إسلام ويب

شرح كتاب الصيام من منار السبيل [4]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحرم على من لا عذر له الفطر برمضان، ومن الأعذار للفطر المرض والسفر وغيرها، ومن المفطرات الحيض والنفاس والردة والتردد في النية وغيرها، ومن الأحكام أنه إن أسلم الكافر، أو طهرت الحائض، أو برئ المريض، أو قدم المسافر، أو بلغ الصغير، أو عقل المجنون في أثناء النهار لزمهما الإمساك والقضاء.

    1.   

    الفطر في رمضان بلا عذر

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله: [ (ويحرم على من لا عذر له الفطر برمضان) لأنه ترك فريضة من غير عذر، وعليه إمساك بقية يومه الذي أفطر فيه, لأنه أمر به جميع النهار فمخالفته في بعضه لا يبيح المخالفة في الباقي وعليه القضاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ومن استقاء فليقض )].

    هنا يقول: (ويحرم على من لا عذر له الفطر برمضان)، وذلك لأنه كبيرة, فالصيام ركن من أركان الإسلام, فإذا أفطر متعمداً ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب على ما تقدم الكلام عليه في أوائل هذه المجالس، وهناك من السلف من قال بكفر من ترك صيام رمضان متعمداً ولو آمن بوجوبه، وهو خلاف لجماهير العلماء الذين يقولون بأن تارك الصيام متعمداً مرتكب لكبيرة, ولكنه ليس بكافر, وهذا هو الأرجح.

    يقول: (ويحرم على من لا عذر له الفطر برمضان)؛ لأنه ترك فريضة من غير عذر, وعليه إمساك بقية يومه الذي أفطر فيه، وذلك لحرمة الشهر لا لصحة سلامة صيامه؛ لأنه بفطره ذلك قد أبطل صومه, ويجب عليه في ذلك القضاء.

    وهنا في قوله: (وعليه إمساك بقية يومه الذي أفطر فيه)، هل هذا يشمل المتعمد وغير المتعمد الذي أفطر برخصة ثم زالت تلك الرخصة؟ وذلك كحال الإنسان المريض الذي يتناول دواء, فأخذ ذلك الدواء, ثم لم يحتج للأكل, هل يمسك لحرمة اليوم؟ أو الإنسان الذي كان مسافراً فأفطر في سفره, ثم أصبح مقيماً هل يمسك بقية اليوم أم لا؟ أو المرأة الحائض التي ظهر أو انتهى حيضها في أول النهار ثم انقطع عنها، هل لها أن تمسك بقية اليوم أم لا؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: منهم من قال بأن من أفطر أول النهار فليفطر آخره، وهذا جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله، ويقول به جماعة من الفقهاء من أهل الرأي وغيرهم.

    والقول الثاني: يقولون بوجوب الإمساك حرمة للشهر لا ترخصاً له، وذلك أن رخصته شيء وحرمة الشهر شيء آخر، والأحوط في ذلك أن الإنسان إذا كان من أهل الأعذار فإنه يخفي طعامه في مواضع الإقامة بخلاف غيرها مما لا يساء فيها الظن به، وذلك في الطرقات في السفر، أو في المواضع التي هي مظنة الأكل ولو كانت في دار إقامة، كالمشافي والمصحات في مواضع المرضى وغير ذلك فإنه لا يساء الظن بالمرضى؛ لأنها موضع ضعف وحاجة، وحينئذ لا حرج عليه بمثل هذا.

    وهنا في قوله: (لأنه أمر به جميع النهار فمخالفته في بعضه لا يبيح المخالفة في الباقي وعليه القضاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ومن استقاء فليقض ) )، القيء يأتي الكلام عليه بإذن الله.

    1.   

    من يجب عليه الفطر في رمضان

    قال رحمه الله: [ (ويجب الفطر على الحائض والنفساء) للحديث الصحيح: ( أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ) ].

    ويخالف في ذلك الحرورية من الخوارج الذين يقولون بالقضاء.

    قال المصنف رحمه الله: [(وعلى من يحتاجه لإنقاذ معصوم من مهلكة) كغرق ونحوه لأنه يمكنه تدارك الصوم للقضاء بخلاف الغريق ونحوه].

