إسلام ويب

شرح كتاب الصيام من منار السبيل [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يشترط للصيام شروط وجوب كالعقل والبلوغ وغيرها، وكذلك شروط صحة كالإسلام وانقطاع الحيض والنفاس والتمييز والعقل والنية من الليل كل يوم.

    1.   

    شروط وجوب الصوم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف: [ (وشرط وجوب الصوم أربعة أشياء: الإسلام، والبلوغ، والعقل). فلا يجب على كافر ولا صغير ولا مجنون لحديث: ( رفع القلم عن ثلاثة ).

    (والقدرة عليه فمن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً) ].

    هنا في قول المصنف رحمه الله: (شروط وجوب الصوم) يعني: على من يجب الصوم، وتقدم الإشارة معنا في مسألة التكليف أن الصيام يجب على المسلم البالغ العاقل، وكذلك أيضاً في القدرة, ويشير إليها المصنف رحمه الله بعد ذلك في الإسلام؛ لأن الكافر لا يخاطب بفروع الإسلام، فلا يؤمر بالصيام، ولكنه يؤمر بالإمساك علانية لحرمة الشهر وحتى لا يكسر قلوب الناس، فيمنع من الأكل في الطرقات، ولو أكل في داره ما عوقب على ذلك.

    وأما بالنسبة للصغير فإنه يعذر في ذلك، كذلك أيضاً المسافر في سفره إذا كان في طريقه لا حرج عليه أن يأكل ولو علانية، لماذا؟ لأنه ليس في دار إقامة، وكذلك أيضاً المرأة قد تكون معذورة مثلاً لحيض أو نفاس، وكذلك أيضاً الرجل معذور أو المرأة لمرض أو نحو ذلك، فإنه ليس لأحد منهما أن يأكل علانية، لماذا؟ لأن هذا فيه كسر لقلوب الصائمين، وخرم لحرمة الشهر، فللشهر حرمة غير حرمة الناس، كذلك أيضاً فإن هذا ربما يجسر الناس من أهل الباطل، أن كل أحد يأكل ويعتذر بعذر ويسقط حينئذ الإنكار على من يفعل ذلك علانية لوجود من يفعله من أهل الأعذار علانية، فإذا منع أن يفعل ذلك الناس من الرجال والنساء علانية ولو كانوا معذورين فيمنع أيضاً وينهى ويزجر من كان ليس بمعذور من سائر الناس من باب أولى.

    ويقول هنا: (والبلوغ)، هذا من شروط الوجوب، ولكنه لو صام أجر على ذلك، كما جاء في حديث الربيع فإنهم كانوا يصومون صبيانهم كما جاء في الصحيح ويلهونهم بالعهن يعني: بالقطن، حتى يلهوا ويلعبوا إذا صاحوا من الجوع، وذلك كمسألة الصلاة، كذلك أيضاً الحج فلو أداها يؤجر عليه لكنه يجري عليه قلم الحسنات ولا يجري عليه قلم السيئات، فإذا بلغ في نصف الشهر وأفطر شيئاً مما مضى فإنه لا يجب عليه أن يقضي ذلك، ويقضي ما كان بعد ذلك في زمن الوجوب.

    وقوله هنا: (فلا يجب على كافر، ولا صغير، ولا مجنون، يقول لحديث: ( رفع القلم عن ثلاثة )، وحديث ( رفع القلم عن ثلاثة ) قد جاء عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجاء من حديث شداد و ثوبان و علي بن أبي طالب ، وجاء من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى وهو الأشهر، وحديث عائشة عليها رضوان وحديث علي بن أبي طالب قد رواه الإمام أحمد ، ورواه أبو داود ، و النسائي ، و ابن ماجه من حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان في هذا، وهذا من مفاريد حماد بن سلمة كما نص على ذلك يحيى بن معين ، وكذلك البخاري رحمه الله، فقد سأل الترمذي رحمه الله الإمام البخاري عن هذا الحديث: هل يروى من غير حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان ؟ قال: لا أعلمه، ولعله محفوظاً يعني من هذا الطريق من حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان ، ويرويه عن إبراهيم النخعي عن عائشة عليها رضوان الله تعالى.

