إسلام ويب

كيف نتعامل مع الفتن؟للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الابتلاء سنة من سنن الله في خلقه، يميز الله به الخبيث من الطيب، ومن الابتلاء الفتن التي تحدث، سواء كانت خاصة كفتنة الإنسان في نفسه وأهله، أو عامة كالفتنة في المال، والفتنة في الدين، فمن أراد النجاة منها فعليه بطريق محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مقدمة في الحديث عن الفتن

    إن الحمد لله, نحمده ونستعينه, ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    الحكمة من الفتن

    أيها الإخوة المسلمون! فإن من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى قد جعل هذا الدين بيناً واضحاً، وجعله محكماً، وجعل هذا الإحكام هو الأصل في هذه الشريعة، وجعل ثمة مناوءات ومناكفات لهذا الإحكام، وجعل الله سبحانه وتعالى ابتلاءات للإنسان في ماله وولده ودينه وكذلك نفسه، جعل الله جل وعلا هذه الابتلاءات تتنوع ويتقلب فيها الإنسان بين حين وآخر، وهذا ما يسمى بالفتن ابتلاءً واختباراً وامتحاناً من الله جل وعلا، وهي تتباين قوةً وكثرةً، وكذلك تتباين من جهة القلة والضعف، ومن جهة التكرار والتنوع.

    وهذا من حكم الله سبحانه وتعالى ليميز الله جل وعلا الخبيث من الطيب، ولكي يقوى عود الإنسان, ويصلب قلبه؛ وذلك -كما لا يخفى- لأن الإنسان لا يمكن أن يكون من أهل الثبات والقوة إلا بمجموع ابتلاءات واختبار, كما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد واجه أنواع الفتن وقابلته سائر البلايا والمصائب، ولهذا أمر الله جل وعلا بسلوك نهجه والاهتداء بهديه، وعدم الخروج عن طريقه عليه الصلاة والسلام.

    طريق النجاة من الفتن

    ولهذا من أراد النجاة وأراد الهداية وأراد التوفيق فليسلك طريق محمد صلى الله عليه وسلم، لهذا قال الله جل وعلا: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] ، فمن كان متبعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم فعليه بطريق محمد، ومن استوفى ذلك الطريق وأخذ بأسبابه بمجموع ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل إلى الغاية كما وصل إليها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قصرت به الهمة أو ضعف به النظر بقلة علم أو قلة إدراك أو غير ذلك، فإنه يقع فيه من الاضطراب والخطأ والزلل مما يؤثر على غاية الإنسان ومقصوده، وكذلك ضعف الثمار التي يصل إليها الإنسان، كذلك أيضاً مع بطأ يشرك سبيل الإنسان الذي يسلكه بالوصول إلى الغاية، فسبب ذلك هو القصور عن استيعاب منهج محمد صلى الله عليه وسلم.

    لهذا من أراد النجاة فعليه بطريق محمد عليه الصلاة والسلام، والنجاة التي ربطها الله جل وعلا بنبينا هي النجاة في صالح الإنسان في آخرته ودنياه، مما يتعلق ذلك السبب بأمر الدنيا, وينعكس عليه مما يمتزج معه أمر الدين بأمر الدنيا، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أوصى أصحابه لم يوصهم عليه الصلاة والسلام بقول فلان وفلان، وإنما أرشدهم إلى قوله، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظهم موعظةً بليغةً، فقالوا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ).

    والنبي صلى الله عليه وسلم حينما أرشد أمته بالتمسك بطريقه بين النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود شيء من المنازعات لهذا الطريق من الأهواء والفتن والبلايا التي تكتنف ذلك الحق وذلك السبيل، وتلك الفتن وكذلك الصوارف التي تصرف الإنسان عن الطريق يتقلب فيها الإنسان من جهة القوة والكثرة والضعف والقلة، وذلك أن ما يطرأ على طريق الإنسان يرجع فيه من جهة تقبله إلى قوة الإنسان، فإن الفتن إذا كانت قوية في طريق الإنسان وكان من أهل الإيمان والثبات والعلم والدراية، كانت الفتن القوية بالنسبة له ضعيفة، وإن تزلزلت أقدام كثير من الناس الجهلة الذين لا يواجهون أو لا يوازون الأول من جهة الإدراك والمعرفة والإيمان والثبات.

    لهذا نقول: إن حقيقة الميزان في معرفة الطريق الحق, وكذلك وزن العقبات ومعرفة الفتن يرجع في ذلك إلى قوة الإنسان من جهة استيعابه لمعاني ما أراده الله جل وعلا في كتابه العظيم، وما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن الناس من تكون الفتن الصغيرة لديه مجلبة إلى الانحراف والبعد عن المنهج الحق، ومن الناس من تكون الفتن العظيمة كبيرة القدر بالنسبة له هي كحال الصغائر عند غيره؛ لقوة ثباته، ومن نظر إلى أهل العلم والدراية في هذا -كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ربط الثبات بوجود أولئك لقربهم زمناً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك لمعرفتهم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه، وهذا كما جاء في الصحيح في حديث أبي بردة عن أبي موسى في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد ) ، والمراد بذلك هو ما تعلق بالصحابة عليهم رضوان الله تعالى من يقين وثبات ومعرفة بهدي محمد صلى الله عليه وسلم.

    والنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ) ، كأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي يعرف قدر النبوة والخلافة بعده وهذا أمر معلوم، مع ذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أقواماً بعد كثير ممن يسمع منه هذا الخطاب، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء بأولئك الخلفاء الراشدين الذين أخذوا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كيفية معرفة الفتن

    ولهذا ينبغي أن يعلم أن الإنسان لا يمكن أن يعرف الفتنة إلا بمعرفة الحق الظاهر البين، وأن الإنسان لا يمكن أن يعرف قدر الظلام ومراتبه ودرجاته إلا وقد عاش في النور وهذا أمر معلوم، ومن عاش في نور يسير فإنه يشكل عليه ويؤثر عليه الظلام اليسير وهذا أمر معلوم، كما أنه في النور كذلك في الظلمة، وكذلك كما أنه أيضاً في الأمور المدركة بالنظر كذلك في الأمور المدركة بالسمع، وكذلك ما يطرأ على قلب الإنسان، فإن العوارض الدقيقة التي تطرأ على قلب الإنسان تتراكم حتى تكون هرماً كبيراً لا يشعر به الإنسان إلا وقد انصرف وانقلب.

