إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [48]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ورد حديث: (سنة رسول الله في صلاة الاستسقاء هي سنته في صلاة العيد)، لكن أعله البخاري وغيره بمحمد بن عبد العزيز، كما وردت أحاديث في الجثو عند دعاء الاستسقاء، لكن كلها ضعيفة، ولا يصح حديث في الجثو على الركب عند الدعاء لا في الاستسقاء ولا خارجه.

    1.   

    حديث ابن عباس: (سنة رسول الله في الاستسقاء هي سنته في العيدين..)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فتكلمنا في المجلس الماضي على شيء من الأحاديث المعلولة في أبواب الصلاة، وآخر ما تكلمنا عليه هي الأحاديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة التسابيح، وفي هذا المجلس سنتكلم بإذن الله عز وجل على الأحاديث التي تكلم عليها العلماء في أبواب صلاة الاستسقاء، والوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الاستسقاء أحاديث قليلة، وقد تكلم العلماء على شيء منها، وذلك لأن هذه الأحاديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام تتضمن شيئاً من أحكام هذه العبادة فكان لازماً معرفة الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.

    أول هذه الأحاديث: هو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، فقد جاء من حديث طلحة قال: ( أرسلني مروان إلى عبد الله بن عباس أسأله عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء هي سنته في العيدين، صلى ركعتين كبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً، قرأ في الأولى بسبح وفي الثانية بالغاشية ).

    هذا الحديث أخرجه الدارقطني في سننه، والحاكم في كتابه المستدرك من حديث محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه يرويه عن طلحة عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    علة حديث ابن عباس: (سنة رسول الله في الاستسقاء هي سنته في العيدين..)

    هذا الحديث تفرد به محمد بن عبد العزيز وهو من أبناء الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف ، و محمد بن عبد العزيز يضعفه الأئمة، وقد قال غير واحد من العلماء بأنه منكر الحديث، كما أشار إلى هذا البخاري رحمه الله في كتابه التاريخ وكذلك أبو حاتم.

    والحديث بهذا اللفظ لا يعرف عن عبد الله بن عباس إلا من حديث محمد بن عبد العزيز بهذا الإسناد، ويتضمن هذا الحديث معنى من المعاني وهو أنه جعل صلاة الاستسقاء كصلاة العيدين، ويتضمن ذلك جملة من المسائل منها: أن الخطبة تسبق الصلاة، ويتضمن تكبيراً زائداً غير تكبيرة الإحرام كما في صلاة العيدين، وهذا إنما جاء في أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام ضعيفة فلا يثبت التكبير الزائد عن تكبيرة الإحرام أو التكبير الواجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الاستسقاء.

    وأول هذه الأحاديث التي قد ورد فيها عدد التكبير: هو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى هذا، وقد تفرد به محمد بن عبد العزيز ولا يعرف عن عبد الله بن عباس إلا من حديثه، نعم جاء من غير حديثه ويأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.

    وهذا الحديث معلول بعدة علل:

    أولاً: هذا الحديث غريب من هذا الطريق وقد تفرد به من ينكر حديثه، و محمد بن عبد العزيز هذا مع ضعفه كان الأئمة يسيئون الرأي فيه ولا يقبلون حديثه، وهو الذي أفتى بجلد الإمام مالك رحمه الله وهو من ذرية عبد الرحمن بن عوف عليه رضوان الله تعالى، وقد تفرد بهذا الحديث ولا يعرف عن عبد الله بن عباس إلا عنه.

    ثانياً: أن هذا الحديث جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من وجه آخر فجاء من حديث هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن أبيه وخالف فيه محمد بن عبد العزيز ولم يذكر في ذلك التكبيرات الزوائد، وهذا يدل على أن محمد بن عبد العزيز إنما تفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن عباس وليس هذا في حديث عبد الله بن عباس من جهة الأصل، وقد أعل هذا الحديث جماعة من الحفاظ، فأعله البخاري رحمه الله كما نقله عنه غير واحد كـالترمذي رحمه الله، وهو ظاهر كلام أبي حاتم في محمد بن عبد العزيز ، وأعله كذلك ابن رجب رحمه الله في كتابه الفتح قال: وعدد التكبيرات جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف هو يريد هذا الحديث حديث محمد بن عبد العزيز عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وعلى هذا نقول: إن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الاستسقاء فكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً)

    الحديث الثاني: هو حديث عبد الله بن زيد : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الاستسقاء فكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً ).

