إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [65]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله المحرمات من النساء بقوله: (حرمت عليكم أمهاتكم) الآية. والمحرمات إما محرمات بالنسب مثل الأمهات والأخوات والبنات والعمات. أو محرمات بالرضاع، أو محرمات بالمصاهرة كأمهات النساء ونحو ذلك. وقد تنازع العلماء في بعض مسائل الرضاع، كاشتراط أن يكون الرضاع في الحولين، والمقدار الذي به تثبت المحرمية. وقياس الرجل على المرأة في انتشار المحرمية ونحو ذلك.

    1.   

    قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:

    ينعقد هذا المجلس في الخامس عشر من جمادى الآخرة من عام خمسة وثلاثين بعد الأربعمائة والألف، نكمل ما يتعلق بالمحرمات من النساء من سورة النساء، وذلك في قول الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23].

    المحرمات بالوصف قسمان

    الله سبحانه وتعالى حرم على الرجال النساء، وجعل الأصل في النكاح الحل، كما تقدم في قول الله جل وعلا: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] فهذا دليل على أن الأصل في النكاح الحل، وقيد الله عز وجل ذلك بالعدد في أول سورة النساء، قال: مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] ، وأما بالنسبة للأوصاف فإن الله عز وجل قيد الأوصاف بالمحرمات هنا في قول الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] ، وذكر الله سبحانه وتعالى للفظ التحريم في هذه الآية في قوله: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ))، وقوله جل وعلا في الآية السابقة: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] إشارة إلى أن التحريم في هذه الآية أغلظ من التحريم في الآية السابقة، وذلك أن النهي بلفظ التحريم في كلام الله عز وجل أغلظ، فإذا قال الله عز وجل: حرام، أو حُرم، أو حرَّم الله، فإن ذلك أغلظ من قوله: ولا تفعلوا، وذلك للصراحة والوضوح والجلاء، وكذلك أيضاً فإن الله سبحانه وتعالى أكد التحريم بقوله: عَلَيْكُمْ [النساء:23] ، فقول الله جل وعلا: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ [النساء:23] هذا المراد به محرمات النسب، فالله عز وجل جعل المحرمات على نوعين: محرمات بالنسب وهن سبع، والنوع الثاني محرمات بالمصاهرة والرضاع، وهن سبع كذلك.

    المحرمات بالنسب

    ولهذا روى سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قال: حرم الله عز وجل من النسب سبعاً، وحرم من المصاهرة سبعاً، وهن أربع عشرة امرأة حرمها الله جل وعلا في كتابه العظيم في هذا الموضع، وبدأ الله عز وجل بالأمهات، وحرمهن على الأبناء، وذلك لعظم حق الأمهات ومنزلتهن في الدين والرحم.

    البدء بتحريم نكاح الأمهات

    يقول: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] ذكر الله عز وجل الأمهات في أول المحرمات؛ وذلك لعلو منزلة الأم وحقها، فإن أعلى مراتب الرحم هي محل الأبوة والأمومة، فيطلق على الأب والأم الأبوين للتغليب، وذلك لغلبة الذكورة على الأنوثة لا لغلبة الحق، فالحق للأم في ذلك أعظم، وأعظم منازل الأبوة في ذلك هي للأم، ومعلوم أن المرأة الواحدة تكون أماً من وجه، وتكون بنتاً من وجه، وتكون أختاً من وجه، وتكون عمة من وجه، وتكون خالة من وجه، وقد تكون أيضاً من النسب، وقد تكون أيضاً من الرضاع من وجه، فذكر الله عز وجل مرتبة الأمومة وقدمها على غيرها، مع أن المرأة قد تكون بنتاً وأختاً وعمة وخالة، ولكن لذكور آخرين، فذكر الله عز وجل أعظم وجوه الصلة في ذلك وهي مرتبة الأمومة، فقال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23]، وذلك أن أول رحم يدلي به الإنسان هو رحم أمه، والمراد بالأم هنا هي أم النسب، أما بالنسبة للرضاع فيأتي الكلام عليها فيما يأتي من هذه الآية.

    نكاح البنات

    قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23] وذكر هنا البنات، وهن أشد تحريماً من الأخوات، وذلك لأنهن أقرب من جهة الرحم، وهنا في ترتيب المحرمات يأخذ العلماء منه ترتيب الحق في الأرحام، وذلك أن التحريم والحل يتقابلان، من جهة الحل مما جعل الله عز وجل في ذلك الصلة، وكذلك جانب الولاية، وغير ذلك، فإن الابن أحق بولاية أمه من أخيه، وذلك للحق بينهما إذا كان بالغاً راشداً، كذلك أيضاً من جهة الرحم، فصلة الأم أولى من صلة البنت عند التزاحم، وكذلك فإن صلة البنت أولى من صلة الأخت، لأن الله عز وجل جعل ذلك على الترتيب في أبواب التحريم، للتغليظ في الحق والمحرمية، وكذلك فإن البنت تدلي برحم مباشرة، بخلاف الأخت فإنها تدلي برحم بواسطة.