    ومعلوم أن انحراف الإنسان من جهة إلى جهة يشابهه انصراف قلب الإنسان من جهة إلى جهة، فإن الإنسان قد ينحرف شيئاً فشيئاً إذا كان في طريق قد اتجه شمالاً أو اتجه جنوباً، فإذا انحرف به الطريق شيئاً فشيئاً فإنه يظن أنه على جهته الأولى، كذلك بالنسبة للإنسان من جهة انصراف قلبه، إذا انصرف قلب الإنسان فتشرب شيئاً من الفتن شعرةً أو عوداً عوداً، فإنه حينئذ ينكر الحقائق فيحل مكان النور الظلمة ومكان الحق الباطل ومكان الكلام الصحيح والمعاني الحقة الكلام الخطأ والمعاني الباطلة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً ) ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام جاء في رواية: (عوداً عودًا)، أي أن المراد بذلك: أنها تتكرر على نحو لا يدركه الإنسان حساً، فتتراكم تلك الفتن التي تعرض على القلوب حتى يشربها الإنسان ولا يدرك من ذلك شيئاً وهذا أمر معلوم.

    لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أنه ينبغي له أن يحافظ على سلامة دينه، وكذلك أيضاً أن يدرك أن البعد عن مواضع الفتن لمن جهل حقيقتها وكذلك منافذها بالنسبة للوصول إلى قلب الإنسان أن هذا من أعظم مواضع السلامة، ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مخالطة المشركين إذا أظهروا الباطل؛ وذلك أن في إظهار الباطل مع وجود النكران أو النكير في قلب الإنسان يجعل الإنسان يتشرب ذلك الباطل شيئاً فشيئاً حتى يستروحه، فإذا استروحه مرةً تلتها مرة أخرى، ثم بعد ذلك يقع الإنسان في استرواح الباطل وقبوله والبعد عن طريق الحق والهداية.

    إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم في حديث العرباض بن سارية- قد بين الحق وبين الضد المناقض له، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ) ، فهذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم طريق الحق فيه تضمين أو إشارة إلى وجود المناقض لذلك الطريق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: تمسكوا بها، فإن المتمسك بشيء فيه إشارة إلى وجود من ينازعه في هذا الشيء، وكذلك لوجود زلزلة لقدمه حتى يضطرب أو يسقط، وهذا أمر معلوم، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود مناقض لمن سلك هذا الطريق، فأمر بالتمسك به وليس السير عليه مجرداً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تمسكوا بها)، وأكد ذلك بقوله: (وعضوا عليها بالنواجذ)، والإنسان لا يمكن أن يعض على شيء بنواجذه إلا لوجود أحد يجذب ذلك الحق منه، فإن الإنسان يمسك بالشيء، وإمساكه بالشيء دليل على وجود منازعة، أو أن هذا الشيء الذي يمسك به لو لم ينازعه أحد بغيره فإنه ينازعه بذاته، فإن الحفاظ على الشيء ولو لم يكن ثمة أحد ينازعه فيه فإن الحق بذاته يحتاج إلى تمسك به وإلا غادر.

    ولهذا حث وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية معاهدة القرآن، ومعلوم أن القرآن من جهة اللفظ في ذاته لا ينتزعه شيء خارج عنه وإنما ينتزع ذاته، أعني القرآن ينتزع ذاته، والإنسان الذي لا يكرر القرآن ولا يتعاهد القرآن فإنه ينفلت منه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده إنه لأشد تفلتاً من الإبل في عقلها ) ، والمراد بذلك أن الإنسان إذا لم يتعاهد الحق ويكثر من الإمساك به ولو لم يجذبه أحد، فإن ذلك يعني انصراف الحق بذاته على سبيل التدرج شيئاً فشيئاً حتى يغادر الحق من الإنسان ولا يبقى معه شيء.

    ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أعظم ما يستمسك به الإنسان للوقاية من طرق الشر هو الإمساك بالحق بذاته، فإن الإمساك بالحق بذاته يجعل الإنسان من أهل الثبات واليقين، وإذا استقر الحق في ذات الإنسان ولم يعده الإنسان من جهة التكرار وكذلك التأمل والنظر وكذلك الاعتبار بغيره، فإن الفائدة تلحق الأخرى معها، فإن الإنسان يضعف شيئاً فشيئاً؛ لأن ذلك الحق إذا زاح حل محله الباطل وهذا أمر معلوم ومشاهد، وهذا كما أنه في المعاني كذلك أيضاً في الأمور المحسوسة، وقد جعل الله جل وعلا كثيراً من أمور المعاني تشابه المحسوسات.

    ونحن في المجالس القادمة بإذن الله جل وعلا وفي هذا المجلس بإذنه تعالى سنتكلم على جملة من الفتن, وتقرير جملة من المسائل التي تتعلق بالفتن، سواءً الفتن الحاضرة أو الفتن الغائبة، الفتن الباطنة أو الفتن الظاهرة، بحسب الحاجة إليه، والعالم والداعية والمبلغ عن الله جل وعلا ينبغي له أن يهتم بأمر نفسه من جهة ما يضطرب أو يشكل عليه من جهة معرفة الحق وكذلك تبليغه للناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاش مع أصحابه بما يحتاجون إليه من جهة جلب أسباب الخير وتكميلها، ودفع أسباب الشر وتنقصيها قدر الإمكان والوسع.

    1.   

    أهمية معرفة طرق الشر للوقاية من الفتن

    ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد ثباتاً ويقيناً، أولاً: أن يعرف الحق بذاته، وهذا أمر قد تقدم الإشارة إليه، الأمر الثاني: أن يعرف الباطل، ومعرفة تفاصيله من الأمور المهمة، ولهذا كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يستبصرون ويستفصلون في أمور الفتن، وكذلك يدققون ويتذاكرونها، وإن في مذاكرتها معرفةً لمواضعها ودقائقها، ولهذا قال حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى كما جاء في الصحيحين وغيرهما، قال: ( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ فقال: نعم ) ، إلى آخر الخبر.

    وفي ذلك أيضاً إشارة إلى ما جاء في الصحيح من حديث شقيق عن حذيفة بن اليمان قال: ( كنا جلوساً عند عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، فقال عمر: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتن؟ فقال حذيفة : نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتنة الرجل في ماله وولده ونفسه تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: ليس هذا الذي أريد، ولكن أريد الفتنة التي تموج كموج البحر ).

    والمراد: بهذا أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يهتمون بحسب الفتن التي يعيشونها، وأن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى في زمنه كان الناس في حال تقشف ولم يكونوا على أمر الانفتاح من جهة المال، مع إدراكه عليه رضوان الله تعالى أن الفتنة في أمر المال هي المجلبة لفتنة الرأي وفتنة القول، ولهذا قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: إذا وجد الماء وجد المال وإذا وجد المال وجدت الفتنة وهذا أمر معلوم، فإن الله عز وجل إذا بسط الرزق لعباده بغوا في الأرض، وقد روى ابن جرير الطبري أيضاً في كتابه التفسير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال عند هذه الآية، قال: كانت العرب إذا كانوا في عام سنة انشغلوا بأنفسهم، وإذا كانوا في عام بسطة رزق اقتتلوا وقتل بعضهم بعضاً، وهذا أمر معلوم.

