةً أو نافلة إلا وقد أخرجا في ذلك حديثاً، وما كان على غير شرطهما فإنهما لا يخرجانه، مما يدل على أن الأحاديث التي في الباب في وضع البصر في الصلاة أنها على غير شرطهما.

    وأيضاً يظهر أن البخاري رحمه الله يعل هذا الحديث، وقد ترجم في كتابه الصحيح فقال: باب النظر إلى الإمام في الصلاة، وهذا يخالف معنى الحديث الذي جاء في وضع المصلي بصره في موضع سجوده، ومراده في نظر المصلي إلى الإمام في الصلاة أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا يرمقون صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصفونها، ولو كانوا ينظرون إلى مواضع سجودهم لما عرفوا حال النبي في صلاته، فهم يعلمون حال النبي عليه الصلاة والسلام بمعرفة قراءته باضطراب لحيته عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يمكن أن يكون من الإنسان إلا في حال التأمل.

    ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى أن الإنسان ينظر إلى قبلته، وهذا قول الإمام مالك رحمه الله، خلافاً لقول جمهور الفقهاء من الشافعية والحنفية والحنابلة، إلى أن الإنسان ينظر إلى موضع سجوده، وهذه المسألة أيضاً من مواضع الخلاف عند الفقهاء من السلف، وإن كان أكثرهم يرى أن النظر إلى موضع السجود هو الأولى.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى في الكعبة لم يجاوز بصره موضع سجوده)

    والحديث الثاني في هذا: هو حديث عائشة عليها رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى في الكعبة لم يجاوز بصره موضع سجوده ).

    هذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه، ورواه عنه البيهقي في كتابه السنن، من حديث أحمد بن عيسى عن عمرو بن أبي سلمة التنيسي عن زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر عن سالم بن عبد الله عن عائشة عليها رضوان الله.

    وهذا الحديث مما أعل واستنكر على زهير بتفرد عمرو التنيسي عنه، وقد تقدم معنا شبيه بهذه العلة، تذكر هذه العلة، فهذه من علل الشاميين، فالحديث من طريق أحمد بن عيسى عن عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد ، ورواية الشاميين عن زهير منكرة.

    الحديث فيه عدة علل:

    أول هذه العلل: أن زهير بن محمد في روايته على طبقتين:

    الطبقة الأولى: هي رواية البغداديين عنه، أو العراقيين عنه وهي جيدة.

    الثانية: رواية الشاميين وهي منكرة، والعلة في ذلك أنه يروي من حفظه عندهم فيغلط، وإذا روى من حفظه وغلط جاء بالمناكير، حتى أنكر حديث شاميين عنه البخاري ، وكذلك الإمام أحمد ، و ابن عدي ، وغيرهم من العلماء.

    والعلة الثانية: أن الذي يرويه عن عمرو بن أبي سلمة أحمد بن عيسى وهو ضعيف، وهو منكر الحديث، كما قال ذلك ابن عدي رحمه الله، بل قال ابن طاهر : كان يضع الحديث، وهو الذي تفرد بهذا الحديث عن زهير ، وهذا الحديث بهذا الإسناد منكر أنكره أبو حاتم كما نقله عنه ابنه كما في كتابه العلل أنه أنكره عليه.

    وأعل هذا الحديث الحافظ ابن رجب رحمه الله كما في كتابه الفتح.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن أول أمره ينظر إلى السماء في صلاته..)

    الحديث الثالث: هو ما رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف، من حديث ابن عون عن ابن سيرين ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول أمره ينظر إلى السماء في صلاته، حتى أنزل الله عز وجل عليه قوله جل وعلا: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2]، فطأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه إلى موضع سجوده ).

    هذا الحديث مرسل صحيح عن ابن سيرين ، وقد جاء موصولاً عند الحاكم و البيهقي من حديث سعيد بن أوس عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله، فجعله موصولاً.

    والصواب في ذلك الإرسال، والموصول لا يصح، أعل الحديث الموصول البيهقي رحمه الله، فقد قال في المرسل: هو المحفوظ، ومراسيل محمد بن سيرين وإن كان ممن يحترز بالنقل ولا يروي إلا عن ثقة في غالب أمره، إلا أنه ليس من طبقة متقدمة من التابعين، ولهذا يستأنس بمراسيله إلا أنه لا يقطع بصحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعلماء يفرقون بين الاستئناس والاحتجاج والصحة، فمسألة الاحتجاج أمرها واسع، وأما بالنسبة للتصحيح فإن العلماء لا يصححون الحديث بمثل مراسيل محمد بن سيرين .

