إسلام ويب

شرح كتاب الصيام من منار السبيل [5]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الفقه في مفطرات الصيام، يعتبر الفقه في باب الصيام؛ لأن من أدرك المفطر اجتنبه واحترز منه، فصار محافظاً على صيامه، من قولهم عرفت الشر لتوقيه، وصار اليوم عمدة الناس في الإفتاء هو السؤال عن مفطرات الصيام، فلذلك من المهم أن يُلم طالب العلم إلماماً واسعاً في هذا الباب.

    1.   

    تابع مفطرات الصيام

    القيئ عمداً للصائم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    اللهم اغفر لنا ولشيخنا يا رب العالمين!

    قال الشيخ ابن ضويان رحمه الله تعالى: [ (السادس: القيء عمداً) قال ابن المنذر : أجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامداً؛ ولحديث أبي هريرة مرفوعاً: ( من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض )، رواه أبو داود و الترمذي ].

    ذكر المصنف رحمه الله من المفطرات القيء عمداً، وذكر إجماع العلماء عليهم رحمة الله تعالى على هذا, وعمدتهم في ذلك هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقض ).

    وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد و أبو داود وغيرهما من حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث فرد غريب, ذلك أنه تفرد به عيسى بن يونس , وإن كان ثمة متابعة للحديث من وجه آخر إلا أن العلماء ينكرونها، جاء من حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان ، وعامة الحفاظ الأوائل على إنكار هذا الحديث، فقد أنكره الإمام أحمد ، و علي بن المديني ، وكذلك النسائي ، و البخاري رحمه الله، بل إن البخاري أخرج في كتابه الصحيح ما يخالف هذا الحديث موقوفاً على أبي هريرة عليه رضوان الله.

    وهذه المسألة بهذا الدليل لا يقطع بثبوت الإجماع فيها؛ لأنه قد ثبت الخلاف عن الصحابة عليهم رضوان الله في ذلك، وجاء أيضاً عن التابعين خلاف ذلك.

    إذاً: الإجماع في هذا غير متحقق، والدليل في ذلك أيضاً ضعيف وهو العمدة. ولكن ثمة مسألة عند العلماء وهي الحديث الضعيف ربما يكون العمل عليه، والحديث الصحيح ربما يكون العمل على خلافه، وهذا من المسائل القليلة، وذلك أن الأصل في الأحاديث الصحيحة أن العمل يكون عليها، والأحاديث الضعيفة الأصل أن العمل على خلافها باعتبار أنه لابد من العمل أن يكون له مستند من النص المرفوع, إما من كلام الله سبحانه وتعالى أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن مسألة القيء وأن من استقاء يجب عليه القضاء، هذا التفصيل يحكى فيه الاتفاق، وقد حكاه جماعة كما أشار إلى هذا المصنف رحمه الله.

    أولاً: بالنظر إلى هذه المسألة, ينبغي أن نقرر جملة من المسائل:

    أولها: أن ثبوت الدليل وعدمه ليس دليلاً على قول من الأقوال, وذلك أنه ربما يكتنف الدليل الصحيح عدم العمل، وربما يكتنف الدليل الضعيف العمل عليه، وهذا في بعض المسائل، ولهذا قد ذكر غير واحد من العلماء أحاديث ضعيفة يجب العمل عليها، وذكر غير واحد من العلماء أحاديث صحيحة العمل على خلافها.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يبحث في مسألة من المسائل ووجد دليلاً صحيحاً أن لا يبادر إلى القول به حتى ينظر إلى مسألة إجماع الصدر الأول أعني: الصحابة، وهل عملوا بذلك أو لم يعملوا؟ ولماذا؟ هل لأن أقوال الصحابة هي أعلى مرتبة وأقوى حجة من الدليل المرفوع؟ لا، وإنما هي تعطي توجيهاً للحديث المرفوع لأن الشريعة محكمة، وأولى الناس بالاقتداء والامتثال هم الصحابة.

    ولهذا يقول غير واحد من العلماء: إن الحديث المرفوع الذي لم يثبت أن الصحابة قد عملوا به لا ينبغي العمل به؛ لماذا؟ ليس رداً للمرفوع، وإنما هو رد للعمل به, وذلك أن الصحابة ربما علموا النسخ، أو علموا التخصيص، أو علموا أن هذه الحادثة وهذا الحكم نزل على قضية عين لا عموم لها، وذلك في قضايا الأعيان، فإذا جاء نص عليها ينبغي أن لا يعمم.

    هل تفسر هذا المعنى الأهواء، أم يفسره الدليل وعمل الصحابة؟ يفسره الدليل وعمل الصحابة، ولهذا جاء عن إبراهيم النخعي قوله: كل حديث يردني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يعمل به أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، لا أبالي أن أرمي به، ليس المراد بذلك رمي الوحي، ولكن المراد بذلك العمل والحكم به؛ لماذا؟

    لأن أعلى الناس امتثالاً هم من اختارهم الله لصحبة نبيه، الذين يتسابقون على الاقتداء والاهتداء به، ويعظمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن إجلالهم لا يحدون النظر إليه، وإذا بزق النبي عليه الصلاة والسلام اقتتلوا على بزاقه، ويقتتلون على وضوئه، ألا يجلونه من جهة العمل؟ يجلونه من جهة العمل، فإذا لم يرد العمل عنهم خاصة في المسائل الظاهرة البينة فهذه أمارة على أن هذا الحديث مما لا يعمل به.

    هذا الأمر لابد أن يتقرر، ولهذا الاختلال في هذه المسألة أوجد بعض الأطروحات سواء عند المتأخرين أو عند المتوسطين من بعض أهل الحديث الذين ليسوا من فقهاء الحديث، وهذا يظهر في المدرسة الحديثية التي لا تهتم بالأثر، وإنما تهتم بالفقه، فتأتي إلى الدليل الصحيح ثم تقول به، ثم يتفاجأ أن بالمسألة إجماع على خلافه، فتجد أنه قال بهذا القول إمام من القرن الخامس أو السادس، أو لا يعرف هذا القول مثلاً في القرن العاشر أو الحادي عشر.

    السبب في هذا: أنه صح عنده الدليل فقال به، وما نظر إلى الإجماع، ولهذا الأئمة عليهم رحمة الله يجلون عمل الصحابة وتركهم، ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: الإجماع إجماع الصحابة، ومن بعدهم تبع لهم، يعني: إذا قالوا بشيء وأجمعوا عليه لا ينبغي للإنسان أن يصير إلى خلافه.

    هناك شيء معناه صحيح ولكن العمل بمقتضاه خطأ، وهو تعظيم الدليل وهيبته وأننا متعبدون بالوحي، وهذا المعنى صحيح، ولكن يستعمل استعمالاً خاطئاً بضرب الإجماع، أي: إجماع الصحابة الذين أخذوا إجماعهم العملي من الوحي أصلاً ولو لم ينصوا عليه، وأن يضرب فهمه بالدليل الصحيح ويضرب فهمه بما جاء عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وهذا من الأمور المهمة التي ينبغي أن تضبط.

    الأمر الثاني: وهي مسألة الإجماع, هل هذا الإجماع الذي يحكى في مسألة القيء ثابت ؟ نقول: إن الإجماع ليس بثابت، وعرف الخلاف في أعلى طبقة, وهي طبقة الصحابة عليهم رضوان الله، ولهذا قد جاء من حديث عمرو بن الحكم عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى: أنه سئل عن القيء فقال: لا يفطر, إنما يفطر الصائم مما دخل لا مما خرج، وهذا إسناده صحيح، وقد أخرجه البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح، وكأنه يشير إلى العمل به, وذلك أن من طريقة البخاري رحمه الله أنه إذا أراد أن يقول بحكم من الأحكام فإنه يورد الحديث الذي يؤيد ذلك الدليل، وإذا لم يجد دليلاً يؤيد هذه المسألة نزل مرتبة، وأورد أثراً في ذلك يؤيد هذا الدليل، ولو كان البخاري رحمه الله يقول بهذا الحديث لأورده على أقل أحواله معلقاً، ولكنه قدم موقوفاً على صحابي على حديث مرفوع أصرح يزعم فيه الإجماع، ولهذا نقول: إن الخلاف في ذلك معروف.

