إسلام ويب

كتاب الطهارة [المقدمة]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر كتاب السنن لأبي داود من أهم كتب السنة التي اعتنت ببيان الأحكام، وقد التزم فيه مؤلفه ألا يورد فيه ما كان شديد الضعف، ولهذا صنفه بعض أهل العلم تالياً لصحيح مسلم، والصواب أننا لا نميزه عن غيره من كتب السنن بإطلاق حاشا ابن ماجه الذي اتفق أهل العلم على كونه آخر كتب السنن الأربع.

    1.   

    مقدمة التعليق على سنن أبي داود

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    إنعام الله تعالى علينا بنعمة الوحي

    فإن الله سبحانه وتعالى قد امتن على هذه الأمة بهذا الوحي العظيم الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم كتاباً وسنة، وكما لا يخفى، فإن الوحي الذي أنزله الله جل وعلا على رسوله على نوعين:

    الأول: القرآن وهو كلام الله سبحانه وتعالى، منه لفظه ومنه معناه.

    والثاني: السنة، وهي من الله سبحانه وتعالى معنى، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظاً.

    والوحي من الله سبحانه وتعالى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن ربه جل وعلا، والله جل وعلا قد خاطب رسوله وسماه مبلغاً؛ مما يدل على أهمية هذا الوحي والاحتراز فيه من أن يدخل فيه ما ليس منه، وذلك حماية لهذا الوحي، وحماية لهذا الدين وهذه النعمة التي أنعم الله عز وجل بها على أمة الإسلام، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر هذه النعمة، وهذا الدين، وهذا الوحي، وسماه نعمة وفضلاً من الله سبحانه وتعالى، كما في قوله جل وعلا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    فالنعمة التي امتن الله عز وجل بها على هذه الأمة إنما هي نعمة الإسلام، وكذلك يسميها الله عز وجل: الفضل، ويسميها: الرحمة، كما في قول الله جل وعلا: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    الله سبحانه وتعالى امتن علينا بهذه النعمة العظيمة، ونحن بحاجة إلى تدبرها وتأملها، والعمل بها.

    وثمة وقفات يسيرة قبل الولوج في هذا الكتاب والمقدمة فيه، نتكلم على مهمات:

    العناية بالسنة نظراً وقراءة وتدبراً

    أول هذه المهمات: ما يتعلق بأهمية السنة والعناية بها، وذلك نظراً وتدبراً وقراءةً، فإنها وحي؛ ولهذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في المسند وغيره من حديث أنس بن مالك وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فبلغها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )، فالله جل وعلا قد جعل الناس على مراتب من جهة إدراكهم ووعيهم، فبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن سماع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتدبرها على النحو المستطاع من أمور التعبد، بل دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبها بالنظارة.

    والمجالس التي تعقد لسماع حديث النبي عليه الصلاة والسلام على نوعين:

    النوع الأول: مجلس يهذ فيه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هذاً، وكأن المقصود من ذلك خروج هذه الحروف من الشفتين، بحيث إن الإنسان يخرجها على أي نسق وعلى أي وجه تخرج إلى المسامع، فيغفل الغافل ويتكلم المتكلم من غير تدبرٍ ومن غير نظر إلى مواضع الكلام ومعانيه، فهذا من الأمور التي ينهى عنها؛ وذلك لما يتعارض مع الإجلال والمقصد الذي أنزلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    النوع الثاني: مجلس فيه تلاوة السنة مع شيء من التدبر والتأمل وفهم معانيها، فهذا من أعظم العبادات والقربات عند الله سبحانه وتعالى، والسنة موصوفة بالتلاوة كالقرآن، وجاء ذلك عن غير واحدٍ من العلماء كما نص عليه الإمام الشافعي رحمه الله وابن حزم الأندلسي وغيرهم من العلماء، أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام موصوفة بالتلاوة، وإذا كان الإنسان يتعبد لله عز وجل بقراءة القرآن والنظر فيه وهو أشرف مقاماً وأعلى منزلة وأعظم أجراً عند الله عز وجل لمن تلاه، فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم من جهة العمل بها تكون تبعاً للقرآن، فإذا جاء التفاضل بينهما فالسنة تكون في المفضول من باب أولى.