    وأما حديث علي بن أبي طالب فقد أخرجه الترمذي ، فــالترمذي لم يخرجه مسنداً من حديث عائشة، وأخرجه مسنداً من حديث علي بن أبي طالب من حديث الحسن عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى وهو معلوم.

    1.   

    قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه...) بين المفسرين والأصوليين والفقهاء

    قال رحمه الله: أحسن الله إليكم، [ (والقدرة عليه فمن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله أفطر وطعم عن كل يوم مسكيناً مد بر أو نصف صاع من غيره)؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:184]، ليست بمنسوخة, هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم، رواه البخاري ، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا، رواه أبو داود ].

    هنا في قول المصنف رحمه الله: (والقدرة عليه فمن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا ًمد بر أو نصف صاع من غيره)، من ينظر في كلام المفسرين في قول الله عز وجل: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:184]، يجد في تقدير الأوصاف أنها متباينة، منهم من يقول بمدين، ومنهم من يقول بنصف صاع، ومنهم من يقول بمد على اختلاف الطعام.

    والإطعام منهم من يطلق فيه أمراً واحداً من باب التغليب كما جاء عن مجاهد بن جبر فيقول: الإطعام إذا جاء في كلام الله فالمراد به نصف صاع، يعني: قاعدة أنه نصف صاع، ولكن عند التحقيق نجد أن السلف يكاد تجتمع معاني أقوالهم على أن المراد بالإطعام هنا الإشباع, وليس المراد بذلك التقدير.

    وأما كلام المفسرين في تقديره بنصف صاع أو بمدين أو بمد فإنهم يريدون بذلك التقريب بما يشبع الإنسان، فإذا أكل وأطعمه وشبع فإن ذلك يجزئه على أي مقدار كان، والناس يتباينون في ذلك.

    وهنا يقول: (فمن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً)، وهذا يأتي الكلام عليه في المرض أو الأعذار التي تكون في الإنسان وتمنعه من الصيام، أو يعذر لأجلها بالفطر، منها ما هي أعذار زائلة وهذا نوع، ومنها أعذار ليست بزائلة يعني: دائمة، وهذا نوع، ولكل حكمه في باب الكفارة, ويأتي الكلام عليه.

    وهنا في قوله: (عن عبد الله بن عباس ليست بمنسوخة هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم)، اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى من السلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:184]؟

    أولاً: القراءة في ذلك: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ )) قرئت على أوجه، وأشهر هذه القراءات هي: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ))، وهذا الذي عليه العامة وهي أيضاً من المعاني في كلام السلف، بل قال ابن جرير الطبري رحمه الله: هي التي لا يجوز لأحد أن يقرأ إلا بها، (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ )).

    وجاء في قراءة: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ))، وجاء في قراءة ثالثة: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ))، وهذا جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وجاء في قراءة أيضاً شاذة: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ )).

    والقراءة المعروفة الصحيحة في هذا: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ))، وإنما اختلف العلماء في نسخ هذه الآية فمنهم من قال: إنها منسوخة، وهذا قول الجماهير، وقد صح ذلك عن سلمة بن الأكوع كما في الصحيحين وغيرهما من حديث يزيد مولى سلمة عن أبيه أنه قال: ( كان الصيام أول ما فرضه الله عز وجل من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يطعم أطعم وأفطر، وذلك في قول الله عز وجل: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ))، ثم نسخ الله عز وجل ذلك في الآية التي بعدها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ) .

    وذهب إلى هذا عبد الله بن عمر فيما رواه عنه نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال بنسخها، وهذا الذي ذهب إليه جماهير السلف أيضاً، فقال بذلك علقمة ، وإبراهيم النخعي و الحسن و عكرمة وغيرهم من المفسرين من السلف كــعامر بن شراحيل الشعبي, فإنهم يقولون بنسخ هذه الآية.

    ومنهم من يقول بعدم نسخها, وهذا القول جاء عن عبد الله بن عباس، يرويه سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس ، وجاء عن سعيد بن جبير أيضاً القول بذلك.

    ولكن ينبغي أن نعلم أن السلف يسمون التخصيص نسخاً في التفسير، فإذا جاءت آية عامة، يعني: في عموم الناس، كما في قول الله جل وعلا: ((وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ))، يعني: جميعاً سواء كان صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، مسافراً أو غير مسافر هو مخير، لا فرق بين هذه الأحوال، فمن شاء صام ومن شاء أفطر.

