إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [22]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة حديث: (وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ) فهو من أحاديث بقية بن الوليد، وكذلك (من نام جالساً فليس عليه الوضوء)؛ وذلك لأنه تفرد به ابن أبي جعفر عن الليث وهو متروك، وكذلك تفرد به ليث بن سليم وهو ضعيف. ومنها حديث ابن عباس: (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً) فهو حديث منكر تفرد بروايته أبو خالد الدالاني، ومنها حديث: (من مس ذكره وأنثييه ورفغيه فليتوضأ)، فذكر الأنثيين والرفغين فيه منكر والوهم في ذلك من عبد الحميد، وذلك أن الذين يروونه يخالفونه في روايته عن هشام ويجعلون ذلك من قول هشام.

    1.   

    حديث علي: (وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأول حديث هذا اليوم هو حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ ).

    علة حديث: (وكاء السه العينان)

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد و أبو داود وغيرهم من حديث بقية بن الوليد عن الوضين بن عطاء ، وقد تفرد بروايته بقية بن الوليد عن الوضين بن عطاء ، و بقية بن الوليد قد تكلم فيه غير واحد، فقال أبو مسهر: أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية، والمراد بهذا أنه يأتي بالمناكير ويتفرد، وقد تفرد بهذا الحديث، وهو مدلس، و الوضين في روايته لهذا الحديث هو في ذاته ثقة إلا أنه يغرب ويتفرد، ولهذا قال بعض الحفاظ كـأبي حاتم : تعرف وتنكر، وعدله وحسن أمره بعضهم كالإمام أحمد عليه رحمة الله و ابن معين .

    وهذا الحديث أيضاً معلول بعلة أخرى، وذلك أن عبد الرحمن بن عائذ الذي يرويه عن علي بن أبي طالب لم يسمعه منه، قال ذلك أبو حاتم، وقد ضعف هذا الحديث أبو حاتم فقال: ليس بقوي، وهذا الحديث منكر أيضاً من جهة المتن، وذلك لعموم لفظه أن العين إذا نامت انتقض الوضوء على أي حال كان، فهذا التعميم مخالف لبعض الأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك لفتيا مجموع الصحابة، فنجد أن السلف الصالح من الصحابة وغيرهم كـعمر بن الخطاب ، وكذلك عبد الله بن عمر و ابن عباس و ابن مسعود وغيرهم يفتون باستثناءات للنائم، وهذا الخبر قد عمم.

    ونجد أن بعض العلماء ينص على أن الوضوء يكون على المضطجع وما في حكمه، أما إذا كان متكئاً على حائط، أو جالساً فإنه لا ينتقض وضوءه لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث عبد الله بن عباس في الصحيحين وغيرهما في قصة مبيت ابن عباس عند خالته ميمونة ، قال عليه رضوان الله تعالى: ( نام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفخ ) جاء في رواية: ( وهو ساجد، فقام فصلى ولم يتوضأ )، وهذا النوم في قوله: حتى نفخ، إشارة إلى أن العين قد نامت، وهذا مخالف لظاهر اللفظ، وقال به جماعة من العلماء من الصحابة كـعمر بن الخطاب و عبد الله بن عمر و عبد الله بن عباس ، وجاء أيضاً مرفوعاً عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى وموقوفاً، وقال به جماعة من أصحابه من أهل الكوفة.

    وهذا الحديث حديث علي بن أبي طالب جاء من وجه آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام من غير حديث علي ، فرواه الدارمي و الدارقطني من حديث أبي بكر بن أبي مريم ، و أبو بكر بن أبي مريم ضعفه سائر الأئمة، وهو من حديث معاذ وهو حديث معاوية ، و أبو بكر بن أبي مريم علة هذا الحديث، وقد ضعفه أبو حاتم أيضاً، فقال في حديث معاوية : ليس بقوي، فهذا نص على التضعيف.