    هذا الحديث يرويه يزيد بن عياض عن أبي بكر بن عمرو بن حزم وعن ابنيه عبد الله و محمد ، و عبد الله بن محمد بن أسامة و ابن شهاب كلهم عن عبد الله بن زيد الصحابي الجليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث مردود وهو شبيه بالموضوع، وذلك لتفرد يزيد بن عياض بن جعدبة بهذا الحديث، وهو الليثي المدني وقد اتهمه بالوضع غير واحد من الأئمة كالإمام مالك رحمه الله وابن معين و النسائي وغيرهم، وتفرده بهذا الحديث مردود لو كان ثقةً متوسطاً فكيف وهو متهم بالكذب! وقد ترك حديثه جماعة وأشار إلى ترك حديثه غير واحد كـأبي داود والنسائي وغيرهم، ويكفي في ذلك أن أجلة أهل الرواية والصنعة وكذلك أهل بلده كالإمام مالك رحمه الله اتهموه بالكذب.

    وأيضاً الجمع في هذه الرواية فإنه يروي عن جماعة فيروي عن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، ويروي عن ابنيه عبد الله و محمد ، وكذلك جاء هذا الحديث من حديث عبد الله بن أسامة و ابن شهاب فيروي عن هؤلاء جميعاً عن عبد الله بن زيد ، وهذا لا يحتمل، وذلك أن مثل يزيد بن عياض مع شدة رد حديثه لا يمكن أن يجمع هذه المرويات ثم لا يعرف هذا الحديث إلا من طريقه، ولو رواه من هو أحسن حالاً منه عن هؤلاء الجماعة ما قبل؛ وذلك أن الحديث يدل على أنه في هذه الطبقة وهي الطبقة المتأخرة من التابعين أو طبقة أتباع التابعين أنه مشتهر ثم رجع غريباً، وهذه طريقة يعل بها الحديث، والأصل أن الحديث يبدأ غريباً ثم ينتشر لا أن يكون منتشراً مشهوراً ثم يصبح غريباً، فهو غريب من حديث يزيد بن عياض مشتهر عن شيوخه، وهو يروي في هذا الموضع عن خمسة من الرواة: فيروي عن أبي بكر بن حزم ، وعن ابنيه عبد الله و محمد ، و عبد الله بن أسامة ، ويروي عن ابن شهاب ، وهذه استفاضة، ثم ينفرد بالرواية عنهم واحد، بل لو كانت حال يزيد بن عياض هي أحسن حالاً منه فكان من الثقات المتوسطين أو ربما كان من الكبار لرد حديثه؛ لأن هذا يخالف الاطراد في القاعدة، والاطراد في القاعدة أن الحديث إذا انتشر في بلد فإنه لا يرجع غريباً، بل الأصل في ذلك أنه ينتشر زيادة لا أن يكون غريباً، فكان حينئذ ذلك رداً لهذا الحديث.

    ومن وجوه الإعلال: أن حديث عبد الله بن زيد عليه رضوان الله مخرج في الصحيحين في صفة صلاة الاستسقاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيها عدد التكبيرات وإنما فيها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ) وذكر في صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام أنها كصلاة الجمعة يعني: بدأ بالخطبة ثم بعد ذلك الصلاة، وهذه مسألة قد وقع فيها نزاع لاختلاف الأحاديث الواردة في هذا الباب، ويأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.

    والقاعدة عند الشيخين في الصحيحين: أنهما إذا أخرجا حديثاً من الأحاديث وتركا خلافه في معناه فإن هذا كالنص بالإعلال إذا لم يكن الحديث مرجوحاً أو منسوخاً، فربما أخرجوا الناسخ مع صحة المنسوخ وتركوا المنسوخ فهذا يرد، ولكن إذا لم يكن ثمة نسخ فإن هذا كالإعلال، وهذه طريقة شبيهة بالقاعدة في طريقتهم، وكما أن هذا في الحديث فهو أيضاً في الأثر الموقوف عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كالخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم، فإذا روى البخاري و مسلم أثراً موقوفاً على أحد من الصحابة ثم لم يوردا في المرفوع شيئاً فهذا إعلال للموافق والمخالف؛ لأنهما يوردان في الباب أمثل شيء فيه، فإذا أعوزهما البحث عن المرفوع أوردا الموقوف وهذا له نظائر كثيرة.