    في قوله جل وعلا: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ [النساء:23] هذه المذكورات هن الأمهات والبنات والأخوات من جهة النسب لا من جهة الصهر والرضاع، وهنا في تحريم الله عز وجل للأمهات شامل للأمهات وإن علون، وللأم والجدة من جميع الجهات، سواء كانت أم الأم أو أم الأب، وإن علون، فإنهن محرمات لدخولهن في هذا الباب، ولا خلاف عند العلماء في هذا.

    وفي قوله جل وعلا: وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23] وإن نزلن، ولا خلاف عند العلماء في ذلك، فإنه يحرم على الأب أن يتزوج بنته وأن يتزوج بنت بنته، ولا خلاف عند العلماء في ذلك وإن نزلن.

    تحريم نكاح الأخوات

    وكذلك أيضاً في قوله: وَأَخَوَاتُكُمْ [النساء:23] حرم الله عز وجل نكاح الأخوات، وذلك من جميع الجهات، سواء كانت أختاً من أم أو أختاً من أب، أو كانت أختاً شقيقة، ولا خلاف عند العلماء في ذلك.

    تحريم نكاح العمات والخالات

    قال: وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ [النساء:23] العمات والخالات وإن علون، فعمة الإنسان مباشرة تأخذ حكمها عمة أبيه وعمة أمه، وكذلك بالنسبة لخالة أبيه وخالة أمه، تأخذ ذات الحكم من عمته؛ ولهذا نقول: إن العمات محرمات وإن علون، والخالات محرمات وإن علون، كما أن الأمهات محرمات وإن علون، والبنات محرمات وإن نزلن، وذلك لأن الله عز وجل أطلق ذلك، والحكم في ذلك سواء، ولا يستثنى من ذلك نوع.

    وعلى هذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى إنما ذكر في هذه الآية أصول المحرمات لا أشخاص المحرمات وأعيانهن، فالأصول يعني: أنه يتفرع عنها فرع، كالبنت وبنت الابن والأم وإن علت، وإن كانت الأم هي فرع لأمها وجدتها، وإنما ذكرت لعظم حقها، وكذلك بالنسبة للعمات والخالات.

    نكاح بنات الأخ والأخت

    قال: وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23]، يتفق العلماء على حرمة بنات الأخ وبنات الأخت وإن نزلن، فبنت بنت الأخ حرام، وكذلك بنت بنت الأخت، وهنا من جهة الترتيب في قول الله عز وجل: وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23] هل يقال بتقديم الرحم من جهة الأخ على الرحم من جهة الأخت؟

    نقول: نعم، وهذا هو الظاهر من جهة الأدلة، أن ذرية الإخوة أولى بالصلة من ذرية الأخوات، وكذلك من جهة ذرية الأبناء أولى بالصلة من ذرية البنات، ولأن النسب يتعلق بالذكورية ولا يتعلق بالأنوثة؛ ولهذا جعل الشارع مقام الذكورة أعظم من مقام الأنوثة في الميراث وأشباهه، وهذا من العلل في أبواب المواريث على ما تقدم الإشارة إليه في مواضع سابقة.

    والقرينة في هذا أن الله عز وجل قدم بنات الأخ على بنات الأخت، والعرب تجعل ما يكون من ذرية البنات لأزواج البنات بالنسب، وما يكون من ذرية الأبناء للأبناء، فيتصل بذلك النسب بالذكورة لا بالأنوثة، وهذا معلوم أيضاً بالطبع، فإن الناس يتعلقون بنسب الذكورة أعظم من نسب الأنوثة، وهذا من العلل العظيمة أن الله سبحانه وتعالى لم يقدر لنبيه صلى الله عليه وسلم ولداً ذكراً من ذريته يبقى وينشأ له نسل وذرية، وهذا من رحمة الله عز وجل بنبيه، ورحمة الله سبحانه أيضاً ولطفه بأمته، فإن ذرية النبي صلى الله عليه وسلم الباقية هن من بناته لا من أبنائه، ومع ذلك غلا فيها من غلا، وجُعلوا آلهة من دون الله، وهن والذرية من ذرية بنات النبي صلى الله عليه وسلم هن من البنات لا من الأبناء، فلم يجعل الله عز وجل لنبيه ابناً يُعمَّر، فإذا كان من ذرية النبي ابن يعمر فما هو مقام الغلو والشرك والفتنة في دين الناس لتعظيم الذرية في باب الذكورة والفتنة بها أعظم من غيرها؛ ولهذا نجد الروافض إنما غلوا في هذا الباب مع أن الصلة في ذلك من جهة الأنوثة، وأما من جهة جِماع الشرف والصلة والتعظيم فإن الذكورة تشترك مع الأنوثة من جهة الشرف والتعظيم؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن ابني هذا سيد ) يقصد الحسن عليه رضوان الله تعالى، وهو ابن بنته، وهو ابن لـعلي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول الشاعر في هذا الباب:

    بنونا بنو أبنائنا ... وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

    يعني: أن أبنائي الذين يرجع نسبهم إلي هم أبناء أبنائي، وأما أبناء البنات فهم أبناء الرجال الأباعد، يعني: ينسبون إلى آبائهم وقبائلهم وأعراقهم، والعجمي إذا تزوج عربية أصبح أبناؤه عجماً كأبيهم، فانتسبوا إليه من جهة العرق، ولو كانت الأم في ذلك عربية، والرجل العربي إذا تزوج أعجمية لحق أبناءه نسب أبيهم، ولو كانت الأم في ذلك أعجمية، فضلاً عن ما دون ذلك من أجزاء النسب مما يتصل به من جهة الأبوة، وكذلك النسب إلى الجد والقبائل والأفخاذ وفروع الأنساب.

    المحرمات بالرضاع الأمهات من الرضاعة

    وقول الله سبحانه وتعالى هنا: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء:23] ذكر الله سبحانه وتعالى الرضاع بعدما ذكر النسب، إشارة إلى أن أدنى مراتب النسب أعظم من أعلى مراتب الرضاع، والعلماء يتفقون على أن الرضاع ليس من الرحم الذي يجب وصله، وإنما هو من الوفاء وحسن العهد، فإذا قطع الرجل رضاعاً كان بينه وبين امرأة، أو كانت له أخت أو عمه أو خالة من الرضاع، لم يكن بذلك قاطعاً، وعلى هذا جملة من الأدلة، ومن ذلك ما جاء في الصحيح من حديث عائشة عليها رضوان الله: ( أن أبا القعيس استأذن عليها، فقال: إني عمك من الرضاعة. فلم تأذن له حتى استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أدخليه فإنه عمك من الرضاعة ).

    وفي عدم إدخال عائشة عليها رضوان الله تعالى له إشارة إلى أنها لم تجالسه في السابق، وإلا لما احتاجت إلى بيان حكم جديد، والعم من الرحم الذي يجب وصله، ومع ذلك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة لما كان عهدك به بعيداً، أو لم تصليه، أو كان من رحم، بل أجاز النبي صلى الله وعليه وسلم دخوله عليها، لأنه من محارمها، فذكر الله سبحانه وتعالى هنا الأمهات من الرضاعة بعدما ذكر بنات الأخ وبنات الأخت، وهذا الترتيب له حكمة من جهة التعظيم؛ ولهذا نقول: إن نكاح بنات الأخ وبنات الأخت أعظم عند الله عز وجل من نكاح الأم من الرضاعة، لاتصال الأول بالنسب، وإن كان ثبوت المحرمية وأصلها يثبت للرضاع ما يثبت للنسب، وهذا أصل المحرمية لا مراتب التعظيم، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة قال: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ).

    وقوله سبحانه وتعالى: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء:23] يدخل في هذا الأمهات وإن علون، الأم والجدة وإن علون في ذلك.

    الأخوات من الرضاعة

    وكذلك أيضاً في قوله جل وعلا: وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23] الله سبحانه وتعالى إنما ذكر الأمهات وما ذكر غير الأمهات والأخوات في المحرمات، وما ذكر الله سبحانه وتعالى غير الأمهات والأخوات من الرضاعة، فهل يعني أن المحرمات في هذا تتقيد فيما ذكره الله سبحانه وتعالى في هذه الآية، فلا يحرم على الإنسان غير ذلك؟

    1.   

    مسائل في أبواب الرضاع

    أولاً ثمة مسائل متعددة في أبواب الرضاع يجب تحريرها وتقريرها:

    اشتراط أن تكون الرضاعة في الحولين

    أول هذه المسائل: أن الله سبحانه وتعالى جعل الرضاعة في حولين كما تقدم معنا في سورة البقرة وقد تكلمنا على هذه المسألة، وجمهور العلماء عليهم رحمة الله أن الرضاع المحرم لا يكون إلا في حولين، وأن ما كان من رضاع بعد ذلك فإنه لا أثر له في أبواب التحريم، وتكلمنا أيضاً على سالم مولى أبي حذيفة، وكلام بعض العلماء في هذه المسألة في سورة البقرة، ومن شاء فليرجع إليه.

    مقدار الرضاع الذي يثبت به المحرمية

    وأما بالنسبة للمسألة الأهم في ذلك فهو المقدار الذي تثبت به محرمية الرضاع.