    إذا قامت الضرورة بالإنسان فإنه يجوز له الفطر ولو لم تكن الضرورة قائمة في ذات الإنسان، وذلك كإنقاذ غريق أو حريق، فإن الإنسان يحتاج في ذلك إلى ما يقويه، ويدخل في هذا الأمر حاجة الإنسان مثلاً إلى دفع الصائل، ويحتاج إلى الفطر فلا حرج عليه أيضاً في ذلك، أو إنقاذ الناس في حال وجود مهلكة أو غير ذلك في دار إقامة أو نحو ذلك، فيحتاج الناس إلى الفطر, فهذا مما لا حرج فيه للمصلحة.

    1.   

    الصوم في السفر

    قال المصنف رحمه الله: [ (ويسن لمسافر يباح القصر) لحديث: ( ليس من البر الصيام في السفر )، متفق عليه، ورواه النسائي وزاد : ( عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها )، وإن صام أجزأه نص عليه, لحديث: ( رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه )، رواه مسلم و النسائي ، وعن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ( أصوم في السفر؟ قال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر )، متفق عليه ].

    وبالنسبة للسفر في رمضان تقدم معنا أنه ذهب غير واحد من السلف إلى كراهة السفر في رمضان إذا دخل عليه الشهر وهو في حال إقامة، ويستدلون على ذلك بظاهر قول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، قالوا: فإذا شهد الشهر يجب عليه أن يصومه كله، وهذا جاء عن جماعة من السلف، فجاء عن عمر بن الخطاب ، وجاء عن عائشة عليه رضوان الله، كما في المصنف من حديث أم ذرة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، وذلك أنها قالت: إذا دخل رمضان ما أحب أن أسافر، وجاء ذلك عن غير واحد أيضاً من السلف في كراهة الصيام.

    ومنهم من قال بمنعه، ويروى هذا القول عن جماعة، كـعبيدة السلماني ، و أبي مجلز لاحق بن حميد ، وغيرهم من السلف أنه إذا دخل الهلال عليه في حال الإقامة ما جاز له السفر، بخلاف الإنسان إذا كان مسافراً فإنه يترخص بدخوله، هذا قول لبعض السلف, ولكن عامة السلف والفقهاء على أن الصائم إذا دخل عليه رمضان ثم أراد أن يسافر لحاجة لا تهرباً من الصيام فإن فطره حينئذ صحيح ولا حرج عليه، كالذي يذهب في رمضان لعمرة، أو يذهب مثلاً لصلة رحم، أو لحاجة من الحاجات المباحة لا نفرة من الصيام فهذا مما لا بأس به.

    وثمة قول آخر في هذه المسألة وهو أن من السلف من قال بوجوب الفطر في السفر، وهذا القول جاء عن عبد الرحمن بن عوف فإنه قال: الصوم في السفر كالفطر في الحضر، وذهب إلى هذا القول قلة من السلف، وعامة الفقهاء على خلافه.

    أما الفقهاء من الأئمة الأربعة فقد اختلفوا في مسألة الصوم في السفر على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: قالوا بأنه يجوز للإنسان أن يترخص بالفطر إلا أن صومه أفضل، وذهب إلى هذا جمهور الفقهاء، وهذا قول الإمام مالك ، والإمام الشافعي ، وعن أبي حنيفة وغيرهم.

    القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله، فإنه ذهب فيها إلى أن الفطر في السفر أفضل، ولو صام صح صومه.

    القول الثالث: وهو رواية أيضاً أخرى عن الإمام أحمد وعن أبي حنيفة إلى أنه بحسب حال الإنسان إذا كان الأيسر له الصيام فالصيام له أفضل، وإذا كان يشق عليه الصيام فالفطر له أفضل، وهذا القول قال به غير واحد من السلف كــــعمر بن عبد العزيز وغيره، وهذا هو الأرجح، وبه تجتمع الأدلة وتأتلف في مسألة الصوم في السفر، فمن الأدلة تذكر صيام النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في السفر، ومنها تذكر الفطر، ومنها من تحث على الرخصة، ونقول: إن جامع ذلك هو هذه المسألة أنه بحسب المشقة على الإنسان، والأصل في ذلك الجواز.