    النوم الناقض للوضوء

    وقد يقال: إن هذا الحديث مبني على الأغلب، وذلك أن الأغلب من حال النائم أنه يكون مضطجعاً فبني حكم النوم عليه، فيكون حكم النوم حينئذٍ عليه فإذا قيل بإطلاق حكم نقض الوضوء على النوم فالغالب في ذلك حال نوم الإنسان مضطجعاً، وأما نوم الجالس فهذا نادر لا تتعلق الأحكام به، فالعلماء عليهم رحمة الله يشددون في الألفاظ إذا وجد من يستدل بها على التشريع ولو كان المعنى العام ثابتاً، ويمكن تأويله فيشددون في ذلك دفعاً للاستدلال الخاطئ في ذلك؛ لأنه يوجد من بعض الفقهاء من يثبت نقض الوضوء بمجرد النوم على أي حال كان، وهذا معارض للأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وعلى هذا فنقول: إن تشديد الأئمة في مثل هذا الحديث، وكذلك أيضاً إذا أردنا أن نحكم على هذا الحديث فنشدد فيه لوجود من يستدل بعموم هذا اللفظ، ولو أردنا أن نناقش العموم لأصبح النقاش في ذلك فيه ضعف من جهة بلوغ الحجة؛ لأن الإطلاق في هذا الحديث ظاهر، ولهذا نقول: بعلة الحديث إذا كانت ظاهرة، وعلة هذا الحديث ظاهرة سواءً كان حديث علي بن أبي طالب ، أو كان حديث معاوية عليهما رضوان الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث عبد الله بن عمرو: (من نام جالساً فليس عليه الوضوء...)

    الحديث الثاني في هذا هو: حديث عبد الله بن عمرو عليه رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من نام جالساً فليس عليه الوضوء، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً).

    هذا الحديث رواه الدارقطني من حديث الحسن بن أبي جعفر عن الليث بن أبي سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهذا الحديث حديث منكر، وإنما قلنا بنكارته؛ لأنه قد تفرد به ابن أبي جعفر وهو منكر الحديث، تفرد به عن الليث بن أبي سليم ، و ليث بن أبي سليم ضعيف بالاتفاق، وإنما قلنا بإعلال هذا الحديث؛ لأن فيه هذه اللفظة العامة إنما الوضوء على من نام مضطجعاً.

    علة حديث: (من نام جالساً فليس عليه الوضوء)

    وعلى هذا فنقول: إن الحديث معلول بعلل:

    أولها: تفرد ابن أبي جعفر عن ليث وهو متروك.

    ثانيها: تفرد ليث بن أبي سليم وهو ضعيف بالاتفاق.

    ثالثها: أن عمرو بن شعيب في روايته عن أبيه عن جده يروي من صحيفة، و عمرو بن شعيب له أصحاب كثر من الثقات يروون عنه، وهذا الحديث لو كان من حديثه لنقله الثقات للحاجة إليه؛ لأن حاجة الناس في أمر النوم ونقض الوضوء مما يفتقر إليه كل أحد بلا استثناء؛ فلهذا نقول: إنه منكر من جهة التفرد في هذا، فتفرد ليث بن أبي سليم في هذا ضعيف، وتفرد ابن أبي جعفر في هذا ضعيف.

    حكم رواية الليث بن أبي سليم

    وليث بن أبي سليم حديثه ضعيف إلا في حالة واحدة، في التفسير إذا روى عن مجاهد بن جبر ، فإذا روى الليث بن أبي سليم عن مجاهد بن جبر في التفسير خاصة فروايته في ذلك صحيحة، والسبب في هذا أن ليث بن أبي سليم يروي التفسير من صحيفة، من صحيفة القاسم بن أبي بزة ، وعلى هذا نجد أن إطلاقات العلماء في مسألة التضعيف ليث بن أبي سليم محمول على الأغلب، وعلى هذا فينبغي أن ننظر في الراوي الذي يطلق فيه العلماء الضعف وأن هذا لا يعني الاطراد وإنما يعني التغليب.