    نقول: اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في مقدار الرضعات التي يثبت بهن التحريم على عدة أقوال، وأشهر هذه الأقوال:

    القول الأول: أن الرضاع القليل والكثير منه تثبت به المحرمية؛ لعموم النص في كلام الله سبحانه وتعالى في قوله: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء:23] يعني: أن كل رضاع يكون بين رجل وامرأة فإنه تثبت به المحرمية من غير تقييد بعدد، وذهب إلى هذا الإمام مالك رحمه الله، ومروي عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله.

    القول الثاني: أن المحرمية في ذلك تثبت فيما زاد عن اثنتين، وأما ما كان من الرضعة والرضعتين فلا تثبت بهما المحرمية، والثلاث وما زاد عليها تثبت بها المحرمية، واستدلوا على ذلك بما جاء في الصحيح من حديث عائشة عليها رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تحرم المصة ولا المصتان ) ، وهذا إشارة إلى الرضعة والرضعتين، وهذا القول ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف.

    القول الثالث: أن عدد الرضعات التي تثبت بها المحرمية هو خمس رضعات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الرضعات المحرمة في ابتداء الأمر عشراً، ثم نسخت في ذلك إلى خمس، واستدلوا بما جاء في حديث عائشة في الصحيح أنها قالت: ( كان فيما أنزل من كلام الله عز وجل عشر رضعات يحرمن، ثم نسخهن الله جل وعلا إلى خمس رضعات، قالت: ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يتلو في كتاب الله ) وهذا القول هو أرجح الأقوال، لأنه قد بين الناسخ والمنسوخ من أمور الرضاع وعددها، والنص إذا عُرف المتأخر منه والمتقدم وظهر فيه الناسخ والمنسوخ بنص واحد فهذا هو أعلى وجوه النسخ وأقواها وأظهرها، كما في حديث عائشة ، إذا كان الخبر قد جمع الناسخ والمنسوخ في موضع واحد فإن هذا أقوى وأصرح وجوه النسخ.

    القول الرابع: أن الرضعات التي تحرم عشر لأنها كانت على الابتداء، والنسخ في ذلك ظن، ونقول: إن الرضعات كانت في الابتداء عشر، وأما زعم أن النسخ في ذلك ظن فهذا وهم وغلط، ولثبوت الدليل فيه من حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    انتشار المحرمية بالرضاع إلى الرجل قياساً على المرأة

    المسألة الثانية من مهمات المسائل والتي لها تعلق بهذه الآية من جهة التحريم هنا في قول الله جل وعلا: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23] هل التحريم ينتشر إلى الرجال أم يقتصر على النساء فحسب؟ وذلك أن المرضعة هي المرأة، والمحرمية تتجه إليها، فإذا أرضعت المرأة طفلاً فهو ابنها من الرضاعة، وبناتها وأبناؤها إخوة له، فهل المحرمية كما انتشرت عن طريق الأم تتصل بالأب وتنتشر عن طريقه؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

    جماهير العلماء وعامة السلف أن المحرمية تنتشر إلى الرجال كما تنتشر إلى النساء، ويتفرع عن هذه المسألة جملة من الفروع والأحكام، ومنها: إذا كان القول بأن المحرمية لا تكون إلا في النساء فعلى هذا لا يكون الأب من الرضاع، ولا يكون أبناؤه من غير هذه المرأة إخوة لهذا الراضع، فإذا كان الطفل ذكراً فرضع من هذه المرأة، فعلى هذا القول يجوز له أن يتزوج من بنات زوجها زوج هذه المرأة التي رضع منها من غيرها.

    الذي عليه عامة السلف وهو قول الأئمة الأربعة أن المحرمية تكون في الرجال كما تكون في النساء، وهذا هو الأرجح، وقد جاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى ونص عليه غيره من السلف، فقد جاء عن سالم و مكحول أن المحرمية في الرجال كما هي في النساء.

    والقول الثاني: ذهب قلة من السلف أن الرضاعة إنما تكون في النساء ولا تكون في الرجال، وهذا القول جاء عن جماعة، عن عطاء بن يسار وسليمان بن يسار وسعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، فقد روى ابن المنذر في كتابه التفسير من حديث يزيد بن عبد الله بن قصير ، قال: سألت سعيد بن المسيب و عطاء بن يسار وسليمان بن يسار وأبا سلمة بن عبد الرحمن عن قول الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء:23] فقال: التحريم في النساء لا في الرجال.

