إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [22]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله عز وجل القتال على الأمة، وإن كانت النفوس تكره ذلك، والكره هنا هو كره طبيعي فطري لا كره لنفس التشريع، ثم بين الله عز وجل أنه يعلم مصلحة هذه النفس فقد تكره شيئاً وهو خير لها، وقد تحب شيئاً وهو شر لها فعليها الاستسلام والانقياد لأمر الله؛ لأنه يعلم ما لا تعلم، وقد قال بعض المعاصرين بعدم وجود قتال الطلب، وهذا قول ولد من رحم الذل والاستهانة التي تعيشها هذه الأمة في هذا العصر، فجاء هذا القول موافقاً للنفوس لكونها تكره القتال.

    1.   

    قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وبعد:

    نبدأ في أول آي مجلس هذا اليوم، في قول الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216] (كتب)، تقدم معنا الكلام مراراً على هذه الآية، ولعل الحكمة هي مناسبة هذه الأحداث في هذه الآية بالكلام على شيء من هذه التفاصيل، والكتب تقدم معنا أنه الجمع، والله عز وجل يريد بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ [البقرة:216]، أي: جمع الأمر، وفرض على الأمة، والمراد بذلك التشريع.

    حكم القتال في سبيل الله تعالى على الأمم

    وقوله جل وعلا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [البقرة:216]، يعني: فرض وأوجبه الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: (( عَلَيْكُمُ ))، هل هذا فريضة على المسلمين أم ليست بفريضة؟

    نقول: إن هذه الآية بيان لوجوب القتال في سبيل الله، وليس المراد بذلك أن هذا من خصائص هذه الأمة، وذلك أن الله عز وجل قد أوجب القتال والمجاهدة في سبيل الله للأعداء في مواضع عديدة في كلامه سبحانه وتعالى، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا [آل عمران:146]، وهذا إشارة إلى أنبياء كثر قاتلوا في سبيل الله سبحانه وتعالى، وكذلك جعل الله عز وجل الجهاد فريضة على بني إسرائيل، فأمر الله عز وجل موسى بمقاتلة الكنعانيين، وأمر الله عز وجل أيضاً ذا القرنين بمقاتلة أهل المغرب، وكذلك إيقاع عقاب الله سبحانه وتعالى عليهم، وهذا دليل على أن القتال في سبيل الله فريضة فرضها الله عز وجل على كثير من الأنبياء، إلا أن الله عز وجل قد جعل من خصائص هذه الأمة حلية الغنائم لها، أما الأمم السابقة فقد جعل الله عز وجل عليها قتالاً ولم يجز لها أن تأخذ الغنائم، والعلة في ذلك والله أعلم من وجوه.

    الوجه الأول: أن الله سبحانه وتعالى قد فضل هذه الأمة على غيرها، ومن جملة التفضيل أن الله عز وجل يمكن لها أسباب الرزق، ومن أسباب الرزق الغنائم والفيء يجعلها الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، وكذلك لهذه الأمة.

    الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى منع الأمم السابقة من أخذ الغنائم لحكمة، وهي: ليدفع الله عز وجل عنهم هجوم حظ النفس على القتال، وذلك أنه ربما النفوس تتدثر بإيثار الحق وهي تريد المغنم، فتقع في شيء من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى لأجل الدنيا، فجعل الله سبحانه وتعالى ذلك محرماً عليهم، وإن كان من جملة البلاء ممن يكثر معه أمر الدنيا، ولكن جعل الله عز وجل ذلك صلاحاً لأمر دنياهم، ولما كانت أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم خير الأمم، ونبيها خير الأنبياء جعل الله عز وجل ذلك رخصة لهم؛ لأن حظ النفس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أبعد من غيرها، فجمع الله عز وجل لهذه الأمة فضل المنزلة والمكانة، وكذلك قوة الإيمان، وأن حظوظ النفس في هذه الأمة أبعد من غيرها من الأمم، فجعل الله عز وجل الغنائم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم مباحاً، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث جابر قال: ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي قال عليه الصلاة والسلام: وأحلت لي الغنائم )، فجعل الله عز وجل الغنائم حلالاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بخلاف الأمم السابقة.

    وهنا في قوله جل وعلا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ [البقرة:216]، أي: أراد بعد ما كان مأذوناً فيه لقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] أن يكون هنا فرضاً، فقال الله جل وعلا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [البقرة:216] أي: جعله الله عز وجل فرضاً، وبين هاتين الآيتين، وهي آية الإذن وآية الكتب هو قول الله جل وعلا: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]، فهذا إذن من الله سبحانه وتعالى تلاه أمر بمقاتلة من قاتل المسلمين، ثم جعل الله عز وجل القتال فرضاً على أمة الإسلام.