    ومعلوم أن القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، وصفة من صفاته، والسنة وحي الله، ووحي الله جل وعلا يدخل فيه الكتاب ويدخل فيه السنة، والسنة نزل بها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نزل بالقرآن، كما قال ذلك غير واحدٍ من العلماء، بل هو ظاهر القرآن كما في قول الله جل وعلا: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    تنوع الفوائد عند دراسة السنة النبوية وتعدد الأجور في ذلك

    ومن المهمات أيضاً: أن الإنسان في نظره وتدبره لهذه الأحاديث يفتح له ما يفتح من الأجور، ويفتح له من استنباط المعاني واستخراجها، فإن السنة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عقود وجواهر منثورة، ولكن لها نظم، وهذا النظم إذا ضبطه الإنسان فقد أحكم ضبط الشريعة، والشريعة المنثورة ليس للإنسان أن يأخذها كيفما اتفق، فثمة عام وخاص ومطلق ومقيد، وثمة ناسخ ومنسوخ، وثمة ما هو مراتب من جهة الوجوب، ينبغي للإنسان أن يعرف هذا الانتظام حتى يسلم له العقد.

    ولهذا نقول: إن القرآن الذي بين أيدينا والسنة التي بين أيدينا هي موجودة عند أهل البدع، ولكنهم ضلوا، وهذا الضلال إنما هو بعدم ضبط ذلك العقد على وجهه الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، فأخذوا العمومات على إطلاقها، وربما أخذوا التخصيص وأبطلوا ما عداه، وأخذوا التقييد الذي جاء على وجهه، وجعلوا هذا الوجه هو الفرد في هذا الباب وألغوا ما عداه، فوقعوا في شيء من البدع والضلال.

    ولهذا نقول: إن الإنسان في نظره للسنة يعرف نظامها ونسقها وإحكامها، فالله سبحانه وتعالى أنزل كتابه وأحكمه على نوعين: النوع الأول: من جهة ترتيبه وانتظامه الموضعي. وأما النوع الثاني فهو: من جهة معانيه، فالله سبحانه وتعالى أحكمها، وإحكامها يعرف بالنظر إلى هذه المعاني وجمعها من كلام الله سبحانه وتعالى؛ فيجد الإنسان أن المعنى في ذلك متحد؛ ولهذا يحرص الإنسان في نظره في سنة النبي عليه الصلاة والسلام على الجمع بين المتفرقات، والتفريق بين المجتمعات، وكذلك التأليف بين النصوص المتشابهة، وكذلك ينظر فيما يمر عليه من الأحاديث مما يستنبطه، ويعرضه على باقي النصوص في ذلك، وكذلك عليه معرفة الصحيح من الضعيف.

    فالإنسان الذي يعرف حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام ضعيفا ًويبين ضعفه، فهو بذلك يكون قد نقى شيئا ًمنسوباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنه قد أزال قذىً على ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الوحي أعظم من أن ينسب شيء من الباطل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقله؛ ولهذا يحتسب الإنسان في هذه النظرات وهذه اللحظات أن الله عز وجل يعطيه نظارة لقلبه ووجهه، وكذلك نظارة له عنده سبحانه وتعالى بالفلاح والنجاة الفوز عند الله سبحانه وتعالى في مستقر رحمته.

    الإخلاص لله سبحانه وتعالى عند تعلم سنة نبيه الكريم

    وثمة أمر يجب التنبيه له وهو ما يتعلق بالنية والأعمال القلبية، فإن من الأمور المهمة: التنبيه على الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وخاصة في أعظم سبيل يوصل إلى الله، وهو حبله الذي قال الله جل وعلا: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا [آل عمران:103]، فحبل الله كتابه وعهده وميثاقه، كما قال ذلك عبد الله بن مسعود وغيره من المفسرين.

