إسلام ويب

حائية ابن أبي داود [4]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فضل الصحابة، وترتيبهم في الأفضلية كترتيبهم في الخلافة، وكلهم عدول، فلا يطعن في أحدهم ولا يتكلم فيهم، ولا ينبغي التشيع لأحدهم، ونؤمن بالقدر خيره وشره، وبما يكون بعد الموت والشفاعة حق للنبي صلى الله عليه وسلم لأمته ولعمه أبي طالب خاصة.

    1.   

    ترتيب الصحابة من حيث الأفضلية

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:

    [وقل إن خير الناس بعد محمد وزيراه قدماً ثم عثمان أرجح

    ورابعهم خير البرية بعدهم علي حليف الخير بالخير منجح ].

    تقدم الكلام على فضل الخلفاء الراشدين بالإجمال، وهنا يذكر المصنف عليه رحمة الله تعالى ترتيب الصحابة من جهة الفضل، وذكر أن أفضلهم هو أبو بكر وعمر، ولذلك هنا قيد الأفضلية بما بعد محمد صلى الله عليه وسلم من أمته، وذلك أنهم خير البرية بعد الأنبياء والمرسلين، ولذا قال: [ إن خير الناس بعد محمد وزيراه ] أي: أبو بكر وعمر، والوزير: هو ما يشد به الأزر، وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام فضلهما في أحاديث كثيرة على غيرهما من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء والأرض، ووزيراي جبرائيل وميكائيل من أهل السماء، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر ) .

    وقد ثبت أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا يفضلون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أبا بكر وعمر على غيرهم من الصحابة، ولذلك يقول عبد الله بن عمر كما في الصحيح: كنا زمن النبي عليه الصلاة والسلام نفضل فنقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نمسك، وقد جاء ذلك من وجه آخر عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى عند ابن سعد وأبي نعيم في كتابه الحلية، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد ولا يقول شيئاً، وهذا يدل على فضلهما ومكانتهما؛ وذلك أنهما من السابقين الداخلين في الإسلام، وممن آزر النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته.

    فضل أبي بكر وعمر على غيرهم من الصحابة

    وهذا هو أصل عام: أن السابقين أفضل من اللاحقين، وكلهم في فضل الصحبة يشتركون، وأن الله عز وجل قد رضي عنهم ورضوا عنه، إلا أن أبا بكر وعمر قد اشتركا في مؤازرة النبي عليه الصلاة والسلام والسبق في الصحبة، فاستحقا الفضل والمزية على غيرهم من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى.

    وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام فضل أبي بكر وفضل عمر بن الخطاب عليهما رضوان الله تعالى صريحاً على غيرهم، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل أي الناس أفضل أو أحب إليك؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عائشة، قيل: من الرجال؟ قال: أبوها، قيل: ثم من؟ قال: عمر )، وهذا وصف في فضلهم على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد تقدم أن منهج أهل السنة والجماعة في بيان الفضل- أي: فضل الصحابة- أن السابقين أفضل ممن جاء بعدهم، وأفضل السابقين أهل بيعة الشجرة، ثم من شهد الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضلهم العشرة المبشرون بالجنة، وأفضل العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة، وأفضلهم أبو بكر وعمر، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة: أنهم لا يقدمون أحداً من الصحابة على أبي بكر وعمر، ومن قدم أحداً من الصحابة على أبي بكر وعمر فقد ضل وتزندق، ولذلك إذا كان هذا في حق الصحابة أن يقدم أحدهم على أبي بكر وعمر، فكيف بغيرهم من أولياء الله سبحانه وتعالى، فكيف بغيرهم من خلق الله عز وجل من يقدم الضالين وغيرهم على الصحابة، لا شك أن ذلك ضلال وزندقة.

    ولذلك يقول الإمام أحمد عليه رحمة الله: من قدم علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى على أبي بكر وعمر في الفضل لا في النسب، فهو رافضي زنديق، هذا فيمن قدم علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر، فكيف بمن قدم غير علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى ممن هو دونه في المنزلة، بل إن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى هو بنفسه يقدم أبا بكر وعمر على نفسه، ولذلك قد جاء في الصحيح من حديث محمد بن الحنفية وهو: ابن علي بن أبي طالب أنه سأل علي بن أبي طالب عن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أبو بكر، قيل: ثم ماذا؟ قال: عمر، قال: فخشيت أن يقول: عثمان، فقلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا واحد من المسلمين.

    فتقديم عثمان بن عفان على علي بن أبي طالب هو الذي عليه عامة أهل السنة، وذهب بعضهم وهم قلة من أهل السنة، وهذا ينسب لبعض السلف كـسفيان الثوري وغيره بتقديم علي بن أبي طالب على عثمان، ومن قدم علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى على عثمان فقد خالف.

    1.   

    معنى التشيع عند المتقدمين والمتأخرين

    ولذلك يقول العلماء: أن التشيع عند الأوائل إذا وصفوا أحداً من التابعين بالتشيع، فمرادهم بذلك أنه يقدم علي بن أبي طالب على عثمان، وأن الغلو في التشيع لم ينتشر ويشتهر إلا بعد ذلك من تقديم علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر، وكذلك تأليه علي بن أبي طالب إنما غلا فيه الرافضة بعد ذلك.

    ثم قال: [ ورابعهم خير البرية بعدهم ] : والبرية: هي الخلق، ولذلك الله سبحانه وتعالى هو الذي برأها أي: خلقها، فخير البرية بعد محمد صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر، ثم عثمان، ثم علي بن أبي طالب، عليه رضوان الله تعالى.

    قال: [ حليف الخير بالخير منجح ] : وهو: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج بنته فاطمة عليها رضوان الله تعالى، وأبو السبطين الحسن والحسين، وهم من أقرب الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن السابقين إلى الإسلام، وهو في الفضل بعد عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى، والذي عليه عامة أهل السنة بل إجماعهم: أن فضل الخلفاء الراشدين بحسب ترتيبهم في الخلافة، ومن قدم علي بن أبي طالب على عثمان فهو مخالف في ذلك إلا أنه لا يبدع ويضلل، ولكنه يوصف بالمخالفة لما عليه السلف، فإذا حفظ لـعثمان حقه وللصحابة بالإجمال حقهم، فإنه يقال: أنه على منهج أهل السنة والجماعة إلا أنه خالف في ذلك في تقديم علي بن أبي طالب على عثمان .

    ولذلك إذا وصف العلماء أحداً من التابعين وجملة من أتباع التابعين بالتشيع، فالغالب أن المراد به تقديمهم علي بن أبي طالب على عثمان، ولا يريدون بذلك التشيع المعروف في عصرنا، وإذا أطلق التشيع عند المتأخرين فمرادهم بذلك تقديم علي بن أبي طالب على الخلفاء الراشدين كلهم، والطعن في جملة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كـأبي بكر وعمر، فمن تنقص أحداً من الخلفاء الراشدين، فقد ابتدع وضل وتزندق، ومن طعن في الصحابة بالإجمال، فقد كفر بالله سبحانه وتعالى، وحكى الإجماع على كفره غير واحد من العلماء، كالقاضي عياض، وكذلك ابن عساكر، وابن كثير، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والقرطبي، وابن حزم الأندلسي، وغيرهم من أئمة الإسلام.