    فإذا جاء تخصيص لهذه الآية، فخصصت بالشيخ الكبير والشيخة، ومن به مرض دائم فإنه يطعم ولا يجب عليه القضاء، فمنهم من يسمي ذلك نسخاً، وعلى هذا يجري كلام بعض السلف من المفسرين أن هذه الآية منسوخة وليست بمحكمة.

    وعلى هذا تفرعت جملة من مسائل الخلاف في هذا الموضع, منها أن المرأة الحامل والمرضع إذا تركت الصيام خوفاً على نفسها أو على ولدها، يعني أنها تطيق الصيام، ولكن تركته شفقة على الجنين أن لا يصل إليه طعام كاف، أو خوفاً على أيضاً على الرضيع أن لا تدر له فتطعم، فهي لا تخاف على نفسها وإنما على غيرها.

    فإذا قلنا بالنسخ العام في هذه الآية وأنه ليس بتخصيص فإننا نلحقها بالمريض فيجب عليها أن تقضي، ومن قال بعدم النسخ وأنها مخصصة في مثل هذه الحال بالشيخ الكبير، فإنها تدخل في حكم الشيخ الكبير فيجب عليها أن تطعم ولا يجب عليها أن تقضي؛ لأنها تدخل في حكم من أطاق وترك الصيام لغيره.

    ولهذا بعض الفقهاء يفرق بين المرأة الحامل والمرضع التي تخاف على نفسها، فمن خافت على نفسها إذا كانت حاملاً أنها إذا تركت الصيام استنزفها جنينها وأضر بصحتها، فجاءها شيء من الأمراض العارضة، كإغماء أو ضعف مثلاً أو غير ذلك مما يعتري النساء، أو تخاف على نفسها من ولدها أن يأخذ غذاءها إذا كانت مرضعاً فيأتيها شيء من ضعف البنية أو الإغماء، أو ضعف مثلاً في الضغط أو السكر أو غير ذلك، إذاً: فهي تخشى على نفسها لا على جنينها، فيفرقون بين هذا وهذا، وهذه المسألة يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.

    1.   

    شروط صحة الصوم

    [ (وشروط صحته ستة: الإسلام).(فلا يصح من كافر)، (وانقطاع دم الحيض والنفاس) ].

    وذلك أنه فرق بين شروط الوجوب وشروط الصحة، وذلك أن شروط الوجوب قد يؤديها من لم يستوف شروط الوجوب وتصح منه كالصغير ليس ببالغ نقول: لا يجب عليه لكن لو صام فإن صيامه صحيح.

    مخاطبة الكفار بفروع الشريعة

    وهنا يقول: [(وشروط صحته ستة: الإسلام) فلا يصح من كافر]، وهذا فرع عن مسألة المخاطبة بفروع الشريعة، فإن عامة السلف لا يخاطبون المشركين بفروع الشريعة في الأمور التعبدية، ويكاد هذا يكون إجماعاً عندهم.

    وأما ما كان من الأمور غير التعبدية الظاهرة, وذلك كأمور العادات أو الزي أو غير ذلك فإنهم يمنعون من ذلك، كشرب الخمر الظاهر، وكذلك أيضاً الحجاب وغير ذلك، فإنهم يؤمرون بها؛ لأن فعلها في ذاته ليس عبادة؛ لأن المقصود منه إما الفعل وإما الترك، وإنما يؤجر الإنسان على النية ويرتفع عنه العقاب، فشرب الخمر محرم فإذا تركه الإنسان لغير الله خوفاً لأبيه أو لسمعته أو نحو ذلك فإنه لا يأثم لكنه لا يؤجر؛ لأن المقصود من النهي عن الخمر الإقلاع، فلا يدخل الترك في دوائر وصف التعبد، ويدخل في ذلك كثير من المنهيات، ولهذا كان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله يفرض على المشركين الأخذ ببعض الأحكام الظاهرة حتى لا يفسد على المسلمين دينهم.