    ولهذا إذا لم يخلص الإنسان في أعظم شيء امتن الله عز وجل به على هذه الأمة، فإنه قد ضيع الأمانة وخاب في سعيه، فكان عقابه عند الله عز وجل شديداً؛ ولهذا بيّن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة في أول الثلاثة الذين تسعر بهم النار، وذكر منهم النبي عليه الصلاة والسلام: العالم والقارئ الذي تعلم العلم وقرأ القرآن ليقال: قارئ، ثم يؤمر به فيسحب ويلقى في النار.

    هذا إشارة على خطورة مثل هذا الأمر؛ لأنك أتيت إلى شيء وتمعنت فيه وأولى أن تتبعه، فنكصت عنه على عقبيك فكنت أحوج إلى العقوبة ممن كان بعيداً؛ لأنك خبرت الوحي فنظرت فيه، وتأملت وتدبرت معانيه، ثم أعرضت عما فيه، فأنت به أبصر، وأشد إعراضاً؛ فالعقوبة عليك أعظم؛ ولهذا ثمة قاعدة وهي مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى: أن الإنسان كلما كان بالحق أبصر ثم تركه كانت العقوبة عليه أشد؛ ولو استوى مع غيره من جهة العمل في الظاهر، فالله سبحانه وتعالى يعامل الإنسان بباطنه، ويعامله أيضاً بظاهره، فالله سبحانه وتعالى يؤاخذ الإنسان بما ظهر وبما بطن من أمره علماً ومعرفة وإدراكاً.

    ولهذا أوصي إخواني بالإخلاص لله سبحانه وتعالى، والتجرد من أي شائبة تقع في القلب من الهوى والسمعة والرياء والعجب وغير ذلك، فهذه من أعظم مداخل الشيطان التي تحرف الإنسان من الثواب العظيم إلى العقاب العظيم، وما يرجو الإنسان من مدح الناس وثنائهم عليه في مقابل ذم الله واحتقاره وازدرائه له، وما يفعل الإنسان بازدراء الناس وسبهم وشتمهم له إذا كان الله عز وجل قد رضي عنه وأحبه؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يطلب ما عند الله، وكلما كان الإنسان صادقاً مع الله في قلبه، ومتوكلاً عليه سبحانه وتعالى في قوله وفعله، فإن الله عز وجل يكون له أكثر تسديداً ومحبة وولاية وكفاية.

    ولهذا الوصية بالمراجعة في الأمور القلبية قدر الوسع والإمكان، وتصحيح شوائب النية التي لا يخلو منها إنسان، وذلك لحرص الشيطان أن يهجم على قلب الإنسان من أول ثغرة يوجد له مدخل فيه، فيقوم بحرف نية الإنسان؛ لهذا يجدد الإنسان نيته بالاستغفار والتوبة والتوكل على الله، وعمل شيء من عمل السر مما يفعله علانية ليطهر ويزكي عمل العلانية، فإن ذلك أزكى وأقوم له عند الله سبحانه وتعالى.

    التعريف بأبي داود وبكتابه السنن

    وفي هذه المجالس نبدأ بإذن الله عز وجل بالقراءة والتعليق على سنن أبي داود ، وكتاب السنن لـأبي داود عليه رحمة الله هو كتاب من أطهر وأشرف وأشمل كتب السنة، جمع فيه المصنف رحمه الله أحكام الدين مما يتعلق بالأصول والفروع وغير ذلك، وما يتعلق بالفتن والملاحم وغيرها مما يكون من أمور الأخبار.