    1.   

    الطعن في الصحابة طعن في الشريعة

    وذلك أن الطاعن في الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يريد طعناً بصحبتهم لا بهم، وذلك أنه لا يجمل الطعن في أحد من الصحابة أحد إلا ويريد الصحبة، ولو أراد الطعن بأحد منهم بأفرادهم كأن يتهم أحداً منهم بالجبن، أو البخل، أو البغاء، أو السذاجة، أو الدروشة، ونحو ذلك فذاك ضال، ولكنه ليس بكافر، أما من طعن بهم بالجملة فأجمل الطعن والسب فقد كفر بالله سبحانه وتعالى، لأن الصحابة ما اشتركوا بشيء من المذمة أو سوء الخلق الذي يزعمه أهل البدع أبداً، ولكنهم اشتركوا بمزية وفضل وهو الصحبة، فمن طعن بهم في الإجمال فقد طعن في صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والطعن في الصحابة بالإجمال أو بأفرادهم هي بذرة يهودية؛ وذلك أنهم يريدون الطعن في الشريعة، فلما كان لا يسلم لهم أحد الطعن بالشريعة وبالإسلام والكتاب والسنة أرادوا الطعن بالحملة، ولذلك نشأ الطعن ببعض الصحابة كـأبي هريرة عليه رضوان الله تعالى واتهم بالكذب، وهم ما أرادوا في الحقيقة أبا هريرة، ولكنهم أرادوا ما حمله من السنة، فإذا طعن في أبي هريرة - ويظن البعض أن المقصود أبو هريرة نفسه - فإنه يترتب على ذلك أن الأحاديث أو جملة آلاف من الأحاديث يرويها أبو هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام ويتفرد بها، يريدون رد الشريعة والتنقص منها، وأن يقع في النفوس شيئاً من ذلك.

    كما وقع هذا في جملة من العقلانيين من المتأخرين ممن طعنوا بالصحابة عليهم رضوان الله تعالى، لأنهم لا يستطيعون أن يطعنوا في الشريعة مباشرة، وهذا من طرائق اليهود: أن يطعنوا في الحملة لا أن يطعنوا في المحمول، وهذه حيلة خبيثة في هدم الإسلام ومعالمه: أن يطعنوا في أهل العلم والفضل، أو الصحابة وأئمة الإسلام، ولا يريدون في ظاهر أمرهم ما يحملونه، ولكنهم يريدون أشخاصه حتى يتمكن تصديقهم في القلوب، فحينئذ تسقط آراؤهم بسقوط أصحابها.

    1.   

    الصحابة في أعلى منازل الجنة

    [ وإنهم للرهط لا ريب فيهم على نجب الفردوس بالنور تسرح ].

    هنا يشير إلى أنهم من أهل الجنة وقطع عليهم بذلك؛ لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يقول: [ وإنهم للرهط ] : والرهط في لغة العرب: هو ما دون العشرة، ويقال: بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل ما هو أكثر من ذلك، قال: [ لا ريب فيهم ]، أي : بلا شك أن ذلك الاعتقاد حق لا ريب فيه، [ على نجب الفردوس بالنور تسرح ] : والمراد بالنجب: هي الإبل والنوق الكرام، وجمعها: ناجبات ونجب، وأنهم يكونون على هذه النوق يوم القيامة في الفردوس يسرحون، والفردوس: هو أعلى منازل الجنة، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح: ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أوسط الجنة وأعلاها، وفوقه عرش الشمس، ومنه تنسدل أنهار الجنة )، وهو أعلى منازلها.

    والصحابة عليهم رضوان الله تعالى من الخلفاء الراشدين وغيرهم هم من أهل الفردوس، ولذلك قطع لهم هنا بأنهم من أهل الفردوس على نجب، أي: على نوق يسرحون فيها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد لهم في أحاديث كثيرة كما في حديث أبي هريرة، وكما في حديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( اسكن أحد )، وفي حديث أيضاً عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد في المسند والسنن: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد للعشرة المبشرين بالجنة بها )، ولذلك اشتهروا بهذا الوصف: العشرة المبشرين بالجنة.

    1.   

    عقيدة السلف عدم الجزم لأحد بجنة أو نار إلا من شهد له الشرع

    وأهل السنة والجماعة لا يشهدون لأحد من أهل الإسلام بالجنة بعينه، وإنما يقولون: يرجى له الجنة، وذلك لغياب شيء من أركان الإيمان، وهو ما يقع في قلب الإنسان، وقد أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على أصحابه حينما شهدوا لأحدهم بالجنة حينما قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصة في ذلك مشهورة، فلا يشهد لأحد ممن هو في دائرة الإسلام في ظاهره أنه من أهل الجنة إلا من شهد له النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يشهد لأحد بالنار بعينه ما لم يتيقن موته على ذلك، أو شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالنار، أو جاء في كتاب الله عز وجل، كـفرعون، وأبي لهب، وأمية بن خلف، وقارون، وهامان، وغيرهم ممن شهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام أنهم في النار، أما ما عداهم فيقال: أنه من أهل النار إن مات على ما هو عليه، وأهل الإيمان يرجى لهم الجنة، وإن تيقن أنه مات وهلك على كفر، فإنه يشهد له بالنار بعينه وهذا نادر، لكنه يقال بالإجمال: أن الكفار خالدون في النار، وأن اليهود والنصارى وغيرهم ممن خرج عن دين محمد صلى الله عليه وسلم من أهل النار خالدون فيها، فمن مات منهم على ملته فهو من أهل النار، ولا يشهد لأحد بعينه إلا من شهد له النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    العشرة المبشرون بالجنة

    [ سعيد وسعد وابن عوف وطلحة وعامر فهر والزبير الممدح ].