    ومسائل الاستثناء التي تقع في بعض الرواة ينبغي أن تسبر، وغالباً الأئمة عليهم رحمة الله ينصون على ذلك، وما لم ينص عليه يعرفه الحاذق بإدامة النظر في حديث الراوي، فإذا وجدنا هذا الإسناد فننظر إلى المتن، وكذلك أيضاً فإنه يلزم من هذا أن نسبر المتون المروية في هذا، فقد يتفق الإسناد ويختلف المتن، فيختلف الحكم مع اتحاد الإسناد، وذلك أن ليث بن أبي سليم يروي عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس ، فإذا كان في التفسير فهو صحيح، وإذا كان في غيره فليس بصحيح، مثاله ما جاء في سنن الترمذي من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس أنه سئل عن الرجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة، يعني: يصلي في بيته، قال: هو في النار.

    فهذا الحديث جاء من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عبد الله بن عباس ولكنه في غير التفسير، فنقول: بنكارته وضعفه.

    يأتينا حديث آخر لليث بن أبي سليم عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس في التفسير وهي كثيرة جداً، وكتب التفسير ودواوينه مليئة بهذا، فالحكم يتباين باختلاف المتن، وقد نص على صحة رواية ليث بن أبي سليم في التفسير عن مجاهد بن جبر ابن حبان عليه رحمة الله، و يحيى بن سعيد قبله، و يعقوب بن شيبة .

    وحديثه هنا ليس من هذا النوع، وهذا محمول على الأغلب، فـليث بن أبي سليم في روايته عن عمرو بن شعيب منكرة، وذلك لما تقدم أنه في ذاته ضعيف، وكذلك عمرو بن شعيب له أصحاب ثقات، وحديثه في ذلك من صحيفة، والصحيفة إذا كانت مع الإنسان فيجيز بها في الأغلب من يلقاه من الثقات فيعطيهم إياه بالتحديث تاماً، بخلاف الحديث إذا كان من الذاكرة، فإنه يأتي بعضاً ويدع بعضاً فقد يكون في ذلك فوت، فالصحائف في ذلك تأتي في الأغلب عند الجميع، لكنهم يتباينون في التحديث بها، ثم انتقاء الأئمة لبعضها لا يعني أن مجموع الأحاديث ليست موجودة عند ذلك الراوي، وقد توبع ليث بن أبي سليم في روايته عن عمرو بن شعيب لهذا الحديث لكن تابعه من لا يعتد بقوله، فقد جاء هذا الحديث من حديث ابن عطاء بن أبي رباح وهو يعقوب بن عطاء بن أبي رباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابنه ضعيف، وأبوه إمام المناسك، وإمام في الحفظ، وإمام في الدراية أيضاً، ويرويه عنه راوٍ متهم، واسمه مهدي قد ضعفه غير واحد من الأئمة، بل حكم بعضهم على أنه كذاب، كما نص على ذلك يحيى بن سعيد القطان ، و يحيى بن معين وعلى هذا فنقول: إن هذه المتابعة لا يعتد بها في هذا الحديث.

    وأما بالنسبة لنكارة المتن فهي لفظ العموم التي يتشبث به البعض بتقييد النقض على من نام مضطجعاً، ولا يفرقون بين استغراق الإنسان في نومه ولو كان جالساً؛ لأن بعض الناس مثلاً يطيل النوم ولو كان جالساً فحكمه كحكم المضطجع إذا أطال في النوم، فالإنسان الذي من عادته أنه ينام جالساً أو نحو ذلك فإن حكمه كحال المضطجع.

    1.   

    حديث ابن عباس: (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً)

    الحديث الثالث حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، أنه قال: ( نام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفخ، وكان ساجداً فقام فصلى ولم يتوضأ فقلت: يا رسول الله! إنك لم تتوضأ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً )، حديث عبد الله بن عباس هو متضمن للمعنى السابق، وقد رواه الإمام أحمد في كتابه السنن، و أبو داود و الترمذي وغيرهم.