    1.   

    أثر اللسان في إيقاع الفتنة

    ومسألة المقاتلة قد لا تكون في مسألة رفع السلاح بالرماح, وكذلك السيوف وإراقة الدماء، وإنما قد يكون ذلك ببذل أو إطلاق اللسان بالوقيعة بالأعراض أو إطلاق آراء الكفر وغير ذلك، ولهذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سباب المؤمن كقتله، وهذا أمر معلوم، فإن الإنسان إذا أطلق لسانه في عرض غيره فإن هذا مما يشابه استباحة دم الإنسان، ومعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يقدم على إراقة دم غيره إلا وقد تسبب قبل ذلك أحد من الأطراف باستباحة عرضه، ومعلوم أن القتل لا يأتي إلا عن طريق اللسان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند والسنن من حديث معاذ بن جبل : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما قال معاذ : ( أنحن مؤاخذون بما نقول؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) ، يعني: أن حصائد الألسنة هي التي تكب الإنسان في النار، وتتسبب بالفتنة، ولهذا لا يمكن أن تقع الفتنة من أعلاها وأدناها إلا بسبب إطلاق العبارة.

    ونحن في زمن قد كثرت فيه الفتن وأعظمها فتنة هي فتنة إطلاق اللسان، وإطلاق اللسان ما يظهر فيه من كثير من إظهار الأقوال الباطلة من الكفريات وكذلك من النفاق والفسوق وغير ذلك، تحت عبارات متنوعة بما يسمى بحرية الرأي، أو ما يسمى بالنقد وغير ذلك ففتح الباب على مصراعيه، مما يحتاج معه المؤمن إلى معرفة الحق من جهة تأصيله وتقعيده ومعرفة الباطل وتأصيله وتقعيده، فإن الإنسان في بعض الأزمنة يكون أحوج إلى معرفة الباطل من معرفة الحق بذاته، وذلك لكثرة طرق الباطل، فإن طرق الباطل كثيرة وطريق الخير واحد.

    ولهذا جاء في حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ( خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطاً فقال: هذا الصراط المستقيم، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ) ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصراط المستقيم خطاً واحداً، وجعل السبل متنوعة وجعلها أيضاً من جهة العدد ومن جهة المكان، من جهة العدد متنوعة وكذلك كثيرة، ومن جهة المكان عن يمين وعن شمال، وذلك بحسب التفات القلوب، فإن من القلوب من تتشوف إلى طريق من الطرق كطريق أهل الغلو، ومن الناس من يتشوف إلى طريق أهل الانسلاخ فيلتفت يمنة.

    1.   

    تنوع أهواء الناس تجاه الفتن

    كذلك أيضاً فإن شهوات الناس وتشوفهم للفتن يتنوع، فمن الناس من يلتفت إلى فتنة السمع, ومنهم من يتشوف إلى فتنة البصر، ومنهم من يتشوف إلى فتنة الفرج، ومنهم من يتشوف إلى فتنة الكلام، ومنهم من يتشوف إلى فتنة الفكر وغير ذلك، فتتنوع الفتن، فبحسب أهواء الناس تنوعت الطرق، ولهذا قال الله جل وعلا: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257] ، فسماها: ظلمات، وسمى الحق: نوراً، فجعله نوراً واحداً وجعل الظلمات متعددة، وذلك بحسب المشارب، ولهذا كان على كل طريق منها شيطان يدعو إليها.

    والتبصر بمعرفة الطرق هذه يرجع إلى حكمة الإنسان ويرجع أيضاً إلى معرفة العالم المتبصر بخطورة هذه الفتن تراكماً، فإن العالم اليقظ وكذلك الداعية وكذلك العابد الصالح الذي يعرف مواضع الخطورة يعرف الفتنة المقبلة ويعرف الفتنة المدبرة، ويعرف الفتنة العظيمة ويعرف الفتنة الحقيرة، ومرد ذلك كله إلى معرفة العظيم والحقير, والكبير والصغير, والقوي والضعيف بما قدره الشارع من كلام الله جل وعلا, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن نقيم الشريعة بما قيمها الشارع، ونقيم الدنيا مما تركه الشارع لنا بما ننظر إليه، وما أعطانا الله جل وعلا من حس ومعرفة وإدراك، فالخلط في هذين البابين يجعل الإنسان يضطرب في هذا.

    لهذا يقول العلماء: إن أهل العلم العارفين بمواضع الخير والشر هم أهل الإدراك والعناية، وهم أولى أن يستمع لقولهم؛ وذلك أن كثيراً من الناس ينظرون إلى دائرة واحدة وهي دائرة الشر، أو ينظرون إلى دائرة واحدة وهي دائرة الخير، فلا يميزون أولى مراتب الخير، وكذلك لا يميزون بين أدنى دركات الشر، وهذا الخلط يقع فيه كثير من العامة ويمتحن فيه كثير من العلماء حتى ينساق كثير من العلماء بأخذ الأدنى تلبيةً لرغبة العامة، وهذا من الجهل.

    لهذا ينبغي للإنسان ألا يجامل في دين الله جل وعلا، وأن يقدم أمور الدين وأحكامه بحسب تقديم الله جل وعلا، وأن يأخذ الأشد فالأشد بحسب تأكيد الشارع عليه، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله جل وعلا عليه شريعته على سبيل التدرج، وهذا التدرج جاء بالأهم مع صعوبته وشدته؛ وذلك أن أعظم الأمور ثباتاً ورسوخاً في قلب الإنسان ما يفعله الإنسان على سبيل التعبد والتدين، فإن كفار قريش قد فتنوا بأمر الأصنام والأوثان، وأصلها هي من الأولياء والصالحين فصوروها ثم جعلوا لها أصناماً وتماثيل ثم عبدوها من دون الله جل وعلا، وهذه تتعلق بأفعالهم وأقوالهم في نومهم ويقظتهم، لا يغادر الإنسان إلا وقد تطير بشيء من أصنامهم واستقسم بالأزلام، وكذلك أيضاً في حال ولادة أحد له من ذكر أو أنثى، وكذلك في زواجهم، وكذلك أيضاً في ذبائحهم يهلون بها لغير الله، كذلك أيضاً في أقوالهم ومجالسهم وأيمانهم فتشربت قلوبهم بذلك، فمع كون هذا الأمر قد تشرب بقلوبهم ولكنه يتعلق بأمر التوحيد أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل ما كان من أمر الدين ولو كان متأكداً دون أمر التوحيد، فرسخ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر التوحيد قدر وسعه وإمكانه، فدعا إليه بمكة مع جملة من فضائل الإسلام والإيمان، وكذلك مكارم الأخلاق التي تتوافق مع الفطرة وتحث على ما كان عليه كفار قريش مما يعضد هذا هذا، فإن في تصحيح أجزاء الفطرة تأسيساً وتقعيداً وتأكيداً أيضاً لذلك البساط الذي نشأ عليه، أو تلك القاعدة التي نشأ عليها بناء الإسلام.