    وهؤلاء هم تتمة العشرة المبشرين بالجنة: [ سعيد ] : هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ابن عم عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، [ وسعد ] : هو سعد بن أبي وقاص من بني زهرة، وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة أيضاً، وطلحة بن عبيد الله، قال: [ وعامر فهر ] : هو عامر أبو عبيدة بن الجراح الفهري القرشي، قال: [ الزبير ] : هو ابن العوام، قال: [ الممدح ]، أي: الموصوف بالممادح؛ وذلك لمناقبه الكثيرة، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام الشهادة لهؤلاء العشرة بالجنة، كما جاء في سنن الترمذي، وكذلك في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن عوف عليه رضوان الله تعالى: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وسعيد في الجنة وسعد في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وطلحة في الجنة وعامر في الجنة والزبير في الجنة )، فيقال في هؤلاء العشرة: أنهم من أهل الجنة قطعاً لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهل من شهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة هؤلاء فحسب؟ لا، بل قد شهد النبي عليه الصلاة والسلام لغيرهم من أصحابه: كـبلال وعكاشة بن محصن وأبي هريرة وعائشة وفاطمة والحسن والحسين، والأصل في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كلهم في الجنة، واعتقاد أهل السنة فيهم: أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بالإجمال في الجنة، ولا يشهد لأحد بعينه ممن لم يشهد له النبي عليه الصلاة والسلام أنه من أهل الجنة، ولكن يطلق بالإجمال: أن الصحابة في الجنة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا ليذادن يوم القيامة أناس عن حوضي من أصحابي، فأقول: يا رب! هؤلاء أصحابي، فيقول الله سبحانه وتعالى: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك )، فقال بعض العلماء: أن هؤلاء ندرة ممن ارتد من الصحابة عليه رضوان الله تعالى وعلمت ردته، وقيل: أنهم ممن كان ظواهرهم الإيمان وبواطنهم النفاق، ولم يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيروا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا لا يعمم، ولا يؤثر في فضل الصحابة، بل يقال: إن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في الجنة، ولكن لا يقال لأحد منهم ممن لم يشهد له النبي عليه الصلاة والسلام أنه في الجنة، وإنما يقال بالعموم: أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى فضلهم الله بالمنزلة الرفيعة والمكانة العالية، ولا يطعن بأحد منهم، ويجزم أنهم في الجنة، وأن الله سبحانه وتعالى رضي عنهم ورضوا عنه، ولذلك يأتي ذكر المصنف عليه رحمة الله تعالى فيما يأتي في بيان فضلهم، ومنزلتهم في الكتاب والسنة.

    1.   

    مدح الصحابة كلهم بلا مثلبة ولا نقص

    [ وقل خير قول في الصحابة كلهم ولا تك طعانا تعيب وتجرح ].

    وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة: أن الصحابة يمدحون كلهم بلا مثلبة ولا نقص، وأن ما وقع بين الصحابة من فتنة وفرقة وخلاف، فإنه وقع بين أهل فضل، فلا يحل الخصومة ممن هو دونهم، ولذلك وقع بين الصحابة عليهم رضوان الله تعالى من الخصومة والفتنة ما يعلم، وليس لمن جاء بعدهم ومن هو دونهم في المنزلة أن يقيم هؤلاء، لأنهم أصحاب السبق والفضل، ولذلك عمم المصنف عليه رحمة الله تعالى هنا بلزوم إطلاق الفضل لهم على العموم، قال: [ وقل خيراً في الصحابة كلهم ]، أي: جميعهم بلا استثناء، وأنهم من أهل الخير والفضل، فلا يعاب أحدهم ولا يثلب بشيء وقع فيه؛ وذلك لأنهم بتلك المنزلة.

    وأما المنع من عيبهم والطعن فيهم؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ذلك بالإجمال والإطلاق، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لا تسبوا أصحابي )، وأصحابه تعريفهم: هم من لقي النبي عليه الصلاة والسلام على الإيمان ومات على ذلك، فمن كان هكذا وصفه فلا يطعن فيه ولا يثلب ولا يعير ولا يسب ولا يستهزأ به بشيء، وإن وصفه فيه أحد من أهل الفضل من الصحابة مثله، فإن الصحابة يقع بينهم من خصومة كغيرهم، لكنه لا يقيمه من جاء بعدهم ممن هو دونهم، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة وهم في ذلك الفضل والجلالة أن يسبوا بعضاً: ( لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه )، ولذلك الإنسان المؤمن الموحد مأمور بأن يطلق الفضل للصحابة كلهم وألا يكون طعاناً، أي: فيهم، قال: [ ولا تك طعاناً تعيب وتجرح ].

    يعتمد كثير من أهل الفرق الضالة ومن تبعهم بالطعن في الصحابة بشيء قد وقع بينهم، ووصف بعضهم بعضاً، كأن يقال: قال فلان من الصحابة في فلان كذا، فهو إذاً كذا لوصف فلان فيه، فيقال: فلان وصفه فمن أنت؟! فأنت حينما تصفه بهذا الوصف تطعن فيه وليس لك هذا، فهم بينهم على منزلة سوية في الفضل، فلا يطعن فيهم من جاء بعدهم.

    1.   

    حكم من سب الصحابة

    ولذلك اتفق أهل السنة والعلماء عامة: على أن من طعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا وسبهم فقد كفر بالاتفاق، وهذا لا خلاف فيه، وأما من سب واحداً منهم كأن يصف فلاناً بالجبن أو البخل أو السذاجة أو أنه ليس بفقيه ليس بعالم ونحو ذلك ممن يطعن فيه، فهو مبتدع زائغ، كبعض الشيعة وبعض النواصب الذين طعنوا في آحاد الصحابة وبعضهم، ولم يطعنوا فيهم بالإجمال، وأما من أطلق القول، ولم يستثن إلا واحدا أو اثنين أو قلة قليلة كما يستثني الروافض آل البيت، ويطعنون في الصحابة عامة، فهؤلاء كفار خارجون عن الإسلام، وذلك لتكذيبهم الفضل الذي جعله الله عز وجل للصحابة، وما جعل الله سبحانه وتعالى لهم في المنزلة الرفيعة، فمن طعن في أبي بكر أو شهد له بالنار فقد كفر، وكذلك عمر لتكذيبه ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواتر عنه في فضل هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة في أحاديث كثيرة..

    1.   

    ظهور فرق الضلال في الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم

    ويشير هنا المصنف بقوله: [ لا تك طعاناً تعيب وتجرح ] : نشوء فرق الضلال في الطعن في الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بدافع النصرة لصحابة آخرين، وحملهم على ذلك الغيرة، ونشأ في الطعن في الصحابة فرقتان قديمتان، ونشأت فرقة متأخرة بعدهم، أما الفرقتان: فأولهما الشيعة الذين طعنوا فيمن قدم غير علي على علي، وبلغ في غلاتهم أن طعنوا في الخلفاء الراشدين الأربعة سوى علي بن أبي طالب، وفي غلاتهم من طعن في سائر الصحابة إلا آل البيت، فسبوهم وذموهم وطعنوا في أمهات المؤمنين، فهؤلاء كفار، لأنهم قد طعنوا بحملة الوحي، الذين وصل إلينا سائر التشريع عن طريقهم، فإذا قلنا: أنهم كفار فلا شريعة حينئذ مسلمة، والله عز وجل قد تكفل بحفظ دينه، وهذا من أصول ما ينقض عقيدة الرافضة، ويبين كفرهم ووضوح انحرافهم عن الإيمان.

    ثم الفرقة الثاني: وهم النواصب الذين نصبوا العداء لآل البيت، وذلك بسبب غلو الشيعة في آل البيت، وطعنهم في بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى: كـمعاوية وعثمان بن عفان وغيرهم، فأرادوا نصرةً فوقعوا في المذمة، وهؤلاء من جملة المبتدعة.

