إسلام ويب

لامية ابن الوردي [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كتب الله عز وجل الموت على الخلق كلهم، فكل ما على هذه الأرض فانٍ، وقد فطر الله عز وجل الناس على تذكر أيام الصبا لذاتها وآلامها، ومن رحمته بهم أن جعلهم يتذكرون اللذات وينسون الآلام. والغناء واللهو والطرب محرم على الرجال والنساء إلا أنه يرخص للنساء بضرب الدف في الأعراس وغيرها من المناسبات، وعلى الإنسان أن يتقي مواطن المحرمات، ويأتي بالواجبات وما افترضه الله عليه.

    1.   

    معرفة الآداب في حياة المسلم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    فهذه الرسالة تسمى بلامية ابن الوردي ، وهو عمر بن مظفر بن عمر بن أبي الفوارس بن الوردي ، من أئمة القرن السابع والقرن الثامن الهجري، حيث ولد عام ستمائة وتسعة وثمانين، وتوفي عام سبعمائة وتسعة وأربعين للهجرة.

    وهذه اللامية هي نحو من سبعين بيتاً من الشعر، وقد تضمنت كثيراً من الآداب والسلوك التي حث عليها الشرع، وحثت عليها الفطر السوية؛ ولذلك جمع فيها المصنف كثيراً من الآداب.

    وينبغي للعالم والمتعلم أن يظفر بالآداب ومعرفة دليلها من الشرع والطبع، فإن الله سبحانه وتعالى قد فطر الناس على فطر سليمة، مستقيمة سوية، تعرف الخير، وتنكر الشر، وقد جاءت الشريعة بما تعرفه النفوس فشرعته، وجاءت ببيان الشر فأنكرته؛ ولذلك قد يكون للنفس نزوات تخالف ما جاء في الشرع.

    وسيأتي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دلالة الناس إلى الخير وإرشادهم إليه، وقد وصف الله عز وجل هذه الأمة بالخيرية فقال سبحانه وتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ [آل عمران:110]، وهذا يكون لنزوات النفس التي تخالف الصراط المستقيم وتحيد عنه، وغالباً ما يكون هذا من النفوس التي تقر بالمخالفة، فمن يقع في السرقة أو في الزنا أو الكذب أو الغيبة أو النميمة أو غيرها من المحرمات هو مقر بذلك؛ لأنه يعلم أنه قد أتى شيئاً تنبذه النفوس، فإنه لا يرغب لنفسه أن يخدع وأن يسرق، وأن يكذب عليه، وأن ينمى أو يطعن في عرضه، وقد جاءت الشريعة بحماية العقل وحماية الدين وحماية النفس وحماية العرض وحماية المال، وهذه هي الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها.

    1.   

    غرض ابن الوردي من نظم هذه الأبيات

    وقد أراد المصنف عليه رحمة الله تعالى في هذه المنظومة أن يدل على سبيل الحق في باب السلوك والتربية وتهذيب النفس ونحو ذلك، بعيداً عن الأحكام الشرعية في باب الحلال والحرام والفقه، وهذا باب يحتاجه الناس عامة، ويحتاجه الخاصة أيضاً؛ ليتبصروا بمواطن السلوك الحق، ودرجة سلوكه والحذر منه، وما تكرهه الطباع، وما لا تكرهه.

    وقد جاء في الشرع باب الحلال وباب الحرام وباب المتشابهات، وجاء ما يسمى في الشرع بالمروءة، فإن النفس لها مروءة، وإن كان هذا الأمر لا يدخل في باب الحلال والحرام إلا أن النفوس مجبولة على موافقة ومحاكاة غيرها، وهذا معلوم بالضرورة، فإن النفس تحاكي الغير، وإذا شذ أحد الناس في المجتمع بسلوك أو فعل فإن من النفوس من تحاكيه، وإن لم ينكر عليه ويبين ما هو عليه من باطل فإن النفس تحاكيه، ثم يحاكيه الآخر، والمنكر والخطأ لا ينتشر في الناس إلا أن واحداً فعل أو قال، والآخر سكت على ذلك الفعل أو القول، فانتشر الفساد في الناس.

    والمصنف عليه رحمة الله تعالى قصد إلى بيان التربية والسلوك والأخلاق الحميدة التي دلت عليها الشريعة ودلت عليها الفطر السليمة.

    1.   

    اعتزال الأغاني والغزل

    قال المصنف رحمه الله:

    [اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل]

    قوله: (اعتزل) الاعتزال هو البعد والانفراد، وهي محمودة في مواطن كثيرة، منها حينما يختلط الخير بالشر، ولا يعرف الإنسان الخير من الشر إما لجهله وإما للفتنة العامة التي حلت بالناس ونحو ذلك.

    ذكر العزلة في السنة النبوية

    وقد امتدح الله عز وجل العزلة في كثير من المواطن، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم من يأتي في أوائل صدر الإسلام، وفي نهاية الزمن بأنهم غرباء فقال: ( طوبى للغرباء )، وقال مادحاً العزلة كما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد : ( يوشك أن يأتي على الناس زمان يكون خير مال الرجل غنم يتتبع بها شعف الجبال )، وهذا يدل على أن العزلة محمودة في بعض الأحيان، إلا أن مخالطة الناس هي الأفضل، وفي ذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم )؛ لأن مخالطة الناس فيها دلالة إلى خير، وحث على المعروف ورد عن الفساد والمنكر، ولو كان كل صاحب خير اعتزل لبقي في الناس الفساد وانتشر.

    المواطن التي يحمد فيها الاعتزال

    والعزلة ليست بمحمودة في العموم إلا في مواطن معدودة:

    من هذه المواطن: أن يختلط الخير والشر على الإنسان، فلا يستطيع أن يميز خيراً أو شراً، فحينئذٍ يكون الاعتزال ممدوحاً، وقد صنف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذه الباب مصنفات، وللإمام الآجري عليه رحمة الله كتاباً سماه (العزلة في بيان مواطن العزلة المحمودة في الشرع)، والتي ينبغي على الإنسان أن يسلكها في حال من الأحوال، ولما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعظم الخلاف كان هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل الاعتزال.

    وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص أن أباه اعتزل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وذهب ليعيش وحده خارج المدينة، حتى لامه في ذلك، فبين أن لديه أثراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، وقد جاء هذا عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم أبي ذر و أبي الدرداء عليهم رضوان الله تعالى.

    ومن المواطن التي يفضل ويستحب فيها الاعتزال: أن يكون الإنسان لا يطيق المنكر أن يراه إلا وقد وقع فيه، وهذا يكون عند النفوس الضعيفة التي لا تقاوم منكراً، ومعلوم أن الله عز وجل قد جعل في الدنيا من الفتن والبلاء والمغريات ما لا يستطيع الإنسان مقاومته، والله عز وجل قد جعل في نفس الإنسان وازعاً، وجعل له من الشرع وازعاً كذلك، فالوازعان اثنان: وازع الشرع ووازع الطبع، ووازع الشرع هي النصوص التي تحذره من الوقوع في المنكر، أما وازع الطبع فهو النفرة من ذلك المحرم الذي حذر الله عز وجل منه؛ لأنه يخالف فطر الناس السليمة.

    وهذان الوازعان إن اجتمعا في قلب الإنسان فإنه يأطره على الحق أطراً، ويبعده عن مواطن الشر والفتنة، وإن ضعف الإنسان في هذين الجانبين فإنه يشرع له الاعتزال والبعد عن الناس.

    الاعتزال المخصوص

    وثم اعتزال مخصوص في حالة معينة، وهو اعتزال بعض الأفعال والمنكرات كاعتزال بعض المجالس التي يخاض فيها بالمحرم، كما نهى الله عز وجل عن مخالطة الذين يخوضون في آيات الله ويستهزئون بها، بل جعل الله عز وجل حكمهم كحكمهم: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140]، أي: في باب الحكم؛ لأن الغالب أن من جلس مع شخص يخوض في آيات الله عز وجل استهزاءً أنه راضٍ بذلك، وإلا لما جلس في ذلك المجلس، إلا إن كان صاحب إنكار فينكر ذلك المنكر، وحينئذٍ يقال: إن الاعتزال في مثل هذه المواطن هو اعتزال مخصوص، واعتزاله لهذه المجالس هو اعتزال لذلك الفعل.

