إسلام ويب

أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها [7]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من أعظم ما يحافظ عليه العبد المسلم من العبادات الصلاة، فهي صلته بربه سبحانه وتعالى، وما تقرب العبد إلى ربه بشيء مثل كثرة السجود، والانطراح بين يديه سبحانه، وهي مكفرة لما يقارفه العبد من الذنوب. والصلاة هي أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة، فإن أتمها وإلا نظر في تطوعه حتى تكمل به فريضته، ثم ينظر بعد ذلك في سائر أعماله بمثل ذلك.

    1.   

    باب ما جاء في التطوع في البيت

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في التطوع في البيت.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو الأحوص عن طارق عن عاصم بن عمرو، قال: ( خرج نفر من أهل العراق إلى عمر، فلما قدموا عليه قال لهم: ممن أنتم؟ قالوا: من أهل العراق. قال: فبإذن جئتم؟ قالوا: نعم. قال: فسألوه عن صلاة الرجل في بيته، فقال عمر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما صلاة الرجل في بيته فنور، فنوروا بيوتكم ).

    حدثنا محمد بن أبي الحسين قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن عاصم بن عمرو عن عمير مولى عمر بن الخطاب عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه.

    حدثنا محمد بن بشار و محمد بن يحيى، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قضى أحدكم صلاته فليجعل لبيته منها نصيباً، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً ).

    حدثنا زيد بن أخزم، و عبد الرحمن بن عمر قالا: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تتخذوا بيوتكم قبوراً ).

    حدثنا أبو بشر بكر بن خلف قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد، قال: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما أفضل الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد، إلا أن تكون صلاة مكتوبة ) ].

    في حديث ابن عمر السابق دليل على النهي عن الصلاة في المقبرة، وذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تتخذوا بيوتكم قبوراً )، وجاء في رواية: ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ).

    1.   

    باب ما جاء في صلاة الضحى

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في صلاة الضحى.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث، قال: ( سألت في زمن عثمان بن عفان والناس متوافرون -أو متوافون- عن صلاة الضحى، فلم أجد أحداً يخبرني أنه صلاها -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- غير أم هانئ، فأخبرتني أنه صلاها ثمان ركعات ).

    حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وأبو كريب قالا: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن موسى بن أنس عن ثمامة بن أنس عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة، بنى الله له قصراً من ذهب في الجنة ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية، قالت: ( سألت عائشة: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: نعم، أربعاً، ويزيد ما شاء الله ) ].

    وكانت عليها رضوان الله تعالى لا تدعها، وكانت تقول: لو نشر أبواي ما تركتها، يعني صلاة الضحى.

    قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن النهاس بن قهم عن شداد أبي عمار عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من حافظ على شفعة الضحى، غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر ) ].

    1.   

    باب ما جاء في صلاة الاستخارة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في صلاة الاستخارة.

    حدثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدثنا خالد بن مخلد قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال، قال: سمعت محمد بن المنكدر يحدث عن جابر بن عبد الله قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر -فيسميه ما كان من شيء- خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو خيراً لي في عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم -يقول مثل ما قال في المرة الأولى- وإن كان شراً لي فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيثما كان، ثم رضني به )].

    ووقع خلاف في مسألة هذا الدعاء، هل يكون في آخر الصلاة قبل السلام أم بعدها، هما قولان معروفان، وهنا أيضاً: هل للإنسان أن يستخير بلا صلاة؟ يعني يدعو هذا الدعاء بلا صلاة؟ هو جاء مرتبطاً بالصلاة، ولا يثبت في ذلك شيء، ولكن لو دعا الإنسان في الأمور التي تكون عجلى، وربما لا يتسع وقت الإنسان لأداء صلاة في أمرها، فنقول: يدعو، ويكون من جملة الدعاء العام، ولا حرج في ذلك.