    والنواصب أخف من الروافض؛ وذلك أن النواصب لا يطلقون بالعموم تضليل الصحابة، بخلاف الروافض الذين يطلقون بالعموم ولا يستثنون إلا آل البيت وهم عدد قليل والصحابة بالآلاف، فيضللونهم بالإجمال، بخلاف النواصب، فإنهم يطعنون في الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة والخمسة من آل البيت عليهم رضوان الله تعالى.

    والمؤمن الحق الموحد لا يطعن في أحد من الصحابة أبداً، لا بالإجمال ولا بالتفصيل، وما وقع بينهم من خلاف فإن ذلك سلم الله عز وجل منه الإنسان في زمنهم فليسلم منه لسانه، ولذلك سئل عمر بن عبد العزيز وكذلك غيره عما وقع بين الصحابة، فقال: تلك فتنة سلم الله منها سيوفنا، فلم لا يسلم الله منها ألسنتنا؟ والواجب على المؤمن أن يمسك عما وقع بين الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، فقد يصف أحد الصحابة نظيره بشيء بينهم، فيصفه بالغدر أو الكذب ونحو ذلك، فهؤلاء في مكانة ومنزلة سوية، وليس لأحد جاء بعدهم أن يقيم ويقول: ذلك مصيب وذلك مخطئ.

    1.   

    موقف أهل السنة من الفتنة التي وقعت بين الصحابة

    ولكن أهل السنة فيما وقع في الفتنة بين علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى ومن خالفه، قالوا بالإجمال: بصواب علي بن أبي طالب وأن الحق معه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام لـعمار بن ياسر، كما جاء في الصحيحين: ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية )، فقتل في صف علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى، وقد أورد الإمام الشافعي عليه رحمة الله في باب قتل البغاة في كتابه: الأم، قصة علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى مع قتاله لبعض الصحابة، وطعن فيه، فانتصر له الإمام أحمد عليه رحمة الله فقال: إن لم يضع في باب قتال البغاة قصة علي بن أبي طالب فماذا يصنع؟! وذلك لظهور النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا لا يعني قدحاً بأحد من الصحابة من خصوم علي بن أبي طالب بعينه، وإلحاق المذمة والمنقصة، لأنهم كلهم كانوا أهل اجتهاد وأرادوا بذلك صواباً، والله عز وجل أرحم بعباده من عباده.

    1.   

    مصدر الوحي: الكتاب والسنة

    [ فقد نطق الوحي المبين بفضلهم وفي الفتح آي في الصحابة تمدح ].

    يقول: [ فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ] : الوحي تقدم أنه: الكتاب والسنة، وهما موصوفان بالإنزال والوحي، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى عن نبيه عليه الصلاة والسلام: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، وذلك أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي، فإن كان لرسول الله علم من الله عز وجل سابق قبل أن يسأل، أجاب السائل حال سؤاله، وإن لم يكن لديه علم من الله عز وجل سابق فإنه ينتظر الوحي حتى ينزل إليه، ولا يقول شيئاً من قبل رأيه.

    والدليل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث يعلى بن أمية : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان بالجعرانة، فجاءه رجل وهو محرم وعليه جبة، وهو متضمخ بخلوق - يعني: طيب - فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! ما تقول في رجل متضمخ بخلوق وعليه جبة قد أهل بعمرة؟ فنظر إليه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أطرق رأسه، فنزل عليه الوحي، فأدبر الرجل، قال: فأخذ العرق يتصبب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رفع رأسه فقال: أين الرجل؟ فأتي به، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما الجبة فانزعها، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك )، فيه دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم إلا بوحي، وأنه إن سئل في الحال فأجاب، فلعلم سابق من الله عز وجل له، وإن لم يكن لديه علم انتظر الوحي كما في هذه الحال، ولذلك القرآن والسنة يقال عنهما: الوحيان الشريفان.

    قال: [ فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ]، أي: بفضل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بالإجمال، والآيات في ذلك كثيرة، ولذلك يقول الله عز وجل: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، والأحاديث في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة قد تقدم الإشارة إليها، كما في الصحيح: ( لا تسبوا أصحابي )، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( الصحابة أمنة لأمتي، فإذا ذهب الصحابة أتى أمتي ما يوعدون ) .

    1.   

    مدح الصحابة وبيان فضلهم

    قال: [ وفي الفتح آي للصحابة تمدح ]

    وسورة الفتح فيها من الممادح والبيان في فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يحصى، وأشار إلى سورة الفتح بذاتها، لكثرة الآي التي تبين فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجمال من غير استثناء، وهذا يدل على العموم، ولذلك يقول الله عز وجل مادحاً لهم في سورة الفتح: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29]، ويقول الله سبحانه وتعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18]، وهذا دليل على رضى الله عز وجل لهم المطلق والمدح المطلق، وكذلك قال الله سبحانه وتعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100] .

    وهذا يدل على أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بالإطلاق أهل فضل ومدح، وأنه لا يليق بمؤمن إلحاق منقصة وعيب بأحد منهم، وإن كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في الآدمية والبشرية يقع منهم من الخطأ، والزلل، والذنوب، وهذا لا خلاف فيه عند أهل السنة، فهم ليسوا بمعصومين كما يقول الضلال من الشيعة، والرافضة الذين يقولون بعصمة آل البيت، أي: أنهم معصومون من الخطأ والزلل، فلا يوجد أحد معصوم من الخطأ والزلل بالإطلاق من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، بل يقع منهم الخطأ ويقع منهم الذنب، لكنهم لا يسبون به ولا يعيرون به ولا يطعنون به؛ وذلك لأنهم قد بلغوا بالمنزلة والفضل ما تجاوزوا به القنطرة، وأنهم لا يوزنون عند من جاء بعدهم في الفضل، وذلك لشيء وقر في قلوبهم، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ( لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم )، والمد: هو ملء الكفين المعتدلتين: ( مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيف )، وهذا يدل على أن العبرة ليست بظواهر العمل، ولكن بما يقع في القلوب.

    فلا ينتقص من أحد من الصحابة وإن جهل أمره، لأنهم كانوا أنصاراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومبلغة للدين، فلا يقال: أن فلان بن فلان من أئمة الإسلام أفضل من ذلك الأعرابي الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وربط ناقته في المسجد ثم ذهب، وأن ذلك الإمام أو ذلك التابعي أفضل من ذلك الأعرابي الذي جاء وبال في المسجد ونحو ذلك، فهذا ليس على منهج أهل السنة، بل يقال: إن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أفضل ممن جاء بعدهم.

    وقد يقع في علم أن أحداً ممن جاء في الأمة بأفرادهم خير من بعض أفراد الصحابة، ولكنه ليس لأحد أن يقول: ذاك أفضل من ذاك، ولذلك لا يفضل أحد من الصحابة على غيره من الصحابة ممن لم يرد في حقه تفضيل بعينه، فلا يقال: عبد الله بن عباس أفضل من عبد الله بن مسعود، أو عبد الله بن عمر أفضل من عبد الله بن مسعود ونحو ذلك، فهؤلاء يقال: صحابة وفي الفضل سواء، والتفضيل يفتقر إلى نص، والفضل جاء بعمومه.