    وقد يكون الاعتزال اعتزالاً لفرد، كما حث الشارع على البعد عن جلساء وخلطاء السوء، فحذر الشارع من مخالطة أصحاب الفساد وأصحاب المنكر، والنبي عليه الصلاة والسلام شبه صاحب السوء بنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن يحذيك ريحاً سيئة.

    وهذا النوع الذي أشار إليه المصنف عليه رحمة الله تعالى هنا هو من الاعتزال المخصوص.

    المراد بالأغاني والغزل

    وقوله: (ذكر الأغاني والغزل) الأغاني جمع غانية، وهي الجارية الفاتنة التي تصرف الإنسان عما يحتاج إليه في دينه ودنياه، فيكون حينئذٍ قد اتبع شهوته، وما اتبع عقله، وهذا من الاعتزال المخصوص.

    وأما الغزل فمراده بذلك الألفاظ التي يتغزل بها الإنسان بوصف مفاتن النساء والجواري؛ مما يجعل الإنسان من سقطة الناس، ولسانه بذيئاً لا يحمد.

    أهمية صون اللسان وحفظه

    والمصنف عليه رحمة الله تعالى أشار إلى هذا المعنى وهذا الباب؛ لكي يكمل للإنسان لسانه، ويظهر هنا أنه ابتدأ بصون اللسان، وهو من أعظم ما يوبق الإنسان أو يرفعه، ويقال في المثل: لسانك حصانك إن صنته صانك، وإن خنته خانك، وهذا معناه أن اللسان إما أن يرفعك وإما أن يضعك، وهو دليل على العقل، وتسمى الألسنة مغاريف، والعقول قدوراً، فهذه المغاريف تدل على ما في القدور، وإذا أراد الإنسان أن يغرف من قدر، فإن المغراف لا يخرج إلا ما في القدر، ولا يخرج شيئاً آخر، وإذا تكلم الرجل بلسانه بكلام بذيء دل على سوء عقله ونقصانه، وإن تكلم بخير دل على رجاحة عقله واتزانه، وهذا ظاهر ومعلوم عند الناس عامة شقيهم وسعيدهم.

    اعتزال كتب الأغاني والغزل

    وينبغي للمرء كما أنه يبتعد في هذا الباب، كذلك عليه أن يبتعد عن القراءة في مثل هذه المعاني، كقراءة الكتب التي تصنف في الغزل والأغاني، فيبتعد عنها كلها، وكل ذلك مذموم غير ممدوح في العقل والشرع، والإنسان إذا عدل النظر بالقراءة في المعاني السيئة في هذا الباب، فحينئذٍ يتشرب قلبه من تلك المعاني السيئة من حيث لا يشعر، ويجري ذلك على لسانه.

    ولا زال الناس من أهل العلم والأدباء يصنفون في هذا الباب الغث والسمين، ومن هذا الباب مصنف صنفه الإمام الأصفهاني عليه رحمة الله تعالى سماه الأغاني، قد ملأه بالفحش والبذاءة، وإن كان من كتب الأدب المشهورة المعروفة التي يثني عليها العلماء عليهم رحمة الله تعالى، فهو من باب قوة العبارة والأدب العالي الرفيع الذي يذكر أدب الجاهليين ومن جاء في صدر الإسلام لما فيه من معانٍ قوية وجميلة، لكنه صاحبه قد ملأه بالمجون والحكايات الباطلة التي يستحي الإنسان من ذكرها، وقد صنف أحد العلماء الهنود كتاباً سماه (السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني)، ذكر فيه ما يذم عليه في كتابه، وما وضعه فيه من لوثة بالألفاظ والحكايات والمعاني.

    1.   

    الاختصار في القول واعتزال من هزل

    قوله: (وقل الفصل) أي: اختصر في القول، ومن المعلوم أن الإنسان كلما زاد في التفصيل وأكثر في الكلام وقع في الخطأ، وكلما اختصر في قوله قل خطأه وأصاب، وينبغي على الإنسان أن يختصر في قوله، وألا يسهب، فإن كثرة الكلام تدل على ورود الخطأ فيه، ومما ينسب لـعلي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى- ولا أعلم له إسناداً عنه- قال: خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل.

    أما الإسهاب في إيصال المعنى أو العبارة للمتلقي، أو الحديث بأمر ليس بمختصر، فيختصره الإنسان في عبارات يسيرة، فهذا مما هو مذموم؛ لأنه يوقع الإنسان في الخطأ.

    وقوله: (وجانب من هزل) أي: ابتعد عنه، وهذا ضرب من ضروب العزلة، أن يعتزل الإنسان من وقع في الهزل، ولم يكن أمره أمر جد، والغالب على أمر المؤمن القوي أن يكون عازماً حازماً صادقاً لا هازلاً، والنبي عليه الصلاة والسلام ما كان هازلاً قط، نعم قد يمزح، لكنه لا يمزح إلا بحق، ولا يمازح أحداً من أصحابه إلا بصدق، أما كثرة الهزل فإن غلب على الإنسان فإنه يسقطه في أعين الناس.

    1.   

    تذكر أيام الصبا

    قال المصنف رحمه الله:

    [ ودع الذكر لأيام الصبا فلأيام الصبا نجم أفل

    إن أحلى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل]

    قوله: (ودع الذكرى لأيام الصبا) أي: لا تتحدث بما مضى، ولا تلهيك عن يومك، فالإنسان ابن يومه، ويجب عليه أن يستغل يومه فيما ينفعه.

    وفي الصبا تمر على الإنسان أيام جميلة وحلاوة ذكرى، مما يرغب في ذكره والإكثار من ذكره، حتى يشغل الإنسان عما ينفعه في يومه وغده، وذلك أن صاحب التذكر للأيام الماضية والإكثار من ذلك مذموم حتى عند الناس؛ لأنه قد عطل نفسه، وأخذ يذكر إما مجداً له أو مجداً لأبيه ونحو ذلك، وهذا غير ممدوح، فالفتى من يقول: هأنذا، لا من يقول: كنت أو كان أبي.

    فطرة الناس على تذكر أيام الصبا

    وقد فطر الله عز وجل الناس وجعل فطرهم أنها تحب العودة إلى أيام الصبا وتلتذ بها، بل أنها تحب ما مضى ولو كان مراً، وهذا مجبول عليه الناس ومفطورون عليه، بل أنهم حينما يمرون على سوء في أيامهم يتذكرون حلاوة الماضي، ولا يتذكرون سوءه، ولا يتذكرون إلا الخير، وإن تذكر السوء تذكره بحلاوة وطراوة.

    و عامر بن شراحيل الشعبي وهو من أئمة التابعين، وقد أدرك علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى يقول:

    يا زماناً بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه

    وهذا لا يدل على أن ما مضى حلو، ولا أن ما هو فيه فيه من المرارة ما فيه، لكن ما هو فيه من مرارة ونكد لا يستحضر إلا ذلك الفعل، أو تلك الحال التي هو فيها، وينسى ما مضى وإن كان مراً أو شديد المرارة.

    وقد يمر على الإنسان من اللأواء والشدائد فيتمنى ما مضى وإن كانت أشد مرارة، لماذا؟ لأنها قد غابت عن ذهنه ولم يستحضرها، وهذا معلوم ومشاهد في أحوال الناس، فإن الناس يحبون الماضي وإن كان فيه قسوة وعدم راحة بال، ويريدون هرباً مما هم فيه فقط.

    مثل من يتذكر الماضي

    وقد ضرب الله عز وجل في كتابه العظيم أعظم مثال على أن الإنسان حينما يتمنى الماضي ويتذكره أنه لا يلتفت له؛ لأن الإنسان يعيش لحظته، ولا يدرك غيرها، والماضي مهما كانت مرارته فلا يخطر على بال الإنسان ما فيه من مرارة، وقد وصف الله عز وجل حال الكفار فقال: (( وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ )) أي: يوم القيامة وهم على شفير جهنم: فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام:27]، فيتمنون أن يعودوا إلى هذه الدنيا، ونحن نريد على نمثل أن الإنسان ينسى، وإن عاين الشيء وعاين الخطورة ينسى ما رآه من هول ومصائب وكوارث، فقال الله عز وجل عنهم: بَلْ بَدَا لَهمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28]، فبعد أن رأى النار يحطم بعضها بعضاً بكلاليبها وحرها، وما جعل الله عز وجل فيها من العذاب الأليم، رآه الإنسان عياناً، ثم يتمنى أن يعود للدنيا؛ لكي يعمل صالحاً، لكن الله عز وجل يقول: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28]، أي: أن الإنسان ينسى، فيعيش لحظته، والماضي لا يدركه كما يدرك الحقيقة، والإنسان هو عين اليقين، فثمة تكذيب، وثمة شك، وثمة ريبة، وثمة ظن، وثمة غلبة ظن وثمة يقين، وثمة عين اليقين وهو أعلى الدرجات، وهو أن يعاين الإنسان الحقيقة، ولا يوجد بعد هذا اليقين شيء، فإن عاينها، وإن كانت في أعلى درجات المرارة، ثم تجاوزها فإنه لا يتذكرها كما يتذكر غيرها، بل ربما لو شاكته شوكة لتمنى تلك الأيام؛ لأنه يعيش ذلك الألم فقط وينسى.