    مصنف هذا الكتاب هو إمام جليل علم معروف مشتهر عند أهل العلم، وعند العامة أيضاً، وهو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عامر الأزدي السجستاني، وهو من أئمة السنة، عاش عمره كله في القرن الثالث فولد في عام مائتين واثنين، وتوفي في عام مائتين وخمسة وسبعون، وتتلمذ على الأئمة من أهل الدراية والمعرفة من أئمة النقد كالإمام أحمد عليه رحمة الله، واختص بالأخذ عنه أيضاً، ونفسه في العلل قريب من نفس الإمام أحمد عليه رحمة الله، وهو من الأئمة البصيرين بالرجال ومعرفة المتون، ومعرفة الأحكام، فهو إمام في الفقه وإمام في التفسير، وإمام في العلل والنقد، وإمام في معرفة الرجال وبلدانهم؛ وذلك لارتحاله، فإنه ارتحل إلى بلدان الإسلام، وأخص ذلك معاقل الوحي ومواضعه ومنازله: مكة والمدينة، وارتحل أيضاً إلى العراق والشام، وارتحل إلى خراسان وغيرها من بلدان الإسلام، وأخذ عن شيوخها، وتتلمذ على حفاظها، وتتلمذ عليه أيضاً جملة من الحفاظ، فقد أخذ عنه الإمام الترمذي رحمه الله و النسائي جملة من الأحاديث ورووا عنه، وله جلالة عند أهل زمنه، وأُخذت أقواله في أبواب الرجال كما في سؤالات الآجري له، وله مصنفات عديدة أشهرها هذه السنن، وهو الذي سنقوم بقراءته، وكذلك التعليق عليه في عدة مجالس بإذن الله تعالى، وهو أشهر مصنفاته.

    وقد امتاز هذا الكتاب بأنه جامع لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام الدين، واعتبر المصنف بأحكام الدين المعنى العام الشامل للأصول والفروع، وما يتعلق كذلك بأشراط الساعة وأمور الأخبار، وفضائل الرجال والبلدان والأعمال وغير ذلك، فهذه من الخصائص التي امتاز بها هذا الكتاب.

    كذلك علو إسناده بالنسبة للزمن الذي عاش فيه المصنف رحمه الله، وكذلك عنايته المصنف في أبواب العلل، فنفسه يظهر في التعليل كثيراً عقب الأحاديث، ومن جمع أقوال المصنف وآرائه التي يذكرها، وفي إيراد الطرق في غيرها، ككتابه المراسيل، وكذلك فيما يتكلم به في الرجال سواء ما ينقله الآجري عنه أو غيره من الأئمة، فنجد أن هذا الإمام هو إمام جليل يصاف أو يقارب الأئمة الكبار كـأحمد وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم، وإن كان دونهم من جهة التفرغ للكلام في هذا الباب، فلهم أبواب في التصنيف في هذا الباب، إلا أنه دوّن شيئاً من ذلك في بعض المصنفات، ككتاب التفرد له.

    وأعظم كتابين لهذا الإمام هو كتاب السنن، والثاني: كتاب المراسيل، ومنهم من يلحقه في آخر السنن، ومنهم من يجعله مفرداً، فالدمج بين هذين الكتابين لمعرفة نفس المؤلف -رحمه الله- من الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعرفها، فربما أخرج في كتابه الحديث مسنداً، وأخرجه مرسلاً في كتابه المراسيل، وكأنه يريد بذلك إعلال المتصل الموصول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمرسل، وكذلك فإن نفسه في الكلام على الرواة ظاهر كما في كتابه السنن هنا.

    وهذا الكتاب كغيره من كتب السنن له روايات متعددة، وحدث به المصنف رحمه الله في مجالس، وأخذ عنه جماعة من الرواة.

    رواة كتاب سنن أبي داود

    كان لـأبي داود جملة من الرواة الذين رووا كتاب السنن عنه، ومن هؤلاء الرواة: أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن داسة وهو آخر من عرض عليه كتابه السنن، ونسخته وروايته هي أشمل وأوسع هذه الروايات، وكذلك منها رواية اللؤلؤي عليه رحمة الله، ورواية الأعرابي، ورواية الرملي، ورواية أبي الحسن بن العبد ، فهذه الروايات هي أشهر الروايات وعليها المدار عند المتأخرين ممن صنف في هذا الباب ودون في كتاب الأطراف.