    1.   

    الطعن في الناقل طعن في المنقول

    والخوض في مثل هذه المسائل، والمبالغة في تقييم الصحابة هذا أصله نبتة رافضية، الذين جعلوا الصحابة في الميزان، فمن غال ومن جاف في هذا الباب.

    والفرقة الثالثة التي نشأت بعد ذلك هي: فرقة العقلانيين - وهم طوائف من المعتزلة - الذين أرادوا رد السنة بالطعن في الصحابة، فجاء الطعن بـأبي هريرة ؛ وذلك أنه قد روى جملةً وافرةً من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وتفرد بها لملازمة النبي عليه الصلاة والسلام، وأرادوا بذلك رد الوحي من وجه آخر وحيلة بالطعن بالناقل.

    وبالجملة: أن من طعن في الناقل إذا كان من أهل الفضل، فإنه ما أراد الناقل بعينه وإنما أراد المنقول، ولذلك منهج العلماء عليهم رحمة الله تعالى حينما ينكرون متناً في السنة، ويرون عدم الموافقة للأحاديث الأخر، وعليه تظهر علامات النكارة، وكان رواته من أهل الفضل والجلالة، أنكروا المتن، وحفظوا لهؤلاء الرواة حقهم وفضلهم، ولم يطعنوا فيهم، بخلاف الزنادقة من أهل الاعتزال وأهل العقل، ومن نحا نحوهم من أهل البدع المعاصرة والضلالة من الملاحدة: كالعلمانيين واللبراليين وغيرهم من الذين طعنوا في بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وتهكموا بهم، وأرادوا بذلك طعن ما حملوه، فإنهم لا يستطيعون أن يطعنوا بالسنة مباشرة، وإنما لحيلة وتبع لأسلافهم طعنوا في النقلة، وما أرادوا النقلة وإنما أرادوا المنقول.

    1.   

    الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان

    [ وبالقدر المقدور أيقن فإنه دعامة عقد الدين والدين أفيح ].

    يقول: [ وبالقدر المقدور أيقن فإنه ] : القدر: هو ما قدره الله سبحانه وتعالى من مقادير للخلائق، فالله عز وجل قد قسم بين الناس أرزاقهم وقسم بينهم أخلاقهم، فالله جل وعلا قد قدر وجعل لكل شيء قدراً، وجاء إثبات القدر في آيات كثيرة من كلام الله سبحانه وتعالى، وأحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب:38]، وقال الله جل وعلا: فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ [المرسلات:23]، فالله سبحانه وتعالى قد قدر كل شيء يحدث، ولذلك قد ثبت عن عبد الله بن عباس، كما رواه البخاري في كتاب الأدب، قال: كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على كفك، أنه من قدر الله سبحانه وتعالى.

    ولذلك يجب على المؤمن الإيمان بالقدر، بل لا يتحقق إيمانه بالله سبحانه وتعالى إلا أن يؤمن بالقدر، والإيمان بالقدر من أركان الإيمان، ولذلك لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان، قال: ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالقدر خيره وشره وباليوم الآخر )، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء عند الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، وهذه تسمى: أركان الإيمان.

    1.   

    ظهور بدعة إنكار القدر

    فالإيمان بالقدر من أركان الإيمان، فمن أنكر القدر فقد كفر بالله سبحانه وتعالى لتكذيبه الآيات الكثيرة، والأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وظهرت بدعة إنكار القدر في أواخر عصر الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، ولذلك قد روى الإمام مسلم من حديث عبد الله بن بريدة، وكذلك يحيى بن يعمر أنهما ذهبا إلى عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى وكان في المدينة. ليبلغوه بأن أناساً ينكرون القدر، قال: فأتينا إلى عبد الله بن عمر فقلنا: إن ناساً يزعمون ألا قدر وأن الأمر أنف، أي: يستأنف في الحال، قال: إذا رأيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأن الله بريء منهم، ثم قال: ولا يكون إيمان أحد حتى يؤمن بالقدر، ثم أورد قصة جبريل في إتيانه النبي عليه الصلاة والسلام القصة المعروفة.

    1.   

    مراتب القدر

    ولا يتحقق إيمان الإنسان بالقدر إلا بإيمانه بمراتبه الأربعة، ومراتب القدر الأربعة:

    أولها: العلم، إثبات العلم لله سبحانه وتعالى المطلق، فيقال: إن الله عز وجل يعلم ما كان، وما يكون، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وهذا كمال العلم، علم مطلق كامل لا يتطرق إليه نقص أو خلل، فيعلم الحوادث كلها ما مضى، وما هو في الحال، وما سيأتي، وما لم يقدر لو قدر أنه سيكون علم الله كيف يكون، وهذا غاية الكمال في العلم، فيثبت لله عز وجل العلم، والله عز وجل قد وصف نفسه بأنه: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام:73]، ما يعزب عن علمه مثقال ذرة، وهذا غاية في كمال العلم.

    المرتبة الثانية: الكتابة، أن الله سبحانه وتعالى كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض، كتب كل شيء، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث ابن العاص : ( إن الله عز وجل كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة )، ولذلك جاء في الخبر من حديث عبادة بن الصامت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء )، فأمره الله عز وجل بما يكتب.

    المرتبة الثالثة: إثبات المشيئة لله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل ما شاء يكون وما لم يشأ لم يكن، ولذلك أثبت الله عز وجل مشيئةً لعبده لكنها بعد مشيئته، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30] .

    المرتبة الرابعة: هي الإيجاد والخلق، أي: أن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء، ومما خلق أفعال العباد، ولذلك أفعال العباد مخلوقة من حركاتهم، وسكناتهم، وأقوالهم، فالله عز وجل قد خلق الناس وما يعملون.

    قال: [ وبالقدر المقدور أيقن ] : واليقين هنا: كمال الإيمان، ومراتب علم الإنسان وإدراكه يكون على مراتب، فأعلاها: عين اليقين، ثم اليقين، ثم غلبة الظن، ثم الشك، والإيمان بالقدر يكون بيقين، وذلك لأن الله عز وجل قد أمر بذلك، وأمر بالإيمان به، والنصوص في الأمر بالإيمان بالقدر وإثباته كثيرة في الكتاب والسنة.

    قال: [ فإنه دعامة عقد الدين ] : والدعامة: هي العلامة والركيزة الواضحة البينة التي تدل على إيمان الإنسان، وفيه دليل على أن إنكار القدر دعامة على نقض دين الإنسان.

    قال: [ والدين أفيح ] : وقد ضل في باب القدر طوائف وفرق، وتوهموا بعض النصوص في كلام الله سبحانه وتعالى وبعض النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا بين غال وجاف، وأهل السنة وأهل الإسلام وسط بين ذلك، فالقدر مأخوذ من التقدير، والقضاء مأخوذ من الأمر والانتهاء، قالوا: قضي الأمر، أي: انتهى، إما أن يكون بالأمر الشرعي، أو يكون بالأمر القضاء الكوني، فالقدر لا يكون إلا قدراً كونياً.