    نسيان المصائب والآلام

    وقد سمى الله عز وجل جماعة الناس أو الجماعة من الإنس ناساً؛ لنسيانهم، وهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى على الإنسان أنه ينسى، ولو لم ينسَ الإنسان المصائب وما يحل فيه من بلاء وفتنة لما عاش الناس إلا مغمورين، ولكن الله عز وجل ينسي الإنسان مصائبه، وما حل فيها من فاقة وموت قريب ونحو ذلك، ولو استحضره في تلك اللحظة لتقطع قلبه كمداً، ولكن الله عز وجل رءوف بعباده، ولذلك المصنف عليه رحمة الله تعالى قال هنا: (دع) ما مضى؛ لأنه قد سطر عليك وانتهى.

    إذاً قوله: (دع الذكرى لأيام الصبا) أي: لا تذكرها، وهنا يمثل فقط، فعليه أن يدع الذكرى لأيام الصبا التي لا تغني الإنسان، والإنسان ليس هنا ممنوعاً أن يذكر أيام صباه ويذكر أيام ما مضى من التاريخ، لكنه لا يشغل نفسه بحكايات الصبا ويتمناها، وهو ابن يومه ومخاطب ومحاسب على ذلك.

    وقوله: (فلأيام الصبا نجم أفل) الأفول هو الانصرام، يقال: أفل النجم إذا غاب، وأفلت الشمس إذا غابت، وكذلك القمر، فنجم الصبا حينما يأفل انقضى وجف القلم به، فينبغي للإنسان أن ينشغل بيومه، ولا ينشغل بغير ذلك.

    1.   

    ذهاب اللذة وبقاء الإثم وشؤم المعصية

    قال المصنف رحمه الله:

    [إن أحلى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل]

    أي: أن الإنسان ينسى اللذة، والله عز وجل قد جعل الجنة محفوفة بالمكاره، والنار محفوفة بالشهوات، وهذا من موطن الفتنة والامتحان والاختبار.

    والله عز وجل قد جعل الإنسان ينسى اللذة وينسى الألم، وهذا كله من رحمة الله سبحانه وتعالى، فالإنسان حينما يدع لذة من لذات الدنيا لأجل الله سبحانه وتعالى وجعله ينساها، فهو كمن أخذها وتمتع بهذه اللذة من الغد، جعلهم سيان في العقل والفكر، وقد جاء في الخبر: ( يؤتى بأغنى أهل الدنيا وأنعمهم، فيغمس في النار غمسة من أهل النار، فيقال له: هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب. ويؤتى بأشد أهل الدنيا بأساً وأشقاهم من أهل الجنة، فيغمس في النار غمسة فيقال له: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا يا رب )، ولهذا الإنسان ينسى النعيم وينسى الجحيم الذي مر به، والمعصية لذتها وقتية، ولكن عقابها أمدي سرمدي إن كان من أهل النار، وإن كان من أهل الإيمان إن شاء الله عز وجل عذبه، ولكنها تبقى في قلب الإنسان حسرة في هذه الدنيا، وللمعصية ذنب وشؤم على قلب الإنسان، وغشاوة وران عليه حتى يغلب ذلك عليه، ويكون من أهل المعصية وأهل الذنوب، بل ربما كان من أهل النار قطعاً إن ارتكب شيئاً يكفره ويخرجه من دائرة الإسلام.

    والذي يريده المصنف عليه رحمة الله تعالى هنا أن الإنسان مهما تمتع بالحرام واستلذ به إلا أن تلك النعمة تزول بلحظتها، ويبقى شؤمها في قلب الإنسان، وعاقبتها يحاسب عليها الإنسان يوم القيامة، والدنيا دار امتحان واختبار، وقد فطر الله عز وجل قلب الإنسان على ملذات، ومنعه منها، وفطره على تتبع بعض الأمور ومنعه منها، والإنسان يكره الكلفة والمشقة، وقد سمى الله عز وجل الأوامر الشرعية تكاليف، قال سبحانه وتعالى: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فسماها تكاليف، لكنها بالوسع، أما إذا خرجت عن طاقة الإنسان ووسعه، فالله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها.

    1.   

    عدم إدراك الإنسان للحكمة من بعض التشريعات

    والله عز وجل اختبر الإنسان بما حف بالجنة من مكاره، واختبره بما حف بالنار من شهوات، فالإنسان يسعى إلى شهواته ونزواته، ويريدها ويريد تحصيلها، والله عز وجل قد منعه من ذلك، وفتح له باب عوض، فحرم عليه الزنا، وأباح له النكاح، وحرم عليه أكل الربا، وأحل له البيع، فما من شيء يحرمه الله عز وجل إلا ويفتح للإنسان باباً آخر، لكن قد يفتح باباً من أبوب الشر، ويكون ذلك الباب أوسع من الخير امتحاناً وفتنة للناس.

    لكن قد يقول قائل: ولم؟

    يقال: لحكمة بالغة، فالإنسان لا يسعى لمعرفة الحكم، وإن كان لا يؤمن إلا بحكمة فهذا ضرب من ضروب الاعتزال، وهذا الموطن هو الفيصل بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ومن ذلك لماذا كفر كفار قريش، وألحدوا بدين محمد صلى الله عليه وسلم؟ ومالوا عن الحق وعن جادته إلى طريق الغواية والضلال؟ لأنهم ما رأوا الحكمة والبينة، وقد خاطبهم بعقولهم، قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275]، فما علموا الحكمة الشرعية التي حرم الله عز وجل لأجلها الربا، وأحل الله عز وجل البيع.

    والله عز وجل يحرم المحرمات ويبين الواجبات، ولكنه لا يبين الحكمة من ذلك التشريع في كل حين، ولو بانت الحكمة كالشمس لكل الناس لما ضل عن الشريعة إلا المجانين، ولكن الله عز وجل بين الحكمة لبعض الأحكام الشرعية، ولما يعرف حكمته فإن الإنسان يزداد بذلك إيماناً ويقيناً.

    والله عز وجل قد أيد محمداً صلى الله عليه وسلم ببعض المعجزات والخوارق، وبعض الحكم البينة التي يعجر الإنسان عن إدراكها وكنهها ومعرفة حالها؛ لكي يأخذ الإنسان منها وعمن غاب، أما من يتتبع جميع الأحكام ويريد لكل حكم علة فهذا يطلب محالاً، وهذا ضرب من ضروب الاعتزال، ويسعى بالإنسان إلى الإلحاد والخروج من الملة والعياذ بالله.

    ومن رغب أو طمع في أنه يعرف لكل حكم شرعي حكمة أو علة لأجلها جاء هذا، فهذا من الخطر، وهذه بداية طريق الاعتزال، ولذلك ضل الكفار بتتبعهم للحكم، والله عز وجل ما جعل الإنسان بهيمة تنقاد، ولكن جعل له عقلاً يميزه أن الله عز وجل حرم هذا الأمر لتلك العلة، وأمر بهذا الأمر وهذا التكليف لتلك الحكمة البالغة، وأمر بذلك الأمر وغيب الحكمة، ونهى عن ذلك المحرم، وغيب الحكمة ليأخذ من هذا إلى هذا، فيزداد بذلك بصيرة، والإنسان إذا بان له في أمر واحد أمر الله عز وجل به حكمة بالغة عظيمة لا يمكن أن تصدر من بشر، فإنه يجريه على ما يأتي، والله عز وجل أيد محمداً صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، وأيد أولياءه بالكرامات.