    ثم أيضاً: إن من مواضع رجحان المراسيل هو رواية ابن أبي شيبة في مصنفه لها، وكذلك عبد الرزاق في مصنفيهما لها، وذلك لتقدم الطبقة، فطبقة ابن أبي شيبة وكذلك طبقة عبد الرزاق طبقتان متقدمتان، كذلك فإنهم غالباً ما يروون الأحاديث في كتاب، فإنهم أقرب إلى الرجحان من غيرهم، والحديث إذا جاء موصولاً عند متأخر وهو مرسل عند متقدم، فالمتأخر في تفرده بالوصل من مواضع ومن قرائن الإعلال، فإنه تفرد بوصله الحاكم في كتابه المستدرك، وعنه البيهقي .

    ومما يتفرد به الحاكم في كتابه المستدرك بوصل المراسيل مما لا يلتفت إليه العلماء غالباً، كذلك فإن العلماء لا يلتفتون إلى مفاريد الحاكم في كتابه المستدرك مما يتفرد به من الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف وقد خولف في ذلك! وذلك لأن الحاكم من طبقة متأخرة، وهو بعد زمن التدوين الأول، ومعلوم أن التدوين في زمن المصنفين من الأئمة الستة ومن ذلك البخاري و مسلم و أبي داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه والإمام أحمد و الدارمي وأضراب هؤلاء، الحاكم بعد أولئك، وهو في مرحلة وزمن تدوين متأخر، فإذا جاوزت أولئك الأئمة تلك الأسانيد ولم يرووا إلا وجهاً واحداً، دل على أنهم تركوا ذلك التدوين باقياً في الأفواه فيحمله من بعدهم ولم يدونوه، وذلك لعلته.

    وكثير من المخرجين والمعتنين بالحديث من المتأخرين والمعاصرين ينظرون الروايات على أنها من طبقة واحدة، فيستدركون على بعض الروايات المرسلة التي يعلها العلماء بالإرسال بطرق وقفوا عليها موصولة وجدوها عند متأخرين، ويظنون أن العلماء لم يقفوا عليها، نقول: إن العلماء في تركهم للأحاديث وفير، ولهذا البخاري رحمه الله يقول عن نفسه: إني أحفظ مائة ألف حديث، ومراده بذلك الأحاديث ما كان مرسلاً وما كان موصولاً، ولا يدخل في ذلك الموقوفات، ولو أحصينا ما دون عند المتأخرين وما دون عند المتقدمين لجاء قريباً من هذا العدد، فـالبخاري رحمه الله قد انتقى شيئاً وأعل شيئاً وسكت عن أشياء وترك أشياء لمن جاء بعده، فما تركه عنده لا يرى أن له قيمة، فهذا أين ترك؟ ترك في الأذهان ينقله الناس، فلما جاء من بعدهم ونفوسهم تتشوف إلى التدوين دونوا ما فات المتقدم، فجاء من بعدهم فنظروا إلى زوائد المتأخرين على المتقدمين فقاموا بتصحيحها، وهذا كثير جداً.

    ولهذا نقول: إنه ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يخرج أو يتكلم على حديث من الأحاديث أن يفرق بين الدواوين، بين زمن الرواية والتدوين الأول، وبين ما جاء بعد ذلك، وكلما تأخرت طبقة المدون ظهر في ذلك الإعلال، ولهذا نجد أنه من قريب الاتفاق عند العلماء النقاد أنهم لا يلتفتون إلى مفاريد المتأخرين التي يخرجونها، وذلك مثلاً: كـالحاكم ، وابن عساكر ، والخطيب البغدادي وغيرهم من الرواة، وسواءً الحاكم كان في التاريخ أو كان في كتابه المستدرك وغيرها من مصنفاته، وكتب ابن عساكر كلها، كذلك أيضاً ما كان من الأجزاء المتأخرة، فالعلماء في الغالب لا يلتفتون إليها، نعم ربما يتفرد أولئك بآثار، فالعلماء يقبلونها باعتبار أن الأحاديث المرفوعة هي مقصد العلماء الأول، وأما بالنسبة للآثار فيدعونها.

    كذلك أيضاً ما كان من أمور السر والمغازي، فإن العلماء في الغالب لا يشترطون إخراجها في مصنفاتهم، وذلك كأصحاب الكتب الستة، والإمام أحمد ، وكذلك الدارمي وغيرهم، وإن أوردوا شيئاً من ذلك، ولهذا نقول: إن تفرد الحاكم و البيهقي في هذا الحديث من حديث سعيد بن أوس عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل بصره عليه الصلاة والسلام في موضع سجوده، أن هذا مما يستنكر، ولهذا لا يلتفت إليها العلماء عليهم رحمة الله.