    قال المصنف رحمه الله: [ (ويباح لحاضر سافر في أثناء النهار) لحديث أبي بصرة الغفاري : ( أنه ركب سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداؤه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة, ثم قال: اقترب. قيل: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأكل )، رواه أبو داود ، وحديث أنس حسنه الترمذي، فإذا فارق بيوت قريته العامرة لما تقدم، ولأنه قبله لا يسمى مسافراً، والأفضل عدم الفطر تغليباً لحكم الحضر, وخروجاً من الخلاف.

    والمسافر لا يطلق عليه مسافر إلا إذا شرع بالسفر، وسمي السفر سفراً قيل لأن فاعله يسفر ويظهر ويبرز من البنيان بعد استتاره به، وقيل: إنه يسفر عن أخلاق الناس، وقيل غير ذلك.

    وهل يشترط للبدء بالفطر أن يكون السفر ليلاً فيكون النهار كاملاً في السفر أم لا حرج عليه لو سافر من نصف النهار؟ نقول: إذا سافر من نصف النهار لا حرج عليه أن يفطر أيضاً إلا أن الأفضل له أن يتم الصوم، وذلك أن الإنسان إذا عقد النية وبيت الأمر بالصيام فالأفضل له أن يتم الصوم، ولو أفطر فلا حرج عليه؛ لأنه تناول المفطر في حال عذر، كحال الصلاة، إذا كان الإنسان قد نسي صلاة في السفر أو تركها ثم أراد أن يؤديها في حضر، أو كان في حضر, ثم ترك صلاة الحضر فأداها في سفر فأنه يؤديها بحسب حاله، فإذا كان على الإنسان فائتة من صلاة سابقة ثم سافر فأراد أن يؤدي ما وجب عليه في حال الحضر فإنه يؤديها وحكمه في حال الأداء وليس في حال الوجوب، فيؤديها ويقصر تلك الصلاة.

    وإذا كان مسافراً فدخل الوقت عليه ثم وصل البلد, هل يصلي بما وجب عليه فيصلي ركعتين؛ لأنه وجبت سفراً؟ فنقول: لا، يصليها أربعاً بحسب حاله وهذه المسألة فيها خلاف, وهي على أربعة أقوال، هذا هو الأرجح منها.

    وهل يحتاج إلى الإسفار والبروز من البلدان أم أن الإنسان إذا تهيأ وركب الدابة فيجوز له ذلك؟ نقول: إذا تهيأ ووضع متاعه وركب الدابة جاز له ذلك، والعلة التي يذكرها السلف في مسألة الإسفار والخروج من البنيان هي لمعرفة حال السفر والدلالة على معناه لا أنها أمر قطعي به يعرف السفر، وذلك لاختلاف الحال في الأزمنة المتأخرة، فالأزمنة المـتأخرة ترابطت البنيان وأصبحت المدن الكبيرة تتصل ببعضها إلى مئات الكيلو مترات فيشق حينئذ الخروج من البنيان، فلو ألزمنا بالخروج من البنيان للزم في كثير من البلدان أن يبقى الإنسان على حال الإتمام وحال الصيام لمسافات طويلة.

    فمن نظر مثلاً في الصين، أو من نظر في الهند، أو نظر في بعض البلدان الكبرى كالقاهرة أو نحو ذلك يجد أن البنيان متصل من شرقها إلى غربها بنحو مائتين أو ثلاثمائة كيلو، فإذا أراد الشخص من شرقها أن يذهب إلى غربها وأن يتجاوز ما بعد ذلك فإنه لا يفطر حتى يخرج ما بعد مائتين كيلو, وهذا فيه مشقة، بل يوجد في بعض البلدان التي فيها مسلمون بنيان يتصل إلى ألف كيلو، فهي مدن مترابطة.

    ولهذا نقول: إن العلة في ذلك ليست علة قطعية, وإنما هي دلالية وتعريفية لإدراك هذا المعنى، ولكن ليست ملزمة، وقد نقول بها في بعض الأحيان خاصة في البلدان التي لا تتسع من جهة مساحاتها والتصاق بنيان بعضها ببعض.

    1.   

    الفطر للمريض

    قال المصنف رحمه الله: [ (لمريض يخاف الضرر) لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] ].