    والإنسان إن آمن بالإطلاق فإن يؤمن بكل شيء وإن لم يدرك حقيقته، بل وإن كان يرى خلافه، أو لم يتبصر بتلك العلة أو الحكمة، أو وقع في قلبه شيء من عدم الرؤية بالظاهر، لكنه يؤمن بذلك حقيقة، ولذلك أبو بكر الصديق إنما بلغ درجة الصديقية؛ لأنه أطلق باب التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به من غير نظر لعلة أو حكمة، ولذلك كان صديقاً عليه رضوان الله تعالى من هذا الباب، فلما قال له كفار قريش: (إن صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس، قال: والله لو قيل لي أنه عرج به إلى السماء لصدقته)، وهذا يدل على التصديق المطلق، والتسليم لله سبحانه وتعالى.

    وكذلك عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى لما أرسله النبي عليه الصلاة والسلام يتتبع المرأة التي معها الرسالة إلى كفار قريش من أهل مكة، فلما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يغزوهم -كما ذكر ابن إسحاق في السير - قال: تبعها، فجاءها ولم يجد معها شيئاً، وقال: (والله لا يكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أخرجيها وإلا عريتك، فأخرجتها من ضفائرها)، كما جاء في الرواية؛ لأنه قطعاً النبي عليه الصلاة والسلام لا يكذب، وهذا تسليم مطلق، ولا يقع في قلبه ريب أو شك.

    وقد ذكر النسائي عليه رحمة الله في السنن وابن إسحاق في السير بإسناد لا بأس به (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في ليلة من الليالي جالساً مع عائشة عليها رضوان الله تعالى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كيف بإحداكن..)، أي: أصحاب الحجر، ومعلوم أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام في حجرات، يعني: حجرات متجاورة، ولا تفتح حجرة منهن على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حجرة عائشة ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( كيف بإحداكن إذا نبحت عليها كلاب الحوأب )، والحوأب بلدة على طريق الذهاب إلى العراق، وكانت عائشة في المدينة فقالت: (يا رسول الله! كيف بنا وما يذهبنا إلى هناك؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما أظنه إلا أنت يا حميراء ).

    وتوفي النبي عليه الصلاة والسلام، وجاءت خلافة أبو بكر وانقضت، وجاءت خلافة عمر وانقضت، وجاءت خلافة عثمان وانقضت، وجاءت خلافة علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى، وجاءت عائشة عليها رضوان الله تعالى، وجاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا لها: وقعت فتنة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحثوها على الخروج إلى العراق إلى الكوفة، فلا زالوا بها حتى ركبت الناقة، وعلى تلك الناقة، وسميت واقعة الجمل، فركبت الناقة، وفي طريقها لما أقبلت إلى العراق سمعت نباح كلاب في ليلة من الليالي، فقالت: ما هذه البلدة؟ قالوا: الحوأب، فتذكرت كلام النبي عليه الصلاة والسلام من عقود فبكت، ولا يعلم من حولها بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يعلمون ما بها، فسقطت حتى حملت مرة أخرى، فتذكرت قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( كيف بإحداكن إذا نبحت على إحداكن كلاب الحوأب؟! قالت: ومن الذي يذهب بنا يا رسول الله؟ قال: ما أظنه إلا أنت يا حميراء)، وهذا إنما غاب عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، لا لأنها قد وقع فيها ريب أو شك من ذلك، لكنها قد استغربت الحال وصدقت بيقين، وغاب عن قلبها استحضار ذلك عند حال الحدوث.

    والله عز وجل قد أيد نبيه عليه الصلاة والسلام بالمعجزات وبالإخبار بأمر الغيب، وجعل أصحابه عليهم رضوان الله تعالى بتلك المنزلة الرفيعة والتسليم المطلق؛ لأنهم ما بحثوا عن علة، بل جزموا يقيناً بأن هذا الرجل الذي صدق في تلك الأمور وبانت العلة والحكمة سيصدق قطعاً في تلك الأمور.

    والنبي عليه الصلاة والسلام لما أخبر عمر بن الخطاب وقال له: ( يأتي وفد اليمن ومعهم رجل اسمه أويس ، فإن لقيته فاستأمره أن يستغفر لك، فإنه رجل كان باراً بأمه )، فلما جاء وفد اليمن في خلافة عمر ، ذهب عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يسأل وفد اليمن: (أفيكم رجل اسمه أويس ؟) وكانت العرب لا تحتك بالرعاة، ولا تتحدث معهم أنفة وكبراً، بل ربما لا يعرفون أسماءهم، (فقالوا: ليس معنا رجل اسمه أويس ، فقال: والله لا يكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ يتتبعهم واحداً واحداً، حتى قال: هل بقي منكم أحد؟ قالوا: بقي رعاة الإبل، فذهب إليهم، فلقي أحد الرعاة اسمه أويس ، فبكى عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وقال: النبي عليه الصلاة والسلام قال لي كذا وكذا، وأمرني أن تستغفر لي ثم دعا له أويس القرني عليه رضوان الله تعالى.

    وغير ذلك مما يدل على التسليم المطلق؛ لأنهم ما نظروا وما التمسوا علة إلى الحكم الشرعي والخبر.

    وما يذكره المصنف عليه رحمة الله تعالى في هذه الرسالة هي من المسلمات التي فطر الإنسان عليها في سائر الشرائع، من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    وما لا ينسخ من التشريعات هي ثلاثة أمور: العقائد، والأخبار، والأخلاق، والمصنف عليه رحمة الله أراد أن يبين في رسالته هذه الأخلاق، والأخلاق لا تنسخ، فالكذب محرم وخيانة في أي شريعة كانت، وكذلك الغيبة والنميمة، أما إكرام الضيف فهو من حسن الخلق في أي شريعة كانت، ولا يكون في شريعة ليس من حسن الخلق، وفي الشريعة الأخرى من حسن الخلق، ولكنه من حسن الخلق ومن مكارمه على سائر الشرائع.

    ومكارم الأخلاق يقال: إنها شريعة الله عز وجل باقية، وتتفق الشرائع كلها على الأخلاق والعقائد، وتختلف في التشريعات، أي: في الحلال والحرام في بعض الأحوال.

    1.   

    الابتعاد عن آلات الطرب واللهو

    قال المصنف رحمه الله:

    [واترك الغادة لا تحفل بها تمس في عز وترفع وتجل

    واله عن آلة لهو أطربت وعن الأمرد مرتج الكفل]

    قوله: (واترك الغادة لا تحفل بها) الغادة هي الجارية التي تفتن في مشيتها (تمس في عز وترفع وتجل).

    وقوله: (واله عن آلة لهو أطربت) أي: انشغل عنها، ولا تشغلك. والمراد بها ما يطرب من الغناء، من الدفوف والآلات والموسيقى واللهو والطرب، وقد نهى الله عز وجل عنها، وسماها الله سبحانه وتعالى لهو الحديث، وكانت العرب حتى في الجاهلية تجعل الغناء والطرب للنساء لا للرجال؛ لأنهم يأنفون منه، ويجعلونه من خوارم المروءة.

    حكم الغناء والطرب وما يرخص فيه من الآلات

    والغناء واللهو والطرب محرم على الرجال والنساء إلا أنه يرخص للنساء بضرب الدف، ويرخص للرجال في الأعراس، والنبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري قد ضربت على رأسه جاريتان بالدف، فدخل أبو بكر و عمر فقال: (أمغنيتان على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليستا بمغنيتين )، وجاء في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود : (أن امرأة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت له: إني نذرت إن أرجعك الله أن أضرب على رأسك بالدف، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أوفي بنذرك )، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا وفاء لنذر في معصية الله )، ولو كان في الضرب بالدف معصية في مثل هذه الحال لنهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه.

    وإذا دعي الإنسان إلى عرس وفيه ضرب بالدف، والدف خاصة، وليست طبولاً وآلات لهو وموسيقى، كالمزمار والعود والطبلة ونحو ذلك، فهذه محرمة في كل حال للرجال والنساء، ويستثنى الدف في المناسبات والأفراح وعند قدوم المسافر ونحو ذلك، فإنه يرخص في هذا، وقد سئل الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى عن رجل يدعى إلى وليمة وفيها ضرب بالدف أيرجع أم لا؟ فقال: لا يرجع.

    وآلات اللهو والطرب تسمى بالأغاني والموسيقى، وهي محرمة باتفاق الأئمة الأربعة، وعلى هذا عامة السلف.