    الحكمة من التعبير بالقتال دون الجهاد في قوله تعالى: (كتب عليكم القتال)

    ثم ذكر الله عز وجل هنا أن ما فرضه على الأمة القتال، والقتال لا يكون إلا لقتال عدو، والمراد بأعداء الأمة هم المشركون، وإنما ذكر القتال ولم يذكر الجهاد وذلك في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، وذلك إمعاناً في الإيضاح ودفعاً للبس، وذلك أن الله سبحانه وتعالى ذكر ألفاظ الجهاد قبل ذلك، والمراد بذلك هي المجاهدة باللسان والصبر على الأذى، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، فالمراد بالجهاد في هذه الآية هو جهاد اللسان والصبر على الأذى الذي يأتي على الإنسان تبعاً لذلك، فأمر الله عز وجل بالجهاد بكلام الله سبحانه وتعالى والحجج البينة من قول الله جل وعلا، وكذلك مما أوحاه الله عز وجل على رسوله من جهة المعنى من سنته عليه الصلاة والسلام، فذكر الله عز وجل أمر القتال دفعاً للبس خشية أن يقال: إن المراد بذلك هو جهاد الكلمة، وجهاد الحجة، فبين الله عز وجل أن المراد بذلك هو القتال.

    الفرق بين القتال والقتل

    ومعلوم أن ثمة فرق بين المقاتلة والقتال، وبين القتل، وذلك أن القتل يكون من طرف واحد، وأما القتال والمقاتلة فإنها من المدافعة وهي المفاعلة، فتكون من طرفين، فتتقاتل الطوائف فحينئذٍ يقال قتال ومقاتلة، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح قال: ( فإنه كان حريصاً على قتل صاحبه )، يعني: أنه يحمل هم قتله وإزهاق نفسه من تلقاء نفسه منفرداً.

    المراد بالكراهة في قوله تعالى: (وهو كره لكم)

    وفي قول الله جل وعلا هنا: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، المراد بالكره وفي قراءة: الكَره، والمراد بذلك هو نفرة الطبع البشرية، وذلك إما أن يكون حساً، وإما أن يكون معنى، وذلك في مسائل المعنى أن الإنسان ينفر مثلاً من العبارات أو الكلام السيء أو نحو ذلك مما يسمعه فتنفر طبعه فيكره ذلك، وكذلك أيضاً ما كان من أمور الحس ينفر الإنسان مما يلحقه من أذى، وذلك من الجراحة وكذلك اللطم أو الضرب أو نحو ذلك من الأمور الحسية فيكرهها، فيكون ثمة الكره على حالين في مثل هذا من جهة رجوعه إلى الطبع البشرية: وذلك كره معنوي، وكره حسي، وأما بالنسبة لمعناه العام فهو كالمحبة، المحبة والكره هي على نوعين: كره فطري، وكره شرعي، ويأتي الكلام على ذلك، والكره هنا في قوله: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أنه فرض القتال على المؤمنين وهو يعلم أن النفوس تكره، وفي هذا دفع لما يحتج به بعض الناس من حجج النفس والعقل على الشريعة، وكذلك أيضاً فيه دفع لما يظنه ويتوهمه الناس أن الفطرة وكذلك أيضاً الطبع البشري والعقل والنظرة المادية حكم على الشريعة وهذا لا شك أنه ضلال، وذلك فرق بين أهل السنة والمعتزلة في هذا الباب الذين يتأثرون بالمدرسة العقلية في مسألة حتمية السبب، وذلك أنهم يقولون: إن النظر إلى الأسباب إنما مرده إلى العقل، فكل سبب له سبب حتى يرجع ذلك إلى السبب الأول وهو الخالق سبحانه وتعالى، وهذا النظرية هي نظرية قديمة مع إيمان أرسطو بوجود خالق إلا أنه يجعل أن الله عز وجل جعل أسباباً وهي المرد والمحك، لا يوجد فرض عليها، وإنما هي تفرض إرادتها في الكون، فالإنسان ينظر ويدرك في الأسباب ثم يقدمها على غيرها، جرى على هذه المدرسة من العقلانيين المدرسة العقلانية، وهي مدرسة المشائين وذلك كــابن سينا و الفارابي و الكندي وغيرهم من الذين سلكوا هذا المسلك في مسألة قانون السببية، وطغيانه وحتميته من جهة الرأي، وأهل السنة يعلمون ويدركون أن الله عز وجل قد جعل الكون وجعل مدار الحياة على أسباب، ولكن العلة ليست في الأسباب، وإنما العلة في إدراك ذلك السبب، ولكن الله عز وجل يجعل العلة والمعلول، فوجود المعلول أثر للعلة حتمي، ووجود السبب وكذلك أيضاً المسبب من جهة لزوم أحدهما للآخر، هذا من الأمور الحتمية، ولكن غياب مستوى ذلك في ذهن الإنسان هذا مما يجعل اختلال النظر في ذلك راجع إلى ضعف الإنسان وسعة علم الله، ويظهر هذا في قول الله جل وعلا: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216].