    لهذا نقول: إن هذا الحديث -حديث عبد الله بن زيد في ذكر التكبيرات في صلاة الاستسقاء- أمارة على رده عند الشيخين؛ لأنهما أخرجا الحديث وليس فيه عدد التكبيرات وإنما فيه أنه صلى عليه الصلاة والسلام صلاة الاستسقاء ركعتين وقدم الخطبة على الصلاة، وأن ما جاء خلاف ذلك خارج الصحيحين فإنه على نهجهما معلول ومردود. كذلك فإنه من جهة الصناعة الحديثية على سبيل الاستقلال يقال: بأن هذا الحديث موضوع ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث أنس: (أن رسول الله صلى صلاة الاستسقاء ركعتين فكبر تكبيرة تكبيرة)

    الحديث الثالث: حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الاستسقاء ركعتين فكبر تكبيرةً تكبيرة ) يعني: في الركعة الأولى تكبيرة، والثانية تكبيرة ولم يزد عليها.

    وهذا الحديث من حديث أنس بن مالك أخرجه الطبراني في كتابه المعجم الأوسط من حديث عبد الله بن حسين بن عطاء عن ابن الفرات عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث حديث منكر وذلك أن الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام صلاة ركعتين من غير تفصيل، وحديث أنس بن مالك في الصحيحين في الاستسقاء في خطبة الجمعة ولو كان عند الشيخين صفة الاستسقاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أنس بن مالك على سبيل الاستقلال أصرح وأوضح لذكرها من ذكر حديث الاستسقاء دعاءً في صلاة الجمعة، والأحناف يعتمدون على حديث أنس بن مالك في الدعاء في صلاة الجمعة على عدم مشروعية صلاة مستقلة للاستسقاء، فيرون الدعاء مجرداً، ولكن نقول: إن حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله في الاستسقاء إنما كان لما جاءه ذلك الرجل واستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم فكان حينئذ من النبي عليه الصلاة والسلام الدعاء فاستغاث رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه كما في الحديث المعروف.

    وهذا الحديث حديث أنس بن مالك ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كبر تكبيرةً تكبيرة ) حديث منكر وهو معلول بعدة علل:

    الأولى: أن هذا الحديث لا يعرف إلا من حديث عبد الله بن حسين بن عطاء ، و عبد الله بن حسين بن عطاء ضعيف باتفاق الأئمة، وقد تفرد بهذا الحديث ولا يعرف عن ابن الفرات عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر إلا من حديثه.

    الثانية: أن هذا الحديث وهو حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله لا يعرف في الاستسقاء في غير الجمعة إلا من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك، وهو في الصحيحين من غير رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر أن النبي عليه الصلاة والسلام استسقاء وهو في خطبة الجمعة فدعا النبي عليه الصلاة والسلام يعني: في جمعتيه: الجمعة الأولى في الاستسقاء، والثانية في حبس القطر عن الناس وجعل ذلك في بطون الأودية وعلى منابت الشجر، وهذا أمارة على أن هذا الحديث لا يعرف في صفة صلاة الاستسقاء إلا من حديث شريك ، و شريك بن عبد الله بن أبي نمر مع ثقته إلا أنه ربما تفرد بألفاظ يخطئ بها، وأيضاً فإن هذا الحديث يرويه من الثقات من أصحاب شريك ولا يذكرون فيه التكبير لا واحدة ولا أكثر من ذلك، وقد رواه الإمام مالك رحمه الله وغيره عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا فيه عدد التكبيرات، فدل هذا على أن ذكر التكبير في الحديث ضعيف، وأن صفة صلاة الاستسقاء من حديث أنس بن مالك فيها نظر، ولو صحت عند الشيخين من وجه لكان أولى بإيرادها من الاستغاثة على منبر الجمعة؛ وذلك لكمال الصفة فيها.

    1.   

    حديث جثو النبي في صلاة الاستسقاء على ركبتيه ثم دعا

    الحديث الرابع: هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قلب رداءه استقبل القبلة في صلاة الاستسقاء جثا على ركبتيه ثم أخذ يدعو )، وفي هذا الحديث الجثو على الركبتين عند الدعاء في صلاة الاستسقاء.