    والأظهر في هذا أن القيء لا يفطر الصائم، وذلك لأمور:

    أولها: أن الأصل عدم الفطر.

    الأمر الثاني: عدم ثبوت الدليل عن النبي عليه الصلاة والسلام، والمفطرات لابد فيها من دليل.

    الأمر الثالث: أن القول بأن القيء يفطر الصائم خارج عن الأصل, والأصل أن الفطر يكون ضد الإمساك، والإمساك في ذلك أن الإنسان يمسك عن المفطرات التي تدخل جوفه من أكل وشرب، أما القيء فهو إخراج شيء من جوفه.

    الأمر الرابع: أننا إذا قلنا بأن الفطر يكون مما يخرج من جوف الإنسان فيلزم من ذلك أيضاً أن اللعاب والنخام والبلغم وغير ذلك مما يخرج من جوف الإنسان مفطر, إذ لا حد لما خرج من جوف الإنسان بالقول بفطره، ولو قلنا بالاطراد في هذه المسألة للزم من ذلك أن نقول بجملة من الأحكام التي لا يقول بها الأئمة عليهم رحمة الله.

    المنافذ الطبيعية إلى جوف الإنسان

    قال رحمه الله: [ (السابع: الاحتقان من الدبر) نص عليه ].

    يقول: (الاحتقان من الدبر)، ينبغي أن أتكلم على أصل في أبواب المفطرات وهو, أن المفطرات التي دل الدليل عليها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ظواهر القرآن الأصل فيها أنها مما يدخل إلى جوف الإنسان، وأيضاً ما كان يؤدي إلى ذلك الحكم، وشيء من الأفعال جاء به النص أنه يفطر الصائم وليس هو مما يدخل إلى جوف الإنسان، وذلك كالحجامة مثلاً وما في حكمها، وكذلك أيضاً الجماع وخروج المني من الإنسان ولو يكون بغير جماع في كلام عامة العلماء.

    لهذا ينبغي أن نقول: إن المنافذ إلى جوف الإنسان على ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: منافذ قطعية أي أنها توصِل إلى جوف الإنسان، وهذه المنافذ القطعية أصلها الفم والأنف، فإنهما منفذان قطعيان إلى جوف الإنسان بوصول الطعام إليه، فمن وضع شيئاً في فمه متعمداً ثم وصل إلى جوفه فقد أفطر إذا تعمد ذلك؛ لأن الطعام يوضع في الفم لأجل الأكل، وكذلك الشراب يوضع في الفم لأجل الأكل، فإذا وصل إلى جوفه فإنه مفطر بذلك.

    وأما إذا أدخله في فمه من غير قصد الإيصال إلى الجوف، كتذوق الطعام، والماء المتبقي بعد المضمضة وشوص الصائم فمه بالسواك وغير ذلك مما يفعله الإنسان، فهذا لا يفطر؛ وذلك لأنه لم يقصد الوصول إلى جوفه، ولكن من وضع في فمه شيئاً ولم يقصد أن يخرجه بعد ذلك فالأصل أنه يفطر؛ لأن هذه منافذ أصلية.

    النوع الثاني: منافذ ظنية، والمنافذ الظنية هي العين, وبعض الفقهاء يذكر الأذن، وبعض الفقهاء يتوسع في أبواب المنافذ الظنية، فيجعل منها الاحتقان بالدبر، ومنها أيضاً الإحليل، والإحليل ذكر الرجل، وكذلك أيضاً قبل المرأة، من العلماء من يجعله ظنياً، وهذا يرجع فيه إلى كلام أهل المعرفة والطب.

    نجد في كلام بعض الفقهاء من ينص على بعض المفطرات على أنها تنفذ إلى الجسم, ويجعل ذلك قطعياً، والأطباء يقولون: إن هذا ليس منفذاً أصلاً إلى الجوف، يعني: لا يصل إليه, وكأنه أجرى الماء على يده من جهة قطعية عدم وصوله إلى الجوف.

    بالنسبة للعين هي منفذ ظني عند عامة الفقهاء باعتبار أن الإنسان إذا وضع شيئاً ربما ينفذ إلى حلقه فيجد الطعم، فالذي يضع مثلاً قطرة أو نحو ذلك ربما يصل وهو منفذ ظني، لكن الظنية في ذلك ضعيفة، ويتفرع عن هذا كلام بعض الفقهاء فيما يتعلق بما يوضع في العين من السوائل كالقطرات أو ما يوضع في العين مثلاً من الكحل وما في حكمها، هل يصل إلى الجوف أو لا يصل؟

    فمن يقول بقوة هذا المنفذ فإنه يقول بالتفطير, وينهى عن وضع هذه الأشياء في العين، ولهذا في كلام بعض الفقهاء النهي عن الكحل، والكحل لا يثبت في النهي عنه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نعم جاء عند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن النعمان بن أبزى عن أبيه عن جده: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الكحل الإثمد المروح وقال: ليتقه الصائم )، يقول الترمذي رحمه الله لما أخرج هذا الخبر ولا يصح في هذا الباب شيء، يعني: عن النبي عليه الصلاة والسلام في أبواب الكحل, فلم يثبت عنه أنه نهى أو ذكر أن الكحل يفطر الصائم، فيبقى الأمر على أصله.

    وبهذا نقول: إن عدم ثبوت شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام دليل على أن الكحل وما يوضع في العين لا يفطر الصائم، ولا ينفذ إلى الجسم، ولهذا نقول: إن ما يوضع في العين من قطرات وما يوضع فيها من كحل لا يضر الإنسان؛ لأن هذا المنفذ منفذ ظني ضعيف يوصل إلى الجوف لكن في حالات يسيرة, وذلك مثلاً عند انفتاح بعض المسامات في بعض الأشخاص أو نحو ذلك، ولكن الأصل أنه لا يصل إلى الجوف إلا في حال المبالغة مثلاً في القطرات، أو في نوع منها، أو مثلاً في انفتاح بعض المسامات في بعض الأشخاص.

    ولهذا لا يمنع الإنسان من وضعها, ولكن يجب عليه أن يحتاط كاحتياطه في المضمضة، فأنا أقول: لا تبالغ، يعني: لا تكثر من وضع شيء في ذلك حتى لا ينفذ على سبيل الاحتياط، وكذلك نقول في المضمضة؛ لأن الفم منفذ أصلي للجوف: إنه يكره له المبالغة في المضمضة والاستنشاق ولا تحرم عليه، ولهذا الفقهاء لا يذكرون المبالغة في المضمضة والاستنشاق من المفطرات، وإنما يحتاج الإنسان لها، كذلك أيضاً في مسألة القطرات في العين فالإنسان يحتاط في هذا ولا يكثر منها حتى لا تنفذ إلى عينه.

    أما بالنسبة للأذن فيذكرها كثير من الفقهاء على أنها منفذ ظني، وأهل الطب يقولون: إنها ليست منفذاً ظنياً، وإنما هي منفذ إلى الجوف مغلق يفتح إذا فتحت طبلة أذن الإنسان فحينئذ يصل إلى الجوف، فإذا فتحت الطبلة ووضع الإنسان قطرات فإنها تصل إليه. وهذا هو النوع الثاني, وهو منفذ إلى الجوف, ولكنه إذا أصبح في الإنسان علة أو فتح إلى جسد الإنسان فإنه ينفذ إليه.