    إذاً: المسألة هي الإحاطة العلمية، وأما بالنسبة للأسباب، فالله عز وجل قد جعلها، فيسبب الأسباب، ولو كان الإنسان يدرك من أمر المشاهد ما يعلمه الله سبحانه وتعالى لم يكن ثمة فرق بين خالق ومخلوق، وهؤلاء لما نظروا إلى الأسباب منفصلة عن إدراك العقل ومستواه ضعفت لديهم النتيجة، ولكن أهل السنة نظروا إلى السبب ونظروا إلى العقل، نظروا إلى كمال الأسباب، وأنه قد يكون ثمة خوارق، وهذه الخوارق للأسباب وهو ما يسمى بالمعجزات، وأن الله عز وجل يجعل شيئاً بلا سبب، والله عز وجل قادر على ذلك، وهذه خوارق ويتحقق فيها الإعجاز، ولهذا تجد أنهم ينفون مسائل الإعجاز باعتبار أنها خارجة عن مسألة قانون الطبيعة، أو القانون البشري ونحو ذلك، وهذا يجري عليه طوائف من المتكلمين من العقلانيين وأسلافهم من المعتزلة، وأصل ذلك هو قانون السببية لدى أرسطو أو حتمية الكون، وجرى على هذا من انقاد للقصور بعدم الربط بين ضعف عقل الإنسان، وبين قانون الطبيعة من جهة كمال إحكام الله عز وجل له، فهو كامل، ولكن الله عز وجل جعل عقل الإنسان ناقصاً، فإذا نقص العقل فلا يدرك ما أمامه، وذلك كحال نقص بصر الإنسان وسمعه، وكذلك حسه، فلا يدرك الإنسان كل شيء، كحال الإنسان تنزل ربما على يده بعوضة لا يدركها، وكحال نزول الذبابة من هي أكبر منها، ثم الحشرة التي هي أكبر منها، ومنها الذرة التي لا يشعر بها الإنسان، ولهذا ثمة لطائف من الأسباب تؤثر في النتائج لا يدركها الإنسان، والخلل في ذلك هو في إدراكه لا في وجود الأسباب، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [البقرة:216]، ونعلم أنه كره لكم، وهذا الكره لا أثر له في فرض شريعة الله سبحانه وتعالى.

    الفرق بين الكُره والكَره بالضم والفتح

    وقول الله جل وعلا: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، ذكرنا أن الكره بالضم والفتح المراد بذلك هو نفرة الطبع، ومن العلماء من فرق بين الفتح والضم، وقال: إن الضم في قوله: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، المراد بذلك نفرة الطبع، وأن الكره بالفتح المراد بذلك الإكراه، وهو قصر الإنسان وأطره على أن يفعل شيئاً لا يريده، قالوا: هذا كَره، وأما بالنسبة لما كان في طبيعة الإنسان مما يكره الإنسان بالطبع، فذلك هو الكُره، والأرجح في هذا أن الكُره والكره على معنى واحد، ولهذا جاءت بقراءة ثابتة بالوجهين في هذه الآية، في قول الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216].

    أنواع الكره

    وتقدم معنا أن الكره على نوعين، وهو كحال المحبة: كره فطري، وكره شرعي، وكذلك أيضاً المحبة، أما بالنسبة للكره الفطري فما يجده الإنسان في فطرته وهو المقصود هنا، والمراد بهذا الكره هو ما يكرهه الإنسان من فقد ماله، ومفارقة أهله، وما يظنه أو يغلب على ظنه من إزهاق نفسه وفقد حياته، فذلك مما يكرهه الإنسان بالطبع والفطرة، وهذا هو المقصود، وكذلك أيضاً المقصود بالكره في حمل الأم لابنها، فالمراد بذلك هو ما وجد في طبع الإنسان.