    والأرجح في ذلك وهو الصحيح الذي ينبغي ألا يصار إلا إليه وهو الذي نطق به ظاهر الكتاب وظاهر السنة أن المحرمية تكون في الرجال وفي النساء، ومن الأدلة المتأكدة على هذا ما تقدم معنا في الصحيح من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى لما جاء عمها من الرضاعة، ومعلوم أن انتشار الرضاعة إلى العم جاءته عن طريق الذكورة، فـأبو القعيس هو أخو زوج المرأة التي أرضعت عائشة عليها رضوان الله، فأصبح عماً لها من الرضاعة، وعلى هذا فيكون عماً من الرضاعة، ويكون خالاً من الرضاعة، وكذلك ما يتفرع من هذا من أبواب التحريم مما هو أولى منها من البنت من الرضاعة، وكذلك الأب من الرضاعة، وكذلك ينتشر إذا انتشر في العم من الرضاعة، فينتشر في الإخوة من الرضاع من جهة الأب، فعلى هذا نقول كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة في الصحيح قال: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) يعني: أنه ينتشر تحريم الرضاع في الذكورة والأنوثة كما ينتشر في ذلك النسب، والاطراد في ذلك سهل وميسور، ومن قال بهذا القول فإنه ينظر في كل انتشار يكون في النسب يقابله انتشار تثبت به المحرمية في أبواب الرضاع.

    فإذا قلنا: إن العمة والخالة والبنت والأخت من المحرمات في أبواب النكاح يقابلها كذلك في أمور الرضاع، ويخرج من هذا الجمع بين الأختين.

    وكذلك في الربائب وأمهات النساء، هل يدخل في هذا الرضاع أم لا يدخل؟ إذا تزوج الرجل امرأة ثم طلقها فأراد أن يتزوج أمها من الرضاعة، فهل يقال حينئذ بحرمة ذلك أم لا؟ وهل يقال بحرمة الجمع بين الأختين من الرضاعة أو الجمع بين امرأة وأخت لها من الرضاعة فيثبت التحريم في ذلك كالأختين من النسب أم لا؟

    يأتي الكلام على ذلك بإذن الله تعالى.

    المحرمات بالمصاهرة

    نكاح أمهات الزوجة

    ذكر الله سبحانه وتعالى في أبواب المصاهرة من المحرمات، قال: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23] يحرم على الرجل إذا تزوج امرأة أصلها وفرعها، أصلها أمها، وفرعها بنتها، ويحرم على المرأة إذا تزوجت رجلاً أصله وفرعه، أصله أبوه، وفرعه ولده، تقدم الإشارة إلى هذا في قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22] ، وأما الرجل إذا تزوج امرأة فيحرم عليه أصلها وفرعها، وبالنسبة لأصلها وفرعها فقد قيد الله سبحانه وتعالى فرع المرأة هنا بالدخول في قول الله جل وعلا: مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23] أي: أن الرجل لا يحرم عليه فرع امرأته إلا إذا دخل بها، وأما بالنسبة لأصل امرأته وهي أمها فهل تثبت في ذلك المحرمية بالدخول أم بمجرد العقد؟ نقول: الله سبحانه وتعالى يقول: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23] فذكر قيد الدخول في حكم الربائب، وما ذكره الله عز وجل في حكم الأمهات عند الزواج من البنات؛ ولهذا نقول: إن الصواب في ذلك أن الأمهات يحرمن على الرجل بمجرد العقد ببنتها، فإذا عقد الرجل بامرأة حرم عليه أصلها، وسواء دخل ببنتها أو لم يدخل، وأما بالنسبة لبنت المرأة فهل تحرم عليه بمجرد العقد بها؟

    نقول: قد قيدها الله جل وعلا فقال: مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23] فإذا دخل بها حرمت عليه ابنتها وإذا لم يدخل بها فإنها لا تحرم عليه.

    ما يثبت به محرمية أم الزوجة

    وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في قول الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23] هل المحرمية يشترط فيها الدخول أم لا يشترط؟

    على ثلاثة أقوال مع اتفاق العلماء في مسألة الفرع على أنه لا يحرم حتى يدخل بالأم، وإنما اختلفوا في أصل الزوجة، إذا تزوج امرأة فأصلها محل خلاف، وأما بالنسبة للفرع فإنهم يتفقون على أن التحريم لا يثبت إلا عند الدخول.

    اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في أمهات النساء هل يحرمن مطلقاً بمجرد العقد أم لابد في ذلك من الدخول؟ وأن من عقد على امرأة ثم طلقها قبل دخوله بها أو ماتت عنه، هل يجوز له أن يتزوج من بنتها أم لا؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أنه يحرم الأصل عليه بمجرد العقد على المرأة، وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف، فقد جاء ذلك عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين ومسروق بن الأجدع وإبراهيم النخعي وغيرهم من السلف، أنه يحرم الأصل ولو لم يدخل بالفرع، قالوا: لأن الله سبحانه وتعالى أطلق التحريم، قال: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23] وما قيد ذلك بالدخول كما جاء بعد ذلك.