    ولهذا نقول: إن القطرات في الأذن وما في حكمها أيضاً من جهة الأصل لا تفطر الصائم، إلا إذا كان الإنسان لديه في الطبلة شقوق فإنها تصل إلى جوف الإنسان، وحينئذ يمنع من وضعها إذا كانت هذه حاله.

    النوع الثالث: وثمة أمور أخرى غير المنافذ، ليست منفذاً قطعياً ولا ظنياً ولا منفذاً مغلقاً يفتح، وهي جسد الإنسان, كالمسامات الموجودة في الإنسان, ومن بشرته والجروح التي تكون فيه وغير ذلك، هل هي منافذ توصل إلى الجوف أو لا توصل إلى الجوف؟ يذكر بعض الفقهاء في ذلك كلاماً كثيراً، حتى إنهم يقولون: لو كان في جسد الإنسان جرح أو في رأسه أو نحو ذلك فإنه منفذ إلى الجوف فلا يضع فيه شيء، ويثبت أهل الطب أن هذا محال.

    وأما مسألة استغناء الإنسان عن الماء أو الأكل بالشيء اليسير، فنقول: الشريعة لا تعلق بذلك حكماً، وإلا فالإنسان خاصة في الأجواء الرطبة يستنشق شيئاً من الهواء فيصل شيء من قطرات الماء في المواضع الرطبة إلى الجوف, وأما الجافة فإنه لا يكاد يصل إليه منها إلا الشيء الذي لا يكاد يدرك حتى بالعلم الحديث.

    ولهذا نقول: إن ما يكون في جوف الإنسان من ترطيب البدن أو الاغتسال أو وضعه على الجروح ونحو ذلك ليس من المنافذ.

    المغذيات والإبر للصائم

    يبقى ما يتكلم فيه أهل الطب مما ليس منفذاً إلى الجوف, ولكنه يغني الجسد كإغناء الطعام الذي يصل إلى الجوف، وذلك أن الطعام يأكله الإنسان ثم يصل إلى معدته, ثم بعد عملية الهضم يمتص وينتشر في الجسم عبر جسد الإنسان سواء كان ذلك من عروق أو أوردة أو غير ذلك مما يستفيد منه جسد الإنسان.

    وهناك ما يغني عن هذا فلا يصل إلى هذه المراحل وهو يسمى بالمغذيات التي توضع في الوريد, فيستعملها الإنسان إذا كان بحاجة إلى غذاء ولا يستطيع أن يتناول بنفسه, ويستعملها الإنسان في حال كبر سنه، أو الرجل الذي يعاني من حالة إغماء؛ لأنه لا يستطيع الأكل بنفسه فيوضع له مثل هذا الشيء، فيكفيه عن الأكل والشرب ولو مكث على ذلك سنوات، فهذه تدخل في حكم المنفذ الأصلي بالاتفاق؛ لماذا؟

    لأنها تؤدي ما يؤديه، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات في الأثر، فما تشابه من جهة تحقق الغاية يعطي حكمه، فالأكل والشرب هو الذي يغني الإنسان ويقيم بدنه، فما أقام بدنه مما لا يأكله الإنسان مما يصل في أوردته فإنه حينئذ يأخذ حكمه.

    وأما النوع الثاني مما يأخذ حكم المنافذ غير الأصلية من المنافذ الظنية أو المنافذ التي تحتاج إلى فتح لتصل إلى الجوف، فهو ما كان طريق العضل في جسد الإنسان من الشرايين أو غير ذلك مما يتناوله الإنسان من إبر ونحو ذلك، هل هذه مفطرات أم ليست بمفطرات؟ نحملها على نوعين:

    النوع الأول: ما كان مغذياً، يعني: يعطي الإنسان إما نشاط وقوة بدنية, أو يعطيه نوعاً من القدرة على الاستغناء عن الطعام, وذلك مما يأخذه الإنسان عن طريقة عضلة أو غير ذلك فهذا يأخذ حكم الأكل والشرب.

    وأما النوع الثاني: فهو الذي لا يغذي الإنسان ولا يقوم مقام الأكل والشرب, وإنما يكون ذلك في جسد الإنسان لعلاج عاهة, كالذي يؤخذ مثلاً من الأدوية التي تعالج حساسية الجلد، أو تعالج مثلاً شيئاً في جسد الإنسان لكنها لا تعطيه غذاء, كبعض الأدوية التي تعطى عن طريق العضل فهذا الأصل فيه أنه لا يفطر الصائم.

    قد يقول قائل: إن بعض الأطباء يقولون إن ثمة نسبة يسيرة من الغذاء في ذلك، يعني: مما يغني الإنسان.

    نقول: الشريعة لا تتعلق بأمثال هذه الدقائق، بحيث لو أن هذا الشيء اليسير تناوله الإنسان عن طريق فمه ما كان شيئاً مذكوراً، ولهذا الشريعة ما جاءت بالتشديد والاحتراز على لعاب الإنسان أو على المضمضة, إذا تمضمض الإنسان فالشارع نهى عن المبالغة، ولكن ما منع من المضمضة مع أن الماء لا طعم له, ولو تمضمض الإنسان قطعاً سيوجد في فمه شيء من ذلك, وربما تحلل إلى جوفه وهو لا يشعر، فلهذا نقول: لا حكم ولا اعتبار بالشيء الذي لا يرى.

    هل الأبخرة والدخان تفطر

    ويدخل في هذا الباب ما يصل إلى جوف الإنسان من الأبخرة التي لا تصل إلى معدته، كبخاخات علاج الربو وما في حكمها، فهذه يتناولها الإنسان وتصل إلى رئتيه من جهة الأصل، لكنها لا تصل إلى المعدة إلا في النزر أو في حالات يسيرة، فهي لا تفطر الصائم؛ لأن حكمها حكم الهواء.

    وأما بالنسبة للدخان فهل يأخذ حكم هذه البخاخات أم لا؟ نقول: لا. لا يأخذ حكمها؛ لماذا؟ لأنه يشرب ويصل إلى المعدة، ولهذا يسميه الناس شرباً، يقول: فلان يشرب دخان، فهذا يصل إلى الجوف، أضف إلى ذلك أنه ينشط البدن، إذاً: يأخذ حكم الغذاء, فالغذاء من غاياته تنشيط البدن وتنبيهه. فإذاً: يقوم ببعض خصائص الغذاء، ولهذا نقول: إنه يفطر الصائم.

    الاحتقان في الدبر أثناء الصوم

    وأما في كلام المصنف هنا يقول: (الاحتقان من الدبر)، يذكر الفقهاء عليهم رحمة الله الاحتقان من الدبر والإحليل وهي: فتحة الذكر، فإحليل الذكر يذكر بعض الفقهاء أنها منفذ إلى الجوف، والأطباء يقولون: ليست منفذاً إلى الجوف، وهذا هو الصحيح، أنها ليست منفذ إلى الجوف، فإذا أخذت قطرات أو شيء من هذا عن طريق الإحليل فإنها لا تفطر الصائم.

    أما بالنسبة للدبر, فإنه منفذ إلى الجوف, ولهذا يتناول فيه بعض الأدوية التي تغني عن الأكل الذي يأخذه الإنسان في معدته، فتستعمل بعض الأدوية في مثل هذا الموضع، لهذا نقول: إن تناول شيء من الأدوية في مثل هذا الموضع يفطر الصائم، وهذا كما أنه في الرجل والمرأة، كذلك أيضاً في قبل المرأة على السواء في كونه يفطر الصائم.