    والاستخارة تكون في الأمور التي يتردد فيها الإنسان، وليس في الأشياء التي قضى فيها الله سبحانه وتعالى، ما قضى الله جل وعلا فيه لا يسوغ للإنسان أن يستخير فيه، إلا إذا تردد بين أمرين فاضلين، فيريد الإنسان أن يقدم بينهما، وذلك كصلة الإنسان لرحمين متساويين في الحق، يستخير في الذهاب إلى هذا أو إلى هذا، أو حقين متشابهين، صلة الرحم، أو أداء العمرة، وكلها مستحبة وقد أسقط الواجب عليه، وأمثال هذا.

    أما ما شرعه الله عز وجل فيستخير في أصله هذا خطأ، وهذا أيضاً من الاستهانة بالشريعة، أن الله عز وجل يقضي في أمر ثم تستخير فيه، ولهذا الله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، فإذا قضى الله جل وعلا في أمر فليس للإنسان أن يخاير فيه أو يستخير، فنقول: قضى الله عز وجل في هذا الأمر، فعلى الإنسان أن يتوجه للعمل به، نعم يستخير في الرفقة، أأذهب إلى الحج مع فلان أو مع فلان، أو يستخير في الزمن، أأذهب إلى الحج اليوم أو غداً، وهو يريد أن يسقطه هذا العام، أو أذهب إلى العمرة هذا الأسبوع أو الذي يليه، وهو مبيت الأداء، فهذا ممكن، لكن لا يجعل الاستخارة على الأصل.

    وأما تكرار الاستخارة، فنقول: يستخير الإنسان مرة واحدة كافية، وما يقدره الله عز وجل للإنسان خير، وعلى الإنسان أن يأخذ بالرضا والتسليم في ذلك، والقناعة أن الله عز وجل لن يختار له إلا الأمر الخير.

    1.   

    باب ما جاء في صلاة الحاجة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في صلاة الحاجة.

    حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا أبو عاصم العباداني عن فائد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، قال: ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من كانت له حاجة إلى الله أو إلى أحد من خلقه، فليتوضأ وليصل ركعتين، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، أسألك ألا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها لي، ثم ليسأل من أمر الدنيا والآخرة ما شاء الله، فإنه يقدّر ).

    حدثنا أحمد بن منصور بن سيار قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: حدثنا شعبة عن أبي جعفر المدني عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف: ( أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله لي أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت لك وهو خير، وإن شئت دعوت، فقال: ادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد، إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه في ) ].

    1.   

    باب ما جاء في صلاة التسبيح

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في صلاة التسبيح.

    حدثنا موسى بن عبد الرحمن أبو عيسى المسروقي قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا موسى بن عبيدة قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد مولى أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبي رافع، قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: يا عم! ألا أحبوك، ألا أنفعك، ألا أصلك، قال: بلى يا رسول الله! قال: فصل أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا انقضت القراءة فقل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشرة مرة قبل أن تركع، ثم اركع فقلها عشراً، ثم ارفع رأسك فقلها عشراً، ثم اسجد فقلها عشراً، ثم ارفع رأسك فقلها عشراً، ثم اسجد فقلها عشراً، ثم ارفع رأسك فقلها عشراً قبل أن تقوم، فتلك خمس وسبعون في كل ركعة، وهي ثلاثمائة في أربع ركعات، فلو كانت ذنوبك مثل رمل عالج، غفرها الله لك، قال: يا رسول الله! ومن لم يستطع يقولها في يوم؟ قال: قلها في جمعة، فإن لم تستطع فقلها في شهر، حتى قال: فقلها في سنة ) ].

    ولا يثبت في صلاة الحاجة خبر، ولا في صلاة التسابيح، بل صلاة التسابيح أضعف من صلاة الحاجة، وصلاة الحاجة أمثل، فقد جاء في معناها بعض الأحاديث، لكن من غير اسمها، فبعضهم يلحقها بهذا المعنى، وبعضهم يجعلها من الصلاة العامة، كما في حديث عتبان وغيره.