    ونشأ من ذلك في كلام الفقهاء مسألة, وفرعوا عليها جملة من الفروع، وهي مسألة مخاطبة المشركين بفروع الشريعة هل يخاطبون في ذلك أم لا؟ فمنهم من يقول: يخاطبون في الآخرة ولكن لا يخاطبون في الدنيا، ومنهم من يقول: إنهم يخاطبون في الدنيا والآخرة.

    والأرجح أنهم يخاطبون في الآخرة ولا يخاطبون في الدنيا، أي: أنه يعذب على ترك الصلاة وهو كافر إذا علم بوجوب الصلاة في الدنيا، فكلما كان الكافر بشريعة الله أعلم فالعقاب عليه ينزل على ما علم، فإذا علم بوجوب الصلاة، ووجوب الصيام، ووجوب الزكاة فأشرك مع الله عز وجل غيره ولم يؤد البقية عوقب على الجميع.

    وإذا كان لا يعلم تفاصيل الشريعة ولكنه أشرك مع الله عز وجل غيره فيعاقب على الأصل ولا يعاقب على التفصيل، يعاقب على الأصل وهو الشرك, ولا يعاقب على ترك الصلاة وترك الصيام أو ترك الزكاة وغير ذلك؛ لماذا؟ لأن الأول أظهر في العناد، فعرف الحق بمجمله، وأصله، وفرعه، فتركه أصلاً وفرعاً وإجمالاً وتفصيلاً.

    يقول: [(وانقطاع دم الحيض والنفاس) لما تقدم بيانه], وذلك أنه لا يجوز للمرأة إذا كانت حائضاً ونفساء أن تصوم ولا أن تصلي؛ لحديث عائشة عليها رضوان الله، ولكن يجب عليها أن تقضي الصيام، ولا يجب عليها أن تقضي الصلاة تيسيراً لكثرة الصلاة وقلة الصيام المفروض رحمة ومنة.

    مدى ثبوت أجر الصيام والصلاة للحائض والنفساء مع تركهما لذلك

    واختلف العلماء في المرأة الحائض والنفساء إذا تركت الصيام وتركت الصلاة, هل تؤجر على ذلك المتروك أم لا؟ على قولين, وهما قولان في مذهب الإمام الشافعي عليه رحمة الله: منهم من قال: إنها تؤجر، ومنهم من قال: إنها لا تؤجر؛ لماذا؟ قالوا: لأنها مأمورة بالقضاء تقضي الصيام، وما لم تقضه وذلك كالصلاة سماه النبي صلى الله عليه وسلم نقصان الدين.

    ولكن الأظهر في هذا أنها تؤجر على ما تركت؛ وذلك لأمور: منها: أن الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة كان سبباً لترك العبادة لا باختيارها وإنما بأمر الشارع، والدليل قد جاء في العبادة التي يتركها الإنسان وهو قادر عليها أنه لو أداها امتثالاً لأمر الشارع فإنه يؤجر عليها كما في قصر الصلاة في السفر والإفطار في السفر, وهذا من باب أولى كما في حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. قال عليه الصلاة والسلام: ( إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما يعمل وهو صحيح مقيم ) .

    وإذا سافر الإنسان ما الذي يجوز له؟ يجوز له أن يدع نصف الصلاة بالمجمل، ويدع أيضاً النوافل من السنن الرواتب، لكن الله يكتب له ما يفعله وهو صحيح مقيم، مع أنه مستطيع على أن يعمل الصلاة وهو مسافر، ومع قدرته على ذلك كتب الله عز وجل له. فالمرأة لو أرادت أن تعمل لمنعت من ذلك، فالذي منعها من ذلك هو الشارع فامتثلت، ولو عملت ما صح منها وما جاز، ولهذا نقول: هي أقرب بقبول وثبوت الأجر.

    ولماذا نص الشارع على السفر والمرض وما نص على الحيض والنفاس؟ لأن السفر والمرض يعتري الناس أكثر من الحيض, ويعتري السفر والمرض الجنسين بخلاف الحيض والنفاس، ثم أيضاً لعلة أخرى: وهي أن الحيض من العلماء من ألحقه بالمرض، أن الله عز وجل كتبه على بنات آدم.

    وعلى هذا نقول: إنها تؤجر على ذلك، فإن أدت العبادة بعد ذلك واستوفت الأمر كتب الله عز وجل لها بعد ذلك ما فات منها مما تركته في السابق.