    علة حديث ابن عباس: (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً)

    وهو حديث منكر، ونكارته من وجوه:

    أولها: أنه قد تفرد بروايته أبو خالد الدالاني وهو يزيد بن عبد الرحمن الدالاني فإنه يرويه عن قتادة عن أبي العالية رفيع بن مهران عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ويرويه عن الدالاني يحيى ، وعن يحيى عبد السلام بن حرب ، وهذا الحديث منكر قد تفرد به الدالاني في روايته عن أبي العالية ، و الدالاني قد ضعفه بعضهم، وله أوهام كثيرة كما قال ابن حبان ، وقال ابن سعد : منكر الحديث، وقال غير واحد: إنه لا بأس به في ذاته كالإمام أحمد و يحيى بن معين لكنه يهم ويغلط، وهذا الحديث من أوهامه وأغلاطه باتفاق الأئمة، وذلك من وجوه:

    الوجه الأول: أن الدالاني يروي هذا الحديث عن قتادة ، و قتادة له أصحاب كثر، و الدالاني ليس من أصحابه، بل شكك بعض العلماء بسماع الدالاني من قتادة ، وقد قال البخاري عليه رحمة الله: ما الذي أتى بالدالاني في أصحاب قتادة يعني: أنه ليس بمعروف الرواية، وهذا تشكيك بسماع الدالاني من قتادة مما يدل على أنه تفرد به على هذا الوجه، و قتادة له أصحاب كثر يروون عنه حديثه مما هو أوثق وأعلى، فـقتادة ليس بإمام مغمور، أو رجل متوسط في أبواب الرواية والدراية بل هو إمام في الفقه وإمام في الرواية، وروى له سائر الأئمة المصارية، بل لا يخلو مصنف أو مسند من مسانيد الدنيا من قتادة بن دعامة السدوسي عليه رحمة الله، فأصحابه كثر جداً متوافرون فتفرد الدالاني بهذا الحكم من علامات النكارة، فكلما كثر أصحاب الراوي شدد في الرواة عنه من المتوسطين إذا ارتفعت المتون وقويت، إذا كان الراوي من المكثرين فإنه يروي عنه خلق كثير، ويروي هو عن خلق كثير أيضاً فيشدد فيمن يروي عنه، أما إذا كان الراوي ليس من المكثرين بل هو من المتوسطين فأحاديثه متوسطة، ويروي عنه عدد قليل، هذا يجعل الأئمة يتسامحون فيه، وإمامة قتادة عليه رحمة الله يجعلنا نشدد في ذلك؛ لأن الإمام يحرص على حديثه، ويتوافد الناس إلى السماع منه، فلماذا لم يرو عنه إلا الدالاني وليس له حديث يذكر عن قتادة عليه رحمة الله، لهذا أنكر الأئمة حديثه عنه.

    وهنا ننبه إلى مسألة مهمة أن بعض الذين ينظرون في كتب التخاريج أو الأحكام على الأحاديث ينظرون إلى رواية الراوي منفكة عن سياقها، فينظرون ماذا قال الأئمة عنه ولا ينظرون إلى رواية هذا عن ذاك من جهة مرتبتها، في أي منزلة هي بالنسبة للمتن، فإذا كانت في مرتبة دنيا مع أئمة كبار فإننا نرد هذه الرواية وقد نقبلها منه في شخص آخر، لكن في هذا الموضع لا نقبلها، وهذا نلمسه في كثير من الأحاديث في تعامل بعض النقاد على التساهل فيها، وهذا من جهة النظر أو الحس معلوم.

    فالفقهاء المعروفون بالفتيا والفقه والذين أقوالهم تصل المشارق والمغارب لهم طبقات في أصحابهم، ولهم طبقات فيمن يأخذ عنهم، فهؤلاء الذين يأخذون عنهم إذا جاء رجل مغمور يعرف في ذاته رجل صالح ونحو ذلك، فجاء بفتوى عن ذلك الإمام عظيمة جليلة، فمثل هذا يدل على أنه إما أنه خصه بها، أو أن هذا الرجل لكثرة ملازمته له يسمع حتى الشارد مما لم يسمعه غيره، وهذا لا يكون في الراوي المتوسط فضلاً عمن دونه كحال الدالاني بالنسبة لـقتادة ؛ فلهذا نقول: إن الرواة ينبغي أن ينظر إليهم بذاتهم وأن ينظر إليهم بالنسبة لشيوخهم، فلا نفك الراوي عن شيخه بل نربطه به، فقد يقترن الراوي بشيخ إمام ثقة يضعف حديثه لاقترانه بهذا العظيم، وإذا كان الذي يروي عنه متوسطاً فنقول حينئذٍ: إنه يقبل؛ لأنه متوسط وشيخه متوسط، فيمشى على ذلك، فنعله في موضع، ونصححه في موضع آخر مع اتحاد الراوي، وهذا ما يسميه العلماء بالسبر.