    وكذلك أيضاً في قول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح، قال: ( وإسباغ الوضوء على المكاره )، يعني: أن الإنسان يكره مثل هذا الشيء، وكرهه في ذلك هو كره طبعي، ولكن هذا الكره ينبغي ألا يجعله حكماً على النص، وفي هذه الآية دليل على أن طبع الإنسان ينبغي ألا يحكم الحكم وألا يجيره، بل ينبغي أن يكون الحكم غالباً على الطبع، وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل طبع الإنسان ينفر من بعض الأفعال لذاتها، ويجهل لوازمها وتوابعها، ولو علم اللوازم والتوابع والمآل لأحب الكره العادي، فحينئذٍ يكون كره الإنسان ومحبته إنما كانت لقصور إدراكه الغاية، وحال الإنسان من جهة إدراكه، وكذلك معرفته يؤثر فيه العاجل أكثر من الآجل، ولهذا الإنسان يحب العاجل من المال أكثر من الآجل ولو كان كثيراً، ولهذا كثير من الناس يأخذ الربا يحب مالاً عاجلاً ولو كان الغرم أكثر آجلاً؛ لأن الإنسان يحب العاجلة ولو كان في عاجلة الدنيا، وهذا أمر معلوم، ولهذا ربما أشبع الإنسان غريزته، ولو كانت عاقبته كرهاً عليه في دنياه، ولهذا تجد الناس كثيراً ما يسرقون ويعلم أنه يعاقب، ويشرب الخمر وهو يعلم أنه يعاقب، وإذا عوقب ندم على ذلك، وذلك للفارق بين معلوم العاجل ولذاته وبين ما كان بعيداً من أمور الآجل، وهذا فيه إشارة إلى الرد على المدرسة الفكرية والفلسفة العصرية التي تحيل الإنسان إلى ذوقه وحسه، فيقولون: إن الأمر من جهة وجوبه ورفضه يرجع إلى حب الإنسان له وكرهه له، فهؤلاء لا يفرقون بين الكرهين وبين المحبتين، والكره الفطري والكره الشرعي، ويجعلون الكره الفطري هو الغالب، ولكن في الشريعة يجعل الله عز وجل الكره الشرعي هو غالب على الكره الفطري، وكذلك أيضاً ما كان محبة شرعية غالباً على المحبة الفطرية، ولهذا يحب الإنسان طعاماً وهو محرم، ويحب شهوة وهي محرمة، ويحب ملبساً كالحرير وهو محرم عليه، ولهذا جاءت الشريعة بما أحبه الله له من الترك أولى من حبه من الفعل، فجاءت الشريعة بتقديم المحبة الشرعية على المحبة الفطرية وتقديم الكره الشرعي على الكره الفطري، وإنما وقع في هذه الفلسفة الغربية، وهي الفلسفة العلمانية أو اللبرالية أنهم قدموا الكره الفطري على الكره الشرعي، وجعلوه حكماً.

    وهذه المدرسة هي مدرسة متناقضة أيضاً، وذلك أن شريعة الله سبحانه وتعالى جاءت للنظر إلى أمرين: النظر إلى ذات الإنسان، وإلى تركيب المجتمع، وإلى آجل الإنسان وهي الآخرة، لو قلنا بعدم وجود آخرة على قولهم، وأن الأمر إنما هو في العاجلة، لكانت مسألة الكره والمحبة الفطرية في ذاتها متناقضون فيها، وذلك أن النظام العام للدولة يجعل الإنسان يقدم فيه الكره العام على الكره الفطر الذاتي، ولهذا نظم الدول وتشريعاتها تكون غالبة على كره الإنسان وطبعه، ولهذا جاءت الشريعة بما هو أعم من ذلك، ولهذا تفرض الشريعة تقديم الكره الشرعي ولو كره الإنسان، فهم يناقضون أنفسهم حتى في أمور التشريعات، فتجد النظم الديمقراطية تقوم بفرض القتال والعدوان على أحد من الناس ولو كره الأفراد؛ لأنهم يرون ذلك مصلحة عامة.

    إذاً: فرفعوا تقديم الحب والكره الفطري في ذات الإنسان للمصلحة العامة في ذلك؛ لأنهم يرون أنهم يعلمون ما لا يعلمه الفرد، وهذا إقرار بضعف إدراك الإنسان وعدم معرفته لمصلحة الأمة العامة.

