إسلام ويب

أبواب الزهد [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدنيا هي دار البلاء وما أشده! ودار الكد وما أضناه! ودار الصبر وما أمره! هي سجن للمؤمن وجنة للكافر، خداعة مكارة، كم تزينت فأضلت، وكم من أمم أقلت، فتركوها وذهبوا، ولو دامت لهم لما وصلت إلينا، من عرف حقيقتها سلم، ومن زهد فيها نجا، وليت امرؤ وهبت له أن يضعها في يده، وأن يجعل آخرته في قلبه، فلا يجمع بين ضرتين، ولا يؤلف بين مفترقين، ويكفيه منها نصيب يصيبه، وزاد يتزوده؛ ليصل به إلى دار البقاء وجنة الخلود.

    1.   

    باب الزهد في الدنيا

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    قال المصنف رحمه الله: [ أبواب الزهد.

    باب الزهد في الدنيا.

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا عمرو بن واقد القرشي قال: حدثنا يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس الخولاني.. ].

    والملاحم كلها التي تكون في آخر الزمان كلها بعد زوال المادة والحضارة ويعود الناس إلى ما كانوا عليه في الصدر الأول, وذلك من المراكب والسلاح.

    قال: [ عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا في إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها، أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك ).

    قال هشام: كان أبو إدريس الخولاني يقول: مثل هذا الحديث في الأحاديث، كمثل الإبريز في الذهب.

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا الحكم بن هشام قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي فروة عن أبي خلاد، وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا رأيتم الرجل قد أعطي زهداً في الدنيا، وقلة منطق، فاقتربوا منه، فإنه يلقي الحكمة ).

    حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر قال: حدثنا شهاب بن عباد قال: حدثنا خالد بن عمرو القرشي عن سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي، قال: ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك ).

    حدثنا محمد بن الصباح قال: أنبأنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن سمرة بن سهم، رجل من قومه، قال: ( نزلت على أبي هاشم بن عتبة وهو طعين، فأتاه معاوية يعوده، فبكى أبو هاشم، فقال معاوية: ما يبكيك؟ أي خال، أوجع يشئزك، أم على الدنيا، فقد ذهب صفوها؟ قال: على كل، لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهداً، وددت أني كنت تبعته، قال: إنك لعلك تدرك أموالاً تقسم بين أقوام، وإنما يكفيك من ذلك خادم ومركب في سبيل الله، فأدركت فجمعت ).

    حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، قال: ( اشتكى سلمان، فعاده سعد، فرآه يبكي فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أليس، أليس؟ قال سلمان: ما أبكي واحدة من اثنتين، ما أبكي صباً للدنيا، ولا كراهية للآخرة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا عهداً، فما أراني إلا قد تعديت، قال: وما عهد إليك؟ قال: عهد إلينا أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب ولا أراني إلا قد تعديت، وأما أنت يا سعد، فاتق الله عند حكمك إذا حكمت، وعند قسمك إذا قسمت، وعند همك إذا هممت. قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهماً من نفيقة كانت عنده ) ].

    1.   

    باب الهم بالدنيا

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الهم بالدنيا.

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن عمر بن سليمان، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه قال: ( خرج زيد بن ثابت من عند مروان بنصف النهار، قلت: ما بعث إليه هذه الساعة إلا لشيء يسأل عنه، فسألته، فقال: سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ).

    حدثنا علي بن محمد والحسين بن عبد الرحمن، قالا: حدثنا عبد الله بن نمير عن معاوية النصري عن نهشل عن الضحاك عن الأسود بن يزيد، قال: قال عبد الله: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ( من جعل الهموم هما واحداً هم المعاد، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديته هلك ).

    حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: حدثنا عبد الله بن داود عن عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة، قال -ولا أعلمه إلا وقد رفعه- قال: ( يقول الله سبحانه: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل، ملأت صدرك شغلاً، ولم أسد فقرك ) ].

    1.   

    باب مثل الدنيا

    قال المصنف رحمه الله: [ باب مثل الدنيا.

    حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبي ومحمد بن بشر، قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت المستورد أخا بني فهر، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما مثل الدنيا في الآخرة، إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع ).