    هذا الحديث أخرجه الطبراني في المعجم من حديث مجاشع بن عمرو عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب ، وهذا الحديث حديث منكر؛ وذلك أنه قد تفرد به مجاشع بن عمرو، وهو ضعيف الحديث، ضعفه جماعة من الأئمة كـيحيى بن معين و البخاري وغيرهم، وكذلك فإن هذا ا لحديث في إسناده عبد الله بن لهيعة ، وقد تقدم معنا الكلام على حديثه مراراً، وذكرنا أن الأصل في حديث عبد الله بن لهيعة الضعف، وهذه هي القاعدة في حديثه إلا ما يقبل في المتابعات فيمن روى عنه قبل اختلاطه ممن روى عنه قديماً، وأن أعلى روايته ما رواه قديماً من حديثه وكان في أبواب اختصاصه كالقضاء فإنه أقرب لحديثه، فإذا اجتمع فيه القضاء وكان من قديم حديثه فإنه يضبطه أكثر من غيره، وأشد حديثه ضعفاً ما يرويه بعد اختلاطه وليس في اختصاصه، فإنه في ذلك أشد رداً، وليس هذا الحديث مما يقبل؛ لاجتماع وجوه الضعف فيه؛ لتفرد مجاشع بن عمرو ولروايته عن عبد الله بن لهيعة وهذا كاف في رد هذا الحديث.

    1.   

    حديث: (اجثوا على الركب وقولوا: يا رب يا رب تغاثون..)

    الحديث الخامس: هو حديث سعد بن أبي وقاص عليه رضوان الله تعالى ( أن رجالاً جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكوا إليه قحط المطر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجثوا على الركب وقولوا: يا رب يا رب تغاثون فأغيثوا ).

    هذا الحديث أخرجه البخاري في كتابه التاريخ، و البزار في المسند، و ابن حبان في كتابه الثقات، و أبو عوانة في معجمه من حديث عمرو بن خارجة بن سعد عن جده سعد بن أبي وقاص ، ويرويه عن عمرو بن خارجة حفص بن النضر السلمي .

    وهذا الحديث منكر، ومعلول بعدة علل:

    العلة الأولى: أن هذا الحديث لا يعرف إلا من حديث حفص السلمي ، ولا يعرف ممن يرويه السلمي عنه إلا عن عامر بن خارجة بن سعد ويرويه عن جده، و عامر بن خارجة لين الحديث، وقد أعل حديثه غير واحد من الأئمة كـالبخاري رحمه الله، فإنه قال في حديثه: فيه نظر، وأعل حديثه كذلك أبو حاتم الرازي و أبو حاتم بن حبان في كتابه الثقات، فإنه قال: يروي حديثاً في المطر، وتكلم فيه، وهذا التفرد مما يرد عادةً.

    العلة الثانية: أن هذا الحديث يرويه هنا عامر بن خارجة بن سعد عن جده، قال البزار رحمه الله لما أخرج هذا الحديث في كتابه المسند: ولا يعرف له سماع من جده، يعني: أن الحديث منقطع، وأخرج هذا الحديث الطبراني في المعجم في الدعاء قال: عن أبيه عن جده، وفي ذكره لأبيه في هذا الحديث نظر، وذلك أن الأئمة الكبار حينما أخرجوا هذا الحديث من أصحاب المسانيد وأصحاب الضبط كـالبخاري و البزار ممن يعتنون بمخارج الحديث وذكرها من يصنف كتبه على المسانيد ضبطاً ومعرفة مخارج الحديث والغرابة فيها ذكروه عن جده وما ذكروه عن أبيه، ومعلوم أن روايته عن أبيه عن جده على الجادة، وقلما يروي الإنسان عن جده مباشرة إلا أن يمر عن أبيه غالباً من أصحاب السلاسل، فيكون حينئذ الحديث في ذلك عن جده وهي الأظهر، وإذا قلنا: إن رواية الراوي عن أبيه عن جده وروايته عن جده جادتين مطروقتين فإن الأقرب إلى الجادة أن يكون عن أبيه عن جدة.

    ثم إن أباه لا تعرف حاله، ثم إنه لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث في الجثو على الركب عند الاستسقاء سواءً كان في الصلاة أو كان في الدعاء من غير صلاة للاستسقاء، ومثل هذا لو جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لنقل عنه.

    ولهذا نقول: إن هذا الحديث لا يثبت، ولا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجثو على الركب عند الدعاء في الاستسقاء حديث، ولا هو من عمل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وعليه فإن الدعاء يكون واقفاً، بحيث يكون المصلي في ذلك واقفاً فيستقبل القبلة ويقلب رداءه فيجعل يمينه على يساره ويجعل يساره على يمينه ثم يستقبل القبلة ويدعو، أما الجثو على الركب أو القعود والجلوس أو الإقعاء فهذا لا يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله صلى بهم صلاة الاستسقاء ركعتين من غير أذان ولا إقامة..)