    وأما النوع الثاني: وهو الكره والمحبة الشرعية، وهي التي يجب أن يعمل الإنسان بها، والمحبة الشرعية محلها القلب، وكذلك قول اللسان، وأما بالنسبة للكره الطبعي فهو في نفس الإنسان، إذا اعترضت الكره الطبعي مع الكره الشرعي حرم على الإنسان أن يظهر كرهه الطبعي للناس، وما وجد في ذات الإنسان فهذا لا يأثم عليه، ولكن من جهة الاعتقاد يجب عليه أن يسلم، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا [النساء:65]، وهذا الحرج هو الضيق مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، والمراد بالتسليم هو الانقياد والمتابعة مما يظهر في قول الإنسان وجوارحه، وأما ما يوجد في ذات الإنسان من هذه النفرة والكره ونحو ذلك كحال الإنسان إذا أراد مثلاً أن يتوضأ في زمن بارد وهو إسباغ الوضوء على المكاره، أو ما يستثقله الإنسان من الوضوء ثلاثاً يريد أن يتوضأ مرة واحدة؛ لأن النفس تحب العجلة، فإذا توضأ ثلاثاً فيجد الإنسان في ذلك ربما كرهاً طبعياً للتراخي في مثل ذلك مثلاً في الشتاء، فنقول في مثل هذا: إن الإنسان لا يأثم على ذلك، وذلك مثلاً كحال المرأة تكره أن يعدد عليها زوجها، وهذا الكره كره طبعي، ولا تأثم عليه ما لم يكن ثمة معارضة للتشريع، فتقول: أكره أن تعدد عليّ لكن الرجال فليعددوا ما شاءوا، ولكن أنت أكره هذا الأمر، فهذا كره طبعي، ولكن إذا قالت: إني أكره هذا التشريع كله، فهذا مناقض للإسلام؛ لأن الكره نزل على التشريع، والدليل على أنه طبعي أن المرأة في مسألة تعدد زوجها تجد في نفسها وقعاً أكثر من أن تجد بتعدد الأجنبي على زوجته، مما يدل على أن الأمر ليس على التشريع، وإنما هو لحظ النفس.

    معنى: (عسى) في القرآن

    وقول الله عز وجل: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا [البقرة:216]، الكره هنا هو الأمر الطبعي على ما تقدم، و(عسى) في كلام الله للتحقيق، قال ذلك عبد الله بن عباس ، وكذلك جاء عن مجاهد بن جبر وغيرهم، وأما بالنسبة في غير كلام الله فهي للترجي، يعني: أرجو أن يكون ذلك، وأما في كلام الله سبحانه وتعالى فهي للتحقيق، وإذا جاءت عسى في كلام الله، فالله عز وجل يريد بذلك الحتمية، (وعسى أن تكرهوا شيئاً) مما أمركم الله عز وجل به ويجعل الله عز وجل تحقيق ذلك خيراً لكم.

    وأما بالنسبة للإنسان فهو يحتمل الأمرين، فيرجو الإنسان الخير أن يتحقق، وقد يكون خيراً وقد يكون شراً، وأما بالنسبة لذات الإنسان فإنه يحب الخير ويكره الشر، وإنما ذكر الله عز وجل (عسى) هنا وإن كانت تستعمل في كلام الناس في الترجي، وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216] إنما ذكرها الله عز وجل في مثل هذا الموضع حتى لا يأمن الإنسان من مكر الله سبحانه وتعالى، وذلك أن الإنسان إذا أقبل على الشيء الظاهر ربما فرط وقصر في الأمر الباطل، فوجد في شيء من قلبه ما يمنع تحقق الخيرية، فيكون أمره في ذلك لغير الله سبحانه وتعالى، ولهذا هناك من يقاتل من الأفراد في ظاهره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لله، وهو من أهل النار، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في رجل: إنه من أهل النار وهو يقاتل، وذلك لما رأى بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى من شدة بأسه بالمشركين، فتبعه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جرح جعل حد السيف بين ثدييه، ثم وضع موضع يده على الأرض فتحامل عليه حتى قتل نفسه، ومثل هذا دليل على ضعف الباطن، والإنسان إذا التفت إلى الأمر الظاهر ضعف الباطن، وإذا التفت إلى الأمر الباطن مجرداً ضعف الظاهر كحال كثير من ولاة التأله والرهبانية ونحو ذلك الذين عطلوا الشعائر الظاهرة بتزكية الباطن مجرداً، وهذا نوع من الجهل، ولهذا نقول: لا رهبانية في الإسلام، وذلك أن الرهبانية لازمة غير متعدية، فهي لازمة لذات الإنسان، وليست متعدية إلى غيره، من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح الناس، والقتال في سبيل الله، وصلة الأرحام، والسعي في الأرض في الأمور المباحة، والتكسب بما أباحه الله عز وجل، فهي لازمة لذات الإنسان، ولهذا نفاها الله عز وجل وجعلها رهبانية ابتدعوها ما كتبه الله عز وجل عليهم.

    وتأكيد الله سبحانه وتعالى على وجود الكره هنا في قوله: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا [البقرة:216]، أثبت الله عز وجل وجود الكره في النفوس للمرة الثانية إشارة إلى أن الأمر معلوم، وأن الله عز وجل أعلم بالناس من أنفسهم، فقال: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216]، المراد هنا بالشيء هذا أول ما يرجع إلى القتال؛ لأن الله عز وجل قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216].