    قال: [ حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري قال: حدثنا موسى بن عبد العزيز قال: حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب: يا عباس! يا عماه! ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل لك عشر خصال، إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، وقديمه وحديثه، وخطأه وعمده، وصغيره وكبيره، وسره وعلانيته. عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة قلت وأنت قائم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقول وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً، ثم تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، فذلك خمسة وسبعون في كل ركعة، تفعل في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تستطع ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة ) ].

    1.   

    باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان.

    حدثنا الحسن بن علي الخلال قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن أبي سبرة عن إبراهيم بن محمد عن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر لي فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا، حتى يطلع الفجر ).

    حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي ومحمد بن عبد الملك أبو بكر، قالا: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حجاج عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة، قالت: ( فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فخرجت أطلبه، فإذا هو بالبقيع، رافع رأسه إلى السماء، فقال: يا عائشة! أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: قد قلت، وما بي ذلك، ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب ).

    حدثنا راشد بن سعيد بن راشد الرملي قال: حدثنا الوليد عن ابن لهيعة عن الضحاك بن أيمن عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن ).

    حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار قال: حدثنا ابن لهيعة عن الزبير بن سليم عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سمعت أبا موسى عن النبي، نحوه ].

    ولا يثبت في فضل النصف من شعبان خبر عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هي أقوال لبعض التابعين، وجاء أيضاً عن بعض المتأخرين من فقهاء مكة.

    1.   

    باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر.

    حدثنا أبو بشر بكر بن خلف قال: حدثنا سلمة بن رجاء، حدثتني شعثاء عن عبد الله بن أبي أوفى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين ).

    حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد بن عبدة السهمي عن أنس بن مالك: ( أن النبي بشر بحاجة، فخر ساجداً ).

    حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، قال: لما تاب الله عليه خر ساجداً.

    حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي وأحمد بن يوسف السلمي قالا: حدثنا أبو عاصم عن بكار بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه عن أبي بكرة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر به، خر ساجداً، شكراً لله تبارك وتعالى ) ].

    سجود الشكر ثابت، وثمة نصوص ليست بالقليلة فيه، وهو من جهة الثبوت يلي سجود التلاوة صحة.

    وسجود الدعاء المنفرد لا يصح فيه شيء، كذلك أن يركع الإنسان ركوعاً منفرداً لا أصل له، ولهذا نقول: من المسائل المهمة أن الصلاة فيها قيام وركوع وسجود، والسجود جاء بلا صلاة، أما الركوع والقيام لفم يأت بلا صلاة، بل جاء داخلاً فيها، وعلى هذا نقول: إن من سجد لغير الله كفر؟ لأن السجود منفرداً عبادة، لكن من ركع لغير الله، لا يكفر؛ لأن الركوع ليس بعبادة، إلا إذا نوى الإنسان العبادة، لأن الأصل أن الركوع ليس فيه عبادة، لكن لو أن الإنسان سجد لغير الله ولو قال: إني لا أنوي العبادة، نقول: السجود لا يكون إلا عبادة أصلاً، وكذلك إذا قام الإنسان لأحد، لا يعد ذلك عبادة في الإسلام، ولهذا نقول: إن القيام والركوع ليس بعبادة منفردة وإنما هو عبادة في الصلاة، أما السجود فهو عبادة في الصلاة وخارجها، ويكفر من سجد لغير الله ظاهراً، ولا يكفر من ركع أو قام لغير الله؛ لأن القيام والركوع ليس عبادة إلا في الصلاة.

    أما إذا نوى الإنسان العبادة، نقول: لو نوى الإنسان العبادة ولو لم يركع، فهو كافر بالله سبحانه وتعالى إذا قال: أنا أعبد فلاناً، نقول له: لم تصل أصلاً، أو لم تركع أو لم تقم، فهذا كفر في ذاته، أما كفر العمل فلا يكفر بالركوع ولا يكفر بالقيام.