    حدثنا يحيى بن حكيم قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا المسعودي قال: أخبرني عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: ( اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم على حصير، فأثر في جلده، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! لو كنت آذنتنا ففرشنا لك شيئاً يقيك منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما أنا والدنيا، إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها ).

    حدثنا هشام بن عمار وإبراهيم بن المنذر الحزامي ومحمد بن الصباح، قالوا: قال: حدثنا أبو يحيى زكريا بن منظور قال: حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد، قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة، فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها، فقال: أترون هذه هينة على صاحبها؟ فوالذي نفسي بيده، للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها قطرة أبداً ).

    حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا حماد بن زيد عن مجالد بن سعيد الهمداني عن قيس بن أبي حازم الهمداني، قال: حدثنا المستورد بن شداد، قال: ( إني لفي الركب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتى على سخلة منبوذة، قال: فقال: أترون هذه هانت على أهلها؟ قال: قيل: يا رسول الله! من هوانها ألقوها، -أو كما قال- قال: فوالذي نفسي بيده، للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها ).

    حدثنا علي بن ميمون الرقي قال: حدثنا أبو خليد عتبة بن حماد الدمشقي عن ابن ثوبان عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة السلولي، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ( الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً ).

    حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ).

    حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا حماد بن زيد عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال: ( أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي، فقال: يا عبد الله، كن في الدنيا كأنك غريب، أو كأنك عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور ) ].

    1.   

    باب من لا يؤبه له

    قال المصنف رحمه الله: [ باب من لا يؤبه له.

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز عن زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا أخبرك عن ملوك الجنة؟ قلت: بلى، قال: رجل ضعيف مستضعف، ذو طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره ).

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان عن معبد بن خالد، قال: سمعت حارثة بن وهب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر ).

    حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله عن إبراهيم بن مرة عن أيوب بن سليمان عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أغبط الناس عندي، مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، غامض في الناس، لا يؤبه له، كان رزقه كفافاً وصبر عليه، عجلت منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه ).

    حدثنا كثير بن عبيد الحمصي قال: حدثنا أيوب بن سويد عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن أبي أمامة الحارثي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( البذاذة من الإيمان )، قال: البذاذة: القشافة، يعني: التقشف.

    حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن سليم عن ابن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: خياركم الذين إذا رؤوا، ذكر الله عز وجل ) ].

    1.   

    باب فضل الفقر

    1.   

    باب منزلة الفقراء

    قال المصنف رحمه الله: [ باب منزلة الفقراء.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، خمسمائة عام ) ].

    وليس المراد بذلك هو التخفف من الدنيا هو الذي عجل بهم لدخول الجنة، ولكن المراد بذلك هي تبعة المال؛ لأن المال ترف، وغنى، وكبر يورث الإنسان, فيحمله إلى الكبر على الحق والعلو عليه، وكذلك الظلم والبغي، والفقير هو متجرد من ذلك كله، وهو أقرب إلى التواضع وعدم الترف؛ ولهذا يغلب سوء الرأي والهوى في المترفين، ويظهر الحق عند الضعفاء وهم أغلب أهل الجنة، وأما بالنسبة لأهل النار فهم المتكبرون والجواظون.

    قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا بكر بن عبد الرحمن قال: حدثنا عيسى بن المختار عن محمد بن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله عليه وسلم قال: ( إن فقراء المسلمين أو المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار خمسمائة سنة ).

    حدثنا إسحاق بن منصور قال: أخبرنا أبو غسان بهلول قال: حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، قال: ( اشتكى فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فضل الله به عليهم أغنياءهم، فقال: يا معشر الفقراء! ألا أبشركم، إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، خمسمائة عام, ثم تلا موسى هذه الآية: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] ) ].

    1.   

    باب مجالسة الفقراء

    قال المصنف رحمه الله: [ باب مجالسة الفقراء.

    حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم التيمي أبو يحيى قال: حدثنا إبراهيم أبو إسحاق المخزومي عن المقبري عن أبي هريرة، قال: ( كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه: أبا المساكين ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعبد الله بن سعيد، قالا: حدثنا أبو خالد الأحمر عن يزيد بن سنان عن أبو المبارك عن عطاء عن أبي سعيد الخدري، قال: ( أحبوا المساكين، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين ).

    حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي قال: حدثنا أسباط بن نصر عن السدي ].

    أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان هذا لم يخرج له إلا ابن ماجه من رواته من الكتب الستة، تفرد بإخراجه وهو ثقة.

    قال: [ عن أبي سعد الأزدي -وكان قارئ الأزد- عن أبي الكنود عن خباب ( في قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52], إلى قوله: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52], قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم، فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً، تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بصحيفة، ودعا عليا ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل عليه السلام فقال: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52], ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، فقال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام:53], ثم قال: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54], قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف:28], ولا تجالس الأشراف, تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا [الكهف:28], يعني: عيينة والأقرع، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28], قال: هلاكاً. قال: أمر عيينة والأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم، قمنا وتركناه حتى يقوم ).

    حدثنا يحيى بن حكيم قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا قيس بن الربيع عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد قال: ( نزلت هذه الآية فينا ستة: في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال. قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعاً لهم، فاطردهم عنك، قال: فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فأنزل الله عز وجل: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52], الآية ) ].

    1.   

    باب في المكثرين

    قال المصنف رحمه الله: [ باب في المكثرين.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: حدثنا بكر بن عبد الرحمن قال: حدثنا عيسى بن المختار عن محمد بن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ( ويل للمكثرين، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا وهكذا, أربع: عن يمينه، وعن شماله، ومن قدامه، ومن ورائه ).

    حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري قال: حدثنا النضر بن محمد قال: حدثنا عكرمة بن عمار قال: حدثني أبو زميل -هو: سماك- عن مالك بن مرثد الحنفي عن أبيه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، وكسبه من طيب ).

    حدثنا يحيى بن حكيم قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الأكثرون هم الأسفلون، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا, ثلاثاً ).

    حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما أحب أن أحداً عندي ذهباً، فتأتي علي ثالثة وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده في قضاء دين ).

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا صدقة بن خالد قال: حدثنا يزيد بن أبي مريم عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم عن عمرو بن غيلان الثقفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم من آمن بي وصدقني، وعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك، فأقلل ماله وولده، وحبب إليه لقاءك، وعجل له القضاء، ومن لم يؤمن بي ولم يصدقني، ولم يعلم أن ما جئت به الحق من عندك، فأكثر ماله وولده، وأطل عمره ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عفان قال: حدثنا غسان بن برزين (ح)، وحدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي قال: حدثنا غسان بن برزين قال: حدثنا سيار بن سلامة عن البراء السليطي عن نقادة الأسدي، قال: ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل يستمنحه ناقة، فرده، ثم بعثني إلى رجل آخر فأرسل إليه بناقة، فلما أبصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك فيها، وفيمن بعث بها, قال نقادة: فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وفيمن جاء بها! قال: وفيمن جاء بها, ثم أمر بها فحلبت فدرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أكثر مال فلان - للمانع الأول - واجعل رزق فلان يوماً بيوم, للذي بعث بالناقة ).

    حدثنا الحسن بن حماد قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يف ).

    حدثنا يعقوب بن حميد قال: حدثنا إسحاق بن سعيد عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ) ].

    1.   

    باب القناعة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب القناعة.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس ).

    حدثنا محمد بن رمح قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر و حميد بن هانئ الخولاني أنهما سمعا أبا عبد الرحمن الحبلي يخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( قد أفلح من هدي إلى الإسلام، ورزق الكفاف، وقنع به ).

    حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً ).

    حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبي ويعلى عن إسماعيل بن أبي خالد عن نفيع عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أتي من الدنيا قوتاً ).

    حدثنا سويد بن سعيد ومجاهد بن موسى، قالا: حدثنا مروان بن معاوية قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي شميلة عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أصبح منكم معافى في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا ).

    حدثنا أبو بكر قال: حدثنا وكيع وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله ). قال أبو معاوية: ( عليكم ) ].