    بقاء الخيرية في الأمة ببقاء الجهاد

    ثم قال الله عز وجل: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216]، فالخيرية تنصرف إلى أمر الجهاد، ولكن الله سبحانه وتعالى قال: خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216]، أي: خير للمسلمين الذين فرض الله عز وجل عليهم القتال، وفي هذا إشارة إلى أن خيرية الأمة تسلب إذا سلب منها الجهاد، وأنه بقدر سلب هذه الشعيرة وهذه الشريعة ينقص الخير فيها ويزيد في ذلك الشر، والله سبحانه وتعالى حينما قال: خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216]، إمعان بأن الله عز وجل لا يكتب مثل هذه الشعيرة لعلة غائبة، وإنما لحكمة ظاهرة متمكنة الإحكام والظهور، ولهذا قال: وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216]، وذلك لظهور الأمر، وأن الخيرية إنما ترجع للناس في عاجل أمرهم وآجله، والله سبحانه وتعالى يفرض على عباده شرائع، وربما جعل الخيرية عاجلة وربما جعلها آجلة، وربما جعلها عاجلة آجلة، يعني: أن ثمرتها تكون ظاهرة للإنسان، وإذا ذكر الله عز وجل الأمر ففي عاجل الإنسان في هذا إشارة إلى دفع أمر يقع في النفوس لا لإضعاف الآجل، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حينما شرع شريعة الجهاد ما قال: خير لكم عند الله سبحانه وتعالى، وما ذكر في عاجل الإنسان فإن في قوله: خير لكم إشارة إلى عاجل الناس في أمر الدنيا من جهة التمكين والنصرة والقوة، وكذلك الأثرة على الناس، والغلبة، وكذلك ما يجعله الله عز وجل من قوة معنوية ومادية للناس، فجعل الله سبحانه وتعالى ذلك للعاجل، وليس ذلك تغييباً وإضعافاً لأمر الآخرة، ولهذا الله عز وجل جعل أجر القتال في سبيل الله، في حال الشهادة وعدمها أجراً عظيماً، وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:74]، فسواءً قتل في سبيل الله أو لم يقتل فالأجر في ذلك عظيم عند الله سبحانه وتعالى.

    ونما ذكر الله عز وجل عاجل الأمر دفعاً لما يجده الإنسان من نفرة.

    ورود نصوص الأحكام قلة وكثرة

    ولهذا فيه إشارة لإحكام الشريعة وأنه كلما كان الأمر تنفر منه الطبائع جاءت النصوص بالتكثير وإيراده على النفوس أكثر؛ دفعاً لما يجده الإنسان في نفسه من النفرة من هذه الشعيرة التي تنفر منها الطبائع، وكذلك أيضاً دحضاً لتسويلات النفس التي تتسلل إلى النصوص الشرعية وتقوم بإضعافها حتى تتوافق مع طبائع الشرع، ولهذا نجد مع كثرة النصوص الشرعية في كلام الله على الجهاد وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام مع كثرتها ووفرتها نجد من يتسلل إلى النصوص الشرعية ويقول: لا يوجد جهة طلب؛ ليحقق رغبة الطبع، وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، ولهذا تأتي النصوص الشرعية متوافرة وكثيرة جداً إذا وجد في النفس البشرية مغالبة للنص، حتى لا يتمرد عليه إلا منافق معلوم النفاق، ولو كان نصاً واحداً لربما غلب الإنسان بهواه ما يفهمه عامة الناس من ذلك النص، ولهذا في قول الله جل وعلا: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216] أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أن الخيرية هنا عاجلة لا إضعافاً للآجلة، وإنما ذكر العاجل في ذلك؛ لأن النفوس إنما تكره الجهاد حباً في العاجل، ولكن الله بين أن الله أراد خيراً عاجلاً للأمة أيضاً، وهذا من باب المغالب، ولهذا من إحكام الشريعة على ما تقدم الكلام عليه أنه كلما نفرت الطبائع من النص توافرت النصوص عليه.

    وإذا كانت النفوس تتوافق مع الشريعة قل النص، وربما لم يرد، ولهذا تجد مثلاً بعضهم حينما يتكلم على بعض النصوص الشرعية في كلام الله سبحانه وتعالى، أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسأل يقول: لماذا لم يرد النص في هذه المسألة مما تنفر منه الطبائع؟ وهل يوجد نص في هذا صريح؟

    نقول: أولاً لضعف لغة الناس لا يفهمون ولا يدركون من كلام الله سبحانه وتعالى، من كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله ما يفهمه العرب سليقة من الصحابة، ولهذا مثلاً في قول الله سبحانه وتعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، هذا دليل على إتيان المرأة، وإتيانها من الموضع المشروع، ويفهم بداهة تحريم الإتيان من دبرها، بعض الناس ممن يتكلم مثلاً على الأحاديث الواردة في هذا الباب، ويقول: إنها معلولة، ويجوز إتيان المرأة من دبرها، يقول: لماذا لم يأت نصوص صحيحة على شرط البخاري و مسلم .