    1.   

    بيان الله ورسوله ما يحتاجه الناس في مواجهة الفتن

    إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين لأصحابه أحكام الدين جملةَ وتفصيلاً، فبين ما يحتاجه الناس بياناً فكان الكلام من الله جل وعلا وكذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم محكماً بيناً، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7] ، فبين الله سبحانه وتعالى أن الأصل في الدين الوضوح والبيان، وهذا ظاهر أيضاً كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث النعمان بن بشير : قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحلال بين والحرام بين ) ، وهذا أيضاً ظاهر في قول الله جل وعلا: كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23] ، قد جاء عن عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر وغيرهم أنهم قالوا: يشبه بعضه بعضاً يصدق بعضه بعضاً ويؤكد بعضه بعضاً، ولا يكذب بعضه بعضاً.

    وهذا يجعل الإنسان إذا أراد معرفة الحق فإنه يعرف بمعرفة الحق بذاته الباطل، فمن عرف الحق بالإجمال عرف الباطل بالإجمال، ومن عرف الحق بالتفصيل عرف الباطل بالتفصيل، ولهذا ينبغي للإنسان أن يقارن بين مراتب المعلومات قدر وسعه وإمكانه، وألا يوغل في جزئيات تذهب به هذه الجزئيات يمنةً ويسرةً، فيظن أنه قد أدرك من علوم الشريعة أو أدرك من مسائل الدين ما يركن إليه قلبه، أنه قد فعل شيئاً تطمئن إليه النفس، وقد ترك ما هو أولى من ذلك لذاته وكذلك لغيره.

    1.   

    الفتنة في تقديم المفضول على الفاضل

    ومعلوم أن من أعظم تلبيس إبليس على كثير من الناس، وكذلك أيضاً من العباد والصالحين والعلماء: أن يشغلهم بالمفضول عن الفاضل عند المزاحمة، أو قوة همة الإنسان بما لا يستطيع معه الشيطان أن يدفع تلك الهمة فيصرفها عن أمر فاضل إلى أمر مفضول، فيسرح الإنسان ويمرح في هذا الأمر المفضول، فحينئذ ينقص من الدين الظاهر بحسب انصراف الإنسان عنه، ولهذا كثير من الناس يسلون أنفسهم ببعض أنواع العبادة، وكذلك بعض أنواع الدعوة، ويظنون أنهم بذلك قد سلكوا طريق الهداية التامة، وإن كانوا قد تركوا ما هو أولى وأعظم من ذلك، فإن هذا نوع من التقصير والخلل، بل هو من الفتنة التي يفتن فيها الإنسان.

    ومعلوم أن من ترك التوحيد وتقريره وانصرف إلى معرفة فضائل الإسلام والإيمان، وكذلك الأخلاق ومكارمها والآداب والسلوك التي دل عليها الإسلام، فأخذ يورد من الآيات والأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشبع معها نهم النفس المنصرفة إلى إرضاء الله، أو شعور الإنسان بشيء من التدين والتعبد لله، فينصرف إلى المفضول مع ترك الفاضل، فتقع حينئذ الفتنة فيفتن الإنسان في ذاته، ويفتن أيضاً غيره بانصراف الإنسان القدوة إلى الأمور المفضولة وترك الأمور الفاضلة.

    1.   

    أقسام الفتن

    إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أمور الفتنة لأمته، وهذا ظاهر في قول عمر بن الخطاب السابق كما تقدم، أنه قد قسم الفتنة إلى قسمين:

    فتنة الإنسان في نفسه وماله وأهله

    الفتنة الأولى: الفتن الصغيرة, وإن كانت في ذاتها كبيرة لكنها مقارنةً بغيرها فتنة صغيرة، وهي فتنة الإنسان في ماله وولده وزوجه، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28] ، وقال الله جل وعلا: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] ، فجعل الله جل وعلا المال والأولاد فتنة، والمراد بذلك هو ما يصرف الإنسان عن بعض وجوه الخير، ويكون الصارف من ذلك بعض المباحات التي أباحها الله جل وعلا.

    وكثير من الناس يظن أنه لا يقع في الفتنة حتى يقع في المحرم، وهذا ضرب من الخلط، فإن الإنسان إذا انصرف إلى شيء من المباحات وترك الأمور الواجبة أو الأمور الفاضلة فإن هذا فيه نوع فتنة، والفتنة لا تكون محرمة دائماً، وقد تكون محرمة، وقد تكون كبيرة، وقد تكون كفراً مخرجاً من الملة، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217] ، وقال الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191] ، وقال الله جل وعلا: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193] ، قد جاء عن غير واحد من السلف من المفسرين وغيرهم كما جاء عن عبد الله بن مسعود فيما رواه ابن جرير الطبري من حديث عطية عن عبد الله بن مسعود أنه قال: حتى لا يكون الشرك، ويأتي الكلام عن القسم الثاني من أقسام الفتنة.

    الفتنة الصغرى هي فتنة الإنسان في ماله وولده، وهذه من أعظم ما يصرف الإنسان عن ذاته، وإنما كانت صغيرة باعتبار أن ما كان نقيضاً لذلك يكون من عمل الإنسان واستكثاره في خاصته، فإن الإنسان إذا صرفه ماله على شيء من الدين، فإنه يصرفه عن الأمور الفرعية التي لا تكون من حقائق التوحيد، فإن المال يصرف الإنسان وإن وقع في شيء من المحرمات فإنه يقع في شيء من المحرمات في البيوع والغرر استكثاراً من المال واستدراراً له، وربما كذب بالغش وكذلك بالسرقة وكذلك غصب المال، أو ربما كان من الأمور المباحة التي تصرف الإنسان عن طريق الحق.