    وأما النقصان المقصود به في الشريعة، حين قال صلى الله عليه وسلم: (تدع الصلاة والصيام)، فسماه النبي عليه الصلاة والسلام: نقصان دين، فنقول: التلبس بالعبادة يورث الإنسان قوة إيمان، فإذا ترك الإنسان وثبت لديه الأجر فإنه يحرم التلبس بالعبادة وقوة الإيمان، وعلى هذا نجد مثلاً الرجل المسافر الذي يطيل السفر ويقصر الصلاة دوماً ويدع الرواتب، ألا يجد ضعفاً في الإيمان إذا استدام ذلك؟ يجد ضعفاً في الإيمان إذا استدام ذلك، كذلك المرأة في جانب ترك الصلاة وترك الصيام أثناء الحيض, فربما تجد كلفة إذا طال بها الحيض أن تستكثر من العبادة في زمن أدائها لها حتى تحفظ قوة الإيمان وجذوته وحرارته التي يؤديها من أداها وهو على سبيل الدوام.

    ولعل هذا من لطف الله سبحانه وتعالى بالمرأة أن جعل الحيض إلى أمد، فتصل إلى اليأس, ثم ترجع إلى جانب صلاتها تاماً حتى يختم لها على تمام الإيمان, رحمة من الله عز وجل ومنة.

    حكم أمر الصبي بالصيام والفرق بينه وبين الصلاة

    قال رحمه الله: [(الرابع: التمييز، فيجب على ولي المميز المطيق للصوم أمره به وضربه عليه ليعتاده) قياساً على الصلاة]، وذلك لدخولها في دائرة الركنية فإن الصيام والصلاة ركن من الأركان، لكن هل يؤمر بذلك أم لا؟ هذا أيضاً من مواضع الخلاف، وهي مسائل الاجتهاد، فإذا أمرنا بذلك أمرناه في الحج أيضاً، وهذا إطلاقه فيه نظر، ولكن الثابت في حديث الربيع أنهم كانوا يصومونهم وما كانوا يضربونهم.

    وعلى هذا نقول: إن الصلاة لها خصيصة لمنزلتها وعلوها بخلاف الصيام، وكذلك أيضاً لاستدامتها وكونها في اليوم والليلة، ورسوخ الإنسان وثبوته عليها هذا من الأمور الشاقة، فتحتاج إلى شيء من التوطين بخلاف الصيام.

    ولهذا الذي يظهر والله أعلم أن الصبي لا يضرب وإنما يؤمر؛ كما كانوا يصومون أبناءهم، والقياس يحتاج إلى المماثلة والمطابقة، والمماثلة بين الصيام والصلاة في ذلك معدومة؛ وذلك لأن النصوص في تأكيد الصلاة كثيرة، ويكفي في ذلك النصوص المتوافرة في كفر تاركها؛ كما جاء في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله قال عليه الصلاة والسلام: ( بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة ) ، كذلك ما جاء في السنن والمسند من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) .

    وغير ذلك من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأكيد الصلاة وكفر تاركها بخلاف الصيام, فإنه لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في كفر تارك الصيام خبر، وإنما هي بعض الآثار التي تروى في هذا, منها ما رواه اللالكائي في كتابه أصول اعتقاد أهل السنة من حديث يعقوب عن الليث عن سعيد بن جبير أنه قال: ( من أفطر يوماً من رمضان متعمداً فقد كفر، ومن ترك الصلاة متعمداً فقد كفر ) ، وهذا أيضاً قول لا يصح؛ وذلك لأنه تفرد به يعقوب عن الليث وكلاهما ضعيف.

    ولكن بكفر تارك الصيام متعمداً قال بعض السلف، كما جاء عن سعيد بن جبير وجاء عن نافع وعن الحكم بن عتيبة , وقال به ابن حبيب أيضاً من المالكية، وذهب إلى هذا إسحاق بن راهويه , وهو رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله. والقول بكفر تارك الصلاة أظهر وأقوى من القول بكفر تارك الصيام، وجماهير العلماء على عدم كفر تارك الصيام ولو كان متعمداً, وإنما هو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وهذا هو الأرجح.