    الحديث السادس: هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الاستسقاء ركعتين من غير أذان ولا إقامة ثم خطب الناس وقلب رداءه جعل يمينه على يساره ويساره على يمينه ).

    هذا الحديث من حديث أبي هريرة أخرجه الإمام أحمد في المسند، و ابن ماجه في سننه من حديث النعمان بن راشد عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث يتضمن جملة من المسائل:

    أولها: أن الصلاة قبل الخطبة.

    الثانية: أن صلاة الاستسقاء بلا أذان ولا إقامة.

    الثالثة: مسألة قلب الرداء، وقد جاء ذلك في غير حديث، وجاء أيضاً الصلاة الركعتين الجهر بها، جاء ذلك في أحاديث.

    وهذا الحديث ضعيف، وضعفه بـالنعمان بن راشد وقد تفرد به عن ابن شهاب ، وهو معلول بضعفه في ذاته، وقد ضعفه الأئمة كـيحيى بن معين و النسائي و أبي حاتم وغيرهم، وكذلك تفرد النعمان بهذا الحديث عن ابن شهاب و ابن شهاب من كبار رواة الأحاديث من المدنيين وتفرده بهذا الحديث عن ابن شهاب عادةً ما يستنكر؛ لأن في المدينة من هو أولى بالرواية عن ابن شهاب في مثل هذا الحديث من غير النعمان.

    ومن وجوه الإعلال: أن هذا الحديث يخالف ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بهم ثم استسقى وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين )، وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله في أيهما يقدم في الاستسقاء الصلاة أم الخطبة على قولين مشهورين: ذهب جمهور العلماء إلى أنها كصلاة العيدين، الصلاة ثم بعد الخطبة، واستدلوا لذلك بما جاء في حديث عبد الله بن عباس من حديث هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن أبيه في قوله: ( إن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الاستسقاء كسنته في صلاة العيدين ركعتين )، وهل هذا على إطلاقه من جهة الترتيب أم أراد بذلك صفة الصلاة؟ منهم من أخذه بعمومه وجعل الأحاديث الواردة -وفيها ضعف- عاضدة لحديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى هذا، والذين قالوا بأن الصلاة كصلاة العيدين هم الجمهور، وهذا القول هو قول الإمام مالك و الشافعي وقول محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة ، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.

    والقول الثاني قال به أهل المدينة: أن صلاة الاستسقاء كصلاة الجمعة تتقدم الخطبة على الصلاة، قالوا: وهذا هو الثابت في حديث عبد الله بن زيد ، وتنكب البخاري رحمه الله و مسلم للأحاديث الواردة في ذلك دليل على ضعفها عندهم، وهذا القول رواية على الإمام أحمد رحمه الله، وقال به الليث بن سعد.

    وعلى كل فالأحاديث الواردة في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم منها ما هو صحيح مجمل، ومنها ما هو صحيح مفصل، والمسألة من مسائل الاجتهاد.

    لكن أيها آكد: هل الصلاة آكد من الدعاء والخطبة، أم الدعاء والخطبة آكد من الصلاة؟

    والجواب أن نقول: إن الدعاء والخطبة آكد من الصلاة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام استسقى بدون الصلاة، ولم يصل النبي صلى الله عليه وسلم بلا دعاء، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك وهو في الصحيحين لما استغاث النبي عليه الصلاة والسلام لأناس وهو على منبر الجمعة فدعا النبي عليه الصلاة والسلام وكان ذلك استغاثةً منه، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى للاستسقاء من غير دعاء مما يدل على أن الدعاء آكد من الصلاة في الاستسقاء، وعلى هذا لو استسقى الإنسان بدعاء من غير صلاة فيقال: إنه قد استسقى، كما جاء ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام وغيره، وهذا الحديث أعني: حديث أبي هريرة هو حجة الجمهور وجعلوا الأحاديث السابقة حديث عبد الله بن عباس وغيره في سنة صلاة الاستسقاء وصلاة العيدين جعلوها عاضدة لهذا الحديث، ومنهم من أخذ بظاهر ما جاء في الصحيحين، وظاهر صنيع البخاري و مسلم عليهم رحمة الله تعالى بأن هذا الحديث إنما هو في جعل الصلاة كصلاة الجمعة، والمسألة تحتاج إلى بسط كلام السلف عليهم رحمة الله تعالى في هذا، وليس هذا محل بسطها.

    أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق، والسداد، والإعانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.