    ويقول: إذا كان عما يكون من احتقانه عن طريق الدبر، هل يلزم من ذلك أن يكون مغذياً؟ لا يلزم، كما لو تناول الإنسان الدواء كالذي يأخذ مثلاً حبوب اسبرين أو بندول عن طريق الدبر, فهذا ليس مغذياً بل هو مسكن، لكن حتى لو أخذها عن طريق الفم هي تفطر؛ لماذا؟ لأنها ستصل إلى الجوف، فالمعدة في ذاتها هي آلة امتصاص ثم تذيب ذلك وتوصله إلى جسد الإنسان وربما أغناه.

    كذلك أيضاً ما هو أدق من هذا أن الجسد يستغني بالشيء إذا وصل إلى الجوف في المعدة ولو لم يكن مغذياً أو علاجاً، كالذي يتناول بعض الأشياء القاسية مثل: الحصا أو التراب أو غير ذلك فهذا ربما يغنيه، ولهذا كان العرب إذا جاعوا يضعون الحجار على بطونهم؛ لماذا؟ لأنها تسد الفراغ وتقلص المعدة ويشعر الإنسان بالشبع المتوهم، بخلاف إذا كانت ممتدة.

    كذلك أيضاً المعدة إذا امتلأت, أو سد فراغها بشيء أعطاها نوع من الغنى فلا تؤلم الإنسان من جهة جوعه، ولهذا نقول: ما وصل إلى معدة الإنسان مغذياً أو غير مغذي فهو يفطر الصائم، وبعض الفقهاء من أهل الرأي, كما يروى هذا عن أبي حنيفة أنه كان يتسامح في الشيء اليسير الذي لا ينتفع به قوام الإنسان، كنحو الحمصة أو دون ذلك إذا تناولها الإنسان يقول ليست غذاء وليست أكلاً، ولكن نقول: إنه أكل إذا تعمده الإنسان، لأن الذي يأخذ الحمصة الأولى فالحمصة الثانية ما حكمها؟ يأخذ حمصة الصباح وحمصة الظهر ويقول: الأولى لا تفطر، والثانية تأخذ حكمها، وإذا قال: يأخذ حمصة وربعاً أو حمصة ونصفاً ثم يتجاوز في هذا، لذا نقول: ولو بربع حمصة يفطر الصائم إغلاقاً للباب.

    أما البخور، والطيب، فهل يفطر الصائم أو لا يفطره؟ الأبخرة لا تفطر، الطيب لا يفطر الصائم، الذي يجده مثلاً الإنسان هكذا ولأنه يصل إلى الرئتين، الدخان الذي يشرب عن طريق الفم ويبلع، فهذا حكمه يختلف، فهذا يفطر. أما الطيب فيستنشق.

    بلع النخامة للصائم

    قال رحمه الله: [ (الثامن: بلع النخامة إذا وصلت إلى الفم) لعدم المشقة بالتحرز منها بخلاف البشارة، ولأنها من غير الفم أشبه بالقيء، وعنه لا تفطر لأنها معتادة في الفم أشبه بالريق قاله في الكافي ].

    ما يكون في فم الإنسان من الريق أو النخامة أو البلغم فمخرجه من جوف الإنسان، وإنما تلك إفرازات، إما إفرازات جوفية تكون من جوف معدة الإنسان تخرج إلى فمه، أو يكون ذلك أيضاً من لعابه الذي يخرج من غدده مما دون المعدة، فهذا بجوف الإنسان ويأخذ حكمه؛ لأنه لم يدخل إلى جوفه من خارجه فلا حرج عليه.

    ويتكلم بعض الفقهاء عن بعض المسائل في ذلك كريقه إذا أخرجه ثم بلعه هل يفطر أو لا يفطر؟ نقول: إذا انفصل عنه وأرجعه فذلك يفطر، وهو أيضاً عمل مستقذر.

    الحجامة أثناء الصوم

    قال المصنف رحمه الله: [ (التاسع: الحجامة خاصة حاجماً كان أو محجوماً) نص عليه, وهو قول علي و ابن عباس و أبو هريرة و عائشة رضي الله عنهم، وبه قال إسحاق و ابن المنذر و ابن خزيمة قاله في الشرح لحديث ].

    وقوله: (الحجامة خاصة حاجماً كان أو محجوماً نص عليه)، مسألة الحجامة والفطر فيها, الحجامة معروفة, وهي: إخراج الدم الفاسد من غير العروق من جسد الإنسان في أي موضع كان، ولها طرق عند العرب, وكذلك أيضاً لها طرق في الأثر.

    واختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في الحجامة هل تفطر الصائم أم لا على قولين: فذهب جمهور العلماء إلى أنها لا تفطر, وهذا قول مالك و الشافعي و أبي حنيفة , وجاء ذلك أيضاً عن جماعة من الصحابة عليهم رضوان الله، فجاء عن عبد الله بن عمر و سعد بن أبي وقاص ، وجاء أيضاً عن عبد الله بن مسعود عليهم رضوان الله.

    ويستدلون بما جاء في البخاري من حديث أيوب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم, واحتجم وهو صائم )، وقد اختلف في هذا الحديث -وإن كان في الصحيح- من وجوه: من جهة متنه ومن جهة إسناده، من جهة متنه هل النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم صائم، أو احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم؟ فهما حالان: جاء هذا اللفظ وجاء هذا.

    واختلف في إسناده بين الوصل والإرسال، فجاء من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس ، واختلف على حماد في هذه الرواية على وجهين: تارة يرويه حماد عن أيوب عن عكرمة مرسلاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، وتارة يرويه حماد عن أيوب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وظاهر صنيع البخاري أنه يميل إلى عدم الفطر بالحجامة؛ وذلك أنه أخرج حديث عبد الله بن عباس ولم يخرج ما يخالفه, مع أن البخاري رحمه الله يصحح حديث شداد بن أوس وحديث ثوبان في قوله: ( أفطر الحاجم والمحجوم ) .

    القول الثاني في هذه المسألة: يقولون بفطر الحاجم والمحجوم, ويستدلون بالحديث الذي سيشير إليه المصنف رحمه الله, وهو حديث شداد وكذلك ثوبان ، وجاء أيضاً عن غيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أفطر الحاجم والمحجوم )، وهذا الحديث قد وقع فيه كلام كثير، وهو حديث يصححه الأئمة، الإمام أحمد ، و أبو داود ، و النسائي ، و الدارقطني ، ويصححه البخاري ، و علي بن المديني أيضاً، ولا أعلم أحداً يضعفه من الأئمة الأوائل إلا يحيى بن معين رحمه الله فإنه ضعف هذا الحديث، بل قال: لا يصح في هذا الباب شيء، لكن لما بلغ الإمام أحمد رحمه الله ذلك قال: هذه مجازفة، يعني: أن الحديث صحيح، وهذا هو الظاهر أن حديث: ( أفطر الحاجم والمحجوم ) صحيح, وهذا الذي عليه عامة الأئمة خلافاً لـيحيى بن معين عليه رحمة الله. ووافق الإمام أحمد على قوله هذا جماعة من الأئمة من الفقهاء سواء كانوا من المتأخرين أو كانوا من الأئمة الأوائل كـإسحاق بن راهويه وغيره، فإنهم يقولون بالفطر من الحجامة.

    والذي يظهر والله أعلم أن الحجامة لا تفطر الصائم؛ وذلك لحديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ) .

    وأما بالنسبة لحديث شداد بن أوس و ثوبان وهما صحيحان، فما القول فيهما؟ فنقول: إن القول فيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك ثم نسخه وهذا احتمال؛ لأنه قد جاء من حديث الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: ( رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للصائم بالقبلة والحجامة )، يعني: أنها كانت منهية قبل ذلك, ثم رخص النبي عليه الصلاة والسلام بها، وهذا أحد وجوه التوجيه لحديث: ( أفطر الحاجم والمحجوم ) .