    يقول: ولمريض يخاف الضرر؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، والمريض يجوز له الفطر بمقدار المرض، والمرض في ذلك على نوعين: مرض عارض يزول، ومرض دائم لا يرجى زواله، والذي يزول من الإنسان يجب فيه القضاء فقط، وأما الذي لا يزول أو لا يرجى زواله فإنه يجب فيه الإطعام، ويأتي الكلام على ذلك بإذن الله في الكفارات.

    1.   

    أحكام صيام الحامل والمرضع

    قال المصنف رحمه الله: [(ولحامل ومرضع خافتا على أنفسهما) فيفطران ويقضيان إلى غير. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً].

    وهنا في مسألة الحامل والمرضع يقول: (ولحامل ومرضع خافتا على أنفسهما فيفطران ويقضيان إلى غير لا نعلم في ذلك خلافاً)، فعندنا الحامل والمرضع على حالين:

    إما أن تخافا على نفسيهما فيأخذان حكم المريض فيقضيان إلى غير، وهذه محل اتفاق عند الأئمة الأربعة أن المرأة الحامل إذا خافت على نفسها، بأن كان لديها ضعف وتحتاج إلى طعام وغذاء حتى يقوى بدنها، وذلك أن جنينها قد يستهلك منها طعاماً أو قوة أو طاقة أو غير ذلك، فتحتاج إلى الطعام، فهي تخاف على نفسها، فحكمها حينئذ حكم المريض أو البدين أو الذي يوجد به أمراض عارضة من سكر أو غير ذلك، فهذا علته في ذاته ولو كانت عارضة، حينئذ حكمه حكم المريض فيجب عليه القضاء, وهذا محل اتفاق عند الأئمة عليهم رحمة الله.

    وأما الحالة الثانية: إذا خافتا على ولديهما، يعني: أنها إذا صامت لن تتضرر, ولكن لا تدر حليباً لرضيعها، أو سيضعف جنينها، وأما في ذاتها فهي على مأمن من ذلك، فهي خافت على غيرها وما خافت على نفسها، وهذه المسألة هي التي وقع فيها الخلاف, ويأتي الكلام عليه.

    قال المصنف رحمه الله: [ (أو على الولد لكن لو أفطرتا خوفاً على الولد فقط لزم وليه إطعام مسكين لكل يوم) لقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا، رواه أبو داود ، ويجب عليهما القضاء لأنهم يطيقانه ].

    وهذه المسألة -إذا خافتا على ولديهما- قد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى فيها على عدة أقوال:

    القول الأول: وجوب الإطعام ووجوب القضاء، وهذا قول مروي على الإمام أحمد عليه رحمة الله، وعن الإمام الشافعي .

    والقول الثاني في ذلك: وجوب القضاء وعدم وجوب الإطعام، قالوا: وذلك أنه سواء خافت المرأة على نفسها أو على ولدها فهي معذورة في ذلك، فمن خاف على نفسه كحكم المريض، ومن خاف على غيره كحكم الذي خاف على غريق أو حريق فأفطر لينقذه في ذلك، فيجب عليه في ذلك القضاء, ولا يجب عليه في ذلك الإطعام.

    القول الثالث: وجوب الإطعام فقط مع عدم القضاء، وهذا القول أيضاً جاء عن عبد الله بن عباس وعن عبد الله بن عمر كما رواه البيهقي في كتابه السنن.

    وثمة علة يذكرها بعض الفقهاء في مسألة الحامل والمرضع ممن يعللون بأنه يجب الإطعام ولا يجب في ذلك القضاء، وذلك أنهم يقولون: إن الحامل والمرضع إنما رخص الشارع لهما على سبيل الخصوص بالفطر، وأوجب عليهما الإطعام ولم يوجب عليهما القضاء؛ لأنها حالة خاصة وهي تطيق الصوم؛ لأن المرأة ترضع حولين وتحمل حولاً، فهي في كل عام إما حامل وإما مرضع، ويدور عليها ذلك، فهذه رخصة، قالوا: فإذا أوجبنا القضاء فهي إما تقضي في زمن حمل, وإما تقضي في زمن رضاع.