    وهذا لا يعني جواز أن يركع الإنسان لغير الله باعتبار أن فيه نوع تعظيم، ويكفي أن النبي عليه الصلاة والسلام قد شدد في أمر القيام، وهو أهون من الركوع، ونهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يحب الإنسان أن يقام له ويتمثل الناس له قياماً، ولكن نتكلم هنا عن مسألة الكفر وعدمه.

    وما ثبت من قيام النبي عند مرور الجنازة، نقول: قيامه ليس للجنازة، إذ جاء التعليل في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: ( إن للموت لفزعاً ).

    1.   

    باب ما جاء في أن الصلاة كفارة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في أن الصلاة كفارة.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و نصر بن علي قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا مسعر، وسفيان عن عثمان بن المغيرة الثقفي عن علي بن ربيعة الوالبي عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي بن أبي طالب، قال: ( كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا ينفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف صدقته، وإن أبا بكر حدثني وصدق أبو بكر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من رجل يذنب ذنباً، فيتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين- وقال مسعر: ثم يصلي- فيستغفر الله، إلا غفر الله له ).

    حدثنا محمد بن رمح قال: أخبرنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن سفيان بن عبد الله أظنه عن عاصم بن سفيان الثقفي: ( أنهم غزوا غزوة السلاسل، ففاتهم الغزو، فرابطوا، ثم رجعوا إلى معاوية وعنده أبو أيوب وعقبة بن عامر فقال عاصم: يا أبا أيوب! فاتنا الغزو العام. وقد قال: أخبرنا أنه من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه. فقال: يا ابن أخي! أدلك على أيسر من ذلك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غفر له ما تقدم من عمل. أكذلك يا عقبة؟ قال: نعم ).

    حدثنا عبد الله بن أبي زياد قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثني ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال: حدثني صالح بن عبد الله بن أبي فروة أن عامر بن سعد أخبره قال: سمعت أبان بن عثمان يقول: قال عثمان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أرأيت لو كان بفناء أحدكم نهر يجري يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، ما كان يبقي من درنه؟ قال: لا شيء، قال: فإن الصلاة تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن ).

    حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا إسماعيل بن علية عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عبد الله بن مسعود: ( أن رجلاً أصاب من امرأة، يعني ما دون الفاحشة، فلا أدري ما بلغ، غير أنه دون الزنا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأنزل الله سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]، فقال: يا رسول الله! ألي هذه؟ قال: لمن أخذ بها ) ].

    تكفير الصلوات وكذلك الطاعات للمعاصي ولو لم يستحضر الإنسان ذنباً بعينه، هي تأتي على ما علم وعلى ما لم يعلم، وهذا على الخلاف في مسألة الكبائر.

    وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده، أن جعل الطاعات تمحو الذنوب، وذلك أن الإنسان لا يستحضر كل ذنب، فالإنسان مجبول على النسيان، يفعل الذنب ثم ينساه، فإذا كانت التوبة لا تكون إلا على ذنب يعينه الإنسان فيتوب منه عيناً، على هذا يدون في صحيفة الإنسان من الذنوب ما نسيها فلا يتذكرها إلا عند الله، ولكن الله عز وجل رحم العباد بأن جعل الطاعات تمحو السيئات ولو لم يستحضرها الإنسان، فهذه التي تخرج مع قطر الماء من الوضوء، كذلك الصلوات كفارة لما بينها، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، يتخلل هذا العام وهذه الأوقات والأيام والليالي، من الذنوب ما لا يستحضره الإنسان، وتأتي على تلك بهذه الطاعات.

    كذلك الاستغفار المجمل يأتي على الذنب الغائب، إذا قال الإنسان: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وأكثر من ذلك، هو يطلب ستراً من الله وغفراناً وتكفيراً لذنوبه، يأتي بمقدار الاستغفار يستوعب الذنب، ولكن كلما كان الاستغفار مع استحضار الذنب عيناً كان أقوى للتكفير.