    ولهذا بين النبي صلى الله عليه وسلم أن فتنة الإنسان في ماله كما أنها صغيرة تكفرها أيضاً الأعمال التي تقابلها وهي دون التوحيد، فمنها الصلاة، والصلوات متباينة: منها ما كان من فروض الأعيان، ومنها ما كان من فروض الكفاية، ومنها ما كان من الأمور المستحبة، والمستحبات أيضاً على مراتب متباينة: منها ما كان متأكداً كقيام الليل، ومنها ما كان راتباً وهي دون ذلك، ومنها ما كان مستحباً مطلقاً من سائر النوافل العامة التي يصليها الإنسان من غير تقييد، كصلاة الإنسان في ضحى أو صلاة الإنسان بين الظهر والعصر، أو صلاة الإنسان بين المغرب والعشاء، أو غير ذلك مما يدخل تحت أجر الركعتين الوارد في كثير من النصوص في السنة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والفتنة في مال الإنسان وولده وكذلك نفسه، هذه الفتنة هي فيما يميل إليه الإنسان مما تقدم من ميله إلى المال سواءً من الأمور المباحة التي تشغله عن العبادة أو تشغله عن الأمور الفاضلة من مسائل الدعوة وكذلك الدين أو الاحتساب، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ما يصرف الإنسان عن الأمور الواجبة من صلاة الجماعة فيفتن بالاستكثار من المال والمضاربة بالأسواق ونحو ذلك فينشغل عن صلوات الجماعة، فهذا نوع فتنة يصاب بها الإنسان.

    وهذه الفتنة: فتنة الإنسان في ماله وولده وكذلك أيضاً في زوجه وكذلك أيضاً في نفسه، الإنسان قد يفتن في نفسه فيصاب ببعض العاهات النفسية والأمراض من الشح المطاع، وكذلك الكبر والحسد والغل ونحو ذلك مما يقع معه الإنسان في شيء من الذنوب بإطلاق لسانه، فهذا أسبابه كامنة في نفس الإنسان من الهوى المطاع أو الشح أو كذلك الكبر والغطرسة، وكذلك أيضاً الحسد والبغضاء، وما يطرأ على الإنسان في ذاته أيضاً من فتنته من جوارحه بفتنة يده وكذلك لسانه، أو ربما كان من دواخل الإنسان التي يفتن فيها الإنسان من أمراض تصيبه سببها المعاصي، كالهم والغم الذي يصيب الإنسان، فإن الإنسان قد يصاب بهم وغم يقعده عن أمر بالمعروف ونهي عن المنكر أو عبادة من العبادات، فينشغل بشيء من هم نفسه بمعالجتها ونحو ذلك، فيصرفه ذلك إلى شيء من المباحات من أمور الاسترواح وسعة البال والنفس ونحو ذلك، فيصرفه ذلك عن شيء من الخير، هذا نوع من الفتن التي يتعارك معها الإنسان في أمر دنياه وهي متباينة.

    وهذا الأمر ينبغي للإنسان أن يقدره بقدره، فإذا كان الإنسان من أهل المال وأهل الجاه، وكذلك من أهل الأمراض النفسية مثلاً، أو كذلك من أهل الأولاد والزوجات وغير ذلك، فإنه ينبغي له أن ينظر في هذه الأبواب ودواخلها على نفسه حتى يحمي نفسه، ولهذا عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يظهر في حديث حذيفة السابق أنه سأله ذلك، وكان ذلك في آخر خلافته، ولهذا لما قال له: قال: فتنة الرجل في ماله وولده، وجاء في رواية: وزوجه ونفسه، تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إشارة إلى فهم فهمه حذيفة بن اليمان أو تدرج فهمه حذيفة؛ لأن حذيفة من أهل المعرفة والدراية بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد أسرّ له النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من أمر الفتن، والأصل في الشريعة البيان، لأن الشريعة ما نزلت لـحذيفة بن اليمان خاصة فيبلغ إياها، وما نزلت أيضاً لفئة معدودة من أهل المدينة، الشريعة للناس كافة، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما أرسله الله للناس كافة، ولهذا قال الله جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28] ، فأرسله الله سبحانه وتعالى إلى الناس كافة الثقلين: الإنس والجن، وهؤلاء كلهم مأمورون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

    وإنما كان الأمر خاصاً بـحذيفة فيما يتعلق بأمر الفتن، وأمر الفتن لكونه يتباين معرفةً من زمن إلى زمن، ناسب أن يتفقه به الأفراد بحسب حالهم ولا يتفقه به الجماعات، فمعرفة الفتنة وكذلك مواضعها وكذلك أيضاً آثارها على الإنسان يرجع فيه الإنسان كل بحسبه، ولهذا حذيفة بن اليمان قد أسر لـعمر بن الخطاب معنىً وجهر له باللفظ، أسر له المعنى بما لا يفهمه إلا عمر ، ولهذا سأل عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى قال: الفتنة التي تموج كموج البحر، الفتنة التي تموج كموج البحر هي الفتنة العامة التي تظهر للناس ويفتنون في أمر دينهم.

    لهذا نستطيع أن نقول: إن الفتنة الأولى، وهي ما يتعلق بمال الإنسان وولده وزوجه ونفسه أنها تتباين، منها فتنة صغيرة، وهذه -أعني القسم الأول- هي الفتن الصغيرة وهي ما تتعلق بالأفراد، وما يتعلق بالأفراد في ذواتهم ويتباينون في ذلك من جهة استيعابها، وكذلك معرفة خصائصها وآثارها عليهم، فيجب على كل أحد من الناس أن يتفقه في أمر تلك الفتنة الخاصة به وأن يعرف المداخل عليه، وكيف يغلق تلك المداخل فيسلم له الدين.

    فتنة المال

    الأمر الثاني: هي الفتنة العامة التي تعم الناس، وهذا ما يشترك فيه سائر الناس كأمر المال، فإذا كان الناس في سعة من المال والرزق، فليعلم أن الفتنة قد أطلت بأنيابها وهذا أمر معلوم، ومن نظر في أمور التاريخ وسبر أحوال الأمم والدول، يجد أن الدول التي يبسط الله عز وجل لها بالرزق أنها أكثر الدول قتلاً واستباحةً للدماء وهذا أمر معلوم، سواءً كان ذلك شاملاً في سائر أزمنتها أو في زمن دون زمن، وكذلك أيضاً في الأزمنة التي يبسط الله عز وجل للرزق فيها، فإن الله سبحانه وتعالى يجعل ذلك سبباً للفتنة الأخرى وهي فتنة الدم، ولهذا ينبغي للإنسان أن يعرف مواضع الفتنة العامة؛ وأن يبينها للناس وأن يقاومها.

    كذلك أيضاً إذا كانت فتنة قد أطلت بأنيابها أن يبينها لمن يدركها وألا يبلغها لغيرهم، ولهذا أبو هريرة عليه رضوان الله تعالى قد أدرك شيئاً من أمر الفتنة وما بلغه للناس، وكذلك معاذ بن جبل لديه شيء من أمر الفتنة، وهو من مسائل الدين، فإن كثيراً من الناس إذا تفقه في بعض مسائل الدين ضل وأضل، وذلك إما لهوىً في نفسه أو لمطمع كامن يجعله يتخطى بعض المسائل إلى غيرها، فمثل ذلك جهله بمسائل الدين أولى من معرفته، وكثير من الناس الجهل خير له من العلم؛ وذلك يرجع فيه إلى المبلغ، ولهذا معاذ بن جبل قد كتم ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة ) ، فأخبر بها قبل وفاته تأثماً، يعني: أنه يخشى أن يكون ذلك من كتمان العلم.

    وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا جاز له كتم شيء من مسائل الأحكام الشرعية، فكتمان أمور الدنيا وأخبار الناس وكذلك المسائل العظيمة من الأمور المهمة التي ينبغي أن يتحلى بها أهل العقل والدراية، لأن كثيراً من الأخبار والأقوال تجر إلى ما لا تحمد عقباه، ولهذا قد روى البخاري في كتابه الصحيح من حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أنه قال: ( حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: أما أحدهما فبثثته ) ، يعني: للناس وهو ما يتعلق في أمر العامة كلهم، ( وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم ) ، المراد بذلك: إما أن يقطع هذا البلعوم على سبيل الحقيقة من إراقة الدماء، أو المراد بذلك الدم الخاص به، وهنا إشارة إلى الفتنة التي تقع في الناس، أنهم يقتتلون فيما بينهم.

    ويظهر أن أبا هريرة ما أراد بلعومه هو أنه يقتل في ذاته، وإنما المراد بذلك هي الفتنة التي تعم في الناس، فكتم شيئاً من الوحي لمصلحة الناس، وهذا الوحي المكتوم ليس من أمور العبادات المحضة، وإنما هو من الأخبار، ولهذا حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى لما سأله عمر ذلك السؤال عن الفتنة التي تموج كموج البحر، فقال عليه رضوان الله تعالى: إن بينك وبينها باباً، ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، فقال عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: أيكسر الباب أو يفتح؟ قال: بل يكسر، فقال عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: إذاً لا يغلق أبداً، قال حذيفة : أجل، فقيل لـحذيفة بن اليمان : أكان عمر بن الخطاب يعلم أنه هو الباب؟ قال: يعلم كما أنه يعلم أن دون غد الليلة.

    فالمراد بهذا أن حذيفة بن اليمان قد أبلغ المعني بذلك بمثل هذه الفتنة؛ لأنه من أصحاب الإيمان والثبات واليقين فبلغه في ذلك، لهذا ينبغي للإنسان في المسائل العظيمة وكذلك أمور الفتن وما يتعلق بأخبار الأمم وأحوال الشعوب وأحوال العظماء ونحو ذلك، ألا يستسهل الإنسان الكلام فيها، فإن في ذلك إفساداً لدنيا الناس ولا تصلح معه الدنيا.

    ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد اختار من أصحابه حذيفة بن اليمان، فكان أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما اختار علية الصحابة في أمور الإيمان، كـأبي بكر و عمر وهم من العلية، لماذا النبي عليه الصلاة والسلام اختار حذيفة مع وجود أبي بكر و عمر ؟ وذلك لكون حذيفة بن اليمان قد جبل على شيء من الأمور الفطرية التي يجبل عليها الناس، وهي من أمور الكتمان، وثمة علة أخرى أيضاً: أن أبا بكر و عمر بن الخطاب ربما جهلهم بأخبار الناس أولى من علمهم من وجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنهم سيكونون خلفاء، وإدراكهم لبعض المواضع من أمور الفتن ربما يفت من عضد الإنسان، والإنسان في ذلك بشر، فإن أبا بكر مع كونه صديقاً وكذلك مع كونه خير الخلق بعد أنبياء الله جل وعلا، إنه يبقى من البشر وفيه ضعف البشر، وكذلك أيضاً عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، فأراد لهم النبي صلى الله عليه وسلم باب الكمال في ذلك، فكتمه عن أولئك وبلغ به حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى، لهذا ينبغي للإنسان في أمور الفتن أن يحفظ لسانه ولو كان على أمر يقين.

    وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان أو كثيراً من الناس الذين يطلقون ألسنتهم بأحاديث الناس وأخبارهم على سبيل التوقع من غير بيان، أن ذلك من الفتنة التي تصرف الإنسان عن معرفة الحق، وكذلك تشغل بال الإنسان وتشغل أحوال الناس، وكذلك افتتانهم في أمر دينهم، وما كان يقدره الله جل وعلا فهو الحق، فـحذيفة بن اليمان لديه من علم الله بواسطة رسول الله الأمر الحق البين، ومع ذلك ما بلغ به عليه رضوان الله تعالى كما يتساهل كثير من الناس بالإخبار ونقل الأقوال والقالات، فإن هذا من الأمور التي ليست بمحمودة.

    الفتنة في الدين

    النوع الثاني من أمور الفتن: ما يتعلق بأمور الديانة في ذاتها وهي الفتن الكبيرة، وهي على مراتب: أعظمها فتنة الإنسان في عقيدته، وفتنة الإنسان في عقيدته هي أعظم ما يصاب به الإنسان، لهذا سماها الله جل وعلا: الفتنة في كتابه العظيم، قال الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217] ، والمراد بالفتنة هنا: هي الكفر، ولهذا قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه قال في الفتنة هنا: ارتداد الإنسان عن دينه أكبر من القتل، وجاء أيضاً عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وجاء أيضاً من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وهذا محل اتفاق عند العلماء من المفسرين من السلف: أن المراد بالفتنة هنا الكفر والخروج من الملة، وهي أعظم من القتل.

    1.   

    أهمية معرفة مراتب أمور الدين

    وهذا يدلنا على مسألة مهمة: وهي معرفة المراتب في أمور الدين، معرفة المراتب في أمور الدين مردها إلى الشريعة، بعض الناس يستعظم القتل وإراقة الدماء، وهذا يجعله كبيراً وهو عند الله كبير، ولكن في أمور الموازنة يكون الكبير صغيراً في أمور المقابلة، والقتل بالنسبة لأمر التوحيد وثلمه يعتبر صغيراً، ولهذا جعل الله جل وعلا الفتنة أكبر، ولم يهون الله جل وعلا القتل فيسميه: صغيراً، وإنما جعل الشرك أكبر منه، فبقي القتل على تعظيمه وجعل الشرك أعظم منه.

    والمراد من هذا: أن معرفة المراتب مردها في ذلك إلى ميزان الشريعة، ولهذا كانت الفتنة الحقيقية في وقوع الناس في الشرك والكفر، ولهذا قد جاء في صحيح البخاري : أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمر ، قال: كيف ترى القتال في الفتنة؟ فقال: إن القتال في الفتنة ليس الذي تريدون، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل الناس على الكفر، وذلك قتال الفتنة وبقاؤهم على الشرك فتنة، والمراد بهذا: أن قتال النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين هو قتال للفتنة، وهذه الفتنة هي الكفر.