    اشتراط العقل للصائم وحكم صيام من ذهب عقله بجنون أو إغماء

    قال رحمه الله: [ (الخامس: العقل) لأن الصوم الإمساك مع النية؛ لحديث: ( يدع طعامه وشرابه من أجلي ) ، فأضاف الترك إليه وهو لا يضاف إلى المجنون والمغمى عليه، (لكن لو نوى ليلاً ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار ففاق منه قليلاً) صح صومه لوجود الإمساك فيه. قال في الشرح: ولا نعلم خلافاً في وجوب القضاء على المغمى عليه أي: جميع النهار؛ لأنه مكلف بخلاف المجنون، ومن نام جميع النهار صح صومه؛ لأن النوم عادة ولا يزول به الإحساس بالكلية ].

    وهذه المسألة في قوله هنا: العقل؛ لأن الصوم الإمساك مع النية؛ لحديث: ( يدع طعامه وشرابه من أجلي ) ، قال: فأضاف الترك إليه، وهو لا يضاف إلى المجنون والمغمى عليه.

    نقول: إن العقل هو أحد شروط صحة العمل، ولابد من توفره, وكذلك من شروط التكليف على ما تقدم في حديث عائشة : ( رفع القلم عن ثلاث ) ، وذكر منها النبي عليه الصلاة والسلام: ( المجنون حتى يعقل ) ، وفقد العقل يكون بالاختيار، ويكون بالقهر والاضطرار، يعني: بالغلبة, فالاختيار كالنوم، والفقد بالقهر والاضطرار كالجنون أو الإغماء، فالإنسان يغلب على الجنون والإغماء ويضطر إليه من غير اختياره، ولهذا العلماء يفرقون بين ما كان سببه الإنسان كالنوم فهو باختياره، وما كان بغير اختياره كحال الجنون والإغماء.

    فأما بالنسبة لمن كان مجنوناً فإنه لا يجب عليه القضاء، فمن جن الشهر كله لا يجب عليه أن يقضيه، ومن نوى من الليل الصيام ثم جن في أثناء النهار, ثم عاد إليه عقله ولم يتناول مفطراً فهذا صيامه صحيح، وكذلك أيضاً في مسألة المغمى عليه.

    وأما بالنسبة لمن نام أو أغمي عليه اليوم كله فهذا من مسائل الخلاف، ويفرق العلماء بين المغمى عليه وبين النائم، فيقولون: بالنسبة للنائم يصح صيامه إذا نام النهار كله إذا عقد النية من الليل، قالوا: وذلك لأن النائم نائم باختياره, ويملك اليقظة فهو إذاً قد نوى قبل ذلك، وهذه المسألة حكي فيها الاتفاق، وحكى ابن مفلح رحمه الله الإجماع, وهذا الإجماع فيه نظر، وذلك أنه قد جاء عن أبي العباس بن سريج القول بخلافه وعدم صحته من استغرق النهار نوماً، وجاء ذلك أيضاً عن الأصطخري من الشافعية أيضاً، وهذا هو الأظهر؛ لأن النية لابد أن تسبق العمل وأن تصاحبه ولو شيئاً يسيراً، وذلك كحال الإنسان إذا نوى من الليل ثم نام قبل الفجر فما استيقظ إلا بعد غروب الشمس، فهذا قد سبقت لديه النية لكنها ما صاحبت العمل ولو لحظة, لكنه لو استيقظ من النهار ساعة, ثم رجع إلى نومه صاحب العمل أو لم يصاحبه؟ صاحب العمل.

    ولهذا نقول: إذا صاحبه ولو شيئاً يسيراً صح صومه، أما إذا استغرق النهار كله ولو نوى قبل ذلك فنقول: الأظهر في ذلك أن صيامه ليس بصحيح، وهذا في النائم المختار، وأما بالنسبة للمغمى عليه فيمن لم يفق أبداً فأغمي عليه النهار كله فهذا يجب عليه القضاء.

    ومن العلماء من قال: إنه يصح صومه يعني: المغمى عليه ولو استغرق اليوم كاملاً، هذا جاء عن بعض الفقهاء من الشافعية، قال به المزني رحمه الله من أصحاب الإمام الشافعي عليه رحمه الله، فهو يصحح نوم صيام المغمى عليه إذا أغمي عليه اليوم كاملاً، ويصحح صومه إذا أغمي عليه أكثر اليوم من باب أولى.