    1.   

    حديث أنس: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى يضع بصره موضع سجوده)

    الحديث الرابع في هذا: هو حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى يضع بصره موضع سجوده ).

    هذا الحديث رواه الحاكم في كتابه المستدرك، ورواه ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق ، من حديث عليلة بن بدر عن عنطوان بالضم، وعليلة بضم العين ، عن الحسن عن أنس بن مالك ، وهذا الحديث أيضاً معلول بعدة علل:

    أول هذه العلل: عليلة بن بدر، وهو واهي الحديث، وقد ضعفه عامة الأئمة، و عنطوان وهو مجهول، وهذه العلة الثانية.

    والعلة الثالثة: هو التفرد عن الحسن البصري عن أنس بن مالك ، فإن الحسن البصري مما لا يتفرد عنه أمثال هؤلاء بأحاديث في الأحكام، ويكون الحديث صحيحاً، ولهذا نقول: إن هذا الحديث باطل، وقد أنكره وقال بعدم صحته الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه الفتح، وذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله في الفتح أن في هذه المسألة عن أنس بن مالك وعن ابن عباس أحاديث ولا تصح، ولكن نقول: إنه جاء عن عائشة ، وجاء عن أم سلمة ، وجاء من مرسل ابن سيرين ، وجاء عن أبي أمامة و واثلة بن الأسقع ولا تصح أيضاً، وكلها واهية.

    1.   

    حديث ابن عباس: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى يضع بصره موضع سجوده)

    الحديث الخامس في هذا: هو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله بنحو حديث أنس بن مالك ، وهذا الحديث قد أخرجه ابن عدي في كتابه الكامل من حديث بقية بن الوليد عن علي بن أبي علي عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عباس ، وهذا الحديث معلول أيضاً بعدة علل:

    أول هذه العلل: أن هذا الحديث تفرد به بقية ، وبقية وفي طبقة متأخرة ومفاريده في الرواية مما يتوقف فيها العلماء، ولهما يستنكر، وإن كان صالحاً في نفسه، ثم أيضاً إنه متهم بالتدليس ويدلس عن الضعفاء، وعلي بن أبي علي مجهول، وهو قليل الرواية جداً، ويروي بقية عن علي بن أبي علي أحاديث مناكير كما قال ذلك ابن عدي في كتابه الكامل.

    ثم أيضاً علة أخرى: أن هذا الحديث تفرد به علي بن أبي علي عن ابن جريج ، و ابن جريج أحاديثه تشتهر وتضبط وخاصةً بمثل هذا الإسناد المكي في رواية ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عباس ، وهذا مما لا يتركه النقلة لو كان موجوداً، ولهذا ذكره ابن عدي في كتابه الكامل في مناكير علي بن أبي علي ، وذكر أنه مجهول، وأن بقية يتفرد عنه بالأحاديث المناكير.

    ومن قرائن الإعلال: أن الحديث إذا رواه من يصنف في الضعفاء أو في الجرح أو في العلل أن الحديث معلول عنده، وذلك كحال ابن عدي في الكامل، و العقيلي في الضعفاء، و ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، و البخاري في كتابه التاريخ، وذلك أن هذه الكتب ليست مواضع للرواية، وإنما يذكر فيها العلماء ما يستنكر على الراوي لإثبات الكلام المنقول عن النقاد في ضعف الراوي، ولهذا يذكرون الراوي ويذكرون ما عرف عنه من مروي على سبيل التمثيل، وإذا ذكروه في مصنفاتهم هذا يدل على أنه ليس بمشتهر عندهم بالنقل، وإلا فمثله لا يمثل لرواية له، ولهذا تجد العلماء في كتب الرجال لا يمثلون بشيء من المرويات لـشعبة و عبد الرحمن بن مهدي , و يحيى بن سعيد القطان ، و سفيان ، وكذلك أيضاً من كان في طبقة متقدمة كـعمرو بن دينار ، و عكرمة ، و سعيد بن جبير ، و ابن يسار ، وغيرهم لا يمثلون لهم، لأنهم من أهل الرواية المشتهرة، بخلاف من كان مقلاً وله شيء يستنكر فيوردون في بابه أحاديث رواها من باب التعريف ببضع مرويه، وما يذكرونه غالباً ما يستنكر له فيمن يصنف في أبواب التعليل أو الجرح، وذلك حتى في بعض الكتب المدونة في أبواب التاريخ ككتاب التاريخ للبخاري سواءً كان الكبير أو الأوسط، فإنه يورد في ذلك أسانيد ويورد في ذلك ما يستنكر على ذلك الراوي.