    وقد يظن الناس أن القتال إذا كان لتحقيق التوحيد ورفع رايته أن هذا في ذاته فتنة، ولهذا قد طرأ الجهل في هذا حتى في زمن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى فظنوا أن كل قتال من أمور الفتنة، قال عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى: وأما القتال الذي تذهبون إليه فليس هو قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو قتال على الملك، والمراد بهذا: أن قتال الناس يتباين، منه ما هو دفع للفتنة كما قال الله جل وعلا: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193] ، أي: حتى لا يكون كفر وشرك مع الله عز وجل، فاستباح الله سبحانه وتعالى إراقة الدماء تحقيقاً للتوحيد ودفعاً للشرك بسائر صوره وأنواعه.

    ولهذا نقول: إن كثيراً من الأمور التي يظنها الناس ذنوباً هي في ذاتها تحقيق لما هو أعظم منها، بل هي حسنات وقربى عند الله سبحانه وتعالى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إراقة الدماء قدر وسعه وإمكانه حتى دماء المشركين، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في حديث أنس بن مالك كما جاء في الصحيح: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر رجلاً على جيش أو سرية أو غزوة، فقال: إذا أتيت قوماً فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن لم يقبلوا ولم يجيبوك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم جزيةً في أموالهم، فإن هم قبلوا منك فاقبل منهم وكف عنهم ) ، وهذا كله درء لمسألة إراقة الدماء، وعليه أمر التوحيد، وأن أمر توحيد الجماعة هو فوق إراقة دماء الأفراد.

    ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى اكتمال لحمة الإسلام وقوته على غيره، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقاء الكفار على ما هم عليه أفراداً، وإنما كانوا أفراداً لكون أهل الإسلام عليةً، وذلك بدفع الجزية ودفع الجزية نوع من الصغار، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] ، فالإنسان حينما يدفع لغيره إذا طلبه رهبةً فهذا نوع ضعف وقوة من الطالب وكذلك أيضاً الآخذ، ثم بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن ذلك إلا في أمر المواجهة ولم يقبلوا شيئاً من تلك الأمور أراق النبي صلى الله عليه وسلم أمر الدماء؛ وذلك لأن في مخالطتهم من غير رفعة للإسلام إضعاف لأمر الإسلام في الجماعة والأفراد، وهذا أمر معلوم.

    والنبي صلى الله عليه وسلم دفع أمر إراقة الدماء قدر وسعه ما تحقق للإسلام والإيمان الرفعة، وإذا لم يتحقق للإيمان والإسلام الرفعة إلا بإراقة الدماء فقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في إراقة دم الكافر والتسبب في إراقة دم المؤمن، ولهذا الإنسان لا يجوز له أن يريق أو يتسبب في إراقة دمه إلا في حال الجهاد، وحال الجهاد لا يقال: إن الإنسان يباح له ذلك، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من أعظم الأمور قربة عند الله، ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح وغيره، أنه قيل: ( أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيله ) ، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً أن المجاهد يغفر له كل خطيئة اقترفتها يمينه من أول قطرة من دمه إلا الدين.

    والمراد من هذا: أن الله جل وعلا قد بين غفران الخطايا للإنسان من أول إراقة الدم، وهذا لا يتحقق لأحد إلا من حقق التوحيد كاملاً، والشهيد في سبيل الله، وفي هذا إشارة إلى تعظيم أمر التوحيد وبيان ميزانه، ثم يأتي بعد ذلك الفتن في أمور الدين بحسب مراتب الإسلام وجوباً.

    1.   

    كيفية معرفة قدر عظم الفتنة

    وإذا أراد الإنسان أن يعرف مواضع الفتنة تعظيماً فليعرف مقدارها شرعاً، فليعرف مقدار ما تنقص وما تهون شرعاً، فإن الفتنة في أمر الدين منها ما يصد عن أمر الصلاة، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، فإذا وجد من يهون من أمر الصلاة وكذلك ركنيتها وكذلك أوقاتها ونحو ذلك، فهذه تلي التوحيد فتنة، والعالم في ذلك من عرف مراتب ودرجات الأحكام الشرعية، والجاهل في ذلك الذي يجهل تلك المراتب، وأعلم الناس هو من عرف مراتب الخير وعرف دركات الشر، وأعلم الناس أيضاً من عرف درجات الخير وما يقابلها في حال التزاحم، ومعلوم أن أبواب الخير على درجات ومراتب والدعوة إليها وتحقيقها يكون بحسب أهميتها ومرتبتها في الدين.

    وليس للإنسان أن يقدم مرتبةً على أخرى، فأصبح ثبات مراتب الأحكام الشرعية كثبات الدرجات التي يصعد بها الإنسان، فإن الإنسان يصعد بها وهذه أمور قدرية، يصعد الإنسان على الأمر على العتبة الأولى والدرجة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة وهكذا، وأما إتيانها عكساً فهذا من الأمور غير الممكنة حساً، كذلك أيضاً الإتيان بعكس الشريعة قلب لها، والإتيان بميزان غير ميزان محمد صلى الله عليه وسلم.

    ونحن في زمننا هذا قد ظهرت الفتنة في أمور الدين بخلط الواجبات وكذلك خلط مراتب أو دركات الشر وعدم بيان ميزانها من جهة الحق، فثمة من يهون بأمر التوحيد وأمر القبور وأمر الشرك، وكذلك من يهون بأمر الصلاة، وثمة من يهون بالأصول الثابتة المستقرة في دين الإسلام مما يتعلق بمسائل الفضيلة، وما يتعلق بمسائل الحجاب، وما يتعلق بمسائل الأعراض بالزنا، وكذلك الدعوة إلى ما يسمى بالشذوذ وغير ذلك، أو نقض أحكام الإسلام الظاهرة من أحكام الله جل وعلا بما يتعلق بالحدود وتطبيقها في الناس، وكذلك أهميتها وأحكام الله جل وعلا وكونها من الأمور التي يسوسها الناس.