    أنواع سبر المرويات

    وقد تقدم معنا السبر على أنواعه وهي: سبر الموضوعات التي يرويها الراوي حيث يروي أحاديث كثيرة، وكل شخص بطبيعة الحال لديه نوع من الاهتمام بنوع من أبواب العلم حتى أرباب الدنيا لديهم ميول نفسية أو ربما فطرية، حتى الميول فهناك ميول في أنواع اللباس لا إرادة يتذوق هذا الشيء، كذلك أيضاً في العلم لديه ميول، فمن الناس من ميوله في السيرة فيهتم بالسيرة ويقرأ فيها كثيراً، وأناس في الفقه، وأناس في باب من بعض أبواب الفقه وبعضهم في العقائد وهذا لا بد من إيجاده في الراوي حتى نعرف موضع عنايته، فهذا سبر المتون.

    ثم سبر الشيوخ.

    ثم سبر الأصول في الباب لكن نقصد في الرواة سبر أحاديث الراوي في ذاته.

    عدد الصحيح والضعيف هذا نوع من أنواع السبر.

    وكذلك سبر التلاميذ أيضاً.

    وسبر البلدان، ففي الغالب أن الرواة يطوفون فيخرجون من العراق إلى الشام، ومن الشام إلى مكة، ومن مكة إلى المدينة وهكذا، ومعرفة كم شيخ له مدني، وكم شيخ مكي، وكم شيخ شامي، وكم شيخ كوفي، حتى نعرف كثرة الأخذ فقد يكون له شيوخ عشرة، ثمانية منهم في الكوفة، وهو شامي من جهة شيوخه فيدل على عنايته بالكوفيين، وإذا روى عن قلة من أهل بلده، ولو كانوا من أهل بلده عنايته بحديث غيرهم أولى، لهذا نستفيد من مثل هذا النوع.

    ومسألة السبر لا حد لها، فيستطيع الإنسان أن يتنوع في قوة السبر، سبر حال الراوي حتى يعرف موضع النقد والعلة في حديثه، وكذلك أيضاً حجم المتون التي يرويها من جهة قوة المعنى وعدمه، وهل له أحاديث قوية في الباب جاء بها أم لا؟ إذا كان الراوي مثلاً يروي في السير والمغازي أحاديث، ثم فجأة جاء وتخلل هذه الأحاديث حديث في مسائل العقائد عظيم، فمثل هذا لا يتسق معه، تفرده فيه لا يحتمل منه؛ لأنه ليس محل عناية، فلو خرج من السيرة إلى الأحكام لاشتبهنا بتفرده هذا فكيف وقد جاء إلى ما هو أبعد من ذلك من مسائل الأصول الكلية العظيمة، كمسألة من مسائل الإيمان بالقضاء والقدر ونحو ذلك، فهذا نحاول أن نشدد فيه، ودافعنا في ذلك هو السبر؛ لأن الراوي نقلب كتب الرجال نجد أنهم يقولون: فلان بن فلان ثقة، هذا الحكم لا يخدمنا في كل حديثه، إنما يخدمنا في الأغلب، لكن في الأقل يخدمنا السبر، فهم حكموا حينما وجدوا للراوي مائة حديث فوجدوا خمسة وتسعين منها هي في فنه الذي يسير عليه في السيرة أو في المغازي فقالوا: ثقة، لكن ثلاثة أو حديثين أو أربعة أو نحو ذلك ليست في هذا الباب.