    1.   

    أقسام القضاء وذكر من ضل فيه

    أما بالنسبة للقضاء فإنه يكون على نوعين: قضاء قدري، وقضاء شرعي.

    القضاء القدري: هو المرادف للقدر، فيقال: قضى الله عز وجل علي كذا، أي: كتب، ومنه قضاء الله وقدره، فيقال: قدر الله وقضى كذا، مأخوذ من انتهاء الأمر، أي: أنه حسم وانتهى: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [يوسف:41] .

    وأما الشرعي: فهو الأمر الشرعي، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، قد ضل في هذا طوائف:

    الطائفة الأولى: هم القدرية، ويسمون: مجوس الأمة، وإنما سمي القدرية: مجوس الأمة؛ لأنهم قد شابهوا المجوس بإثبات خالقين، وذلك أن المجوس يقولون: أن ثمة خالقين: النور والظلمة، فالنور خالق الخير والظلمة خالقة الشر، وهؤلاء القدرية أثبتوا خالقين، فكيف أثبتوا خالقين؟ قالوا: إن الله عز وجل لم يقدر المقادير، ولكن الإنسان هو الذي يخلق فعله، فأثبتوا خالقين: خالق العبد، وأن العبد خلق فعله، فأصبحوا مجوس الأمة لمشابهتهم المجوس من هذا الوجه.

    وقال القدرية: إن الأمر أنف، أي: أنه مستأنف في الحال، فلا يعلم إلا حال وقوعه، وهؤلاء يتضمن كلامهم إنكاراً لعلم الله، ولا يوجد أحد من الطوائف التي تنتمي للإسلام من ينكر علم الله سبحانه وتعالى بالإجمال، فينكرون المراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والإيجاد بالإجمال، ولكن وجد من ينكر القدر، وينكر الكتابة، ويثبت العلم.

    والقدرية يخاصمون بعلم الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الإمام أحمد عليه رحمة الله: خاصموا القدرية بعلم الله، فإن أنكروه كفروا، وإن آمنوا به خصموا، فإن القدري الذي يقول: إن الله عز وجل لا يعلم ما يستقبل، فيقال: هل الله عز وجل عالم بما يأتي؟ فإن أثبت العلم خصم، فإن المراد بالقدر هو علم الله عز وجل بما يحدث، وأنه مقدر له، وإن أنكر كذب القرآن وكفر.

    الطائفة الثانية: هم الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله، وليس له خيار، وليس له مشيئة، وأن المؤمن والكافر مسيرون وليس لهم اختيار، وعقيدة أهل السنة: أن الله خلق للمؤمن والكافر مشيئة لكنها بعد مشيئة الله، فيرون أن الخلق مسيرون ومخيرون، واستدلوا بعموم النصوص في كلام الله سبحانه وتعالى، كقول الله عز وجل فيما سبق: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، قالوا: قضى الله عز وجل بمعنى: قدر ألا تعبدوا إلا إياه، فكل عابد عبد الله فهو مجبور على هذا الفعل، فلا يمكن أن يقع شيء إلا ما قدره الله عز وجل، إذاً: فمن عبد إنما عبد الله سبحانه وتعالى.

    والجبرية يقولون بالحلول: أن الله حال بكل شيء، فالله عز وجل هو الذي خلق الأصنام وأوجدها، وهو الذي أتى بالعابد ليعبد، وأمره بذلك وقدر عليه، قالوا: هذا هو عبد الله، لأنه عبد شيئاً أمره الله عز وجل به، وهذا ضلال وبدعة، وتقدم الإشارة لبعض حججهم.

    من احتجاجهم بقوله سبحانه وتعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، واحتجاجهم بقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة : ( قال: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها )، وقد ضل هؤلاء، ويسمون: بالحلولية والاتحادية، الذين يرون أن الله عز وجل حال في كل شيء واتحد مع مخلوقاته، فهم عباد ومعبودون، ولذلك حاروا في هذا الباب، حتى أنشد بعضهم، فقال:

    العبد رب والرب عبد فيا ليت شعري من المكلف

    تاهوا في هذا، فلا يعلمون من المكلف ومن الرب! وهذا بعد عن نصوص الوحي، فالله عز وجل قد أثبت لخلقه مشيئة، بقوله سبحانه وتعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، فالله عز وجل قد جعل للإنسان مشيئة، لكنها بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى.

    [ ولا تنكرن جهلاً نكيراً ومنكراً ولا الحوض والميزان إنك تنصح ].

    [ ولا تنكرن جهلاً نكيراً ومنكراً ] : وأراد بذلك حياة البرزخ، وهي المرحلة بين الدنيا والآخرة، وسميت برزخاً لأنها بين الدنيا والآخرة، فيجب على المؤمن أن يؤمن بأن الإنسان يمتحن ويفتتن، وأنه يأتيه ملكان يسألانه في قبره: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ وهذان الملكان جاء في حديث أنس بن مالك عند الترمذي أن اسمهما منكر ونكير، وإسناده جيد قد مال إلى جودة إسناده الإمام أحمد عليه رحمة الله.

    1.   

    بيان أسماء الملائكة

    ومن باب الفائدة: فإن أسماء الملائكة عليهم السلام أعجمية كلها إلا أربعة: وذلك كمنكر، ونكير، ومالك، خازن النار، ورضوان، فهذه الأسماء عربية وليست أعجمية، ما عدى ذلك فإنها أعجمية وليست بعربية، كذلك الأنبياء كلهم أسماؤهم أعجمية إلا أربعة: هم هود، وصالح، وشعيب، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وما ثبت من أسماء الملائكة عليهم السلام منكر ونكير من حديث أنس بن مالك عند الإمام أحمد وكذلك عند الترمذي في سننه، كذلك جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورقيب، وعتيد، ورضوان خازن الجنة، وأما عزرائيل ملك الموت فلم يصح فيه شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما جاء عند أبي الشيخ في كتاب: العظمة، من قول ابن وهب حكايةً: أن اسمه إسرافيل، ولا يثبت في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقول المصنف عليه رحمة الله هنا: [ ولا تنكرن جهلاً ] : هنا وصف بالجهالة من ينكر منكراً ونكيراً، والمراد بالجهالة: هي المعصية والذنب التي يخالف فيها الإنسان الحق، سواءً على علم أو بغير علم، فما عصي الله عز وجل إلا بجهالة، فكل معصية جهالة، وأراد بذلك هنا العموم سواء على علم أو بغير علم، يجب عليك ألا تنكر ذلك، فإن كان بعلم فقد خالفت الدليل، وظهر منك مكابرة للدليل الظاهر أمامك فأنت على علم به، وإن كان عن جهل ولم تنظر في الدليل فيجب عليك أن تبحث عنه فإنه ثابت: [ لا تنكرن جهلاً ] : فإن أنكرت، فإنك جاهل على الوجهين.