    القول الثاني: أن التحريم لا يثبت إلا بالدخول، فإذا عقد على امرأة ولم يدخل عليها فلا يحرم عليه أصلها حتى يدخل، وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف، وهو قول عبد الله بن عباس ، وذلك أنه قد روى ابن المنذر من حديث مسلم بن عويمر الكناني أنه قال: عقد أبي لي على امرأة من أهل الطائف، وأمها عند عمي، قال: فلم أجمع بها حتى توفي عمي عنها، فقال لي أبي: هل لك بأمها؟ قال: فقلت: نعم. قال: فذهبت إلى عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وكانت أمها أكثر مالاً منها، فرغبت بمال أمها، فقال لي عبد الله بن عباس : تزوجها، قال: فذهبت إلى عبد الله بن عمر ، فقال لي: لا تتزوجها، قال: فذهبت إلى معاوية ، فقال: لا أقضي بذلك شيئاً. يعني: أنه توقف في هذا، وهذه المسألة هي من مسائل الخلاف عند السلف.

    القول الثالث: أنهم فرقوا في سبب المفارقة بين الرجل والمرأة، بين الطلاق والوفاة، قالوا: إذا طلق المرأة قبل الدخول بها فله له أن يتزوج بأصلها، وإذا كان سبب الفراق وفاتها عنه فلا يجوز له أن يتزوج أصلها، ما هي العلة؟ لو عقد عليها ثم ماتت، هل له أن يتزوج أمها؟ سبب الفراق: الموت، هل هنا علة؟ هل يرثها أم لا؟ يشارك بنتها في الميراث، ثم يرجع إلى البنت ويأخذها بميراث أمها، قال زيد بن ثابت عليه رضوان الله تعالى كما جاء في حديث قتادة عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت قال: إذا طلقها ولم يدخل بها تزوج أمها، وإذا ماتت عنه وورثها حرمت عليه؛ لأنه يشاركها في الميراث، هو يأخذ ميراث الزوجية، وأمها تأخذ ميراث الأم، وهذا القول هو أدق من القول الثاني، ولكن الذي يظهر -والله تعالى أعلم- هو التحريم؛ لأن النص في ذلك أطلق، ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى ذكر في الربائب، قال: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23] فذكر قيد الدخول، مما يدل على أن قوله جل وعلا: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23] أنهن يحرمن بدخول بناتهن أو من غير دخول، بمجرد العقد، وذلك أن سبحانه وتعالى ذكر حكمين من أحكام المصاهرة في المحرمات، الحكم الأول قال: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23]وما قيدها بقيد، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23]، فذكر قيد الدخول، ثم قال: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23] فذكر القيد في الحكم الأوسط، وما ذكره في الأسبق، قال: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23] وما ذكره في الحكم الذي يلي الربائب، مما يدل على أن قيد الدخول مخصوص بأمهات الربائب، وأنه لا يشمل أمهات النساء، ولا يشمل حلائل الأبناء، فزوجة الابن إذا عقد عليها حرمت على الأب من غير دخول، وذلك أن الله سبحانه وتعالى أطلق، وكذلك في أمهات النساء تحرم على الرجل أم زوجته بمجرد عقده عليها، وأما بالنسبة لبنتها فإن الله قيدها بالدخول بأمها: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23]، فجعل الله عز وجل ذلك مطلقاً؛ فلهذا نقول: نأخذ بالإطلاق.

    نكاح الربيبة

    ثم في قول الله سبحانه: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23] الربائب هي الربيبة والمربوبة التي تُربى عند الإنسان، فهل لهذا القيد مقصد؟ وهل يترتب على هذا القيد حكم أنها لا تحرم بنت الزوجة على الزوج إلا إذا كانت ربيبة أم لا؟

    اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في ذلك، وعامة السلف على أن الحكم لا يتعلق بهذا الوصف، وإنما ذكرت الربيبة بوصفها هنا للغالب، فإن الغالب من أحوال بنات الزوجات بعد طلاق أمهاتهن من آبائهن أنهن يعشن في كنف الأمهات، فسميت ربيبة.

    وكذلك من القرائن التي تدل على أن الربيبة ذُكرت وصفاً لا يتعلق به الحكم: أن أحكام الشريعة تتعلق بأمور منضبطة ووصف الربيبة لا ينضبط، فقوله: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23] ما هو الضابط للربيبة: إذا كانت في الحجر أو كانت في غير الحجر؟ هل تبيت ليلة أو ليلتين؟

    وربما تبيت عند زوج أمها ليلة، وعند أحد محارمها إما وكيلها أو وصيها بعد وفاة أبيها أو طلاقه من أمه، تبقى ليلة هنا وليلة هناك، أو شهراً هنا وشهراً هناك، وربما تأتي نهاراً وهناك ليلاً، وربما عكس ذلك، فما هو الحد الذي تثبت فيه المحرمية في البقاء في الحجور؟

    هذا لا يتعلق بمثله حكم شرعي، ومعلوم أن المحرمات هنا ذكرت بأمر ووصف بين، ولا يتناسب العموم في مثل هذا الحكم؛ ولهذا نقول: إن بنت الزوجة تحرم، سواء كانت في حجره أو لم تكن في حجره.