    1.   

    باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها.

    حدثنا حرملة بن يحيى المصري قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك، حتى آتي على موسى عليه السلام، فقال موسى: ماذا افترض ربك على أمتك؟ قلت: فرض علي خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت ربي، فوضع عني شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت ربي، فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي. فرجعت إلى موسى، فقال: ارجع إلى ربك. فقلت: قد استحييت من ربي ) ].

    وفي هذا استشارة الأعلى للأدنى، وأخذ الأعلى برأي الأدنى مع منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو سيد ولد آدم، يأخذ برأي من دونه من إخوانه من الأنبياء، وكذلك يستشيرهم.

    وكذلك فيه: جواز المراجعة في الأمر الواحد مرات، فإذا راجع النبي ربه فيراجع الإنسان أخاه، ويراجع الإنسان العالم، ويراجع الحاكم، مرة ومرتين وثلاث وأربع، وغير ذلك ما أراد بذلك خيراً.

    والذي يأنف ويتكبر من المراجعة من ملأ الله عز وجل قلبه كبراً، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ربما يراجع في الأمر مرات ولا يأنف عليه الصلاة والسلام، إلا إذا كان مراجعة في حد أو في حكم من أحكام الله سبحانه وتعالى، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام ربما راجع في بعض أصحابه المرة والمرتين وغير ذلك.

    قال: [ حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شريك عن عبد الله بن عصم أبي علوان عن ابن عباس، قال: ( أمر نبيكم بخمسين صلاة، فنازل ربكم أن يجعلها خمس صلوات ).

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز عن المخدجي عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن جاء بهن لم ينتقص منهن شيئاً، استخفافاً بحقهن، فإن الله جاعل له يوم القيامة عهدًا أن يدخله الجنة، ومن جاء بهن قد انتقص منهن شيئاً، استخفافاً بحقهن، لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ).

    حدثنا عيسى بن حماد المصري قال: أخبرنا الليث بن سعد عن سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول: ( بينما نحن جلوس في المسجد، دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، قال: فقالوا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك، فقال له الرجل: يا محمد! إني سائلك ومشدد عليك في المسألة، فلا تجدن علي في نفسك، فقال: سل ما بدا لك. قال الرجل: نشدتك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، قال: فأنشدك الله، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، قال: فأنشدك بالله، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، قال: فأنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر ) ].

    وفي هذا تواضع النبي عليه الصلاة والسلام وجلوسه مع أصحابه، ولهذا لم يعرف النبي عليه الصلاة والسلام مميزاً بجلسة، فقال: أيكم محمد؟ يعني لا يدري، فقيل: هذا الرجل الأبيض المتكئ.

    كذلك فيه: أنه ناداه باسمه ولم يسدل عليه لقباً، فقال: أيكم محمد؟ وما قال أيكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فلهذا الإنسان إذا كان له ألقاب أو شيء فيتجرد منها مع الناس، إن نودي بها فمن الناس وإليهم، وإلا لا يطلب من ذلك لقباً، مع كون هذا اللقب هو لقب من الله سبحانه وتعالى، وله من المعاني العظيمة التي جعلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أشرف الألقاب بعد مقام العبودية، فرسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ما أنف ولا ضجر.

    كذلك فيه: احتياط هذا الأعرابي لدينه، والشدة في هذا.

    وفيه أيضاً: جواز دخول البهائم عرضاً للمسجد، ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمر قال: كانت الكلاب تقبل وتدبر، وجاء في السنن زيادة: وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية في البخاري في أحد نسخه: وتبول، وهي في ذلك الزمن لم يكن عليها فرش ولا بسط.

    وفيه أيضاً: أن الإنسان إذا طلب منه يمين مغلظة أو نحو ذلك لحياطة أو شيء من هذا، فإنه يعطي اليمين بلا أنفة، فكيف إذا كان هذا الأمر يتعلق بأمر دين، فلا يقول: تكذبني أو لا تصدقني أو نحو ذلك، لأن الناس يريدون أن يستوثقوا لدنياهم، ولدينهم من باب أولى.