    فإن الإنسان إذا نظر إلى من دونه شكر، وإذا نظر إلى من فوقه كفر، وهذا غالباً.

    قال: [حدثنا أحمد بن سنان قال: حدثنا كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر بن برقان قال: حدثنا يزيد بن الأصم

    عن أبي هريرة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم ) ].

    1.   

    باب معيشة آل محمد صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله: [ باب معيشة آل محمد صلى الله عليه وسلم.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: ( إن كنا، آل محمد صلى الله عليه وسلم لنمكث شهراً ما نوقد فيه بنار، ما هو إلا التمر والماء، إلا أن ابن نمير قال: نلبث شهراً ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة، قالت: ( لقد كان يأتي على آل محمد صلى الله عليه وسلم الشهر ما يرى في البيت من بيوته الدخان. قلت: فما كان طعامهم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء، غير أنه كان لنا جيران من الأنصار جيران صدق، وكانت لهم ربائب، فكانوا يبعثون إليه ألبانها. قال محمد: وكانوا تسعة أبيات ).

    حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا بشر بن عمر قال: حدثنا شعبة عن سماك عن النعمان بن بشير، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتوي، في اليوم من الجوع، ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه ).

    حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا الحسن بن موسى قال: حدثنا شيبان عن قتادة عن أنس بن مالك، قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مراراً: والذي نفس محمد بيده، ما أصبح عند آل محمد صاع حب ولا صاع تمر, وإن له يومئذ لتسع نسوة ).

    حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أصبح في آل محمد إلا مد من طعام ), أو: ( ما أصبح في آل محمد مد من طعام ).

    حدثنا نصر بن علي قال: أخبرني أبي عن شعبة عن عبد الأكرم -رجل من أهل الكوفة- عن أبيه عن سليمان بن صرد، قال: ( أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكثنا ثلاث ليال لا نقدر - أو لا يقدر- على طعام ).

    حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: ( أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بطعام سخن، فأكل، فلما فرغ قال: الحمد لله، ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا ) ].

    1.   

    باب ضجاع آل محمد صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ضجاع آل محمد صلى الله عليه وسلم.

    حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا عبد الله بن نمير وأبو خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ( كان ضجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أدماً، حشوه ليف ).

    حدثنا واصل بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن أبيه عن علي: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى علياً وفاطمة، وهما في خميل لهما -والخميل: القطيفة البيضاء من الصوف- قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جهزهما بها، ووسادة محشوة إذخراً، وقربة ).

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا عكرمة بن عمار قال: حدثني سماك الحنفي أبو زميل قال: حدثني عبد الله بن العباس قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: ( دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على حصير، قال: فجلست، فإذا عليه إزار، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقرظ في ناحية في الغرفة، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناي، فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ فقلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذلك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته، وهذه خزانتك، قال: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى ).

    حدثنا محمد بن طريف وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب، قالا: حدثنا محمد بن فضيل عن مجالد عن عامر عن الحارث عن علي، قال: ( أهديت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي، فما كان فراشنا ليلة أهديت إلا مسك كبش ) ].

    1.   

    باب معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله: [ باب معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وأبو كريب، قالا: حدثنا أبو أسامة عن زائدة عن الأعمش عن شقيق عن أبي مسعود، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالصدقة، فينطلق أحدنا يتحامل حتى يجيء بالمد، وإن لأحدهم اليوم مائة ألف ). قال شقيق: كأنه يعرض بنفسه.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن أبي نعامة، سمعه من خالد بن عمير، قال: ( خطبنا عتبة بن غزوان على المنبر فقال: لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام نأكله إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا غندر عن شعبة عن عباس الجريري، قال: سمعت أبا عثمان يحدث عن أبي هريرة ( أنهم أصابهم جوع وهم سبعة، قال: فأعطاني النبي صلى الله عليه وسلم سبع تمرات، لكل إنسان تمرة ).

    حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزبير بن العوام عن أبيه، قال: ( لما نزلت: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8], قال الزبير: وأي نعيم نسأل عنه وإنما هو الأسودان التمر والماء، قال: أما إنه سيكون ).