    وكذلك من الفتن ما يتعلق بالتهوين ببعض المحرمات وبيان أنها من الأمور الفردية، وما يتعلق بأحوال الناس، ما يتعلق باختيار الإنسان في أمر دينه، وما يتعلق باختيار الإنسان في رأيه وملبسه، وكذلك قوله، وكذلك في ذهابه ومجيئه، وما يتبع ذلك من أخلاق من فتنة الإنسان ما يسمى بأبواب الحريات، أو فتنة الإنسان ما يتعلق في ولده وماله، وكذلك أيضاً زوجه، وما يتعلق أيضاً بأمور الفضيلة ما تقدم الإشارة إليه في الدعوة إلى حرية اللباس أو التعري أو ما يدعى إليه بحرية الشذوذ، أو تحريم بعض الأصول المستقرة في الشريعة الثابتة في كلام الله أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصمة المرأة مثلاً بكون عصمتها بيد الرجل، وكذلك ولاية الرجل على المرأة وقوامته عليها والوجوه في ذلك، وكذلك ما يسمى بحرية الإنسان بالزنا، وكذلك أيضاً الشذوذ، وما يتعلق بأمور الميراث وغير ذلك من الفتن المتنوعة التي تطرح بين عشية وضحاها، خاصة في زمن الانفتاح في زماننا، انفتاح الفضائيات واتحاد اللغات عند كثير من الناس، فأصبح المشرقي يعرف لغة المغربي والمغربي يعرف لغة المشرقي ونحو ذلك، وإن لم يعرفها فإنها تترجم في ساعتها، بينما كان في الأزمنة السابقة الشر مع وجوده في الأزمنة السابقة إلا أنه يبقى في بيئته ولغته، فالاطلاع عليه ضئيل، ولكن يقال: إن الشر قد يوجد في أذهان كثير من الناس ولو لم يخالطوا أهل الفتنة، وكذلك الفرقة والشقاق والفتنة في دين الله جل وعلا.

    وأعظم الفتن هي تقليب الأمور، ولهذا قال الله جل وعلا: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ [التوبة:48] ، فتقليب الأمور في دين الله جل وعلا، قلب الموازين، قلب الأمور الواجبة، قلب المصالح، قلب المفاسد التقليل من شأنها، هذا من الأمور التي لا يزيلها إلا مجيء الحق الذي بينه الله سبحانه وتعالى ولو كره الكافرون.

    لهذا ينبغي للإنسان أن يكون من أهل المعرفة بالحق في ذاته وأهل التبصر به، وكذلك معرفة الأدلة الواردة في ذلك قدر إمكانه ووسعه، وهذا من أحوج ما يكون إليه الناس في زماننا، وذلك دفعاً للشر ودفعاً للفتنة، وكذلك توضيحاً وتجليةً للحق الظاهر البين، ونحن أحوج ما نكون إلى إظهار البينات المحكمات التي هي أصل الدين في زمن وجد أو سهل الوقوف على مسائل العلم، فكثير من مسائل العلم البينة الظاهرة يتخللها شيء من الأمور المتشابهة، سواءً ما يتعلق بالأمور المنسوخة أو ما يتعلق بالأمور الخاصة أو ما يتعلق بأمور قضايا الأعيان أو ما يتعلق بالأخبار الضعيفة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فهمت على غير وجهها، فإنها تظهر للناس أكثر من ظهور المحكمات البينات، وهذا سبيل أهل النفاق الذين يبغون الفتنة، كما في قول الله جل وعلا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] ، مع كون هذه المتشابهات أموراً قليلة، وذلك أن الأمر البيني أو القضية البينية التي هي بين قطبين تكون ضعيفة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عامر بن شراحيل عن النعمان عليه رضوان الله تعالى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات ) ، وفي رواية وهي الأصح: ( مشبهات لا يعلمهن كثير من الناس ).

    في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مشبهات لا يعلمهن): إشارة إلى عدم العلم وهو الجهل بها، وكذلك أيضاً بوجودها، قد يجهل كثير من الناس وجود هذه المشبهات على الناس، ولكن في حال علم الناس بهذه المشبهات تكون هذه الفتنة، وهذه هي طريقة أهل النفاق التي ذكرها الله جل وعلا، وتكون لسببين: وذلك لابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ابتغاء الفتنة يريدون بذلك الاضطراب، وكذلك خلخلة التوازن في معرفة مراتب الخير وكذلك الأحكام الشرعية، خلط أمور الخير بالشر، خلط أمور الحق بالباطل، خلط أمور الصواب بالخطأ وغير ذلك.

    وكذلك خلط مراتب الدين في ذاتها، وهذا من أعظم الفتن أيضاً في زماننا، نجد كثيراً من الناس من يدعو إلى باب من أبواب الخير، وهذا الباب من أمور الخير هو في ذاته خير ولكن بالنسبة لمفهوم الإسلام تاماً فإن الاقتصار عليه يعد من أمور الشر.

    لهذا معرفة مراتب الدين، ومعرفة أحكام الشريعة على النحو الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم الأمور الواجبة المتحتمة على الإنسان، كذلك أيضاً معرفة دركات الشر وما يجب على الإنسان دفعه من الأمور المهمة، كثير من الناس لحبه للخير وكذلك غيرته ينشغل قلبه ببعض الأمور المحرمة وينشغل بها دفعاً، وينبغي أن ينشغل بما هو أولى منها.

    ونحن -بإذن الله عز وجل- في سلسلة هذه الدروس سنتكلم على القضايا التي وقع فيها نوع قلب وخلخلة في ميزانها من جهة قيمتها في ذاتها، من جهة مراتبها، صورها، أنواعها، حقيقتها من جهة الكتاب والسنة، هذا من أعظم ما ينبغي أن يتبصر به الإنسان، وخاصةً في زمننا ما يتعلق بقضايا التوحيد، ما يتعلق بقضايا الأخلاق، وكذلك ما يتعلق ببعض مسائل الأحكام الشرعية والحدود وغير ذلك، وهذا ما نجعله على مراتب بإذن الله سبحانه وتعالى.

    ودرس الأحد القادم نتكلم فيه عن الحجاب بين الفقه الأصيل والفقه البديل، ونبين أحكام الحجاب من جهة الشريعة صوره، أنواعه، أدلته، الأقوال التي وردت فيه، المستند الذي يستندون عليه، مقامها من جهة القوة والضعف، أقوال السلف في ذلك على وجه الإنصاف والاعتدال على نحو ما يريده الله جل وعلا حسب الوسع والطاقة، والإنسان في ذلك يجتهد في أمثال هذه المسائل.

    ومنها ما يكون ظاهراً بيناً محكماً قطعياً، ومنها ما يدور فيه شيء من مسائل الخلاف، ومنها ما هو خلاف مفتعل، ومنها ما يكون فيه مصطلحات تقلب من جهة الميزان، وكذلك تقليل شأن هذه المسألة وقيمتها من جهة الشريعة، هل هي من الأصول العظيمة؟ وهل هي من الفرعيات والجزئيات أو القشور كما يسميها بعض الناس؟ هذا من الأمور التي حدث فيها نوع اضطراب وفتنة وقلب للأمور، ونسأل الله عز وجل أن يسدد الخطى في المحاضرة القادمة بإذن الله عز وجل، أول أحد من الشهر القادم.

    وفقني الله وإياكم لمرضاته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.