    بعض الناس يقول: وثقه الأئمة، ثم يقوم بالحكم عليه بالصحة على الإطلاق، ويغيب عنه مسألة النكارة، ومعرفة هذا الراوي في أي باب يهتم، وعن من يحدث ونحو ذلك، وإنما يأخذ بذلك بكتب الرجال، فكتب الرجال ينبغي أن نفصلها عن الاطراد في الحكم على أحاديث الراوي، لهذا في حديثنا هذا الذي هو معنا، وحديث الدالاني في روايته عن قتادة قتادة له أصحاب كثر و الدالاني في ذاته لا بأس به في حديثه، لكن قتادة إمام كبير، وأصحابه متوافرون يروون عنه أحاديث الأحكام، ما الذي جاء بـالدالاني هنا؟ قد يأتي شخص وينظر في الدالاني في كتب الرجال وينظر في الألفاظ ثم يحكم على حديثنا هذا بالصحة، ولا ينظر للمتن ولا ينظر بالنسبة لشيخه، فلهذا نقول: انظر للراوي في ذاته، ثم انظر إليه بالنسبة لشيخه، وهذا تقييد من تلك الأحكام، ثم انظر له بالنسبة لشيخه بالنسبة للمتن الذي روى، وهذا يعطيك حكم بالتدقيق على باب ضيق من أمور الرواية، فلهذا تجد الأئمة كـالبخاري و أحمد وغيرهم حكموا على هذا الحديث بالنكارة وحملوها الدالاني ، وجزم البخاري وأبو حاتم والإمام أحمد وغيرهم على أن هذا الحديث ليس بشيء، وأنه من أوهام الدالاني ، بينما تجد الأئمة أنفسهم يقولون على الدالاني : إنه لا بأس به، ولكن في هذه النسبة لا نقبل حديثه؛ لهذا يقول الإمام البخاري : لا أعلم للدالاني سماعاً من قتادة ، لكن من جهة الإمكان ممكن، ومعنى هذا أنه ليس له حديث يذكر عن قتادة ، و قتادة في بلد مليء بالرواة، يتلقفون عنه الأحكام والفتاوى التي تروى عنه، فأين الفتوى التي تعضد هذا الحديث التي لا بد أن تأتي عنه؟ و قتادة يرويه عن أبي العالية رفيع بن مهران ، و أبو العالية رفيع بن مهران هو من الطبقة الأولى من التابعين، طبقة متقدمة، و أبو العالية رحمه الله في سماع قتادة منه نظر، وأعلم الناس بحديث قتادة شعبة الذي فحص أحاديث قتادة ، ويقول قتادة : لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، ما عدا ذلك ليس من حديثه، وليس منها هذا الحديث.

    فإذا قلنا: إن أبا العالية رفيع بن مهران في طبقة متقدمة، ويعد من جهة الطبقة العمرية في طبقة الصحابة كالسني لكنه لا يوفق إلى أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قد قدم إلى أبي بكر وسنه ربما أكبر من بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة السن، فالأولى أن يروي عنه الكبار مثل هذا الحديث.

    كذلك أيضاً في هذا الحديث عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى وله أصحاب كثر رووا أحاديث النوم عنه ولم يذكروا هذا ( إنما الوضوء على من نام مضطجعاً ) لم يأت في هذا الحديث، وأيضاً هذا الحديث هو في قصة واحدة وهي قصة مبيت عبد الله بن عباس عند خالته ميمونة ، وهذا في الصحيحين من حديث كريب مولى عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عباس ، وجاء أيضاً من وجه آخر، من حديث محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس ، وليس فيها: ( إنما الوضوء على من نام مضطجعاً )، وإنما قالوا: ( نام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفخ، ثم قام فصلى ولم يتوضأ)، ما ذكروا الإضافة، ( فقلت: يا رسول الله! إنك لم تتوضأ. قال: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً )، فما جاءوا بهذا التعليل والتسبيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء، وإنما اكتفوا بحكاية الحال.