    فائدة قيد الحجر في قوله: (وربائبكم اللاتي في حجوركم)

    ومن الحكم التي ذكرت في العلة في قوله: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23] إشارة إلى ما ينبغي عليه الناس من مكارم الأخلاق أن لا يفرقوا بين البنت وأمها، فإذا تزوجت امرأة ومعها بنتها فلا تضطرها إذا احتاجت إلى الزواج بك وأمثالك أن تفرق بينها، أو تشترط عليها فراق بنتها، فهي بين شدتين: بين أن تصبر بلا زوج، وبين أن تصبر على فراق بنتها، وكلاهما شديد.

    وهذا إشارة إلى ما ينبغي عليه أن يكون الأزواج إذا تزوجوا من نساء ولديهن بنات، أن يجعلوا بنات نسائهم في حجورهم -يعني: في بيوتهم- ويقومون كرماً وإحساناً وحسن عهد وفضل بالنفقة عليهن، وأن تكون ربيبة عنده؛ ولهذا قال: وَرَبَائِبُكُمُ [النساء:23] يعني: التي تربت عندك وقمت بالنفقة عليها، وهذا إشارة إلى مكارم الأخلاق؛ ولهذا نقول: إن مثل هذا الوصف عُلق بالأغلب، وما ينبغي أن يكون عليه الإنسان.

    قال: مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23] القيد في ذلك مراد أن البنت لا تحرم إلا إذا دخل بأمها، وهل هذا هو نظير قول الله جل وعلا: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22] ، ومعلوم أن مقام البنوة -سواء مقام الابن والبنت- في هذه المنزلة واحدة من جهة التحريم ولكن اختلف مقام البنت عن مقام الابن.

    تقدم معنا أن الابن تحرم عليه زوجة أبيه بمجرد العقد عليها، وأما بالنسبة للبنت فيحرم عليها أن تتزوج من زوج أمها بالدخول، وهذا يدل على أن حرمة زوجة الأب على الابن أعظم من حرمة زوج الأم على بنتها؛ لأن الله عز وجل حرم زوجة الأب بلا قيد، وهنا قاعدة: أن المحرمات التي تُحرم بلا قيد أعظم من المحرمات التي تحرم بقيد، وهذه من نظر فيها وجد أنها مطردة في كلام الله عز وجل.

    اشتراط الدخول بالمرأة في تحريم أمها

    وقوله سبحانه وتعالى: مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23] هذا فيه تأكيد على مسألة الدخول، وأن المحرمية لا تكون إلا بالدخول، وفي هذا تعقب على من قال: إن قيد الدخول هنا شامل لأمهات النساء، بل نقول: إنه مقيد في النساء التي دخل الإنسان بها، وتعلق ابنتها بذلك، قال: فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23] يعني: من نكاحهن.

    نكاح حليلة ابن الصلب

    وقول الله جل وعلا: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23] هذا يخرج الرضاع، يعني: إذا كان لدى الرجل ابن من الرضاع أو بنت من الرضاع فلا يتعلق بهذه المحرمات حكم إلا ما قيده الدليل، فتحرم البنت بعينها، ويحرم الابن على أمه بعينه، فإذا تزوجت البنت رجلاً، فهل يتعلق بهذا الرجل حكم لأمها من الرضاعة؟ نقول: الأمر يتعلق بالأصلاب.

    قال: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23] يعني: هم الذين تثبت بهم المحرمية، والذين ليسوا من الأصلاب سواء كان من الرضاع أو كان من التبني لا يثبت فيه حكم، وقيل: إن سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج امرأة زيد تكلم قريش في هذا، وعابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل قوله جل وعلا: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23] يعني: هي التي حرمها الله، وما عدا ذلك فلا تثبت في هذا محرمية.

    وسبب النزول: جاء في ذلك خبر مرسل من حديث ابن جريج عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى.

    دلالة قوله: (وحلائل)

    قال: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23] (الحلائل) يعني: ما أحله الله عز وجل للأبناء، وفي هذا إشارة إلى أن ما عقد عليه الأبناء حرم على الآباء ولو لم يدخل الأبناء بهن؛ لأن الحلية هنا تكون بالعقد لا بالتمكين من الدخول، قال: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23].