    وأما بالنسبة للمجنون, فالمجنون لا يصح صومه إذا جن اليوم كاملاً أو جن الشهر كاملاً، وهذا يحكى فيه الاتفاق والإجماع، حكى الإجماع على ذلك غير واحد، أما بالنسبة لمن جن ثم عقل في بعض النهار, فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

    ذهب جمهور العلماء وهو قول الإمام مالك و الشافعي والإمام أحمد رحمه الله إلى عدم صحة صيامه، وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن أفاق في أثناء النهار من جنونه فإن صيامه صحيح, وذهب إلى هذا أبو حنيفة و سفيان الثوري وغيرهم من أهل الفقه من أهل الكوفة.

    تبييت النية في الصيام

    قال رحمه الله: [ (السادس: النية من الليل كل يوم واجب) لحديث حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له ) ، رواه أبو داود ].

    يقول: النية من الليل لكل يوم واجب لحديث حفصة ، النية مشتقة من النوى, والنوى محله الجوف أي: جوف الثمرة، والنية محلها القلب، فإذا أخرجت لا تسمى نية، ولهذا إظهارها خلاف أصلها ومعناها، ومن جهر بها فقد ابتدع, فليس للإنسان أن يجهر بالنية فيقول: اللهم إني نويت صيام يوم كذا وكذا، أو شهر كذا وكذا لك تعبداً، وذلك أنه بدعة ولم يقل بذلك ولم يعمل به أحد من السلف، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا من الأئمة الأربعة عليهم رحمة الله في أي عبادة من العبادات على خلاف يسير في ذلك عند الشافعي رحمه الله في مسألة الصلاة.

    ويقول المصنف: (النية من الليل لكل يوم واجبة)، النية من الليل يجب أن تسبق صيام الفريضة لكل صوم واجب، سواء كان رمضان أو كان من الأمور الواجبة على الإنسان كالنذور أو الكفارات، ويستدلون لذلك بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سالم عن عبد الله بن عمر عن حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل ) ، فقيد الأمر بالليل.

    وهذا الحديث قد اختلف في وقفه ورفعه، والصواب فيه الوقف، وصوب الوقف جماعة الترمذي ، و البخاري ، و النسائي وغيرهم من العلماء، فالصواب فيه الوقف، واختلفوا في وقفه على قولين: منهم من يقول: الأصح أنه موقوف على ابن عمر . ومنهم من يقول: الأصح أنه موقوف على حفصة ، وجاء معناه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى من قولها. وأما بالنسبة لصوم النافلة فإنه يجوز أن يكون من النهار.

    ولهذا نقول: إن نية الليل هي واجبة للصوم الواجب، أما النافلة فيجزئ أن تكون من النهار، واختلف العلماء في من قال بأن نية النافلة تكون من النهار ما هو الحد الأقصى لها؟ اختلفوا في هذه المسألة على قولين:

    ذهب جمهور العلماء إلى أن الحد في ذلك هو نصف النهار، وجعلوا ذلك هو زوال الشمس في الظهيرة، وجاء ذلك عن جماعة من السلف، فجاء عن عبد الله بن عباس و عبد الله بن عمر و عبد الله بن مسعود وغيرهم.

    والقول الثاني: قالوا: لا حد في ذلك، وهو قول حذيفة بن اليمان , وهو الأظهر، فإذا نوى ولم يأكل قبل ذلك إلى العصر فبدأ من نيته أن يصوم فإنه يؤتى الأجر بإذن الله، لماذا؟ لأن تقييد الوقت يحتاج إلى دليل، ثم أيضاً أنه لا يوجد في الشريعة احتساب نصف يوم أو ساعة أو نحو ذلك، وإنما الحكم في ذلك واحد.

    وأما بالنسبة لليوم الواجب لصيام رمضان فيحكي غير واحد من العلماء الاتفاق على أنه لابد أن يكون ذلك من الليل في الصيام الواجب، ويذكر عن زفر من أهل الرأي أنه لا يقول بوجوب النية من الليل، فهذا قول شاذ، ونكمل بقية مسألة النية في الغد بإذن الله تعالى.

    ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.