    يؤيد ذلك ويعضده أن الصحابة عليهم رضوان الله ظاهر عملهم على عدم الفطر من الحجامة، كما صح ذلك عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله, وروى كذلك مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يحتجم وهو صائم ثم ترك ذلك، وتركه لذلك إما تركه لمخافة الضعف أو من باب الاحتياط، وجاء ذلك أيضا عن عروة بن الزبير أنه كان يحتجم وهو صائم، وجاء أيضاً عن سعد بن أبي وقاص فقد روى عنه ابنه أنه كان يحتجم وهو صائم, وجاء ذلك أيضاً عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله.

    وأما القول بالفطر من الحجامة, وأن الفطر يفطر الصائم, فهذا جاء عن جماعة من العلماء على ما تقدم الإشارة إليه.

    ولكن الذي يظهر والله أعلم أن عمل عامة الصحابة على خلافه، ولهذا نميل إلى ترجيح القول بعدم الفطر من الحجامة لهذه الأسباب، ومن أظهرها هو أن عامة الصحابة على خلاف ذلك، فإنه جاء عنهم أنهم كانوا يحجمون وهم صيام، فنقوم بالنظر في هذا الحديث وتوجيهه, إما أن يكون منسوخاً أو أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك من أجل أن لا يتضرر الصائم، وهذا له وجه؛ وذلك أنه قد جاء من حديث أنس بن مالك أنه قال: ( إنما كرهت الحجامة للصائم مخافة الضعف)، يعني: حتى لا تتسبب بضعفه فيفطر فيحتاج إلى ذلك.

    ولهذا نقول: إن الحجامة بالنسبة للصائم على حالين:

    الحالة الأولى: إذا غلب على ظنه أنه إذا فعلها ضعف وأفطر فإنها تأخذ حكم المفطر للصائم كتناول الماء والأكل وغير ذلك؛ لماذا؟ لأنه متيقن أنه إذا فعل الحجامة ضعف بدنه واحتاج إلى الأكل ليقيم بدنه، فهو إذاً لازم وذلك أنه سيفطر، حينئذ نمنعه من ذلك إلا إذا كان مضطراً إلى هذا، كمن يخشى على نفسه، أو نصح بمعالجة، أو مثلاً فيه خراج يريد أن يزيله ويخرج معه دم من جراحة أو نحو ذلك, عن طريق حجامة أو غير ذلك، فيريد أن يستعمل الحجامة في نهاره ويستعجل فيها، فيقال: يفعل كحال الضرورات وكحال الأمراض التي يستعمل الإنسان لها شيئاً من الأدوية، ويدخل في هذا ويفطر.

    الحالة الثانية: إذا غلب على ظنه أنه لو فعل ذلك ما تضرر، هذا يدخل في دائرة الاحتياط أن الأولى لا يفعل خروجاً من الخلاف؛ لأجل أن لا يعرض له شيء من الضعف، فحينئذ لو فعل فلا حرج عليه، وذلك أن الأحكام الشرعية لا تتعلق بالظن من جهة الاحتمال في وقوع الإنسان في شيء من المفطرات ونحوه، فالأمور تتعلق بالأغلب، وكذلك أيضاً بالقطع.

    ويقولون: هو قول علي ، و ابن عباس ، و أبي هريرة ، و عائشة ، يعني: الفطر من الحجامة، وهذه الآثار معلولة، وقد روى النسائي في كتابه السنن وكذلك عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث قتادة عن الحسن عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله أنه قال يفطر الحاجم، وجاء أيضاً عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى من حديث إبراهيم و الليث عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس ، وإسناده أيضاً ضعيف.

    وجاء أيضاً عن عائشة عليها رضوان الله تعالى يرويه عياض بن عروة عنها, وإسناده كذلك ضعيف، وهو أيضاً عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب.

    وحديث: ( أفطر الحاجم والمحجوم ) في هذا جاء عن جماعة من الصحابة على ما تقدم, أمثلها هو ما جاء من حديث شداد ومن حديث ثوبان عليهما رضوان الله، وتقدم الكلام عليه بأنه حديث صحيح.

    قال رحمه الله: [ لحديث: ( أفطر الحاجم والمحجوم )، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد عشر نفساً، قال أحمد : حديث ثوبان و شداد صحيحان، وقال نحوه علي بن المديني ].

    وهذا ما قاله البخاري وقاله أبو داود و النسائي وجماعة من الحفاظ بصحة الحديثين.

    قال رحمه الله: [ وحديث ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ) , رواه البخاري , منسوخ لأن ابن عباس راويه كان يعد الحجام والمحاجم قبل مغيب الشمس فإذا غابت احتجم، كذلك رواه الجوزجاني].

    وحديث: ( أفطر الحاجم والمحجوم )، جاء في علته في تعليله: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام مر على رجل يحجم ), وجاء في رواية: ( أنهما يغتابان, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أفطر هذا وهذا )، هذه كل الأحاديث في تسبيب ذلك ضعيفة ولا تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الفطر بإنزال المني

    قال المصنف رحمه الله: [ (العاشر: إنزال المني بتكرار النظر) لأنه إنزال عن فعل في الصوم يتلذذ به أمكن التحرز عنه أشبه الإنزال باللمس قاله في الكافي ].

    مسألة الفطر بإنزال المني سواء كان بتكرار نظر أو بمباشرة من المسائل التي تحتاج إلى الوقوف عندها، والعلماء يحتجون بهذه المسألة على أصلين:

    الأصل الأول: في مسألة الجماع في نهار رمضان، فيقيسون هذه على هذه، قالوا: لأن الغاية من ذلك هي الإنزال وقضاء الوطر، وهذا كما أنه يكون في الجماع كذلك أيضاً يكون في الإنزال، إما أن يكون بالنظر وإما أن يكون بالمباشرة.

    والأصل الثاني: أن الله سبحانه وتعالى نهى الصائم في كتابه عن الأكل والشرب والجماع، وقد قرنها الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي قال: ( يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي )، فهي مقترنة، ودلالة الاقتران عند الفقهاء هي محل خلاف، هل يؤخذ بها أو لا يؤخذ بها؟

    والأظهر أن دلالة الاقتران في ذلك ضعيفة؛ لأنها تشترك في شيء لكن لا تشترك من جميع الوجوه والأشياء, وذلك أنها تشترك من جهة النهي ولكن من جهة الاشتراك في الحكم فهذا يختلف، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، فثمة رفث وهو الجماع، وثمة الفسوق وهي: المحرمات من الكذب، والغيبة، والنميمة، والفحش، وغير ذلك مما حرمه الله سبحانه وتعالى.

    (( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ ))، الجدال هو أصله مباح أن يناقش الإنسان ويجادل، لكنه يفضي إلى مشاتمة، أو مسابة، أو حقد، أو غل، فنهى الشارع عن رأسه حتى لا يتفرع، فهذه الأشياء قرنها الله سبحانه وتعالى بالنهي بأسلوب النفي، يعني: من أراد حجاً تاماً فلا يتعرض لهذه الأشياء، فهي لا تشترك من جهة الحكم، ولكن تشترك بوجه من الوجوه.

    لهذا نقول: إن دلالة الاقتران لا يلزم اشتراكها مع بعضها من جميع الوجوه، ولكن يلزم اشتراكها ولو بأدنى وجوه الاشتراك، إما أن تشترك بأصل النهي، أو تشترك بالتحريم، أو تشترك مثلاً بالتغرير، أو تشترك بالكفارة، أو بإفساد، أو غير ذلك من وجوه الاشتراك.