    فيجب على المؤمن أن يعتقد أن العبد يفتن في قبره، وأنه يسأل عن ربه ونبيه ودينه، وأن المؤمن يفسح له في قبره، وأما ضمة القبر، فقد جاء في أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلها معلولة، وأما الحديث الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو سلم منها أحد لسلم منها سعد بن معاذ )، جاء في رواية: ( لو سلم منها أحد لسلم منها هذا الغلام )، فإنها منكرة.

    قال: [ لا تنكرن جهلاً نكيراً ومنكراً ولا الحوض والميزان إنك تنصح ]:

    وأراد بالحوض والميزان: الإيمان بالبعث، وأن الله عز وجل يبعث الناس يوم القيامة، للحساب، وأراد بإيراده الميزان هنا: الدلالة على أن الإنسان يحاسب يوم القيامة فتوزن سيئاته وحسناته، فالله عز وجل قد كتب، وأحصى على الإنسان كل شيء يعمله في كتاب: لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49]، لذلك يوضع في الميزان الحسنات والسيئات.

    وقال بعض أهل السنة: أن الإنسان يوزن بنفسه، وهو قول لأهل السنة، واستدلوا ببعض الأحاديث في قول النبي عليه الصلاة والسلام لـعبد الله بن مسعود في ساقيه: ( قال: والله إنهما لفي الميزان أثقل من جبل أحد وكان أحمش الساقين )، أما الحوض فقد جاء فيه أدلة كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها ما جاء في الصحيح: ( ألا ليذادن أناس عن حوضي )، كما تقدمت الإشارة إليه، وكذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أنا فرطكم على الحوض )، أي: سابقكم إليه.

    1.   

    معرفة ما يوزن يوم القيامة

    والميزان قد جاء إثباته في كلام الله سبحانه وتعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله عز وجل عن نفسه، قال: وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [الرحمن:7]، أي: الميزان الذي ينصبه الله عز وجل يوم القيامة لتوزن أعمال العباد من خير وشر، وقال بعض العلماء: إن الذي توزن السجلات كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث البطاقة في الرجل الذي لم يعمل خيراً قط، قال: ( فتعرض عليهم سجلات مد البصر، فقيل: أتنكر من ذلك شيئاً؟ فيقول: لا يا رب، فقيل: هل بقي لك شيء لم توف؟ فيقول: لا، فتخرج له بطاقة فيها: لا إله إلا الله فتوضع في كفة وتلك السجلات في كفة، فتطيش تلك السجلات وترجح: لا إله إلا الله )، وقد ثبت أيضاً أنها توزن الأعمال التي يعملها العبد، وقد جاء في حديث في وصف النبي عليه الصلاة والسلام لسورة البقرة وآل عمران: ( أنهما تأتيان يوم القيامة كغمامات أو كغيايتان تظلان الإنسان يوم القيامة ) .

    ويكون الميزان قبل أن يقاد الناس إلى الجنة والنار، والميزان إنما كان لإقرار العباد ومخاطبتهم بما يعقلون، وإلا فالله عز وجل يحصي كل شيء، ولذلك الله عز وجل قد جعل للإنسان شهيداً من نفسه فتنطق يده، ورجله فتشهدان عليه، وكذلك بشرته، وتشهد عليه الأرض التي يمشي عليها، وجعل من الملكين من يكتب عليه الحسنات والسيئات، ولذلك يجب على المؤمن أن يؤمن بأن الله عز وجل يبعثه يوم القيامة، ويقره بما عمل من خير وشر.

    والإيمان بالقدر، والإيمان بالبعث والنشور يوم القيامة الأدلة عليه من الكتاب والسنة متوافرة متواترة متضافرة، ومن شكك في ذلك كفر، بل إن الملاحدة وأهل العقل قد مالوا إلى الإيمان بالبعث والنشور، لأن بالإيمان به سلامة، ولذلك يقول أبو العلاء المعري، وهو ممن اتهم بالزندقة، حينما جاءه منكروا البعث والنشور، ماذا قال لهم؟ قال ممتثلاً:

    قال المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قلت: إليكما

    إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما

    وذلك أن العقل يقول: إن الإنسان ينبغي أن يحتاط في نفسه، فإذا قال إنسان - وكان ذلك مجرد عن دليل لنفترض -: إن ثمة بعث ونشور، فالمؤمن بهذا البعث والنشور والمعد له إما سالم وإما فائز، فائز إن كان ثمة بعث ونشور، وناج وسالم إن لم يكن ثمة شيء، ومن لم يؤمن بالبعث والنشور هالك إن كان ثمة بعث ونشور، وسالم إن لم يكن ثمة شيء، وأيهما الرابح؟ من آمن، ولذلك يقول أبو العلاء :

    قال المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قلت: إليكما

    إن صح قولكما فلست بخاسر، أي: الإنكار، أو صح قولي فالخسار عليكما، وهذا يخاطب به الملاحدة بالعقل، كيف والمؤمن مأمور بالإيمان، وجاءت نصوص بذلك كثيرة في الكتاب والسنة ببيان البعث والنشور، وهذا أمر من المسلمات من شكك به كفر، فضلاً عمن جحد به، فمن شكك بالبعث والنشور، وأن الله عز وجل يحشر الناس يوم القيامة ويحاسبهم عما فعلوا، فقد كفر بالله سبحانه وتعالى وخرج من الإسلام.

    [ وقل يخرج الله العظيم بفضله من النار أجساداً من الفحم تطرح ].

    وهذا فيه دليل على إثبات الجنة والنار، وبيان أن إثبات الجنة والنار من اعتقاد أهل الإسلام، ومن أنكر ذلك فقد كذب بنصوص الكتاب والسنة، وأن الله عز وجل ما خلق الجنة والنار إلا لتكون الجنة لأهل الإيمان، والنار لأهل الكفر والعصاة إن لم يرحمهم الله عز وجل.

    1.   

    فضل الله على العصاة من عباده

    وهنا قال: [ يخرج الله العظيم بفضله من النار ]، قوله هنا: بفضله، أي: أن الله عز وجل متفضل على عباده كلهم، سواءً من دخل النار واستحق العقوبة، أو من رحمه الله عز وجل وغفر له ذنبه، وأدخله الجنة مباشرة، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما من أحد يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتداركني الله برحمته )، ولذلك الناس يدخلون الجنة بفضل الله ورحمته، ولو عامل الله عز وجل الناس بعدله ما دخل الجنة أحد، ولذلك هنا ذكر الفضل، يقول هنا:

    [ وقل: يخرج الله العظيم بفضله من النار أجساداً من الفحم تطرح ].

    والمراد بذلك: من دخل النار من أهل الإيمان ممن استحق النار، وفيه دليل على أن بعض أهل الإيمان يدخلون النار، لأنهم استوجبوها، لأن الله عز وجل لم يغفر لهم ذنبهم ذلك، ويغفر الله عز وجل لمن شاء.