    قال: [حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي قال: حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثنا ضبارة بن عبد الله بن أبي السليك قال: أخبرني دويد بن نافع عن الزهري قال: قال سعيد بن المسيب: إن أبا قتادة بن ربعي أخبره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله عز وجل: افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهداً أنه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي ) ].

    1.   

    باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

    حدثنا أبو مصعب المديني أحمد بن أبي بكر قال: حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن رباح، وعبيد الله بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام ).

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه.

    حدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة في مسجدي هذا، أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام ).

    حدثنا إسماعيل بن أسد قال: حدثنا زكريا بن عدي قال: أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ) ].

    وهذه المساجد لجملة الأحكام الواردة فيها، لا يجوز فيها تقليل حجمها، يعني تصغير الحجم، ولا يجوز فيها تغيير المكان ولو لشبر؛ لتعلق الأحكام بها، ولكن يجوز الزيادة، وقد أشار إلى هذا بعض العلماء، فنقل ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى إجماع السلف من الصحابة والتابعين على أنها لا تنقص من أي جهة من جهاتها، وإنما يزاد عليها، ولا تحول عن موضعها إلى موضع آخر، لتعلق الأحكام بها.

    1.   

    باب ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس.

    حدثنا إسماعيل بن عبد الله الرقي قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا ثور بن يزيد عن زياد بن أبي سودة عن أخيه عثمان بن أبي سودة عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: ( قلت: يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس! قال: أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه؟ قال: فتهدي له زيتاً يسرج فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه ).

    حدثنا عبيد الله بن الجهم الأنماطي قال: حدثنا أيوب بن سويد عن أبي زرعة السيباني عن يحيى بن أبي عمرو قال: حدثنا عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لما فرغ سليمان بن داود عليهما السلام من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة ).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ).

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا محمد بن شعيب قال: حدثني يزيد بن أبي مريم عن قزعة عن أبي سعيد، و عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، وإلى مسجدي هذا ) ].

    فضل الصلاة في المسجد الأقصى لا خلاف فيها، ولكن ثبوت عدد التضعيف فيه نظر، الثابت المسجد الحرام ومسجد النبي عليه الصلاة والسلام، أما المسجد الأقصى فثبت تفضيل الصلاة فيه، ولم يثبت الخبر في عدد التضعيف.

    1.   

    باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة عن عبد الحميد بن جعفر قال: حدثنا أبو الأبرد مولى بني خطمة أنه سمع أسيد بن ظهير الأنصاري، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ( صلاة في مسجد قباء كعمرة ).

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل و عيسى بن يونس، قالا: حدثنا محمد بن سليمان الكرماني، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول: قال سهل بن حنيف: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة ) ].

    1.   

    باب ما جاء في الصلاة في المسجد الجامع

    1.   

    باب ما جاء في بدء شأن المنبر

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في بدء شأن المنبر.

    حدثنا إسماعيل بن عبد الله الرقي قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشاً، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: هل لك أن نجعل لك شيئاً تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمعهم خطبتك؟ قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات، فهي التي على المنبر، فلما وضع المنبر، وضعوه في موضعه الذي فيه، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم إلى المنبر، مر إلى الجذع الذي كان يخطب إليه، فلما جاوز الجذع، خار حتى تصدع وانشق، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت الجذع، فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، وكان إذا صلى صلى إليه، فلما هدم المسجد وغير، أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب، وكان عنده في بيته حتى بلي، فأكلته الأرضة وعاد رفاتاً ).

    حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي قال: حدثنا بهز بن أسد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس وعن ثابت عن أنس: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر ذهب إلى المنبر، فحن الجذع فأتاه فاحتضنه فسكن، فقال: لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة ).

    حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي حازم، قال: ( اختلف الناس في منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أي شيء هو؟ فأتوا سهل بن سعد فسألوه، فقال: ما بقي أحد من الناس أعلم به مني، هو من أثل الغابة، عمله فلان مولى فلانة، نجار، فجاء به، فقام عليه حين وضع، فاستقبل القبلة وقام الناس خلفه فقرأ ثم ركع ثم رفع رأسه فرجع القهقرى حتى سجد بالأرض، ثم عاد إلى المنبر، فقرأ ثم ركع فقام، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض ).

    حدثنا أبو بشر بكر بن خلف قال: حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان التيمي عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم إلى أصل شجرة- أو قال: إلى جذع- ثم اتخذ منبراً، قال: فحن الجذع. قال جابر: حتى سمعه أهل المسجد، حتى أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحه فسكن، فقال بعضهم: لو لم يأته لحن إلى يوم القيامة )].

    وفي هذا أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ما كانوا يتعلقون بالأعلام، وإنما يتعلقون بالأعمال، فهذه الرسوم التي توجد من تماثيل عند المتأخرين، والتمسك بها، وكونها آثاراً، أو عظيمة، أو مر عليها النبي، أو مر عليها فلان، أو نحو ذلك، هذا مما عطل العمل، وذلك أنها شغلت مكاناً عظيماً في القلوب، وهذا الجذع الذي سمعه الصحابة حنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعوه بأنفسهم، فما حافظوا عليه ولا اقتنوه، وهم أعلم الناس به وبمكانه، وحينما غير أخذ وأبعد كغيره، ولو كان لدى المتأخرين لوضع في المتاحف، وأخرجت الفتاوى فيه للحفاظ عليه، ولمكانته، وغير ذلك من إيراد ألفاظ وعبارات التعظيم والتمسك بالتراث والتاريخ وغير هذا.

    ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله يعلمون ويرون الحصى الذي نطق في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والماء الذي نبع، والأواني التي كثر فيها الماء، والبهائم التي نطقت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك النخلتين التي جمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستتر بهما، والجذع الذي حنّ، وكل هذه الأشياء، هذه أعلام تمضي، ولكن العبرة بالعمل، ولهذا فاقوا غيرهم لتعلقهم بذلك، فعظمت آثارهم وعظم نفعهم في هذه الأمة وفي أنفسهم.

    وقد يشكل عند البعض احتفاظ أبي بن كعب بالجذع بعد ذلك، فيقال: هذا ليس من باب التعظيم، وإنما هو من نظير ما جاء عن أم سلمة أنه كان لديها إناء النبي صلى الله عليه وسلم تضع فيه شعرات له، ومنبر النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً لم يكن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يضعونه للناس، ولا يجمعونه، ولا ينصبونه معلماً، فنقول في مثل هذا: يكون من جملة القنية الذي يأخذه الإنسان، لا يتبرك به، ولا يعرضه للناس، ولا يدعو الناس إليه، كما يجري عليه المتأخرون.

    1.   

    باب ما جاء في طول القيام في الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في طول القيام في الصلاة.

    حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة وسويد بن سعيد، قالا: حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، قال: ( صليت ذات ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء، قلت: ما ذاك الأمر؟ قال: هممت أن أجلس وأتركه ).

    حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن علاقة سمع المغيرة يقول: ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه. فقيل: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً ).

    حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد، قال: حدثنا يحيى بن يمان قال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى تورمت قدماه، فقيل له: إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً ).

    حدثنا بكر بن خلف أبو بشر قال: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت ) ].

    1.   

    باب ما جاء في كثرة السجود

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في كثرة السجود.

    حدثنا هشام بن عمار و عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيان، قالا: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن كثير بن مرة أن أبا فاطمة حدثه، قال: قلت: ( يا رسول الله! أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله، قال: عليك بالسجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة ).

    حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي قال: حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: ( لقيت ثوبان فقلت له: حدثني حديثاً عسى الله أن ينفعني به، قال: فسكت، ثم عدت فقلت مثلها، فسكت، قلت ثلاث مرات، فقال: عليك بالسجود لله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة ).

    قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته، فقال مثل ذلك.

    حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن خالد بن يزيد المري عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن الصنابحي عن عبادة بن الصامت، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، فاستكثروا من السجود ) ].

    والمراد بكثرة السجود هو كثرة الصلاة، باعتبار أنه في كل ركعة سجدتين، فغلب هذا الاستعمال في الصلاة في كثير من النصوص.

    1.   

    باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و محمد بن بشار قالا: حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن علي بن زيد عن أنس بن حكيم الضبي، قال: قال لي أبو هريرة: إذا أتيت أهل مصرك فأخبرهم أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع. فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك ) ].

    وإكمال الفرائض من النوافل، المراد بذلك إكمال النافلة للفريضة في وقتها، لا أن تكمل النافلة لفريضة لم تؤد، لأنه قد جاء من حديث أبي بكر: ( أن الله عز وجل لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة )، والمراد بالنافلة التي تكمل الفريضة تكمل فريضتها، فنافلة الظهر تكمل الظهر، والمغرب تكمل المغرب، وهكذا، لكن لو ترك المغرب وأدى النافلة، ما قبلها الله عز وجل منه؛ لأنها تبع للفرض.

    قال: [ حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن زرارة بن أوفى عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم (ح)

    وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد قال: أخبرنا حميد عن الحسن عن رجل عن أبي هريرة و داود بن أبي هند عن زرارة بن أوفى عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن أكملها كتبت له نافلة، فإن لم يكن أكملها، قال الله سبحانه لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع، فأكملوا بها ما ضيع من فريضته، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك ) ].

    1.   

    باب ما جاء في صلاة النافلة حيث تصلى المكتوبة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في صلاة النافلة حيث تصلى المكتوبة.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا إسماعيل بن علية عن ليث عن حجاج بن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله. يعني: السبحة ).

    حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا ابن وهب عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يصلي الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه ) ].

    1.   

    باب ما جاء في توطين المكان في المسجد يصلى فيه

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في توطين المكان في المسجد يصلى فيه.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع (ح)

    وحدثنا أبو بشر بكر بن خلف قال: حدثنا يحيى بن سعيد قالا: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن تميم بن محمود عن عبد الرحمن بن شبل، قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث: عن نقرة الغراب، وعن فرشة السبع، وأن يوطن الرجل المكان الذي يصلي فيه كما يوطن البعير ).

    حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي: ( عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، أنه كان يأتي إلى سبحة الضحى فيعمد إلى الأسطوانة دون المصحف، فيصلي قريباً منها، فأقول له: ألا تصلي هاهنا؟ وأشير إلى بعض نواحي المسجد، فيقول: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى هذا المقام ) ].

    لا حرج في تحديد مكان في المسجد يتخذه الإنسان موضعاً يصلي فيه النافلة، أو يقوم فيه من الليل، إذا لم يكن فيه تضيق على المصلين، كذلك في بيته لا حرج أن يتخذ موضعاً للصلاة يصلي فيه، أما التوطين ويسمى بحجز مكان في المسجد فهذا منهي عنه.

    1.   

    باب ما جاء في أين توضع النعل إذا خلعت في الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في أين توضع النعل إذا خلعت في الصلاة.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن محمد بن عباد عن عبد الله بن سفيان عن عبد الله بن السائب، قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح، فجعل نعليه عن يساره ).

    حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب و محمد بن إسماعيل قالا: حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألزم نعليك قدميك، فإن خلعتهما فاجعلهما بين رجليك، ولا تجعلهما عن يمينك ولا عن يمين صاحبك، ولا وراءك فتؤذي من خلفك ) ].

    نقف على هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.