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله، قال: ( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلاث مئة، نحمل أزوادنا على رقابنا، ففني أزوادنا حتى كان يكون للرجل منا تمرة. فقيل: يا أبا عبد الله، وأين تقع التمرة من الرجل؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فقدناها، وأتينا البحر فإذا نحن بحوت قد قذفه البحر، فأكلنا منه ثمانية عشر يوماً ) ].

    1.   

    باب في البناء والخراب

    قال المصنف رحمه الله: [ باب في البناء والخراب.

    حدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي السفر عن عبد الله بن عمرو، قال: ( مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصاً لنا، فقال: ما هذا؟ فقلت: خص لنا وهى، ونحن نصلحه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك ).

    حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة قال: حدثني إسحاق بن أبي طلحة عن أنس، قال: ( مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبة على باب رجل من الأنصار، فقال: ما هذه؟ قالوا: قبة بناها فلان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مال يكون هكذا، فهو وبال على صاحبه يوم القيامة, فبلغ الأنصاري ذلك، فوضعها، فمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد، فلم يرها، فسأل عنها، فأخبر أنه وضعها لما بلغه عنه، فقال: يرحمه الله، يرحمه الله ).

    حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه سعيد عن ابن عمر، قال: ( لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيت بيتاً، يكنني من المطر ويكنني من الشمس، ما أعانني عليه خلق لله تعالى ).

    حدثنا إسماعيل بن موسى قال: حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، قال: ( أتينا خباباً نعوده فقال: لقد طال سقمي، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تتمنوا الموت لتمنيته، وقال: إن العبد ليؤجر في نفقته كلها إلا في التراب، أو قال: في البناء ) ].

    1.   

    باب التوكل واليقين

    قال المصنف رحمه الله: [ باب التوكل واليقين.

    حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن أبي تميم الجيشاني، قال: سمعت عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سلام أبي شرحبيل عن حبة وسواء ابني خالد، قالا: ( دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج شيئاً، فأعناه عليه، فقال: لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر، ليس عليه قشر، ثم يرزقه الله عز وجل ).

    حدثنا إسحاق بن منصور قال: أخبرنا أبو شعيب صالح بن رزيق العطار قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن من قلب ابن آدم بكل واد شعبة، فمن أتبع قلبه الشعب كلها لم يبال الله بأي واد أهلكه، ومن توكل على الله كفاه الشعب ).

    حدثنا محمد بن طريف قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن الظن بالله ).

    حدثنا محمد بن الصباح قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك ولا تعجز، فإن غلبك أمر، فقل: قدر الله، وما شاء فعل، وإياك واللو، فإن اللو تفتح عمل الشيطان ) ].

    1.   

    باب الحكمة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الحكمة.

    حدثنا عبد الرحمن بن عبد الوهاب قال: حدثنا عبد الله بن نمير عن إبراهيم بن الفضل عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجدها، فهو أحق بها ).

    حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري قال: حدثنا صفوان بن عيسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ).

    حدثنا محمد بن زياد قال: حدثنا الفضيل بن سليمان قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم قال: حدثني عثمان بن جبير مولى أبي أيوب عن أبي أيوب، قال: ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! علمني وأوجز. قال: إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع, ولا تكلم بكلام تعتذر منه، وأجمع اليأس عما في أيدي الناس ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا الحسن بن موسى عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مثل الذي يجلس يسمع الحكمة، ثم لا يحدث عن صاحبه إلا بشر ما يسمع؛ كمثل رجل أتى راعياً، فقال: يا راعي! أجزرني شاة من غنمك. قال: اذهب فخذ بأذن خيرها، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم ).

    قال أبو الحسن بن سلمة: حدثناه إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا موسى قال: حدثنا حماد، فذكر نحوه، وقال فيه: ( بأذن خيرها شاة ) ].

    1.   

    باب البراءة من الكبر والتواضع

    قال المصنف رحمه الله: [ باب البراءة من الكبر والتواضع.

    حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر (ح)، وحدثنا علي بن ميمون الرقي قال: حدثنا سعيد بن مسلمة، جميعاً عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ).

    حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يقول الله سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من ينازعني واحداً منهما، ألقيته في جهنم ).

    حدثنا عبد الله بن سعيد وهارون بن إسحاق، قالا: حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يقول الله سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار ).

    حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجاً حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من يتواضع لله درجة يرفعه الله به درجة، ومن يتكبر على الله درجة يضعه الله به درجة، حتى يجعله في أسفل السافلين ).

    حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا عبد الصمد و سلم بن قتيبة، قالا: حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن أنس بن مالك، قال: ( إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة في حاجتها ).

    حدثنا عمرو بن رافع قال: حدثنا جرير عن مسلم الأعور عن أنس بن مالك قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشيع الجنازة، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، وكان يوم قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر، على حمار مخطوم برسن من ليف، وتحته إكاف من ليف ).

    حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا علي بن الحسين بن واقد قال: حدثنا أبي عن مطر عن قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطبهم فقال: ( إن الله عز وجل أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد ) ].

    1.   

    باب الحياء

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الحياء.

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا شعبة عن قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة مولًى لـأنس بن مالك عن أبي سعيد الخدري، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من عذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً رئي ذلك في وجهه ).

    حدثنا إسماعيل بن عبد الله الرقي قال: حدثنا عيسى بن يونس عن معاوية بن يحيى عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء ).

    حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا سعيد بن محمد الوراق قال: حدثنا صالح بن حسان عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن لكل دين خلقاً، وإن خلق الإسلام الحياء ).

    حدثنا عمرو بن رافع قال: حدثنا جرير عن منصور عن ربعي بن حراش عن عقبة بن عمرو أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت ).

    حدثنا إسماعيل بن موسى قال: حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار ).

    حدثنا الحسن بن علي الخلال قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما كان الفحش في شيء قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه ) ].

    1.   

    باب الحلم

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الحلم.

    حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب عن أبي مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يخيره في أي الحور شاء ).

    حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا خالد بن دينار الشيباني عن عمارة العبدي حدثنا أبو سعيد الخدري، قال: ( كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتتكم وفود عبد القيس, وما يرى أحد، فبينا نحن كذلك إذ جاءوا، فنزلوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي الأشج العصري، فجاء بعد فنزل منزلاً فأناخ راحلته ووضع ثيابه جانباً، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أشج، إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم، والتؤدة. قال: يا رسول الله! أشيء جبلت عليه، أم شيء حدث لي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل شيء جبلت عليه ).

    حدثنا أبو إسحاق الهروي قال: حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري قال: حدثنا قرة بن خالد قال: حدثنا أبو جمرة عن ابن عباس، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأشج العصري: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والحياء ).

    حدثنا زيد بن أخزم قال: حدثنا بشر بن عمر قال: حدثنا حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من جرعة أعظم أجراً عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله ) ].

    1.   

    باب الحزن والبكاء

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الحزن والبكاء.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق العجلي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، إن السماء أطت وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ), والله لوددت أني كنت شجرة تعضد.

    حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا همام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ).

    حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن أبي فديك عن موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي حازم أن عامر بن عبد الله بن الزبير أخبره أن أباه أخبره: ( أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16] ) ].

    الإنسان إذا طال عليه الأمد بالشبهة قسى قلبه، وإذا طال عليه الأمد بالشهوة مل ورجع؛ ولهذا الشبهة كانت أكثر حباً لإبليس من الشهوة؛ وذلك أن الشهوة يتاب منها, وأما بالنسبة للشبهة فلا يتاب منها؛ لأن الإنسان يفعلها عن قناعة.

    قال: [ حدثنا بكر بن خلف قال: حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تكثروا الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب ).

    حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: ( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي, فقرأت عليه سورة النساء، حتى إذا بلغت: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41], فنظرت إليه، فإذا عيناه تدمعان ).

    حدثنا القاسم بن زكريا بن دينار قال: حدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا أبو رجاء الخراساني عن محمد بن مالك عن البراء، قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فجلس على شفير القبر، فبكى حتى بل الثرى، ثم قال: يا إخواني! لمثل هذا فأعدوا ).

    حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا أبو رافع عن ابن أبي مليكة عن عبد الرحمن بن السائب عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا ).

    حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي و إبراهيم بن المنذر قالا: حدثنا ابن أبي فديك قال: حدثني حماد بن أبي حميد الزرقي عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع، وإن كان مثل رأس الذباب من خشية الله، ثم تصيب شيئاً من حر وجهه، إلا حرمه الله على النار ) ].

    1.   

    باب التوقي على العمل

    قال المصنف رحمه الله: [ باب التوقي على العمل.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني عن عائشة، قالت: ( قلت: يا رسول الله! وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60], أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا، يا بنية أبي بكر!- أو: لا يا ابنة الصديق!- ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي، وهو يخاف ألا يتقبل منه ).

    حدثنا عثمان بن إسماعيل بن عمران الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني أبو عبد رب، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال كالوعاء، إذا طاب أسفله طاب أعلاه، وإذا فسد أسفله، فسد أعلاه ).

    حدثنا كثير بن عبيد الحمصي قال: حدثنا بقية عن ورقاء بن عمر قال: حدثنا عبد الله بن ذكوان أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن العبد إذا صلى في العلانية فأحسن، وصلى في السر فأحسن، قال الله عز وجل: هذا عبدي حقاً ) ].

    والنفاق هو الفارق بين عبادة العلانية وعبادة السر، فإذا زادت عبادة العلانية عن عبادة السر فإن هذا هو نسبة النفاق لدى الإنسان، وكل عمل يفعله الإنسان في العلانية ولا يفعله في السر فهذا ضرب من ضروب النفاق؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا كان يعمل شيئاً في العلانية فعليه أن يفعله في السر حتى يزكيه.

    ولهذا عظم الله عز وجل عبادة السر على عبادة العلانية ودمعة الخلوة على دمعة العلانية؛ لهذا جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ورجل ذكر الله خالياً ), والعبرة بذلك هي في الخلوة؛ ذلك أن الإنسان لا تخرج دمعته في خلوة إلا لعظمة الله في قلبه، لأنه لا يراه أحد؛ ولهذا دمعة واحدة في الخلوات أعظم عند الله عز وجل من سكب العبرات في الجلوات.

    قال: [حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن موسى، قالا: حدثنا شريك بن عبد الله عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قاربوا وسددوا, فإنه ليس أحد منكم ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ) ].

    1.   

    باب الرياء والسمعة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الرياء والسمعة.

    حدثنا أبو مروان العثماني قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري، فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك ).

    حدثنا محمد بن بشار وهارون بن عبد الله الحمال وإسحاق بن منصور، قالوا: قال: حدثنا محمد بن بكر البرساني قال: أخبرنا عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني أبي عن زياد بن ميناء عن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري- وكان من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك ).

    حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن أبي سعيد قال: ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال: قلنا: بلى. فقال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ).

    حدثنا محمد بن خلف العسقلاني قال: حدثنا رواد بن الجراح عن عامر بن عبد الله عن الحسن بن ذكوان عن عبادة بن نسي عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله، أما إني لست أقول: يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً، ولكن أعمالاً لغير الله، وشهوة خفية ) ].

    أعظم ما يعالج الرياء والشرك الأصغر هو أن يكثر الإنسان من عبادة السر ويغتنم الخلوة بالعبادة، فإذا كان وحده في سيارة أو في ظلمة أو في غرفة أو في سفر فليكثر من صلاة، أو استغفار, أو تسبيح وتهليل، وليغتنم قدر إمكانه مسارعاً بعبادة الخلوات؛ حتى يزكو لديه ما يفعله في العلانية.

    قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و أبو كريب، قالا: حدثنا بكر بن عبد الرحمن قال: حدثنا عيسى بن المختار عن محمد بن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من يسمع يسمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به ).

    حدثنا هارون بن إسحاق قال: حدثني محمد بن عبد الوهاب عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به ) ].

    1.   

    باب الحسد

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الحسد.

    حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبي ومحمد بن بشر، قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها ).