    يقول هنا: (إنزال المني بتكرار النظر)، وذلك أن إنزال المني بالجماع سيتكلم عليه في مسألة الجماع، فتكلم هنا على إنزال المني بتكرار النظر.

    إنزال المني بغير جماع

    إنزال المني بغير جماع على حالين:

    الحالة الأولى: إنزاله بمماسة من غير جماع، إما أن يكون بمباشرة الرجل لزوجته من غير جماع، أو يكون ذلك بيده أو بيد زوجته مما يسمى بالاستمناء، فهذا إنزال من غير نظر وإنما بمباشرة، وهذا عند الأئمة الأربعة عليهم رحمة الله تعالى يفطر الصائم، لأنه مباشرة فأخذ حكم الجماع.

    الحالة الثانية: أن يكون إنزال بلا مباشرة وإنما بنظر أو تفكير، فهذا لم يكن فيه مباشرة، وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذه المسألة هل يفطر الصائم في ذلك أم لا يفطر؟

    اختلفوا في هذا المسألة على قولين:

    القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الإنزال حكمه واحد سواء كان بمباشرة أو غير مباشرة؛ لأن الإنسان يتعمد ذلك ويسترسل فيه، وهو يملك اختيار ذلك، سواء كان ذلك بمباشرة، أو بإدامة نظر، أو بتفكير، فوقع منه ذلك، حينئذ يأخذ الحكم سواء.

    القول الثاني: قالوا: إن الإنزال بمماسة سواء كان بمباشرة الإنسان لنفسه أو لغيره هذا هو الذي يفطر الصائم، أما الإنزال بنظر أو بتفكير فإنه لا يفطر الصائم، وذلك للفرق بين هاتين الحالتين؛ لأن تلك مباشرة وجاء دليل النهي عن المباشرة والمماسة، وهذه لا مماسة ولا مباشرة.

    قالوا: أيضاً إن مسألة القصد في المباشرة والمماسة ظاهرة، بخلاف التفكير والنظر, فإن القصد فيها أضعف، وذهب إلى هذا القول بعض السلف، جاء عن جابر بن زيد كما رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد أنه سئل عن الرجل يديم النظر في المرأة فأنزل هل يفطر أو لا يفطر؟ قال: لا يفطر، وجاء ذلك أيضاً عن الشافعي عليه رحمة الله أنه يفرق بين النظر وبين المباشرة، وجمهور الفقهاء عليهم رحمة الله تعالى لا يفرقون.

    وأما بالنسبة لحكم ذلك وتحريمه فهو محرم، وهذا مما لا خلاف فيه، فمبحثنا هنا في مسألة الفطر، هل يفطر ذلك أم لا يفطر؟ هي التي وقع فيه الخلاف، أما بالنسبة لتحريم ذلك والاسترسال فيه ونحو هذا فإن العلماء عليهم رحمة الله تعالى ينصون على تحريم ذلك إذا غلب على ظن الإنسان الوصول إليه، ويأتي ربما مزيد كلام فيما يتعلق بالقبلة للصائم؛ لأنها تشترك مع هذه المسألة في مسألة الشهوة ومبادئها.

    إنزال المني بنظر أو تفكر

    قال المصنف رحمه الله: [ (لا بنظرة ولا بالتفكر) لأنه لا يمكن التحرز منه، قاله في الكافي ].

    يقول: (لا بنظرة ولا بالتفكر)، وهنا كأنه يفرق بين النظرة الواحدة باعتبار أنها للإنسان بخلاف الاسترسال بالنظر فإنه عليه، وقالوا: لأن ذلك لا يملكه الإنسان، وهذا تعليل.

    احتلام الصائم

    قال المصنف رحمه الله: [ (والاحتلام) لأنه ليس بسبب من جهته ولا باختياره فلا يفسد الصوم بلا نزاع ].

    والاحتلام على حالين: احتلام يكون من الإنسان في غير الصيام فيصبح جنباً، واحتلام يكون من الإنسان في الصيام، الحالة الأولى هي محل اتفاق عند السلف، يروى في ذلك بعض الخلاف عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أن الصائم إذا احتلم يفطر، والصواب في ذلك: أن الإنسان إذا كان احتلامه من الليل فدخل النهار وهو على جنابة أن ذلك لا يضر.

    وأما الاحتلام في نهار رمضان فهل يفطر الصائم بهذا الاحتلام أم لا؟ نقول: إن العلماء عليهم رحمة الله الذين يقولون بأن الإنسان إذا نظر أو تفكر فإنه لا يفطر فإنهم من باب أولى يقولون في مسألة الاحتلام كذلك، وهذه المسألة قد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى فيها، والأرجح في ذلك هو ما عليه عامة السلف، أن المحتلم في نهار رمضان لا يفطر باعتبار أن الله عز وجل لا يكلفه بما لا يستطيع، وليس باختياره.

    خروج المذي أثناء الصيام

    قال المصنف رحمه الله: [ (ولا بالمذي) أي: لا يفسد الصوم بالمذي من تكرار النظر لأنه ليس بمباشرة ].

    وهذا قول جماهير العلماء، وهو قول أحمد والإمام مالك وغيرهما من الأئمة، وذهب بعض العلماء إلى أن المذي يأخذ حكم المني وهذا قول عطاء بن أبي رباح .

    والصواب في ذلك: أن المذي لا يأخذ حكم المني باعتبار أنه ليس بإنزال ولا فيه قضاء وطر، ثم أيضاً هو مما تعم به البلوى، ولا يملك الإنسان الاحتراز منه.

    خروج المني أو المذي عن مباشرة

    قال المصنف رحمه الله: [ (الحادي عشر: خروج المني أو المذي بتقبيل أو لمس أو استمناء أو مباشرة دون الفرج) لأنه إنزال عن مباشرة أشبه الجماع، وأما المذي فلتخلل الشهوة له وخروجه بالمباشرة أشبه المني، وحجة ذلك حديث عائشة رضي الله عنها: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لأربه ) ، رواه جماعة إلا النسائي ].

    هنا في مسألة خروج المني أو المذي قال: (بتقبيل أو لمس أو استمناء أو مباشرة)، تقدم معنا مسألة التفريق بين نزول المني من غير جماع، إما أن يكون بمماسة ومباشرة، وإما أن يكون بغير مماسة ومباشرة، ويسمى بالنظر والتفكر، وتقدم معنا التفصيل.

    وهنا نتكلم على مسألة التقبيل أو المباشرة، مسألة التقبيل جاء في ذلك النص عن النبي عليه الصلاة والسلام ( أنه كان يقبل وهو صائم ) , كما جاء في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى.

    يحكى اتفاق العلماء على أن من جاء عنه النهي من السلف عن القبلة للصائم أنهم لا ينهون عنها لذاتها، وإنما ينهون عنها لأنها ربما تجلب على الإنسان فطراً، حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر رحمه الله، أن النهي في هذا ليس لذات القبلة، وهذا يكاد يتفق عليه العلماء الذين يتكلموا على هذا، ولهذا العلماء لا يقولون بأن من قبَّل يفطر، وإنما ينهون عنها لذاتها، فهم لا يعلقون حكم القبلة بحكم إنزال المني، أو حكم الأكل والشرب فيجعلونها قاطعاً، ولهذا ينزلون عليها النهي ولا ينزلون عليها الفطر، ولا ينزلون عليها الكفارة؛ لأنه لا يلزم منها.

    القُبلة للصائم

    اختلف العلماء في مسألة القبلة للصائم على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: قالوا بجواز ذلك إذا غلب على الإنسان احترازه، فهذا من الأمور الجائزة لثبوت الأدلة عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل وهو صائم ) .