    توجيه ما ورد تسميته بالغناء في بعض الآثار

    وما يسمى بالغناء كما ورد في بعض الآثار تسميته بالغناء أو فلان غنى أو في مجلسه ونحو ذلك، فإنهم يريدون به التغني، والتغني يكون بالعبارة والإطراب بها وتحسين الصوت، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن )، والمراد بالتغني هنا تحسين الصوت، وقد يشكل على البعض بعض الآثار التي جاءت بذكر الغناء، وأن فلان غنى، وأخذ يتغنى ونحو ذلك، والمراد به هو تحسين الصوت، وهذا معلوم في لغة العرب.

    أما آلات اللهو والطرب فإنها تحرم بالإطلاق على الرجال والنساء، ولذلك سماها الله تعالى: لهو الحديث، كما قال عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى: (والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء).

    التفريق بين السماع والاستماع للغناء والطرب

    وقوله هنا: (لهو أطربت) هل المقصود من آلة اللهو الإطراب؟ فإذا كان الإنسان لا يطرب من آلة اللهو يجوز أن يستمع إليها؟ بمعنى: هل هناك فرق بين السماع والاستماع؟

    فرق بعض السلف في هذا، وقالوا: فرق بين السماع والاستماع، فما كان مطرباً يحرم، وما لم يكن مطرباً فلا يحرم، وعلى هذا قالوا: ما أطرب وإن كان من غير آلة لهو فيحرم، وهذا فيه ما فيه، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لـأنجشة لما كان مرتحلاً: ( رويداً يا أنجشة ، لا تكسر القوارير )، والمراد بالقوارير النساء، أي: لا تفتنهن بصوتك الذي أطربت به، وقوله: (رويداً) أي: اسكن قليلاً، فلم يأمره بالسكوت التام والصمت، وهذا يدل على الجواز إذا خلا من آلة طرب ولهو.

    وعلى هذا إذا استمع الإنسان أو سمع الإنسان شيئاً من آلات اللهو التي لا تطرب أصلاً، كأن يكون في طريق أو مجلس ونحو ذلك، ولكنه لم يستمع، إنما تجري إلى مسامعه من غير إنصات، فهذا لا حرج على الإنسان فيه، فقد يبلى الإنسان في شارع ونحو ذلك، ولا يؤاخذ الله عز وجل الإنسان لأنه لم يستمع، ولكنه ينفذ إلى مسامعه من غير اختياره.

    وقد ذهب جماعة من العلماء وعلى رأسهم الإمام ابن رجب عليه رحمة الله إلى التفريق بين السماع والاستماع، وقال: إن ما أنصت فيه الإنسان وأراد تدبراً وإطراباً فإنه ينهى عنه، أما ما ينفذ إلى مسامع الإنسان من غير قصد حتى وإن كان بآلات لهو وطرب فإنه لا يؤاخذ عليه الإنسان شريطة إلا يصغي له بالسماع.

    1.   

    مخالطة الأمرد

    قال المصنف رحمه الله:

    [.. وعن الأمرد مرتج الكفل

    إن تبدى تنكسف شمس الضحى وإذا ما ماس يزري بالأسل

    زاد إن قسناه بالبدر سنى أو عدلناه بغصن فاعتدل

    وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراً جلل]

    مفاسد الاختلاط بالأمرد

    قوله: (وعن الأمرد مرتج الكفل) الأمرد هو من لا ينبت له شعر في وجهه، وأطلق الأمرد هكذا؛ لأنه قد يفتن به البعض، وحث المصنف عليه رحمة الله تعالى على اجتناب مخالطته، فإنه لا يخلو الإنسان من مفسدتين:

    الأولى: إما أن يفتن به، وذلك أن فيه شبهاً من النساء.

    الثانية: أن يتهم به، وكلا الأمرين محظور شرعاً، ولذلك يقول عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: (من أتى مواطن التهمة فلا يلومن إلا نفسه)، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو من هو، لما خرج من معتكفه ليوصل صفية عليها رضوان الله تعالى ليلاً، ورآه بعض أصحابه خارجاً ومعه امرأة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنها صفية )، خشية أن يقع في قلب الإنسان شيء من التهمة ونحو ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام أراد بذلك تشريعاً لا أنهم يسيئون الظن به، والنبي عليه الصلاة والسلام قد ربى أصحابه على ذلك.

    وعلى كل حال فمخالطة الأمرد الذي يظن به تهمة موطن من مواطن الشبه التي ينبغي للإنسان أن يجتنبها.

    بعض مفاتن الأمرد

    المصنف أراد بالأمرد الذي يتغنج، ولذلك قال: (مرتج الكفل) أي: الذي يرتج في مشيته يمنة ويسرة، وفيه تشبه بتغنج النساء ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون بالمخنثين، الذين هم رجال لكنهم يتشبهون بالمشية بالنساء.

    قوله: (إن تبدى تنكسف شمس الضحى) أي: من حسنه، وهنا قيد الأمرد بمن كان حسن المطلع، فإنه أدعى للافتتان به، وذلك لوضاءة وجهه، والإنسان لا يشعر بما هو فيه من ألم.

    وقوله: (إذا ما ماس يزري بالأسل) أي: وإن كان على سنان الأرماح، فلا يشعر الإنسان بذلك؛ لأنه قد متع ناظريه بالنظر إلى ما يصرفه عن الألم.

    قوله: (زاد إن قسناه بالبدر سنى) أي: إن ضوءه ونور وجهه أشد من نور البدر، ومعلوم أن البدر لا يسمى بدراً إلا وقد اكتمل.

    وقوله: (أو عدلناه بغصن فاعتدل) وذلك لحسن قامته وجمال هيئته.

    علاج النظر للأمرد

    وقوله: (وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراً جلل) وذلك أن الإنسان يتفكر بالعاقبة التي سيئول إليها ذلك الجمال، سواءً كان جمال رجل أو امرأة، وهو التراب، وأنه ستأكله الدود، ومآله إلى هذا، وعاقبته إليه، فإنه إن ذكر بذلك الأمر فإنه يعلم أنه علق قلبه بمفقود ومآله إلى زوال، ولذلك قالت امرأة أحد الخلفاء، وقيل: إنه هارون الرشيد ، وقد نظرت إليه: إنك أنت النعيم، إلا أنك تزول، فبكى عليه رحمة الله.

    1.   

    هجر الخمر واجتنابها

    قال المصنف رحمه الله:

    [واهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل]

    الخمرة: هي ما خامر العقل وغطاه، والخمر محرمة بالاتفاق، ولا خلاف في ذلك، فهي محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، ومن قال بإباحتها فقد كفر؛ لتكذيبه نصوص الكتاب والسنة.

    وهنا قال: (واهجر الخمرة) لأن الإنسان لا يليق بكامل عقله أن يشرب الخمر، فإن الله عز وجل قد وهبه عقلاً، ثم يزيله عن قصد وعمد.

    وقوله: (كيف يسعى في جنون من عقل) أي: أن يكون حاله كحال المجانين الذين سلبهم الله عز وجل عقلاً، مع أن الله سبحانه وتعالى قد أنعم عليه بذلك، والإنسان حينما يجن أو يختلس عقله يذهب به أهله إلى أقاصي الدنيا لعلاج عقله، لعله يشفى، وهذا يسعى إلى جنون عقله، فهذا لا يليق بعاقل، بل هو منقصة ومذمة.

    1.   

    الوصية بتقوى الله

    قال المصنف رحمه الله:

    [واتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل

    ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل]

    هنا يشير إلى قوله عليه الصلاة والسلام للثقفي عليه رضوان الله تعالى لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم : ( قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل: آمنت بالله فاستقم )، ومعنى ذلك أن الإنسان قد يصل إلى الحق، ويصل إلى الصواب، وهذا كثر، ولكن الاستقامة على ذلك والصبر عليه حتى يصل الإنسان هذا هو موطن الصعوبة.

    وقوله: (ما جاورت قلب امرئ إلا وصل) أي: لا بد أن تجاور التقوى قلب الإنسان حتى يصل وينجو من عذاب الله سبحانه وتعالى، ويختم له بخير.

    المقصود بالتقوى

    المراد بالتقوى أن يتقي الإنسان مواطن المحرمات، ويأتي الواجبات وما افترضه الله سبحانه وتعالى عليه، والإنسان حينما يمشي في صحراء حافٍ فإنه يتقي مواطن الشوك برجليه، ولذلك أبي بن كعب عليه رضوان الله تعالى لما سئل عن التقوى قال: (أرأيت إذا مشيت في وادٍ ذي شوك، ماذا تصنع؟ قال: أشمر عن مئزري، وأنظر إلى مواضع قدمي، قال: فتلك التقوى)، أي: أن تتجنب المحرمات وتحترس فيها.