    الجمع بين الأختين

    وقول الله جل وعلا: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23] في قوله جل وعلا: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23] إشارة إلى أن ما كان عليه أهل الجاهلية من الأمور المحرمة هي نكاح زوجات الآباء، والجمع بين الأختين، وما عدا ذلك فإنهم كانوا يعظمونه.

    وقوله جل وعلا: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ [النساء:23] هو خاص بالنسب، لا ما يتعلق بالتبني، وكذلك بالرضاع.

    الجمع بين الأختين في وطء الإماء

    واختلف العلماء في الجمع بين الأختين في الوطء من الإيماء، هل يطأ الرجل أختين أمتين من غير نكاح؟

    نكاح الإماء والحرائر إذا كان ذلك نكاحاً فهذا مما لا خلاف فيه، وأما مجرد الوطء بالتسري فهل يجمع بين الأختين أم لا؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: ذهب جمهور السلف إلى أن التحريم يكون في الوطء كما يكون في النكاح، قالوا: وذلك أن العلة في الجمع يشترك في ذلك وهو استباحة الفرج والتمكين منه، فيحرم عليه، وأما ذات الملك أن الإنسان يملك الأختين أو نحو ذلك، فهذا من جهة الأصل جائز، وأما الجمع في الوطء فلا يجوز، ويجوز للرجل أن يملك امرأة ويحرم عليه وطؤها كما تقدم معنا في ذلك جملة من الأمثلة، كحال المشركة والمبعضة وغيرها، فيجوز له أن يملكاها ويحرم عليه أن يطأها، وكذلك التي لم تستبرئ فإنه يملكها ولكنه لا يطأها حتى تستبرئ، وغير ذلك من الصور، والذي عليه أكثر السلف هو التحريم، وذهب إلى هذا عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله، وذهب بعضهم إلى الجواز، ويروى هذا عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، وجاء عن عتبة عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى أنه قال: يحرم من الإماء ما يحرم في النكاح. فقال له رجل: إن الله عز وجل يقول: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، فقال ابن مسعود عليه رضوان الله: بعيرك من يمينك.

    يعني: هل هذا الإطلاق صحيح، بعيرك مما ملكت يمينك؟ هذا فيه إشارة إلى أن الدليل الخاص يقضي على الدليل العام، والدليل الخاص في ذلك هو أن ما جاء فيه الخصوص في قوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ [النساء:23] المقصود في ذلك الجمع بينهن بعقد، والمقصود من العقد هو الوطء، ومعلوم أن وطء الأمة يسبقه في ذلك عزم وهو ملك اليمين، حينئذ يقال: إن الوطء في ذلك يحرم، وأما بالنسبة للملك فإنه يثبت في هذا للاشتراك بغيره من الانتفاع، بخلاف الزوجية فالأصل في ذلك على الأبضاع، وأما بالنسبة للإماء فإن ملك اليمين في ذلك هو أنه ملك يمينها من جهة الانتفاع الخدمة، وغير ذلك مما ينتفع به الإنسان، كذلك أيضاً فثمنها تقوم وتباع وغير ذلك فهي من جملة ماله، فالأمر لا يتعلق بالوطء فحسب، بخلاف ما يتعلق بأمر الزوجية والصلة بين الزوجين.

    الجمع بين غير الأختين

    وهنا في قول الله جل وعلا: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23] هل يعني ذلك جواز الجمع بين غير الأختين، كالمرأة وعمتها وخالتها؟

    نقول: قد دل الدليل في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، والعلة في ذلك أن الجمع بين الضرتين مدعاة للقطيعة بينهن، وهذا محرم، وهو تغليظ لمنزلة الرحم، ووجوب الوصل، فحرم الله سبحانه وتعالى المباح لوجود غيره مما أحله الله عز وجل للإنسان، حتى تثبت صلة الأرحام، وحفظاً لمكانها ومنزلتها، وهل هذا يكون في الإيماء، يحرم على الرجل أن يجمع بين الأمة وعمتها وخالتها في الوطء؟ نقول: كذلك يحرم، والخلاف فيها كالخلاف في مسألة الجمع بين الأختين.

    العفو عن الوقوع في الذنب جهلاً

    قال: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:23] (غفوراً) لما مضى من ذنوبكم وما قصرتم فيه وما سلف من مخالفة أمر سبحانه وتعالى، والله جل وعلا حينما يذكر المحرمات ثم يذكره عفوه وصفحه ورحمته إشارة إلى وقوع الناس في ذلك قبل بيان التحريم؛ تشوفاً إلى عدم القنوط واليأس من رحمة الله، ووجوب الولوج إلى رحمته والإقلاع عن سخطه وعقابه، وأسباب ذلك.

    نتوقف عند هذا القدر، ونكمل في المجالس القادمة بإذن الله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.