    ومن يرد بهذا القول قالوا: لو أخذنا بهذه العلة لسقط الصوم عن المرأة المتزوجة لأنها تطعم, فإذا كانت حاملاً أطعمت، وبعد الحمل حولين في الرضاع فتطعم، وما بعد الحولين تحمل فتطعم، وما بعد الحمل ترضع سنتين ثم تمضي حاملاً ومرضعاً، ويمضي عمرها في إطعام وهي لا تصوم.

    ومن يقول أيضاً بالعذر في ذلك يقول: إن عذرها قائم، فإذا قلنا بالقضاء أمرناها أن تفطر وأوجبنا عليها القضاء, فهي أفطرت في زمن الحمل وأوجبنا عليها القضاء في زمن الرضاع، وإذا قلنا: لها أن تفطر في زمن الرضاع أوجبنا عليها القضاء في زمن الحمل، فهي إما لابد أن تصوم في زمن حمل أو في زمن رضاع، إما قضاء وإما أداء، قالوا: فلا معنى للحكم، وهذا نوع من التعليل الذي يؤخذ به.

    لكن نقول: إن خلاصة المسألة أن المرأة إذا كانت تخاف على نفسها فهي تأخذ حكم المريضة فيجب عليها في ذلك القضاء، وأما إذا كانت تخاف على ولدها فنقول: لا تخلو من حالين:

    الحالة الأولى: أنه يشق عليها الصيام ويشق عليها القضاء، نقول: بالإطعام؛ لماذا؟ لأننا إذا أصلنا لمسألة الفطر للحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما، فيكون عليها في العام الأول شهر، وفي العام الثاني شهر، ثم تحمل شهر، ثم ترضع لسنتين أيضاً، أصبحت ست سنوات، وتبقى على ذلك، كم يبقى عليها قضاء؟ يتراكم عليها شهور وهي معذورة, وفي ذلك مشقة فيما بعد ذلك، ولهذا بعض العلماء يقول: إن المرأة إذا أصبحت تدور بين حامل ومرضع فلا يجب عليها إلا الإطعام، لماذا؟ لأنه يشق عليها أن تقضي كل هذه الأيام، فسيبقى عليها بعد ست أو سبع سنوات يبقى عليها ستة أشهر تقوم بقضائها، وهذا من الكلفة، والشريعة ما أسقطت عليها إلا من باب التيسير.

    الحالة الثانية: التي تفطر على سبيل اعتراض ويمر عليها من أحوالها ما لا تحمل فيه ولا ترضع، كحال المرأة التي تحمل وترضع غيرها، فهذه نقول بماذا؟ بوجوب القضاء عليها؛ لماذا؟ لنلحقها بالمريض.

    قال رحمه الله: [قال الإمام أحمد : أذهب إلى حديث أبي هريرة ولا أقول بقول ابن عمر و ابن عباس رضي الله عنهما في منع القضاء ].

    عبد الله بن عباس و عبد الله بن عمر لهما قولان في هذا, يقولان بالإطعام وعدم القضاء، ويقولان بالقضاء، وبعضهم يقول: إنهما رجعا عن القول بالإطعام مجرداً مع عدم القضاء.

    ولكن الذي يظهر لي والله أعلم في هذه المسألة هو أن نقسم الحامل والمرضع على هاتين الحالتين، فإذا سألت المرأة وقالت: إني حامل وأخشى على جنيني أو مرضع وأخشى على رضيعي، فيقال: هل الحمل معك مستمر في مثل ذلك فتحملين عاماً وترضعين حولين وهكذا المرضع؟ إذا قالت: نعم, أنا مستمرة على هذا، نقول: يجب عليها الإطعام ولا يجب عليها القضاء.

    1.   

    ذكر من يلزمهم الإمساك والقضاء

    قال المصنف رحمه الله: [ (وإن أسلم الكافر، أو طهرت الحائض، أو برئ المريض، أو قدم المسافر، أو بلغ الصغير، أو عقل المجنون، وفي أثناء النهار وهم مفطرون لزمهما الإمساك والقضاء) لذلك اليوم لأنهم لم يصوموه، ولكن أمسكوا عن مفسدات الصوم لحرمة الوقت ولزوال المبيح للفطر ].