    وغاية التقوى هي أن يجتنب الإنسان ما شبه عليه من الحلال والحرام، فيغلب جانب الخوف، ولذلك (ما لازمت التقوى قلب امرئ وجاورته إلا وصل إلى الجنة)، فليحذر الإنسان من التسويف والتفريط ولو في لحظة، فإنه قد يختم له بسوء، فيكون والعياذ بالله من أهل النار، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون ما بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها )، فهذا لم يبقَ بينه وبينها إلا ذراع، أي: أنه بقي من أجله وقت يسير كيومين أو أقل من ذلك، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، ولذلك لا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرون، فينبغي للإنسان ألا يأمن مكر الله، ولا يقول: سأسوف وأفرط هذا اليوم وأتمتع بالحرام ونحو ذلك، فربما ختم الله عز وجل له بالحرام فكان من أهل النار والعياذ بالله، بل عليه بملازمة التقوى فإنه لا يدري. والإنسان له قيامتان: قيامة خاصة به وهو الموت، وقيامة عامة للناس، وأخطر وأشد ما على الإنسان هي قيامته الخاصة التي لا يعلم متى تأتيه، فالموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً.

    صاحب التقوى الحقيقية

    قوله: (ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل) المراد بذلك: ليس من يسافر الأسفار ويمشي في البراري على قدميه ويقطع المفاوز هو الرجل، والبطل والقوي والجبار، ولكن من يتقي الله سبحانه وتعالى هو البطل، وهذا فيه دليل على منقبة عند العرب، وهي أنهم يمدحون صاحب الأسفار الذي يسافر لكسب الرزق والذهاب والمجيء ونحو ذلك، ولذلك الإمام الشافعي عليه رحمة الله مما ينسب له في ديوانه قال:

    سافر تجد عوضاً عما تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

    إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سرى طاب وإن لم يجر لم يطب

    ومعروف أن الماء الجاري هو الماء الصافي الذي لا يلوثه شيء، كمياه الأودية، أما الغدران الباقية فهذه تجري عليها الناس والبهائم حتى تفسد، فعليك بالجريان كالماء الذي رأيت وقوف الماء يفسده، إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب.

    1.   

    تصديق الشرع بخصوص الغيب وتكذيب المنجمين

    قال المصنف رحمه الله:

    [ صدق الشرع ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل زحل ]

    مراده بذلك: عليك بتصديق الشرع أنه لا يعلم الغيب إلا الله، (ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل زحل) والمراد بذلك المنجمون، ولذلك تقول العرب: كذب المنجمون ولو صدقوا، فإن صدقوا فهذا من باب الصدفة، ولا تنظر إلى الكواكب والنجوم تريد أن تعلم علماً مستقبلياً، وصدق الشرع أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولذلك من ادعى علم الغيب فقد نازع الله عز وجل في حقه.

    أقسام علم الغيب

    الله سبحانه وتعالى لديه مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، فلا يعلم الغيب المستقبلي إلا الله، لكن الإنسان قد يعلم شيئاً من الغيب المستقبلي من بابين:

    الباب الأول: باب ما أخبر به الشرع، كأن يقول النبي عليه الصلاة والسلام: يأتي في آخر الزمان كذا وكذا، كما في حديث جبريل عليه السلام قال: (وما أماراتها)، وذكر علامات وأشراط الساعة.

    الباب الثاني: باب الرؤيا الصالحة، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة )، فإذا صدقت الرؤيا فهذا باب نافذ إلى الغيب، وما عدا ذلك فلا يمكن للإنسان أن يعلم الغيب، وإن ادعى ما ادعى؛ لأن الله عز وجل استأثر بعلم الغيب عنده، هذه في العلم المستقبلي.

    أما العلم الماضي وما حدث في القرن الماضي أو الذي قبله، أو قبل مليون سنة ونحو ذلك فهذا يعلمه الإنسان بالوسائل الطبيعية، إما بنقل الأخبار والأسانيد والرواة، وإما ما يبدو للإنسان مكتوباً، وإما ما يجده الإنسان من آثار، فإذا وجد الإنسان مكتوباً على جدار ونحو ذلك فإنه يعلم أنه قد جاء أناس هنا، وكتبوا كذا وكذا، وجاء فلان كذا وكذا، فإنه يستدل به على هذا من الحواس المعروفة، وما عدا ذلك فلا يمكن للإنسان أن يدعي الغيب، أما أن يصمت الإنسان ويقول: حدث قبل مليون سنة كذا وكذا، فهذا ادعاء لعلم الغيب.

    أما علم الغيب الحالي فيعلمه الإنسان بالوسائل المعروفة، فإن ادعى علماً بغير الوسائل المعروفة، كأن يقال له: أين فلان؟ فيقول: فلان في المكان الفلاني، من غير وسيلة، فهذا لا شك أنه ادعاء لعلم الغيب، وهذا كفر بالله سبحانه وتعالى، أما إذا علم أن فلاناً الفلاني، واتصل به عبر الهاتف أو الجوال، أو أخبره فلان أنه في البلد الفلاني، أو أنه مريض في الدولة الفلانية، أو في المكان الفلاني، فهذا علمه الإنسان بالوسائل المعروفة التي أدرى الله عز وجل بها، وما عدا ذلك فقد أمر الله عز وجل بتصديق الشرع، وهو أن الغيب مقطوع لا يعلمه إلا الله.

    النظر في النجوم

    قوله: (زحل) زحل هي من الكواكب السبعة، وهي الشمس والزهرة وعطارد وزحل، وهذه تعلق بها الجاهليون بعلم الغيب، وهذا من وساوس الشيطان، فهي لا تعلم الإنسان غيباً، ولا تعلمه علماً يزداد به معرفة، وقد نهى بعض السلف، ولا أعلم في هذا شيئاً مرفوعاً عن النظر في النجوم حال سقوطها، وقد روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد في المسند من حديث أبي قتادة قال: ( نهينا أن نتبع الشهب أبصارنا )؛ خشية أن ينقذف في قلب الإنسان أن هذا الشهب أراد الله عز وجل به كذا وكذا، لكن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً، وإنما أردنا به استئناساً، ويعارضه ما جاء في حديث صحيح الإمام مسلم لما قال سعيد بن جبير : (أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال: أنا)، مما يدل على جواز النظر في النجوم من غير علم الغيب.

    1.   

    عجز العقول عن إدراك الله تبارك وتعالى

    قال المصنف رحمه الله:

    [ حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلاً عز وجل]

    أي: أن الإنسان لا يمكن أن يدرك الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل لا تحيط به الأبصار ولا تدركه العقول، والله عز وجل أحاط بكل شيء علماً، وهذا قطع من المصنف عليه رحمة الله تعالى أن لا يتفكر في علم الغيب؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يدركه بالمحسوس.

    وقوله: (حارت الأفكار) أي: تحور وترجع، ولا تستطيع أن تعرف شيئاً، وقد أمر الله عز وجل الإنسان أن يمد بصره إلى السماء أكثر من كرة، فيرجع إليه البصر خاسئاً وهو حسير؛ لأنه لا يمكن أن يدرك حقيقة الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، أي: لا يمكن للإنسان أن يحيط بالله عز وجل علماً على الحقيقة، إلا بما أخبر الله عز وجل به في كتابه وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومهما يتخيل الإنسان الله عز وجل أنه كذلك فالله فوق ذلك، فلا يتفكر الإنسان بصفات الله عز وجل كيفيةً وهيئةً ونحو ذلك، فالله عز وجل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وهذا قطع أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، والإنسان مجبول على تصور كل مذكور، وإذا قيل له: قابلت رجلاً فيه كذا وكذا، فإنه يتخيل رجلاً على هيئة فلانية، إما أن يكون على هيئة رجل رآه، وإما أن يكون على هيئات رجال لهم صفات، فوضعها في هذا الرجل.