    وثمة أحاديث لـأبي داود رحمه الله في كتابه السنن ليست في شيء من الروايات، وربما تكون في روايات مفقودة، وقد عرفت قديماً، وحفظت وضبطت هذه الأحاديث، وهذه الأحاديث ليست موجودة في شيء من المطبوع فيما بين أيدينا من نسخ السنن، ولكنها موجودة هنا وهناك، وسنبين هذه الأحاديث بإذن الله عز وجل في موضعها، وسنذكرها للإخوة بإذن الله تعالى؛ ولهذا نجد في بعض المصنفات ممن ينسب أحاديث لـأبي داود وهي ليست في السنن، فلا يستعجل بنفيها عن السنن؛ لأنها ربما تكون في رواية من الروايات المندثرة، ولكن هذه الأحاديث هي أحاديث قليلة.

    ميزة التعليل للأحاديث عند أبي داود

    ومن ميزة كتاب السنن لـأبي داود أنه يعل الأحاديث بشيء من النفس، ويغلب عليه جانب الإعلال بالتفرد في اختصاص البلدان؛ ولهذا كثيراً ما يقول: هذا حديث خراساني، وهذا حديث عراقي، وهذا حديث بصري.. وغير ذلك، وأبو داود رحمه الله بصير بحديث العراقيين، وخاصة البغداديين والبصريين؛ وذلك لطول إقامته في هذين البلدين، فأطال فيهما البقاء متأخراً، فكان بصيرا ًبأحاديث أهل البلد؛ ولهذا يعل كثيراً بذلك.

    ولهذا ينبغي أن نعلم أن كلام العلماء عليهم رحمة الله على حديث من الأحاديث: أن هذا الحديث تفرد به البلد كذا.. والبلد كذا، أنه ليس وصفاً مجرداً ليس له مغزى، بل إنه يريد بذلك الإعلال، فـأبو داود رحمه الله مع بصره بأحاديث العراقيين بصير بأحاديث الخراسانيين، وبصير بحديث المدنيين والمكيين؛ ولهذا نجد أن له عناية ومعرفة بفقه الأئمة، فقه مالك و الشافعي و الثوري والإمام أحمد عليهم رحمة الله، وبصير بذلك، وهو لقربه للعراق على معرفة بفقه أهل الرأي.

    مذهب أبي داود الفقهي

    تنازع الأئمة في مذهب أبي داود الفقهي الذي يميل إليه: هل هو يميل إلى الشافعي أكثر مما يميل إلى الإمام أحمد عليه رحمة الله؟

    أبو داود بصير بالمذهبين، بصير بأقوال أحمد وبصير بأقوال الشافعي ، إلا أنه بأقوال الإمام أحمد أبصر، ويتنازعه أتباع هذه المذاهب، الحنابلة يقولون: إنه يميل إلى مذهب الإمام أحمد ، والشافعية يقولون: يميل إلى مذهب الإمام الشافعي رحمه الله؛ ولهذا نجد أن البيهقي اهتم بسنن أبي داود اهتماماً بالغاً، فأتى البيهقي رحمه الله في كتابه السنن فنثر فيه سنن أبي داود من رواية أبي بكر بن داسة ؛ ولهذا إذا أخرجنا الأحاديث التي يذكرها البيهقي في كتابه السنن فإننا نكون قد أخرجنا منها سنن أبي داود وغيرها من بقية السنن، فإن ما يتفرد به البيهقي عليه رحمة الله شيء ليس بالأكثر مما أخرج منه، فإنه يخرج بوسائط.

    فأولاً: فقه أبي داود رحمه الله يبين بترتيبه للأحاديث.

    وثانياً: يبين فقهه بتراجمه على الأبواب، فله تراجم نفيسة وهي بيان لآرائه.

    وثالثاً: بترتيبه للأبواب، فتارة يقدم الباب العام، ثم يورد الباب الخاص في ذلك.

    ورابعاً: ببيان العلل، فإنه ربما يعل حديثاً من الأحاديث في باب، وكأنه يريد أن ينفي أن ثمة شيئاً في هذا الباب صحيح.