    وهنا يقول: (وإن أسلم الكافر، أو طهرت الحائض، أو برئ المريض، أو قدم المسافر، أو بلغ الصغير، أو عقل المجنون في أثناء النهار وهم مفطرون لزمهما الإمساك والقضاء)، وذلك لحرمة الشهر، وقياساً على حديث سلمة بن الأكوع في صوم يوم عاشوراء, فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من كان مفطراً فليمسك بقية يومه، ومن كان صائماً فليتم صومه ).

    كذلك أيضاً فيمن كان معذوراً لأن من أفطر في يوم عاشوراء لم يعلم كان معذوراً أم لا، فمن كان معذوراً من باب أولى كالرجل الذي جن ثم عقل، أو أغمي عليه ثم أدرك وأفاق، أو كان صغيراً فبلغ فهو اشترك في دائرة العذر، فإنه يجب عليه أن يمسك لحرمة الشهر.

    ثمة قول في هذه المسألة, وهو قول جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله وقال به جماعة من الفقهاء من أهل الرأي إلى أن من أكل أول النهار فليأكل آخره، يرخص في ذلك، فمن عذر في أوله عذر في آخره قالوا: لماذا؟ قالوا: لأن اليوم يبتدئ من طلوع الفجر وينتهي بغروب الشمس, وهو زمن واحد لا يصح آخره إلا بصحة أوله، ولا يصح أوله إلا بصحة آخره. قالوا: فمن أكل في أوله وأفسد صومه سواء كان معذوراً أو غير معذور فلا حرج عليه أن يأكل في آخره، نقول: هذا في خاصة نفسه، وأما أمام الناس فذاك حكم آخر.

    وأما من كان غير مكلف ثم كلف فهذه مسألة أخرى كحال الصغير الذي بلغ فيجب عليه أن يمسك، وهذا هو الذي يظهر من جهة القياس على مسألة الإمساك ليوم عاشوراء، كما جاء في حديث سلمة بن الأكوع ، كذلك أيضاً في المغمى عليه أو المجنون الذي يعقل فإنه يجب عليه أن يمسك بعد ذلك.

    أما المترخص بمرض أو المرأة المترخصة لعذر كالحيض والنفاس ثم طهرت في أثناء النهار فإنها تأكل في بقيته من غير علن لحرمة الشهر في علانيته.

    والمرأة إذا حاضت ساعة من النهار أو لحظة من زمن الصوم فسد الصوم ووجب عليها أن تقضيه سواء كان ذلك في أول النهار أو كان في آخره، فمثال أول النهار إذا كانت المرأة حائضاً أو نفساء وطهرت بعد الفجر بساعة أو بأقل من ذلك طهرت فحينئذ أدركت شيئاً من النهار بحيض، فيجب عليها أن تقضي، وإذا أدركت من آخره، بمعنى: أنها أدركت وهي طاهر ثم حاضت قبل غروب الشمس بيسير فيجب عليها أن تقضي؛ لأن حرمة اليوم واحدة والفطر فيه واحد، فما أفسد أوله يفسد آخره.

    1.   

    من جاز له الفطر في رمضان فأراد صياماً آخر

    قال المصنف رحمه الله: [ (وليس لمن جاز له الفطر برمضان أن يصوم غيره فيه) أي: في رمضان لأنه لا يسعه غير ما فرض فيه ولا يصلح لسواه ].

    ويقول: (وليس لمن جاز له الفطر برمضان أن يصوم غيره فيه) يعني: في رمضان؛ لأنه لا يسع غير ما فرض فيه، ولا يصلح لسواه، وذلك حتى لا يكون في هذا باب من أبواب التلاعب في الصيام والتعذر فيه ونحو ذلك، وذلك أن الإنسان إذا كان مسافراً يجوز له أن يترخص بالفطر، فإذا أراد أن يفطر, ثم تذكر قضاء عليه قال: أريد أن أجعلها قضاء, ثم أجعل هذا اليوم مرة أخرى، أو يجعله نذراً، أو أن يصوم فيه نفلاً، فيقول: يوم الإثنين أنا مسافر وأريد أن أصوم.