    وكثير من الناس يقول: أنا قد سمعت بك يا فلان، وتخيلتك بشكل معين، والإنسان قد يتخيل ما يسمع به خيالاً، وهذا يخطر في قلب الإنسان، أي: أن الله عز وجل على الصفة الفلانية، وكان الواجب عليه أن يعلم يقيناً أن ما يتخيله الإنسان عن الله، فليعلم أن الله فوق ذلك؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يتخيل في قلبه إلا ما هو محسوس، والإنسان لا يمكن أن يتفكر بشيء إلا وقد رآه، أما أن يتفكر بشيء لم يره فلا يمكن قطعاً إلا بشيء قد رآه يقظة أو مناماً، ولو أن الإنسان أعطي ورقة وقلماً، وقيل له: يا فلان! اكتب شيئاً لم تره، أو ارسم شكلاً لم تره، فهل يستطيع؟ لا يمكن أن يستطيع، إما أن يرسم شيئاً رآه، وإما أن يجمع صفات قد رآها متفرقة ووضعها بشكل معين، أما أن يضع أو يرسم شيئاً لم يره، فأبداً لا يمكن هذا؛ لأن عقل الإنسان كالحافظة، تنقدح فيه المعلومات ويخرجها، أما أن يبتكر شيئاً جديداً لم يخطر له على بال فلا يمكن هذا أبداً، وقد انفرد الله عز وجل بالابتكار من عدم، أما الإنسان فلا يبتكر من عدم أبداً، ولكنه يأخذ من صورة، ويجمع من صورة إلى صورة، ويؤلف بينها، فتخرج بزعمه أنها صورة جديدة قد جمعها، وهذا يدل على كمال الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الموت قاطع ما اتصل ومفرق ما اجتمع

    قال المصنف رحمه الله:

    [كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دول

    أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وولى وعزل

    أين عاد أين فرعون ومن رفع الأهرام من يسمع يخل

    أين من سادوا وشادوا وبنوا هلك الكل ولم تغن القلل

    أين أرباب الحجى أهل النهى أين أهل العلم والقوم الأول]

    الموت أمر حتم

    قوله: (كتب الموت) أي: من حارت فيه الأفكار وهو الله سبحانه وتعالى كتب الموت على الناس، يقول الله سبحانه وتعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ [آل عمران:185]، ويقول ابن كثير: في هذه الآية عزاء لكل البشر أن كل ما في هذه الأرض ميت، ألا يكفي في هذا عزاء، لست أنت وحدك، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، والنبي عليه الصلاة والسلام خاطبه الله عز وجل معزياً له بقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، أي: لست وحدك والناس كلهم، وفي هذه الآية عزاء لكل بشر.

    والإنسان حينما يعزي غيره تجده يقول له: توفي فلان وتوفي فلان، ونحن ميتون، فهذه الآية فيها عزاء لكل الناس: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ [آل عمران:185]، والله عز وجل قد كتب الموت على الخلق، وكل ما على هذه الأرض فان، وكذلك الأرض.

    إهلاك الله للجيوش والدول

    وقوله: (فكم فل من جيش) أي: كم من جيش قد تجمع فلّه الله عز وجل، وقد انتشر في هذه الأرض، ثم اندثروا في هذه وأكلهم الثرى.

    وقوله: (وأفنى من دول) أي: الدول التي تظن أنها باقية وأنه لا يفنيها شيء، وحكمها لا يزول، إلا أن الله عز وجل يجعل عجلة الزمان تطوي تلك الأمم والشعوب، فكم مر على الأمم من دول، وإذا كان عصر الخلفاء الراشدين خلافة النبوة قد انقضت، وجاءت خلافة بني أمية ثم بني العباس وجاء من جاء بعدهم، فهذا كله من أعظم العبر على أن الإنسان لا يبقى على أمر معين وعلى حال.

    والإنسان إذا كان في يومه يتقلب من حال إلى حال فكيف بأهله وكيف بعمره، بل كيف بالدول كلها، فإن الإنسان يمل، ولا بد أن يقلب الله عز وجل له الحال، ولولا المرض لما عرف الإنسان قيمة الصحة، ولولا الموت لما عرف قيمة الحياة، ولولا فرقة الأحباب والأصحاب لما عرف قيمة الاجتماع، وما أنعم الله عز وجل به، ولولا الشتاء لما عرف نعمة الصيف، ولولا نعمة الصيف لما عرف نعمة الشتاء، فالله عز وجل يقلب الإنسان من حال إلى حال؛ لكي يعرف النعمة الأخرى، والإنسان كفور وليس بشكور على الأغلب من حاله، وفي ذلك يقول الشاعر:

    يحب المرء في الصيف الشتاء وإذا جاء الشتاء أنكره

    لا بذا يرضى ولا يرضى بذا قتل الإنسان ما أكفره

    فلا يرضى بالشتاء إن كان فيه، ولا يرضى بالصيف إن كان فيه، إذاً يرضى بماذا؟ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17]، ولولا ما يقلب الله عز وجل حال الإنسان من بؤس وشقاء ونعمة ونقمة، وما يقلب الله عز وجل عليه الإنسان من ليل ونهار، فإن الإنسان قد يقنط وييأس، والله عز وجل امتن على الناس بتقلب الأحوال وتقلب الإنسان من حياة وموت ومرض وسقم ونحو ذلك، وكل ذلك ليعرف الإنسان نعمة الله عز وجل، يقول الله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ [القصص:71]، لا يأتي به إلا الله سبحانه وتعالى، فإن جعل الله عز وجل الليل على الناس أو جعل الضياء الأيام الطوال والأزمان بلا نوم، فمن يأتيهم بليل يسكنون فيه؟ لا يأتيهم بذلك إلا الله سبحانه وتعالى، وقد أراد الله عز وجل بذلك أن يبين النعمة.

    وإذا دام الإنسان على حال، فإنه يقنط وييأس وإن كان في نعيم، وكثير من أهل الدنيا والرفاهية والمال يخرجون إلى الفلوات والأودية والشعاب، يريدون أن يتمتعوا بما لم يروه، مع أن أصحاب الشعاب والبراري والشقاء والبؤس يتمنون ما هم فيه، فكل يتمنى أن يتغير حاله؛ لأن الله عز وجل قد جبل الإنسان على حب ذلك.

    فناء وموت ملوك وجبابرة الأرض

    قوله: (أين نمرود وكنعان) نمرود هو ابن كنعان بن حام بن نوح ، وقيل: إن كنعان من ولده إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وهو الذي حاج إبراهيم في ربه كما في القصة، فأين هؤلاء، هل بقيت لهم الدنيا، وقد كانوا أسيادها وأربابها.

    وقوله: (ومن ملك الأرض) أي: ولى فلاناً، ونصبه عليها، وعزل فلاناً، أين هؤلاء الذين يأمرون وينهون؟ قد حلوا في التراب، وحل بهم ما حل بغيرهم، وبذلك يستوي الناس عامة، كلهم سواسية في الموت، ميتتهم واحدة، ومصيرهم واحد، وترابهم واحد، وكفنهم واحد، سواسية عند الله سبحانه وتعالى، لكنهم يختلفون في حال معيشتهم في هذه الدنيا امتحاناً واختباراً.

    قوله: (أين عاد) عاد هو عاد بن روس بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام.

    قوله: (أين فرعون) فرعون هو صاحب موسى، وليس هذا اسمه، وسمي فرعوناً لأن كل من ملك مصر يسمى فرعوناً، وكانوا يسمون أتباعهم بالفراعنة من باب القوة والبطش، واسمه غير معروف، وقد اختلف في معرفة اسمه، ولكن لا يوجد في ذلك شيء ثابت.

    وقوله: (ومن رفع الأهرام من يسمع يخل) الأهرام هي الأهرام المعروفة في مصر، أي: أين من رفع تلك الأهرام المعجزة التي جعلها الله عز وجل للناس عياناً؟ أين هؤلاء الشعوب الذين مكن الله عز وجل لهم في الأرض ما لم يمكن لغيرهم؟ فإذا كان هؤلاء قد أوتوا من البطش والقوة ما جعل الله عز وجل لهم في هذه الأرض وزالوا، فغيرهم إلى الزوال من باب أولى.

    قوله: (أين من سادوا وشادوا) أي: أين من شادوا وسادوا في قومهم، فأصبحوا أسياداً، وشادوا من شيد بهم، أو شادوا في غيرهم.

    قوله: (وبنوا) أي: بنوا القلال والبيوت والحجرات والقصور وشيدوها، أين هؤلاء، فقد تركوها وزالوا إلى الفناء.