    الشريعة وصفت بالإحكام، والله عز وجل يقول في كتابه العظيم: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1] فهذه الآيات أحكمت أحكاماً، والمراد بالإحكام في قول الله جل وعلا في هذه الآية، أحكمت الآيات يعني: الآيات بتناسقها جاءت محكمة بما يتوافق مع فطرة البشر كثرة وقلة، وأحدهم قال: أريد حديثاً على شرط البخاري و مسلم بتحريم إتيان المرأة من دبرها، وهذه من المسائل لماذا لم يرد فيها نص؟ ائتني بنص في تحريم البول، لا يوجد نص في هذا، لماذا لم يأت نص بتحريم البول وجاء في تحريم الخمر؟ الجواب: لأن النفوس البشرية بطبيعتها تنفر من هذا فليست بحاجة إلى إيراد نص، ومن قال بجوازه في ذلك لديه خلل فطري في هذا، ولهذا نقول: إن الشريعة تأتي بحسب دوافع النفس الأمارة بالسوء، وبحسب ما يأتي من شياطين الإنس، وذلك كحال الإنسان مثلاً لديه منديل أو لديه قطعة قماش أو نحو ذلك موجودة أمامه، إذا وجد ريحاً خفيفة كريح المروحة أو نحو ذلك يضع شيئاً خفيفاً، وإذا وجد ريحاً قوياً جداً يضع حجارة لتثبيتها، ولهذا نصوص الشريعة من إحكامها لو أن شخصاً مثلاً جالس في مكتبته ولديه ورقة، ثم جاء بحجارة ووضعها على الورقة، هذا ليس إحكاماً، هذه الورقة هي الفطرة، وما يجتالها هي النفوس، هي الهواء الذي يطرأ على الإنسان، قد يكون يسيراً فلا يحتاج إلى نص ثقيل بل يحتاج إلى شيء يسير، فلهذا يأتي نص خفيف جداً؛ لأن النفس لا تحتاج إلى الإكثار، فهي تعرف هذا الشيء، ولهذا عامر بن شراحيل الشعبي لما سئل عن أكل الذباب قال: إن اشتهيتها فكلها، يعني: إذا نقص لديك مستوى النفس وضعف لديك هذا الأمر يعني: أن الفطرة والعقل لديك ضعيف، واستيعابك للنص لو ورد سيكون ضعيفاً، ولهذا يضعف لديك إدراك الحكم الشرعي مع ضعف النفس والهوى، ولهذا لا يكاد يوجد شخص ينظر إلى المسائل التي تعافها النفوس وتنفر منها، ثم يطلب لها دليلاً إلا ونفسه مبدلة، ولديه من ظلم النفس ما هو أعظم من ذلك.

    القول بنفي قتال الطلب

    وقول الله عز وجل: وَهُوَ خَيْرٌ [البقرة:216]، فيه إشارة إلى أن الخيرية لأمة الإسلام ودولتها وجماعتها إنما يكون بالقتال في سبيل الله، وأن الله عز وجل ذكر الخيرية في مواضع في كلامه سبحانه وتعالى، وجعل الخيرية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، وجعل الله عز وجل أيضاً الخيرية في القتال في سبيل الله، وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216]، وفي هذا أيضاً إشارة إلى أن المقصود في هذه الآية إنما هو قتال الطلب لا قتال الدفع، ومن الأقوال المبتدعة التي جاءت في الأزمنة المتأخرة، نفي قتال الطلب، وأنه لا وجود له، وهذا لا شك أنه جهل بكلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل أمر بقتال الطلب، وقد فتحت بلدان كثيرة جداً من المشرق إلى المغرب، ولم يكن أهلها قد اعتدوا على الإسلام، ولهذا قاتل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أطراف أفريقية، وكذلك أيضاً إلى أطراف آسيا، وكانوا أيضاً معزولين، ولم يكونوا أهل مقاتلة، ولو وجد من يقاتل المسلمين كفارس والروم، ولكن يوجد ممن لم يقاتل المسلمين، ولم يغزهم في دارهم، وذلك كحال طوائف مثلاً من البربر والزنج والسودان، وكذلك أيضاً بعض الأماكن في آسيا وشرقها ونحو ذلك، وإنما قاتل المسلمون في سبيل الله دعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وفتحاً لبلدان المسلمين، وإقامة لشريعة الله عز وجل فيها.