    كذلك كتاب الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم فإنه كتاب علل، وكتاب الكامل والضعفاء للعقيلي فإنها مواضع إعلال، فضلاً عن من قصد جمع الأحاديث المستنكرة، وذلك ككتب الضعفاء، ككتب الموضوعات، والأحاديث الضعاف، والمعلة، وغير ذلك سبيل القصد، وهذا إما يصرح العلماء عليهم رحمة الله بتسمية المصنفات أو لا يصرحون ولكن يعرف ذلك من مناهجهم، كـالدارقطني رحمه الله في قصده في إخراج الأحاديث المعلولة في كتابه السنن، فإنه يريد أن يخرج من حديث الراوي ما يعل عليه، ما يعل الحديث على ذلك الراوي.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في تشهده لم يجاوز بصره إشارته)

    الحديث السادس: هو حديث عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في تشهده لم يجاوز بصره إشارته ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد في كتابه المسند، ورواه أبو داود في كتابه السنن، من حديث يحيى بن سعيد عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث تفرد به محمد بن عجلان عن عامر عن أبيه، ورواه عنه يحيى بن سعيد .

    الحديث أخرجه الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث الليث و أبي خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يذكر أن النبي لم يجاوز بصره موضع إشارته، وهذا الحديث مما أخذ على محمد بن عجلان في روايته عن عامر بن عبد الله ، ولهذا في تنكب الإمام مسلم رحمه الله لهذه الزيادة في هذا الحديث ما يشير إلى ضعفها عنده.

    ثم أيضاً أن عمرو بن دينار قد روى هذا الحديث ولم يذكر هذه الزيادة، ورواه غير واحد عن عامر بن عبد الله بن الزبير تابعوا فيه محمد بن عجلان ولم يذكروها أيضاً، ونقول: إن هذه الزيادة منكرة من وجوه:

    أولها: أن محمد بن عجلان تفرد في هذه الرواية وإن كان روى عنه يحيى بن سعيد ، إلا أن ابن سعيد يروي عن محمد بن عجلان ما سمعه منه، و محمد بن عجلان يخطئ في بعض مرويه، ولهذا يروي الحديث تارةً بذكر إطلاق النظر إلى موضع الإشارة، وتارةً بعدمها، فإن الحديث عند الإمام مسلم رحمه الله من حديث الليث و أبي خالد الأحمر عن محمد بن عجلان ولم يذكرا موضع البصر عند الإشارة، ولهذا اعتمد الإمام مسلم رحمه الله تنكب رواية يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان ، فنقول: إن لـمحمد بن عجلان في ذلك روايتان: رواية بذكر الإشارة، ورواية بعدمها، فتنكب الإمام مسلم ذكر النظر إلى الإشارة في الصلاة.

    وتقدم معنا مراراً أن الزيادة في الحديث إذا تنكبها البخاري و مسلم مع أنهما أخرجا الزيادة من ذلك الطريق فهذا من أمارة إعلال الحديث عندهما، ولا يكاد المتتبع يجد زيادةً مؤثرةً في حكم وهي متعلقة بسياق الموضوع، كأن تكون متعلقة بأحكام الصلاة والسياق في الصلاة، ثم يتنكبان تلك الزيادة وتكون هذه الزيادة صحيحة، ولكنهما قد يتركان شيئاً من الزيادات وتكون هذه الزيادة في خارج الصحيح وهي صحيحة إذا كانت ليست متعلقةً بالباب ولا مؤثرة في حكم، كأن يكون الحديث مثلاً له أثر في الصلاة وذكر الحديث في الزكاة، وقد يخرجان ما يؤيد هذا الحديث من حديث مستقل في كتاب الصلاة، فيستغنيان عن ذكر الزيادة بحديث منفرد، وهذا بالتتبع يجده الناظر مطرداً في منهج الإمامين البخاري و مسلم ، ويظهر ذلك الإعلال إذا ترك زيادة ثم أخرج حديثاً يخالفها، فإن هذا شبيه بالقطع بالإعلال، ولو حكى الإنسان إعلال البخاري و مسلم لمثل هذه الحال ما كان ذلك بعيداً.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يغمض الرجل عينيه في الصلاة)

    الحديث السابع: هو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يغمض الرجل عينيه في الصلاة )، هذا الحديث رواه ابن عدي في كتابه الكامل، من حديث موسى بن أعين عن ليث بن أبي سليم عن طاوس بن كيسان عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث معلول بعلل:

    أولها: أن هذا الحديث تفرد به موسى عن ليث ، وهذا مما يستنكر عادة.