    ووجه أيضاً من وجوه التعليل في هذا: أن البخاري و مسلماً أخرجا هذا الحديث حديث عبد الله بن عباس ، ولم يوردا هذه اللفظة مع الحاجة إليها، وقطعاً أنهما قد وقفا عليها، ولهذا الترمذي قد سأل البخاري عن هذا الحديث، فأنكره، ويظهر والله أعلم أن هذا الحديث قد يكون موقوفاً على عبد الله بن عباس ، وأعله البخاري بالوقف أيضاً، وذلك أنه يرويه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عبد الله بن عباس من قوله لا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الخلط بين فتوى الصحابة ورفعها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم

    وهنا فيه إشارة من إشارات التعليل أن بعض الرواة الذين ليس لهم دراية يجعلون فتاوى الصحابة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لعدم خبرتهم في باب الرواية، وأنهم ليسوا بأهل دراية ومخلون في أبواب الرواية، فيخلطون بين الفتيا وبين الرواية، ويظنون أن كل قول يروى عن هذا الجيل الصالح أنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لضعف أهليتهم في مسائل الاجتهاد، والإنسان إذا كان ضعيف الاجتهاد، تعلمون حال العامة إذا أفتى شيخ من الشيوخ أو عالم من العلماء في مسألة فيقولون: أكيد عنده دليل، فيجعلون قوله مرتبط بدليل ولا يقول شيئاً من عنده.

    لهذا من وجوه التعليل في مسائل الوقف والرفع عند الرواة الذين ليس لهم دراية أنهم يجعلون الموقوف مرفوعاً وهي من هذا الباب، أكيد عنده دليل، ويجعلون هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من مواضع الحذر عند الوقف والرفع، فـالدالاني ليس من أهل الفقه والدراية، وقد جعل ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عن عبد الله بن عباس وعن غيره صحيح.

    وهنا سؤال يقول: يعله بالقرينة يقول: كيف جاء عن عبد الله بن عباس مع أنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام بالإطلاق، أيهما يعل الآخر؟

    والجواب: نعم، لكن عبد الله بن عباس ما حكى هذه الحكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إشارة للمستمع أن يبين له أن مثل هذا النوم لا ينقض الوضوء؛ فلهذا جاء به على هذا السياق للاستدلال فقط، لكن يقال: إن قول عبد الله بن عباس لا يعارض فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    وقوله: ( إنما الوضوء على من نام مضطجعاً )، حمل على الأغلب، وأقوال الصحابة عليهم رضوان الله ليست في مسألة التدقيق والاحتياط كأقوال النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا يشدد العلماء في المرفوع، ولا يشددون في الموقوف؛ ولهذا الموقوفات فيها توسع من جهة الرأي، ومن جهة الإطلاق، أما النبي عليه الصلاة والسلام فإنه أوتي جوامع الكلم، ولهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم للواحد كقوله للجماعة، بخلاف عبد الله بن عباس فقوله يتباين، لهذا إنما أراد أمراً معيناً من مسائل النوم، وهو التغليب؛ فلهذا ينبغي أن يفرق بين مواضع الكلام في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة في مسألة التعارض، فيقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قيد ينبغي أن يحمل التقييد، فما يأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الوضوء على من نام مضطجعاً )، هذا تقييد للنقض، أنه على المضطجع فقط ولا ينبغي أن يؤخذ بعمومه، وأما ما جاء عن عبد الله بن عباس فلا ينبغي أن يؤخذ بذلك، أولاً لعدم القطعية.

    ثانياً: أن عبد الله بن عباس قد يفتي لمخصوص بعينه بحال بعينها، والنبي عليه الصلاة والسلام ألفاظه محمولة على العموم بخلاف غيره.

    1.   

    حديث: (من مس ذكره وأنثييه ورفغيه فليتوضأ)

    الحديث الرابع: حديث عروة بن الزبير عن بسرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من مس ذكره وأنثييه ورفغيه فليتوضأ ).

    هذا الحديث رواه الدارقطني في كتابه السنن من حديث عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث ذكر الأنثيين والرفغين فيه منكر، بل فيه ما يظهر أن نسبة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شبيه بالموضوع، والوهم في ذلك من عبد الحميد ، الرفغان هما: مسافط الجلد التي تكون في الركب وتكون في اليدين، تكون في الفرج تسمى رفغاً، وهي في الغالب أنها تكون موضع تجمع النجاسة ونحو ذلك، فجاء على لسان بعض الفقهاء من التابعين وغيرهم القول بأن من مسها أي: دنا من موضع النجاسة فعليه أن يغسل، وهذا فيه نظر.