    والقول الثاني: قالوا بالكراهة، وهذا جاء عن جماعة من السلف، فجاء عن عبد الله بن عمر فيما رواه نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان ينهى عن القبلة للصائم، وجاء أيضاً عن عروة بن الزبير كما رواه هشام بن عروة عن عروة بن الزبير كان أيضاً يكره القبلة للصائم، وجاء أيضاً عن جماعة من الأئمة كالإمام مالك والإمام أحمد وغيرهم القول بكراهة القبلة للصائم؛ لأنها ربما تفضي إلى غيرها.

    القول الثالث: وهو قول غريب يقول باستحباب القبلة للصائم، وهذا قول ابن حزم الأندلسي يقول: إنها سنة؛ لأن النبي كان يقبل وهو صائم, وعلى هذا يستحب تقبيل الرجل لزوجه وهو صائم، وهذا قول قد يكون فيه غرابة من وجه، ولا غرابة من وجه آخر.

    وأما من غلب على ظنه عدم الوقوع في المحظور, فهل يجوز له ذلك أم لا؟ نقول: الأرجح في هذا الجواز، لثبوته عن النبي عليه الصلاة والسلام، جاء ذلك عن جماعة من الصحابة، وجاء ذلك عن عائشة ، وجاء ذلك عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وجاء أيضاً عن جماعة من الفقهاء من أصحاب عبد الله بن عباس كـــسعيد بن جبير وغيرهم.

    وقد جاء من حديث عائشة بنت طلحة عليها رضوان الله تعالى أنها تقول: كنت عند عائشة عليها رضوان الله, ومعلوم أن زوج عائشة بنت طلحة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، و عائشة تكون عمتها فهي أخت ابن أبي بكر ، فقالت عائشة لــــعبد الله بن عبد الرحمن : لماذا لا تأتي وتقبل زوجتك وتداعبها؟ فقال: أقبلها وأنا صائم؟ فقالت: نعم.

    وجاء أيضاً في المصنف من حديث سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه جاءه رجل فقال: بنيت بابنة عم لي جميلة في رمضان, فهل لي من تقبيلها سبيل؟ فقال: أتملك نفسك؟ قال: نعم. قال: فقبلها، فقال: وهل لي أن أباشرها من سبيل؟ فقال: هل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال: فباشرها، فقال: هل لي أن أضرب يدي على فرجها؟ قال: أتملك نفسك؟ قال: نعم. قال: فاضرب.

    إشارة إلى جواز ذلك شريطة أن لا يقع الإنسان في الجماع، أو ما في حكمه وهو الإنزال، وهذا في ظاهر كلام السلف أن منهم من يكره لذاتها ابتداء حتى لا تجر الإنسان إليه، ومنهم من يرخص في ذلك شريطة الاحتراز في هذا، وهذا هو ظاهر النص عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، وكذلك أيضاً عن عبد الله بن عباس .

    وتقدم معنا مسألة اللمس أو الاستمناء في هذا الباب على ما تقدم الإشارة إليه في خروج المني من الإنسان، فذكرنا النوع الأول وهو خروج بمماسة أو مباشرة فإنها تفطر بقول الأئمة الأربعة.

    لكن ثمة قول آخر في هذه المسألة, قال به ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما أن الإنزال من غير جماع لا يفطر.

    وثمة قول لبعض الأئمة عليهم رحمة الله تعالى في هذا الباب, وهو أنهم يقولون: إنه يجب عليه الإمساك ولا يجب عليه القضاء، ويحتمل من كلام بعض الأئمة القول بالفطر، لكنهم لا يقولون بوجوب القضاء؛ لأنه تعمد ذلك، ويأتي هذا معنا في مسألة الجماع؛ لأنه هنا يتكلم على المباشرة دون الفرج.

    أما الجماع, فمن جامع في نهار رمضان هل يجب عليه أن يقضي؟ هذا فرع عن مسألة هل أفطر أصلاً أو لم يفطر؟ نتكلم على هذه المسألة، ويأتي تبعاً لها في مسألة الإنزال من غير جماع، ونفصل فيها بإذن الله تعالى.

    ما يصل إلى جوف الصائم هل يفطر

    قال المصنف رحمه الله: [ (الثاني عشر: كل ما وصل إلى الجوف أو الحلق أو الدماغ من مائع وغيره فيفطر إن قطر في إذنه ما وصل إلى دماغه, أو داوى الجائفة فوصل إلى جوفه أو اكتحل بما علم وصوله إلى حلقه) لقوله صلى الله عليه وسلم: ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ) ، وهذا يدل على أنه يفسد الصوم إذا بالغ فيه بحيث يدخل من خياشيمه أو دماغه, وقيس عليه ما وصل إلى جوفه أو دماغه.

    وروى أبو داود و البخاري في تاريخه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال: ليتقه الصائم )، وإن شك في وصوله إلى حلقه لكونه يسيراً ].

    وقد تقدم الكلام معنا على المنافذ إلى الجوف, وذكرنا أنواعها هناك، وهنا في قوله: ( أنه أمر بالإثمد ) ، هذا الحديث قد جاء من حديث عبد الرحمن بن النعمان بن معوذ بن أبزى عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو حديث منكر, وقد أنكره غير واحد من الأئمة كــــابن معين ، وكذلك الترمذي رحمه الله، فقال: إنه لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والعين هي منفذ ضعيف إلى الجوف، والأصل في المنافذ الضعيفة الجواز مع الاحتراز، يحترز أن لا يكثر مثلاً من القطرات أو وضع الشيء الذي ربما يصل إلى جوفه خاصة مما اعتاد على وجود طعمه في حلقه، وهذا يعرف في حال بعض الناس إن وضع قطرات مثلاً مالحة يجد ملوحة في حلقة، أو مرة فيجد مرارة في حلقه، فهذا يوجد عند بعض الناس خاصة الذين يكثرون من استعمال القطرات في جوفه.

    شك الصائم في وصول مفطر إلى جوفه

    قال رحمه الله: [ (وإن شك في وصوله إلى حلقه لكونه يسيراً ولم يجد طعمه لم يفطر) نص عليه، (أو مضغ علكاً، أو ذاق طعاماً ووجد الطعم بحلقه) فإن لم يجده بحلقه لم يضره لقول ابن عباس رضي الله عنهما: لا بأس أن يذوق الخل والشيء يريد شراءه، حكاه عنه أحمد و البخاري ، وكان الحسن يمضغ الجوز لابنه وهو صائم، ونقل عن أحمد كراهية مضغ العلك، ورخصت فيه عائشة رضي الله عنها ].

    هنا في مسألة ما يكون في جوف الإنسان وما يكون في فم الإنسان من ماء يمضمضه أو سواك، وكذلك أيضاً ما يدخله الإنسان إلى جوفه من تذوق طعام ثم يخرجه، فهذا لا يضره، شريطة أن لا يبالغ، وأن يأخذه بقدر؛ كأن يأخذ الإنسان الطعام تذوقاً بطرف لسانه ويخرجه.

    كذلك أيضاً بالنسبة للسواك, ويدخل في هذا أيضاً معجون الأسنان، فالإنسان يتسوك بالسواك أو المعجون، ويحتاط أن لا يبالغ حتى لا يصل إلى الجوف، أو يستعمله قصداً، فيستعمل مقداراً يسيراً جداً ثم يخرجه حتى لا يتسلل إلى الجوف، وهذا تخريج عن الأصل, وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أذن بالمضمضة وإنما نهى عن المبالغة، وما قال: إن المبالغة تفطر، وإنما قال: ( وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً )، يعني: من باب الاحتياط أن لا تبالغ أما أصلها فمباحة.

    وعلى هذا نقول: إن أصل المضمضة والاستنشاق وما كان في فم الإنسان مما يصل إلى جوفه من طعام يتذوقه أو غير ذلك جائز.