    الثاني: أن هذا الحديث مما تفرد به ليث عن طاوس بن كيسان ، و طاوس بن كيسان له أصحاب كبار يروون حديثه سواءً كانوا من المكيين، أو كانوا من اليمانيين، أو المدنيين، ومثل هذا الحديث مما تعم بمثله البلوى من إغماض العينين في الصلاة، ويفعله بعض الناس أو كثير منهم، إما لحاجة عارضة أو كان ذلك غالباً، فمثل هذا النهي يشتهر لو ورد فيه خبر، وذلك أن ورود إغماض العينين في الصلاة يرد على الإنسان أشهر وأظهر من المنهيات التي جاءت في الصلاة، وذلك كبسط الذراعين كبسط الكلب، والإقعاء كالكلب أيضاً، وكذلك أيضاً في نقر الغراب والالتفات، فإن الإنسان يبلى بإغماض عينيه أكثر من ابتلائه بالالتفات، ولما جاءت هذه النصوص المنهية عن الالتفات وجاءت النصوص عن إقعاء كإقعاء الكلب، مع أن النهي هنا في حديث عبد الله بن عباس صريح وواضح في المرفوع، وجاء المرفوع في ذلك دون ما تعم به البلوى دون إغماض العينين، دل ذلك على النكارة وعدم استقامة المتن، ونطلب له إسناداً أقوى من تلك المنهيات، و ليث بن أبي سليم مع سوء حفظه إلا أننا نستطيع أن نجعل أحاديثه على مراتب:

    أول هذه المراتب: أن ليث بن أبي سليم ما يرويه في التفسير عن مجاهد بن جبر ، فهذا مستقيم لأنه من كتاب، وهذا الكتاب هو للقاسم بن أبي بزة يرويه عن مجاهد بن جبر تارةً من قول مجاهد وتارةً عن عبد الله بن عباس ، إما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قليل، أو عن عبد الله بن عباس من قوله وهو كثير، أو عن مجاهد بن جبر من قوله وهو أكثر، وهذه الروايات روايات صحيحة.

    المرتبة الثانية: ما يرويه ليث بن أبي سليم في المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غير مجاهد وفي غير التفسير، فهذا الأصل فيه الضعف؛ لشدة ضعف ليث في حفظه، والعلماء يردون مثل هذا.

    المرتبة الثالثة: ما يرويه ليث بن أبي سليم من الفقه عن بعض الرواة فإنه يخلط في رواية الفقه عن عطاء و طاوس و عكرمة وأشباههم، فيحكي الخلاف على غير وجهه، نص على هذا ابن سعد رحمه الله وغيره، فنقول: إن ما يخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف، وما يرويه عبد الرزاق كذلك في مصنفه عن ليث بن أبي سليم من الفقه عن عطاء و طاوس و عكرمة ، فهو يخلط بين فقه هؤلاء، فربما حكى الاتفاق عنهم والمعروف عنهم الخلاف، وهذا من المواضع التي ينبغي أن ينتبه لها في دواوين الفقه خاصة، وذلك أنه يشتهر في دواوين الخلاف العالي خلاف التابعين وأتباع التابعين وذلك كالكتب المصنفة في هذا الباب، ككتب ابن أبي شيبة و عبد الرزاق و البيهقي ، والكتب التي جاءت بعد ذلك ككتب ابن المنذر ، وكتب ابن عبد البر وأضرابها ممن تنقل الفقه عن ليث بن أبي سليم عن هؤلاء، ثم يأتي بعض ممن يحكي الخلاف النازل وينقل عن ذلك ككتب الفقه الخلافية كمذهب الإمام أحمد ،كـابن قدامة في كتابه المغني، وكذلك أيضاً المجموع للنووي ، وكذلك أيضاً الشرح الكبير للرافعي ، وغيرها من هذه الكتب التي تشير وتنقل بعض الروايات الفقهية في مواضع الخلاف من هذا الطريق، من حديث ليث بن أبي سليم عن هؤلاء، فنقول: إن هذا من المواضع التي ينبغي أن يتوقف فيها الناظر وذلك لخلط ليث فيها خاصةً في الموضع الذي يحكي فيه الإجماع، يعني: إجماع هؤلاء سواءً إجماع عطاء أو كان إجماع عطاء مع عكرمة وكذلك طاوس بن كيسان ، فإنه يقول الواحد منهم فيجمعهم جميعاً، كما نقل ذلك ابن سعد رحمه الله في كتابه الطبقات.