    واعتقاد أهل السنة: أن أهل المعاصي والذنوب مآلهم إلى الجنة، وهم من أهل الجنة قطعاً إما ابتداءً، أو مآلهم بعد دخولهم النار إن لم يرحمهم الله عز وجل، ويعتقد أهل السنة أن أناساً من أهل الإيمان من العصاة من أهل الكبائر يدخلون النار، وأراد بذلك إثبات مخالفة الخوارج والمعتزلة الذين يرون أن مرتكب الكبائر منزوع الإيمان وأنه خالد في النار أبداً كالكفار، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح، قال: ( يخرج المؤمنون من النار فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار يتقاضون حقوقاً كانت بينهم )، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان )، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( يخرج من النار أقوام قد تفحمت أجسامهم، فيخرجهم الله عز وجل من النار فيلقيهم في نهر الحياة )، وفي رواية: ( نهر الحيا، فينبتون كما تنبت الحبة في السيل )، وهذا يدل على أنه لا يبقى في النار أحد من أهل الإيمان، ولكن الله عز وجل يعذب فيها من شاء بعدله.

    [ على النهر في الفردوس تحيا بمائه كحب حميل السيل إذ جاء يطفح ].

    وهذا قد تقدم: أنهم يخرجون من النار قد تفحموا، وجاءت في بعض الأحاديث، كحديث أبي هريرة في الصحيح: ( إلا مواضع السجود، فيلقون في نهر الحيا )، وجاء في رواية: ( نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في السيل )، وذلك لكي يكمل لهم نعيم الجنة.

    1.   

    إثبات الشفاعة وذكر أقسامها

    [ وإن رسول الله للخلق شافع وقل في عذاب القبر حق موضح ].

    يقول: [ وإن رسول الله للخلق شافع ] : فيه إثبات الشفاعة للنبي عليه الصلاة والسلام، والشفاعة مأخوذة من الشفع وهي ضد الوتر، فالوتر هو الواحد، فإذا كان معه نظير له فإنه يسمى: شفيعاً، وذلك تسمى الشفاعة شفاعة، إذا لم يقدر الإنسان بنفسه فيستشفع بغيره فيتقوى لقضاء حاجته وما يريد، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يشفع للناس يوم القيامة لكي يفصل بينهم يوم العرض، ( فيذهبون إلى آدم، فيقول: اذهبوا إلى إبراهيم، ويقول إبراهيم: اذهبوا إلى موسى وعيسى ثم محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتي عند العرش فيسجد لله عز وجل فيدعوا الله عز وجل فيشفع للناس عند الله عز وجل أن يفصل بينهم، فيفصل الله عز وجل بينهم يوم القيامة ).

    والشفاعة الأصل فيها أنها منفية إلا ما أذن الله عز وجل به، والشفاعة عند العلماء في النظر في نصوص الشرع شفاعتان: شفاعة منفية: وهي الشفاعة التي يطلبها الكفار من الأولياء، والصالحين، والأصنام، والأوثان، وذلك أنهم يرجون منها شفاعةً عند الله سبحانه وتعالى.

    الشفاعة المثبتة: وهي شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام للخلق أن يفصل بينهم يوم القيامة، ولبعض الكفار، كـأبي طالب، وقيل:أنه لا يشفع لكافر إلا لـأبي طالب وقيل: لـأبي لهب ويأتي الكلام عليه، وكذلك شفاعة عليه الصلاة والسلام لبعض أهل الإيمان أن يخرجوا من النار، وكذلك شفاعة أهل الإيمان لبعضهم، فيشفع الشهيد لسبعين من أهله، ويشفع الابن لأبيه والصاحب لصاحبه، فيكون من أهل الجنة، وكذلك الشفاعة تكون بين أهل الجنة الذين لم يدخلوا النار ليصل هذا إلى مرتبة هذا فيكونون سواء، وهنا أشار إلى شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: [ وإن رسول الله للخلق شافع ]، أي: يوم العرض، والشفاعة كذلك العامة لأهل الإيمان.

    [ وقل في عذاب القبر حق موضح ] : وتقدم الإشارة إلى عذاب القبر والفتنة التي تقع فيه، والنبي عليه الصلاة والسلام قد بين عذاب القبر في قصة نكته بعود لما جلس على شفير قبر، وكذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( استغفروا لأخيكم واسألوا له الثبات فإنه الآن يسأل )، ولذلك قال: [ حق موضح ] .

    والنبي عليه الصلاة والسلام يشفع للأمم كلها بأن يفصل بينها يوم العرض، ويشفع لعمه أبي طالب خاصةً من أهل الكفر لا يشركه في ذلك أحد على الصحيح، والكفار لا يشفع لهم أحد، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ [السجدة:4]، أي: يوم القيامة، وهذا نفي عام تام ليس لهم شفيع يوم القيامة لا نبي ولا نحو ذلك من خلق الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    شفاعة النبي لعمه أبي طالب

    قال: [ رسول الله للخلق شافع ] : والمراد بذلك الشفاعة العامة للخلق، ويرد عليه أيضاً شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الإيمان أن يدخلوا الجنة، وأن يخرج أهل الإيمان من النار من كتب الله عز وجل له النار، أما الكفار فلا يشفع النبي عليه الصلاة والسلام إلا لعمه أبي طالب، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أنه في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه )، وذلك خفف عنه بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام له؛ لنصرته للنبي عليه الصلاة والسلام في أول أمره، فقد نافح عنه، ودافع عنه لما كان النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، فقد وقف في وجه كفار قريش لما حبس النبي عليه الصلاة والسلام بشعب مكة، فلا يجلب له طعام هو ومن آمن معه، كان أبو طالب يبعث له بالطعام حمية.

    قد وقع في قلب أبي طالب تصديق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يتبعه قولاً وفعلاً، ولذلك يقول في نونيته:

    والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد بالتراب دفينا

    فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقر به عيونا

    ودعوتني وزعمت أنك صادق ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

    وعرضت ديناً لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا

    لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك يقينا

    هو مصدق بقلبه لكنه ما حمله ذلك على الإيمان خشية العار، فبقي عاره إلى قيام الساعة، فإذا أراد أحد أن يمثل بأخف أهل النار عذاباً مثل بـأبي طالب، العار الحق والحقيقة هو بالبعد عن الوحي، والبعد عن الاتباع، ولذلك لحقه عار إلى قيام الساعة.

    جاء في البخاري ليس على شرطه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام قد شفع لـأبي لهب أن يسقى في النار بقدر هذه، وأشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى أسفل الإبهام )، فيكون ثمة شيء من حفرة يسيرة، قال: ( يسقى بقدرها من الماء )، وذلك أنه قد أعتق مرضعة النبي عليه الصلاة والسلام وكانت أمةً عنده، لما كان النبي عليه الصلاة والسلام صغيراً لما توفيت أمه، فشفع له في ذلك فيسقى بقدرها ماءً في النار، وقد أعله بعض العلماء عليهم رحمة الله، ما عدا ذلك فلا يشفع النبي عليه الصلاة والسلام لأحد مطلقاً من أهل الكفر.