    عموماً هذه اللفظة بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الأنثيين والرفغين منكرة، وذلك أن الذين يروونه يخالفون بذلك عبد الحميد في روايته عن هشام ويجعلون ذلك من قول هشام ، رواه عن هشام بن عروة مالك بن أنس و حماد بن زيد و أيوب بن أبي تميمة السختياني و عبد الرزاق كلهم رووه عن هشام بن عروة عن أبيه من قوله، فجعلوا ذلك من قوله ولم يجعلوه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنكر رفعه جماعة من العلماء كـالدارقطني في كتابه السنن، وقطع أن ذلك وهم وغلط، و كذلك البيهقي عليه رحمة الله.

    ومن القرائن في نكارة المرفوع أن هذا جاء فتيا موقوفة على عروة من غير اقترانها، تارة تأتي في الحديث مدموجة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من مس فرجه فليتوضأ )، وجاءت عند عبد الرزاق في كتابه المصنف منفردة عن عروة في الأنثيين والرفغين فقط، وجاء من حديث عبد الرزاق عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: من مس فرجه وأنثييه ورفغيه فليتوضأ، فجعل ذلك من قول عروة بن الزبير لا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من المواضع التي يؤثر فيها النظر في فقه الراوي على مرويه في المرفوع.

    ومن وجوه النكارة أيضاً: أن الرفغين ليستا من مواضع النجاسة، وإذا جاء المرفوع في ذلك إشارة إلى موضع التنجس، وكذلك أيضاً أن الرفغين تعم به البلوى ربما أكثر من الذكر، فينبغي أن النص يأتي في ذلك أظهر من مس الذكر، وذلك أن الإنسان في يده وفي ركبته وفي قدمه، وفي قضاء حاجته ونحو ذلك يمس مواضع المسافط من الجلد، وهذا مدعاة إلى طلب الدليل في هذا، فلما لم يرد الدليل وجاء في مثل هذا الطريق، وتفرد بذلك عبد الحميد عن هشام بن عروة دل على نكارة هذا الطريق وأنه ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأمر بالوضوء في ذلك هو على سبيل الاحتياط، ولعلهم أرادوا بالوضوء أيضاً غسل اليد؛ لأنهم يتجوزون ويسمون غسل اليدين وضوءاً، وربما يحكون أن التمضمض أيضاً وضوء، ولو لم يتوضأ الوضوء التام، وهو صحيح في لغة العرب قبل أن يكون عليه الاصطلاح ويجري عليه عرف الناس، وهذا من مواضع النكارة.

    ومن مواضعها أيضاً: أن هذا لم يرد عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا لو وجد حكماً على سبيل الإلزام هنا خاصة مع قرنه بالفرج، والفرج أقوى منه حكماً لورود الأدلة في ذلك فهذا دليل على نكارته مرفوعاً، بل وعلى عدم القول بالوضوء من غسل الرفغين والأنثيين، وأن القول بذلك مخالف لفتيا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسكوتهم عن أمثال هذه المسائل مع الحاجة إليها من المواضع التي يعلم بها نكارة الحديث ونكارة المتن وذلك من خلال الرجوع إلى ما عليه فتيا الأئمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم.

    كذلك أيضاً: فإن هشام بن عروة راوي هذا الحديث، و حماد بن زيد و أيوب بن أبي تميمة السختياني و مالك بن أنس هؤلاء كلهم من أئمة الفقه، ومن أئمة الدراية، وهؤلاء هم أضبط الناس وأحرص الناس بمعرفة الدليل المروي في الأحكام في مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ثبت لديهم مرفوعاً لرفعوه، والواحد منهم يفوق عبد الحميد في روايته هذه، كيف وقد اجتمع أولئك، ومثل هذا يحرص الأئمة على ضبطه والعناية به وتثبيته.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.