    ثم أيضاً من قرائن الإعلال لمرويات ليث عن طاوس و عطاء وكذلك أيضاً عكرمة وأضرابهم في مروياتهم في الفقه: أنه يروي عنهم قولاً ويروي غيره عنهم قولاً مخالفاً، وهذا يدل على أنه يضطرب بنقله هذا.

    ومن المواضع أيضاً التي يعل فيها هذا الحديث وهو حديث عبد الله بن عباس : أن هذا الحديث وهو في النهي عن إغماض العينين في الصلاة مما ينبغي أن يشتهر عن طاوس بن كيسان ، وذلك لأن طاوس بن كيسان نزل مكة وأقام بها يسيراً وأخذ عنه المكيون، وأخذ عنه المدنيون، وأصحابه الثقات النقلة من اليمانيين كثير، فهؤلاء هم أدرى وأعلم بحديثه، فلما تفرد ليث بهذا الحديث عن طاوس بن كيسان دل على نكارته وإعلاله.

    كذلك أيضاً من قرائن الإعلال: أن هذا الحديث مما رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة: رواه في معجمه الكبير، والأوسط، والصغير، وأعله بتفرد موسى عن ليث، وأنه لا يعرف إلا من هذا الوجه، وذلك أن من قرائن الإعلال عند العلماء الأحاديث التي يتفرد بها الطبراني ، وذلك أن الطبراني يريد أن يخرج عن الراوي الحديث الغريب كثيراً، فإذا تفرد بحديث ولا يوجد عند غيره فهذا من قرائن الإعلال، وإن كان يروي أحاديث في كتابه المعجم وهي موجودة في الصحيحين إلا أن الغرابة لا تعني النكارة، وأن التفرد لا يعني الضعف، ولكن نقول: ما كان في أمور الأحكام ولم يروه غيره فهذا مما يعل العلماء عادةً ولا يقبلونه، ثم إن مثل هذا الحديث في مسألة إغماض العينين من جهة إحكام الشريعة وضبطها ينبغي أن يروى في ذلك ما هو أقوى منه إسناداً، فقد جاء في الشريعة من المنهيات ما هي دونه مرتبةً وجاءت بأقوى منه إسناداً على ما تقدم، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    ضابط المسائل المهمة التي يعل بها الحديث

    السؤال: ما ضابط المسائل المهمة التي يعل بها الحديث ؟

    الجواب: لدينا مسائل مهمة وهي على نوعين التي نحتاج إلى قوة الأسانيد فيها:

    النوع الأول: ما كان من مسائل الدين العظيمة، معنى عظيمة: مما تجب على الناس عيناً، أو كانت من أصول الدين وذلك كفرض الصلاة، مسائل قصر الصلاة في السفر، مثلاً: كذلك أيضاً الزكاة: ما يجب على الناس، مسائل الحول ووجوب الحول، كذلك أيضاً زكاة الذهب، زكاة الفضة، ما يتعلق أيضاً بمسائل الإيمان والتوحيد وأضراب ذلك.

    النوع الثاني: ما كان من غير المسائل العينية ومن غير مسائل أصول الدين ولكن يقول العلماء: أعلام المسائل ومشهورها مسألة علم، وعلميتها من تركها لا يأثم بذلك، ومن أنكرها لا يكفر لكنها علم لو وجدت لنقلت، مثال ذلك: مثال الجهر بالبسملة في الصلاة، لو قال إنسان: لا يوجد شيء جهر في البسملة، أو يوجد جهر بالبسملة نفى كذب القائل هنا أو القائل هناك في مسألة الجهر، هل نبدعه أو نكفره؟ لا، بخلاف المرتبة الأولى، ولكن نقول: هذه مسألة من مسائل الأعلام إنما نشدد فيها لأنها لو وجدت سمعها كل واحد وينبغي أن تنقل، وهذا لا يعني لأهميتها بذاتها، ولكن لأهميتها عندنا في النقد، وما دونها من المراتب والمسائل ربما لا نلتفت إلى التشديد فيها مع كونها أهم في ذلك، لأنها لا تشتهر ولا تستفيض.