    قوله: (هلك الكل ولم تغن القلل) المراد بالقلل هي المرتفعات التي وضعوها، والرفعة التي جعل الله لهم في حياتهم، وتسمى القلة الجبل المرتفع، ويقال: فلان أقل المتاع إذا حمله، ويقال: استقل فلان الطائرة أي: ارتفع عليها، واستقل فلان الدابة إذا ارتفع عليها، والمراد أين تلك الأماكن الرفيعة التي كانوا يرفعون عليها، وتلك العروش والكراسي والأماكن التي كانوا يجلسون عليها، وأين تلك الفرش والبسط التي كانوا يرتفعون عليها؟ أين هم الآن؟ قد ذهبوا إلى فنى.

    هلاك أصحاب العقول والعلم

    قوله: (أين أرباب الحجى أهل النهى) أي: أين أصحاب العقول، يقال: فلان أحجى من فلان، أي: أرجح عقلاً.

    وقوله: (أين أهل العلم) أهل العلم والجهل في هذا الباب واحد، أي: في الموت لا واحد، ولا فرق، ولكنهم يختلفون في العقيدة، يختلفون في العاقبة، في موتهم، ميتتهم واحدة، لكن الله عز وجل قد يختم لإنسان بخير، ويختم لآخر بشر، لكنه في حال الموت سواء، فهذا يموت وذاك يموت، الصالح والطالح، وهذه حقيقة يؤمن به الجميع بالإطلاق، يؤمن بها العاقل والسفيه، والعاصي والطائع، الكافر والمؤمن، كلهم يؤمن بحقيقة الموت، وإن تجاهل هذا البعض.

    هلاك البهائم

    وحقيقة الموت يدركها حتى البهائم التي أزال الله عز وجل عنها العقل، فتدرك حقيقة الموت، وأن ثمة أمراً يزيل هذه الدنيا، فأنت حينما تقترب من طائر يفر، لماذا يفر؟ يفر من الموت، وحينما تأتي إلى بهيمة وتدنو منها تفر، تفر من ماذا؟ تفر من الموت، فهي تدرك أن ثمة حقيقة وحتفاً لا بد أن يأتيها، ومن الذي علمها؟ علمها الله سبحانه وتعالى أن ثمة أجلاً محتوماً لا بد أن يأتي عليها، فإذا كانت البهائم تدرك تلك الحقيقة فبنو آدم ينبغي أن يكونوا أدرك لهذه الحقيقة، لا أن يفروا من الموت، فهو محتوم وآتٍ، والإنسان له ساعة لا يستقدم فيها ولا يستأخر عنها لحظة، لكنه يسعى إلى طاعة الله عز وجل والاستقامة على أمره.

    إعادة الله لكل من فنى ومات

    قال المصنف رحمه الله:

    [ سيعيد الله كلاً منهم وسيجزي فاعلاً ما قد فعل

    أي بني اسمع وصايا جمعت حكماً خصت بها خير الملل]

    قوله: (سيعيد الله كلاً منهم) أي: سيعيد الله عز وجل كل من فني ومات في هذه الدنيا، سيعيده الله عز وجل؛ ليعرض بين يديه، فيقره الله سبحانه وتعالى على ما عمل، فكل ما عمله الإنسان من خير وشر، مسطر في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وسيعيده الله يوم البعث، وهذا هو الذي أنكره المنكرون أهل الجهل، وآمن به أهل الرجاحة والعقل، أنهم مؤمنون بالبعث والنشور.

    وأنت حينما تتأمل تجد أن عقلك يجعلك يقيناً تؤمن بأن الله عز وجل يبعث الناس، بل يجعلك وإن لم تؤمن بأن الله يبعث الناس يجعلك من الأولى أن تؤمن، و أبو العلاء المعري ذلك الشاعر الذي وقع فيما وقع فيه من مجون، واتهم في دينه وعقله، لما لقي بعض أهل التنجيم الذين قالوا له: إن الله لا يبعث الأموات، ولا تبعث الأرواح يوم القيامة، فلماذا تؤمن؟ هو أبعد نصوص الشرع، وقال: وإن لم يكن هناك نصوص وأنتم تكذبون بالقرآن، فأين العقل؟ فـأبو العلاء المعري شيخ المعرة، ذلك الشاعر العظيم العبارة وقويها، صاحب العقل الرجيح، وإن كان ضل في كثير من الأبواب، إلا أنه في هذا الباب وفق إلى الحق، فلما قيل ذلك تمثل بقول الشاعر:

    قال المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قلت إليكما

    إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما

    معنى ذلك: أن المنجم والطبيب حينما قالا له: إن الأموات لا تبعث، قال: إليكما، إن صح قولكما أنه لا يوجد بعث فأنا مؤمن بالبعث، فلا يوجد خسارة عليك، إذاً أنا إلى فنى، وإن صح قولي فالخسارة عليكما، إذاً أنا ناجٍ في حالة، وأنتم خاسرون في حالة، ولا يوجد لدي خسارة، وهذا ما يدل عليه العقل، وهو ما يسمى بباب الاحتياط، وهذا من جهة العقل، وقبل ذلك الإنسان مسلم بما أمر الله عز وجل به.

    والله عز وجل قد جعل للإنسان عقلاً يفكر به ويعرف به الحقيقة، ويميز به قول الشخص هل هو حقاً أو صواباً، يقول الشاعر:

    هل صح قول من الحاكي فنقبله أم هذا أباطيل وأسمار

    أما العقول فآلت أنه كذب والعقل له غرس بالصدق أثمار

    أي: أن العقل غرس ونبتة للصدق، فبه يميز الإنسان الخطأ من الصواب.

    مجازاة الله للخلق بعد البعث

    قوله: (وسيجزي فاعلاً ما قد فعل) أي: أن الله عز وجل سيجزي صاحب الخير بالخير، وسيجزي صاحب الشر بالشر، إن كان صاحب خير بالعاقبة الحسنة في الجنة، وإن كان صاحب شر بالعاقبة السيئة في النار، إن لم يغفر الله عز وجل له إن كان من أهل الإيمان.

    فإذا عمل الإنسان السيئات وتاب منها واستغفر وأناب إلى الله عز وجل، فالله عز وجل لا يعذبه بها، و(التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، لكن هل يقره الله عز وجل على ذلك الذنب، ويسأله عنه وإن تاب؟

    قد اختلف العلماء في هذا، فذهب بعض السلف، وهو قول الحسن البصري وغيره إلى أن الإنسان إن أذنب ذنباً أو أذنب ذنوباً فتاب واستغفر أنها لا تمحى من صحيفته، لكنه لا يعذب بها ويقرر بها يوم القيامة: يا فلان! أتذكر سيئة كذا وكذا، قد غفرها الله عز وجل لك.

    وذهب بعض العلماء إلى أنها تمحى، وهذا هو الصواب، فلا يسأل عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث عبد الله بن عمرو : ( التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبله، والهجرة تجب ما قبلها، والحج يجب ما قبله ).

    1.   

    الدعوة لطلب العلم وترك الكسل

    قال المصنف رحمه الله:

    [أي بني اسمع وصايا جمعت حكماً خصت بها خير الملل

    اطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير على أهل الكسل ]

    قوله: (أي بني اسمع وصايا جمعت..) يريد المصنف هنا أن يرشد إلى وصايا عظيمة جليلة، قد سبق شيء منها، وما يأتي فهو الأهم والأجل، والأهم في حياة الإنسان.

    وقوله: (اطلب العلم ولا تكسل) هنا جعل طلب العلم لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا وقد أبعد الراحة والدعة والكسل؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يصل إلى العلا إلا وقد سهر الليالي، ولا يمكن أن يصعد ويبلغ إلى أعلى المراتب والأماكن الحميدة في هذه الأرض إلا وقد جد واجتهد.

    وقلما من الناس من يرث المجد إرثاً، ويكون من أهل السيادة في الدنيا إرثاً، فهم أفراد معدودون، لكن الأصل أن الإنسان لا يكون من أهل السيادة والرفعة والعلو إلا بالسهر، أما العلم فلا يعرف إرثاً، ولا يعرف نسباً، فيرفع الله عز وجل به أسياداً، ويرفع الله عز وجل به العبيد الذين قد وضعوا، ويضع الله عز وجل بالجهل الأسياد، وقد جعل الله عز وجل الفقهاء السبعة جلهم من الموالي؛ لأن العلم لا يعرف نسباً، فالله عز وجل يرفع به، وقد جعل الله عز وجل الذين يعلمون ليسوا كالذين لا يعلمون.

    ثم أخذ المصنف يحث على تفاصيل ذلك من الاحتفال به والتفقه، ويأتي الكلام عليه بإذن الله عز وجل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.