    ولا شك أيضاً من قال: إن الجهاد جهاد الطلب لا يوجد في الإسلام، لا في الصدر الأول، ولا فيما بعد ذلك، لا شك عندي أن القائل بذلك مرتد خارج عن الإسلام، والنصوص في ذلك متظافرة متواترة، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا دفعاً أو حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ) وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون في سبيل الله إلى قيام الساعة )، وكذلك جاء فيه جملة من الأحاديث من ما جاء عند أبي عمرو الداني من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزال الجهاد حلواً خضراً ما قطر القطر من السماء، وإنه يأتي أقوام يقولون: لا جهاد، قال: فالجهاد خير حينئذٍ قالوا: وثمة أحد يقول ذلك يا رسول الله؟! قال: نعم، من عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )، وقد جاء من حديث آخر عند ابن عساكر من حديث عباد بن كثير عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك بنحو هذا الإسناد، وجاء أيضاً عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى من طرق يشد بعضها بعضاً، وما زال هذا الأمر عليه عمل الأمة من الصدر الأول إلى الأزمنة المتأخرة حتى جاء زمن انحطاط أمة الإسلام فاستباحها من استباحها وظهر فيها الهوان، ولهذا نرى ضعف هذه الخيرية وما ذكر الله عز وجل هنا في قوله جل وعلا: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا [البقرة:216]، والأمر ينصرف إلى الجهاد وما كان دونه، وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216]، أي: أنكم إن تركتموه ضعفت فيكم الخيرية بقدر انصرافكم عن هذا الأمر.

    التسليم والانقياد لأمر الله سبحانه وتعالى

    ثم قال تعالى: وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]، في قول الله سبحانه وتعالى: وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216] إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يسلم لأمر الله سبحانه وتعالى، وألا يلتفت إلى الحساب المادي العقلي الصرف، وذلك بدراسة الإنسان بما يسمى بالدراسات السياسية أو المادية، أو الحسابات، أو نحو ذلك، فإن الإنسان يتشوف إلى المغالبة لمصلحة الذات، فنقول: إنه ينبغي أن ينظر إلى حكم الله سبحانه وتعالى متجرداً عن حظ نفسه في أمر الدنيا، ولهذا قال الله جل وعلا: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]، إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى إنما جعل الأمر مرده إليه إشارة إلى قصور علم الإنسان عن معرفة الحكم البالغة الظاهرة.

    والأمة ستدرك ذلها وهوانها التي هي فيه، حينما ترتفع راية الجهاد في سبيل الله، وتقوم أمة الإسلام فترى أنها كانت أمة مستباحة، وأمة ذليلة، وأن وجود السلم المتمكن بين المسلمين وبين غيرهم من الملل الكفرية سلماً دائماً المتضمن لإلغاء الجهاد أن في ذلك إظهاراً للذلة، ويظهر معه النفاق، وتقوى شوكته، وتظهر في ذلك الردة، ويذوب مسألة الكره للكافرين، وذلك الانغماس، ويتساهل المسلمون بالانسياق إلى بلدان الكفر، والخوض فيها أينما شاءوا، وربما الإقامة فيها، وتظهر الردة في المسلمين، ويظهر في ذلك الوهن والضعف، ويكثر العملاء والدخلاء والمنافقين، فالله عز وجل إنما شرع الجهاد لتقوية البيضة وحمايتها، كذلك النفرة ووجود الحمية في المسلمين، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاهد ويسالم سلماً محدوداً ولا يجعله إلى أمد، وذلك حتى لا تتشوف النفوس إلى ركون دائم إلى أهل الكفر، ولهذا للأسف الشديد نجد في بعض المسلمين عقوداً ممتدة طويلة جداً بينهم وبين المشركين، عقود إما أن تكون تجارية، وإما أن تكون علمية أو غير ذلك لخمسين سنة أو تسع وتسعين سنة، بل نجد قواعد عسكرية يوقع بينها كقاعدة العُديد التي في قطر تسعاً وتسعين سنة توقع بين دولة، بين مجتمع مسلم مع أمة كفرية، ومثل هذه الأرقام إنما جعلوا تسعاً وتسعين؛ لأن مائة في عرف الأمم يسمى استعماراً، فأنقصوها سنة واحدة حتى لا يسمون مستعمرين، فنقول: إن مثل هذه السنة إن ذهبت أو لم تذهب فنقول: ينبغي أن ينظر إلى الحال، وأن ينظر إلى حكم الله سبحانه وتعالى، وأن ينظر إلى الذلة والهوان التي تكون في المسلمين، وأنه ما كان ذلك إلا بتركهم لتلك الخيرية التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، فبها التمكين وبها القوة وبها النصرة، وبها العزة، وبها اللحمة أيضاً، وبها يشعر المسلمون أنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

    وفقني الله وإياكم لمرضاته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.