    شرط أبي داود في كتابه السنن وما سكت عنه

    أبو داود رحمه الله لم يشترط الصحة في كتابه السنن، وإنما اشترط المعنى العام وهو الاحتجاج، ولكن قد يخرج الحديث الضعيف، وقد بيّن هذا في رسالته إلى أهل مكة، فقال: فما كان فيه وهن شديد بينته، وهذا يعني: أن ما كان فيه ضعف ليس بشديد فإنه ربما لا يبينه.

    إذاً: أبو داود لا يلتزم ببيان الحديث الذي فيه وهن أو ضعف ولكنه ليس بشديد؛ ولهذا نقول: إنما سكت عنه أبو داود ولم يبينه فالأصل أنه ليس بشديد الضعف، ولكنه قد يكون ضعيفاً؛ ولهذا التزم أبو داود كما في كتابه الرسالة: أن السنة التي تأتي عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يذكرها في كتابه السنن فليعلم أن هذا الحديث متروك، وهذا بحسب ما وقف عليه أبو داود ، فالإحاطة والكمال في ذلك ليس لأحد.

    ولهذا نقول: إن الأحاديث التي يسكت عنها أبو داود عليه رحمة الله ينبغي أن ننظر إليها من جهات:

    الجهة الأولى: أن نتتبع الروايات التي جاءت عن أبي داود، فننظر فربما ذكر عنه حكم في رواية ولم يذكر في الرواية الأخرى، فنظن أنه سكت عنه.

    الجهة الثانية: أن ينظر في طريقة أبي داود رحمه الله في ترتيبه، فربما أورد حديثاً وهو يريد بذلك إعلاله.

    الجهة الثالثة: أن العلة ربما تكون ظاهرة بينة فيدعها كعلة الإرسال فإنها من العلل الظاهرة التي لا تقوم همم أئمة النقد على بيانها لظهورها بالنسبة لهم، وكذلك من درج على الأخذ عنهم.

    وما سكت عنه أبو داود فهو صالح، معنى كلمة (صالح) عند أبي داود: أنه داخل تحت دائرة الاحتجاج إما بنفسه أو بغيره، فهو إما أن يكون صالحاً بنفسه أو صالحاً بغيره، ولكنه لا يكون عند أبي داود ليس بصالح بنفسه ولا بغيره، وهو الحديث الموضوع والمطروح.

    منزلة سنن أبي داود بين كتب السنة

    أما منزلة كتاب سنن أبي داود و أبو داود رحمه الله من جهة منزلته هناك من الأئمة من يقدمه على السنن الأربعة، ويجعله في الصدارة بعد الصحيحين، ولكن نقول: إن التفضيل بين السنن الأربعة من جميع الوجوه فيه نظر، إلا أن العلماء يتفقون على أن سنن ابن ماجه هي آخر السنن، وأما بالنسبة لبقية السنن وهي السنن الثلاثة: سنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي ، فثمة اعتبارات مختلفة في ذلك:

    فمن جهة الفقهيات والنقول عن الأئمة: فإن نفس الترمذي في تلك الجهة قوية بحيث لا يقدم عليه أحد. ومن جهة النظر إلى نقاوة الرجال وجلالة الطبقة: فإننا ننظر إلى أبي داود رحمه الله، فإن أبا داود هو شيخ الترمذي و النسائي ، وهو المصدر المتقدم في هذا الباب.

    وكذلك فإن طبقة شيوخه بمجموعهم أقوى وأتم وأحذق وأبصر مع اشتراكهم ببعض الأئمة في هذا الباب. ومن جهة العلل والنفس والتوسع والدقة في هذا الباب؛ فإننا نجد أن النسائي رحمه الله وخاصة في سننه الكبرى له نفس في هذا لا يدانيه في ذلك أحد، وهو في شرطه آكد من جهة الرجال.

    وكذلك بالنسبة لإيراد الموقوفات والمرفوعات: فإن الترمذي له عناية في هذا الباب في إيراد ما في الباب بخلاف غيره، فإنهم يوردون ذلك تبعاً.

    والكلام على سنن أبي داود وبعض فضائله ومناقبه، ومناهجه ترد علينا بإذن الله عز وجل في أثناء قراءة هذا الكتاب.

    والحمد لله رب العالمين.