    حدثنا يحيى بن حكيم ومحمد بن عبد الله بن يزيد، قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ).

    حدثنا هارون بن عبد الله الحمال وأحمد بن الأزهر، قالا: حدثنا ابن أبي فديك عن عيسى بن أبي عيسى الحناط عن أبي الزناد عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة من النار ) ].

    1.   

    باب البغي

    قال المصنف رحمه الله: [ باب البغي.

    حدثنا الحسين بن الحسن المروزي قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك وابن علية عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم ).

    حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا صالح بن موسى عن معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أسرع الخير ثواباً البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة البغي وقطيعة الرحم ).

    حدثنا يعقوب بن حميد المدني قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن داود بن قيس عن أبي سعيد مولى بني عامر عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ).

    حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنا عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عز وجل أوحى إلي: أن تواضعوا، ولا يبغي بعضكم على بعض ) ].

    1.   

    باب الورع والتقوى

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الورع والتقوى.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا هاشم بن القاسم قال: حدثنا أبو عقيل قال: حدثنا عبد الله بن يزيد قال: حدثني ربيعة بن يزيد و عطية بن قيس عن عطية السعدي، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس ).

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثنا زيد بن واقد قال: حدثنا مغيث بن سمي عن عبد الله بن عمرو، قال: ( قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب، صدوق اللسان. قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد ).

    حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو معاوية عن أبي رجاء عن برد بن سنان عن مكحول عن واثلة بن الأسقع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا أبا هريرة، كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وأقل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب ).

    حدثنا عبد الله بن محمد بن رمح قال: حدثنا عبد الله بن وهب عن الماضي بن محمد عن علي بن سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق ).

    حدثنا محمد بن خلف العسقلاني قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا سلام بن أبي مطيع عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الحسب المال، والكرم التقوى ).

    حدثنا هشام بن عمار وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حدثنا المعتمر بن سليمان عن كهمس بن الحسن عن أبي السليل ضريب بن نقير عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني لأعرف كلمة - وقال عثمان: آية - لو أخذ الناس كلهم بها، لكفتهم, قالوا: يا رسول الله! أية آية؟ قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] ) ].

    1.   

    باب الثناء الحسن

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الثناء الحسن.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا نافع بن عمر الجمحي عن أمية بن صفوان عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه، قال: ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنباوة أو البناوة - قال: والنباوة: من الطائف - قال: يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار, قالوا: بم ذاك يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ، أنتم شهداء الله بعضكم على بعض ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن جامع بن شداد عن كلثوم الخزاعي قال: ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله! كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أني قد أحسنت، وإذا أسأت أني قد أسأت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قال جيرانك: إنك قد أحسنت, فقد أحسنت، وإذا قالوا: إنك قد أسأت، فقد أسأت ).

    حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: ( قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف لي أن أعلم إذا أحسنت ) ].

    ولهذا أعلم الناس بالشخص جاره, وأعظم ما يسأل عنه بالوصول إليه من جهة خلقه ودينه أن يسأل الجار؛ وذلك لقربه منه، فهو أعلم الناس بحاله، وحال أهله، ومدخله، ومخرجه، وأدبه، ودينه، وصلاته، وستره، وعفافه.

    قال: [ قال: أخبرنا معمر عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: ( قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سمعت جيرانك يقولون: أن قد أحسنت، فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت، فقد أسأت ).

    حدثنا محمد بن يحيى وزيد بن أخزم، قالا: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبو هلال قال: حدثنا عقبة بن أبي ثبيت عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أهل الجنة من ملأ أذنيه من ثناء الناس خيراً، وهو يسمع، وأهل النار من ملأ أذنيه من ثناء الناس شراً، وهو يسمع ).

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( قلت له: الرجل يعمل العمل لله، فيحبه الناس عليه! قال: ذلك عاجل بشرى المؤمن ).

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سعيد بن سنان أبو سنان الشيباني عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: ( قال رجل: يا رسول الله! إني أعمل العمل فيطلع عليه، فيعجبني؟ قال: لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية ) ].

    نقف على هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.