    مثال: ما يتعلق بأحكام صلاة الاستسقاء، ما يتعلق بصلاة العيدين، ما يتعلق بصلاة الكسوف، هذه متباعدة، هل هذه من أعلام المسائل الكبيرة؟ لا، ليست من أعلام المسائل؛ لأنها إن حدثت تحدث في الحول مرة أو ربما تحدث بسنوات متتالية تحدث مرة، كسوف الشمس في زمن النبي عليه الصلاة والسلام حدث مرةً واحدة، ولهذا نقول: إن صلاة الكسوف من جهة تأكيدها آكد في الشريعة من مسألة الجهر بالبسملة، ومن أنكر صلاة الكسوف أعظم عندنا ممن ينكر الجهر، ولكن نشدد في طلب الإسناد للجهر ولا نشدد في طلب الإسناد لبعض مسائل الكسوف، لأنها وقعت عارضة، والذين حضروها ليسوا الجميع بخلاف مسألة كل يوم تحدث، ولهذا يقولون: أعلام المسائل يطلب لها الأسانيد القوية، وهذا يرجع إلى نظر الناقد كلما كانت المسألة أكثر وروداً ومشاهدةً للإنسان طلب فيها الإسناد القوي، ولهذا تجد كثيراً من الأحاديث التي هي من المسائل الأعلام يرويها ضعفاء ويرويها مجاهيل، فتجد الأئمة الكبار يقولون: أضرب عليه، هذا لا يضبط، أين الكبار عنه! هذه أحاديث مهمة لابد أن يرويها الكبار، وهذا ينبغي أن يلتفت إليه وذلك أن الأئمة عليهم رحمة الله كالإمام أحمد وكذلك مسلم وكذلك علي بن المديني و يحيى بن معين وأضرابهم يعرفون مواضع النقلة، وينظر الإنسان أن يكون مثلاً في الصدر الأول في المائة الثانية والناس في ذلك قليل، ويعلم الأحاديث وأن قبلة الحديث هي مكة والمدينة، ثم يأتيه رجل من خراسان ويأتي وينزل عنده ثم يقول له حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام في مسألة مشهورة، وهو ذهب إلى المدينة ما سمع هذا الكلام وأخذ الحديث كله، وذهب إلى مكة وما سمع بهذا، وجاءه شخص من خراسان عليه طيلسان أو ليس عليه عمامة ثم جاء بهذا الحديث، ماذا يقول أحمد؟ يقول: أضرب عليه، نحن نظر إلى أسماء نظن أن الناس واحد، لا ليسوا واحدا، هم يميزوهم، يعني: يكون هذا الرجل عليه طيلسان جاء من بلد كذا ويعرفون صاحب العمامة الذي جاء بالحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويعرفون النقلة الحفاظ ويعرفون فقههم، قد يكون صالحا وثقة ولكن زاد وخلط في الحديث ولا يلتفتون إليها.

    إعلال الرفع بالوقف

    السؤال: هل نعل دوماً الحديث المرفوع بوجوده أو ثبوته موقوفاً أو نقول: إن بعض الرواة يتحرج من الوصل ويرسل؟

    الجواب: بعض الرواة يعرف عنه هذا من عادته أنه لا يرفع ويجعل الحديث مثلاً من قول ابن عمر أسلم له من أن يجعله من قول النبي عليه الصلاة والسلام، فنقول: من كان معروفاً بذلك ولو كان ثقة يرجح العلماء عليه من دونه، كحال الإمام مالك رحمه الله، الإمام مالك رحمه الله تارةً يرسل يتهاون بالأمر فيرسل ويجعل بعض الروايات بلاغ وهو مالك ، فتجد بعض العلماء ينظرون إلى بعض الروايات خاصةً ما عضدها العمل واستقر في المدينة، فكأن الإمام مالكاً رحمه الله في ذاته يقول: الحديث معلوم لا يحتاج إني أسوق إسناده لكم، فيقول: بلغني أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كذا، أو يروي عن الزهري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كذا، يريد أن يختصر في هذا الأمر، وتجده مسنداً من وجه آخر بإسناد صحيح، فتجد العلماء يرجحون الوصل في ذلك، لأنه يعرف على الإمام مالك أنه ربما أرسل، وربما قال الحديث بلاغاً وهو معلوم من جهة الإسناد، وذلك لقرينة إذا وجد العمل يوافق هذا الحديث فتجد أن الإسناد في كثير من المواضع يكون صحيحاً ولو كان مرسلاً عند مالك في الموطأ وفي غيره.

    سبب التشديد في الإسناد في المسائل الأعلام

    السؤال: يا شيخ! قد يقول قائل: المسائل الأعلام كونها تتكرر كل يوم لا تذكر كالبسملة لأنها معروفة؟

    الجواب: قد يقول قائل: إن المسألة قد تكون معروفة فلا ينقلها الناس ويرويها من دونه، فلماذا نطلب من الناس أن ينقلوا شيئا معلوماً! ينبغي أن نأخذ العكس، لدينا مسألتان:

    المسألة الأولى: نشدد فيها لأن الرواة رووا مسألة من أعلام المسائل وما رواها الثقات.