    نقول: لا، رمضان آكد، ليس له إذا ترخص في ذلك أن يصوم في رخصته غير رمضان؛ لأن آكد ما يكون هو رمضان، وهذا في سائر ما رخص الله عز وجل فيه لعباده على قول غير واحد من العلماء، حتى في مسألة الصلاة، ولهذا عبد الله بن عمر عليه رضوان الله يقول: لو كنت مسبحاً لأتممت، يعني: أن الله عز وجل أسقط عني شطر الصلاة فلا أصلي النافلة، ولو كنت مصلي النافلة لأتممت الفريضة لأنها أولى بالإتمام، كذلك أيضاً في مسألة الصيام.

    1.   

    مفطرات الصوم

    قال المصنف رحمه الله: [ (وهي اثنا عشر في المفطرات وهي اثنا عشر: الأول: خروج دم الحيض والنفاس) لما سبق ].

    وهذا لا خلاف فيه, لما تقدم من كلام النبي عليه الصلاة والسلام: ( أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ )، أي: لا يجب عليها الصيام وتفطر في ذلك، ويجب عليها القضاء في الصيام، ولا يجب عليها قضاء الصلاة تيسيراً ورحمة.

    قال المصنف رحمه الله: [(الثاني: الموت) لحديث ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ) ].

    وذلك أنه لا يجب على وليه أن يقضي عنه صوماً أو إطعاماً كالذي يموت في نهار رمضان فوجب عليه ابتداء كمن مات في نصف اليوم وكان صائماً، أو مات في نصف رمضان سواء كان في ليل أو نهار لا يجب على وليه أن يقضي عنه بالصيام أو أن يقضي عنه بالإطعام وذلك لانقضاء الأجل، وبالموت ينقضي أجل الإنسان وينقطع عمله، بخلاف لو كان الإنسان معذوراً بمرض ثم انقضى رمضان ولم يتمكن من القضاء فيكفر عنه وليه، ويأتي الكلام على هذه المسألة.

    قال المصنف رحمه الله: [(الثالث: الردة) لقوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65].

    (الرابع: العزم على الفطر) نص عليه, قال في الفروع: وفاقاً للشافعي و مالك لقطع النية المشترطة في جميع الفرض، قال في الكافي: فإذا قطعها في أثنائه خلا ذلك الجزء عن النية فيفسد ].

    ولا يختلف العلماء في مسألة الردة، والمراد بالردة هي الرجوع من الإسلام إلى الكفر، والأصل في اللغة أن الإنسان إذا ارتد رجع إلى ما كان عليه، فسميت الردة، وغلب هذا الاصطلاح، لأنهم كانوا يسلمون ثم يرجعون، فكانوا مشركين ثم رجعوا إلى الشرك، فغلب هذا الاصطلاح، فلا يلزم من ذلك أن الإنسان إذا كان نشأ مسلماً وولد على ذلك ثم خرج من الإسلام أنه لا يسمى مرتداً، بل يسمى مرتداً إلى الكفر، مع أنه لم يكن عليه، فغلب هذا الاصطلاح، فمن ارتد وكفر بعد إيمانه حبط حينئذ عمله، ولا يختلف العلماء في ذلك، ويحبط كذلك أيضاً ما كان عليه مما أوجبه الله عز وجل عليه مما بينه وبينه.

    ويختلف العلماء أيضاً فيما كان من الإنسان قبل ردته، كمن كان على الإسلام ثم ارتد, ثم رجع إلى الإسلام, هل يرجع له عمله السابق أم لا يرجع عمله؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، والصواب في ذلك أنه يرجع له عمله؛ لأن الله عز وجل قال في كتابه العظيم: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217]، يعني: أنه إذا لم يمت وهو كافر فرجع إلى إسلامه فأن الله عز وجل يجعل له عمله السابق، وكذلك أيضاً ما جاء في الصحيح: ( أسلمت على ما أسلفت من خير ).

    قال رحمه الله: [ (في الكافي: فإذا قطعه في أثنائه خلا ذلك الجزء عن النية فيفسد الكل لفساد الشرط.

    الخامس: التردد فيه) لأنه لم يلزم بالنية، ونقل الأثرم لا يجزئه من الواجب حتى يكون عازماً على صوم يوم كله قاله في الفروع ].

    وهذا ما تقدم معنا في مسألة النية فيمن تردد في نيته في باب النية، وذكرنا خلاف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في ذلك.