    تناول العلك أثناء الصيام

    وأما بالنسبة لمضغ العلك نقول: العلك ليس المراد به العلك الموجود الآن عند الناس الذي يتحلل، وإنما العلك الموجود في السابق هو ما يمضغ في الفم من غير طعم له، أو يكون لأصله طعم ثم يزول ويمضغ ويطال في ذلك.

    ولهذا نقول: إن العلك على نوعين:

    النوع الأول: ما له طعم يتحلل منه، وهذا يأخذ حكم الأكل، فما تحلل إلى جوف الإنسان يفطر به، وهي العلوك الحديثة الموجودة الآن عند الناس، وذلك أنها أطعمة في حقيقتها، ويزول أكثرها إلى جوف الإنسان ويبقى لبها وأصلها الذي لا طعم له، وحينئذ تأخذ حكم الأكل.

    النوع الثاني: الذي لا طعم له ولا يتحلل وذلك كالعلوك القديمة التي تكون مثلاً من بعض النباتات، أو تكون مما يخرج من الأرض من القار، فإنهم يستعملون بعض علوك القار، فيعلكونها وليس لها طعم، ويكون حكمها حينئذ حكم ما يدخل إلى فم الإنسان مما لا يتحلل، كحال الحصاة، وقطعة الحديد، والورق، وغير ذلك مما يدخل إلى فمه ولا يتحلل، فيدخله ويخرجه كما كان.

    فهذا هو المقصود من العلك الذي جاء في حديث عائشة، مع أن الأثر عن عائشة عليها رضوان الله تعالى في أنها رخصت في العلك ضعيف؛ لأن في إٍسناده ليث بن أبي سليم يروي هذا الحديث، وهو ضعيف عند الحفاظ.

    بلع الريق للصائم

    قال المصنف رحمه الله: [ (أو بلع ريقه بعد أن وصل إلى ما بين شفتيه) أو بلع ريق غيره أفطر؛ لأنه بلعه من غير فمه أشبه ما لو بلع ماء. قاله في الكافي ].

    وتقدم معنا مسألة بلع الريق، وكذلك أيضاً ما يصل إلى فم الإنسان من الريق، وكذلك اللعاب، والبلغم، وغيرها مما يكون في فمه، وأن هذا لا حكم له إلا إذا خرج منه ثم أعاده فهذا يفطر، باعتباره أنه تناول شيئاً جديداً.

    الناسي والمكره في الصيام

    قال المصنف رحمه الله: [ (ولا يفطر إن فعل شيئاً من المفطرات ناسياً أو مكرهاً) نص عليه, وبه قال علي و ابن عمر ؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: ( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه )، رواه الجماعة إلا النسائي ، فنص على الأكل والشرب وقسنا الباقي، وقيس المكره على من ذرعه القيء قال: معناه في الكافي ].

    ولا يفطر إن فعل شيئاً من المفطرات ناسياً أو مكرهاً.

    وهنا لدينا مسألتان:

    المسألة الأولى: مسألة الناسي.

    القول الأول: أن من أكل أو شرب ناسياً لا شيء عليه، وهذا قول جمهور العلماء، وهو قول أبي حنيفة ، وقول الشافعي ، والإمام أحمد إلى أن من أكل أو شرب ناسياً أنه لا شيء عليه ويتم صومه، هذا من أكل معترضاً بخلاف من أكل طول النهار ناسياً، يعني: شخص بيت الصيام من الليل ثم أصبح ونسي وتذكر من الغد أن أمس كان يريد الصوم، فهل صيامه صحيح؟ لا؛ لأنه ما استحضر النية أصلاً كلها فأفطر، ولهذا نقول بعدم صحته؛ لماذا؟ لأن النية ما صاحبت العمل، وأما إذا أكل اعتراضاً فهذا معذور.

    القول الثاني: قول الإمام مالك رحمه الله -وخالفه كثير من المالكية- أن من أكل أو شرب ناسياً وجب عليه أن يقضي. وهنا يقول: (وبه قال علي و ابن عمر )، جاء عن عبد الله بن عمر بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رواه ابن حزم في كتابه المحلى، وأما أثر علي بن أبي طالب عليه رضوان الله فقد رواه البخاري في كتابه التاريخ من حديث أبي إسحاق عن كريم عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب وإسناده ضعيف، وقد أعله البخاري رحمه الله في كتابه التاريخ قال: كريم عن الحارث لا يصح.

    ومن أكل أو شرب ناسياً هل يذكر أو لا يذكر؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

    القول الأول: ذهب علي بن أبي طالب في ظاهر قوله وكذلك أيضاً ذهب عبد الله بن عمر إلى أنه لا يذكر؛ لأنه قد روى ابن حزم في كتابه المحلى من حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه استسقى عبداً له ماء، فقال: إنك صائم، فقال: أراد الله أن يسقيني فمنعتني.

    القول الثاني: قالوا بأنه يذكر، ويدخلون هذا في باب التعاون على البر والتقوى، والصواب في ذلك: أنه لا يذكر؛ لماذا؟ لأنه ما فعل منكراً؛ لأن الحديث يقول: ( أطعمه الله وسقاه )، هذه منة أو ليست منة؟ منة، الذي يشرب الخمر ناسياً هل نقول فيه: أطعمه الله وسقاه؟ لا، منكر أو ليس منكر؟ منكر، هل يذكر أو لا يذكر؟ يذكر أن ما في هذه القارورة خمر؛ لماذا؟ لأنه لا يظهر فيه المنة.

    ثم أيضاً لا مخالف لــــعبد الله بن عمر في مسألة التذكير، وهل يقاس على ذلك الجماع أم لا؟ روايتان عن الإمام أحمد : منهم من قال يذكر ومنهم من قال لا يذكر، وهما قولان عنه عليه رحمه الله، يقول: من أكل في نصف النهار ثم تذكر، نقول: لا يضر، ما وجدت النية قبل العمل وفي أثنائه، لكن متى يذكر إذا أكل؟ نقول: يذكر إذا أكل أمام الناس حتى لا يتهم في دينه فقط، كالذي يأكل في مجمع أو في سوق ونسي أنه في رمضان، إذاً لحرمة الشهر لا لذاته، ولهذا إنما رجحنا عدم التذكير؛ لأنه لا مخالف لــــعبد الله بن عمر من الصحابة فيما يظهر.

    كذلك أيضاً لا أعلم من قال بخلاف قوله من التابعين ولا من أتباعهم، وأما من يعلل ذلك بالتعاون على البر والتقوى نقول: إنه من جهة الحقيقة لم يفعل منكراً حتى يدفع عنه، ولو كان منكراً ما كان في اللفظ: ( أطعمه الله وسقاه )، بل يترك على حاله.

    لكن يذكّر في أحوال, من هذه الأحوال: إذا أكل أمام العامة دفعاً للتهمة لدينه، وكذلك الذي يأكل وينسى اليوم كاملاً أنه صائم، يذكر لماذا؟ يذكر حتى يثبت له الأجر والعمل.

    بلع الغبار والذباب للصائم من غير قصد

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا إن دخل الغبار حلقه أو الذباب بغير قصده، ولا إن جمع ريقه فابتلع.

    ويدخل في الحكم أيضاً إذا أكل أو شرب, والطعام هو الأصل في الفطر، فكيف إذا دخل إلى جوفه شيء لا يقصده الإنسان من الغبار أو أكل شيئاً ليس بطعام؟ وصل إلى جوفه كأن يضع في فمه شيء ثم وصل إلى جوفه من غير قصد كقطعة ورق أو غير ذلك فهذا مما لا يضر الإنسان.

    كذلك أيضاً بعض فتات السواك من غير قصد وصل إلى جوفه لا يتعمد هذا أيضاً لا يضره.