    المسألة الثانية: أن المسألة إذا كانت مستفيضة من جهة العمل لا يحتاج الناس إلى إثباتها فيتركونها لا يدللون عليها، وهذا مثلنا عليه كمسائل الصلوات، ككون صلاة الظهر وصلاة العشاء أربعاً، هل يمكن لشخص منكم يجلس سنة سنتين ما يسمع أحداً يحدث يقول: صلاة الظهر أربع، ولكن يسمع من يتكلم على مسألة الخشوع في الصلاة والتدبر وإطالة القراءة وإطالة السجود مسائل يحتاج إليها الناس، لماذا؟ لأن هذه المسألة مسلمة، كيف نفرق بين الأمرين بين المسألتين؟ بالعمل، عمل الصحابة والتابعين، لابد أن يكون ذلك موجوداً ومستفيضاً عندهم، فإذا كان مستفيضاً في الروايات المنقولة ومن مضانها كتب الآثار، كمصنف ابن أبي شيبة و عبد الرزاق و البيهقي موطأ مالك كتب ابن عبد البر و ابن المنذر وغيرها، تجد أن هذا الأمر مستفيض عملاً عندهم.

    نأتي إلى مسألة الجهر بالبسملة نجد أنها خلاف ذلك، أنها خلاف ليس عليها العمل عند عامة الصحابة، حينئذ نأتي ونقول: هذه المسألة مشهورة، لماذا لم يأتي بها إلا أنت؟ إذا قال لنا قال: هذه مسلمة لماذا تطالبون الكبار بها وهي من جهة العمل؟ نقول: لا، الذي ثبت عندنا أن الأغلب وجمهورهم أنهم لم يعملوا بذلك، ولهذا نقول بإعلالها.

    ما كان مستفيضاً عند الصحابة والتابعين من جهة العمل ثم جاء راو متوسط بحديث مرفوع في ذلك والعمل مستفيض نصحح تلك الرواية، لأن العمل موجود ومستفيض حتى بلغ عندهم حداً لا يحتاج إلى رواية ولا يعلم في ذلك مخالف.

    الراجح في موضع النظر في الصلاة

    السؤال: ما هو الراجح أن ينظر الإنسان إلى موضع سجوده أو إلى أمامه؟

    الجواب: ذكرنا أن العلماء قد اختلفوا في هذه المسألة على قولين، فيما يظهر لي والله أعلم أنه لا يثبت في موضع البصر في الصلاة شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام، والعلماء قد اختلفوا في هذه المسألة على قولين: جمهور العلماء يقولون في موضع السجود، وهذا هو المشهور عند المالكية، وهذا المشهور عند الشافعية، والحنفية، والحنابلة، أما المالكية وهو قول الإمام مالك رحمه الله إلى أنه ينظر إلى قبلته، سواءً الكعبة أو كان بعيداً عن الكعبة ينظر إلى جهتها، إلا أنهم يتفقون بالنهي عن النظر إلى السماء، هل النهي في ذلك هو نهي تحريم أو نهي كراهة؟ بعضهم يجعله على الكراهة وبعضهم يجعله على التحريم، وبعضهم يقيده بنظر الدوام إذا أدمت النظر، أما النظر العارض هكذا يقولون: هذا مما لا يؤثر على الصلاة.

    والأنسب أن نقول إن في موضع البصر ما هو أدعى لخشوعه، بعض الناس يقول: السجاد يشغلني خاصةً في مواضع الزخرفة، فيقول: لو نظرت إلى القبلة لا يوجد شيء يشغلني، نقول: لا بأس انظر إلى القبلة، وبعض الناس يقول: القبلة تشغلني وموضع السجود يشغلني فيضع الإنسان ينظر إلى موضع قدميه أو ينظر إلى كفيه أخشع لنفسه.

    إذا أشغلك الجميع أيهما أولى إغماض العينين، أو إطلاق البصر مع عدم الخشوع، أو إغماض العينين مع الخشوع؟ إغماض العينين مع الخشوع أولى من إطلاق العينين مع عدم الخشوع؛ لأن الخشوع في الصلاة آكد، وقد امتدح الله عز وجل الخاشعين في الصلاة كما في أوائل سورة المؤمنون: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2]، وجاء في ذلك جملة من الأحاديث أن ذلك مما مدح به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، سئلت عائشة عليها رضوان الله تعالى عن ذلك؟ فتلت العشر آيات الأول من سورة المؤمنون.