إسلام ويب

الفتنة حقيقتها والموقف منهاللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الفتنة في لغة العرب المراد بها الابتلاء والاختبار بجميع أنواعها، والفتنة في كلام الله جل وعلا لا تخرج عن المعنى اللغوي، وقد اطلقت الفتنة في كتاب الله على أمور: الكفر فهو أعظم فتنة، وفتنة تغير المعاني والحقائق، وفتنة المصائب والشدائد التي تلحق الإنسان، وفتنة الإنسان بالنعيم. ومن علاج الفتن: الوقوف ومعرفة الفتنة في ذاتها فهو من أعظم ما يعطي الإنسان قدرة على التعامل معها، وهذا هو أول علاجها، ومن العلاج للفتنة: أن يتبصر الإنسان بمعناها وأنواعها، فإذا عرف نوع الفتنة استطاع أن يتعامل معها، ومن العلاج أيضاً: الإقبال على العلم والعبادة، والتعوذ من الفتن، وعدم التعرض لها.

    1.   

    توضيح السبيل لهذه الأمة وما يترتب عليه

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى قد أكرم هذه الأمة ببيان المحجة، وبيان السبيل ووضوح الطريق، وكلما كانت الأمة أوضح طريقاً كانت عند الله عز وجل أحظى وأقرب، وكلما بعدت من جهة سلوك السبيل فهذا أمارة على عدم وضوح سبيلها، والله جل وعلا قد جعل الناس على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، والمراد بذلك أن الله سبحانه وتعالى قد جعل كرامة هذه الأمة لها أثر على عاقبتها، والمراد بذلك أن وضوح السبيل الذي جعله الله عز وجل في كتابه العظيم، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتضح أثره في أفعال الأتباع والمنقادين لهديه عليه الصلاة والسلام، ويتضح أثره أيضاً بالعاقبة التي جعلها الله جل وعلا في الجنة لمن انقاد واتبع، ولهذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكثر الأمم، وذلك ما كان ليكون إلا لأن هذا السبيل أوضح السبل، ولكن ينبغي أن نعلم أن المخاطب إذا وضح له السبيل، واتضحت له الحجة والبينة فإن العقاب عليه إذا خالف أعظم وأشد، وهذا يعلم بالعقل، ويعلم بالنقل، وذلك أن الإنسان إذا خاطب أحداً ووضح له العبارة وأعاد عليه الحجة، وكررها عليه، وهو حاضر الذهن فإن عقابه إذا خالف أعظم من عقاب غيره ممن يتكلم معه بكلام مجمل، أو أتاه عبارة واحدة من غير يقظة وانتباه، وهذا أمر معلوم.

    ولهذا ينبغي أن نعلم كما أن الأمة مرحومة بكثرة دخولها في الجنة، فليعلم أن هذه الأمة من خالف أمر الله سبحانه وتعالى فيها، فإنه أسوأ حالاً ممن يخالف أمر الله جل وعلا من الأمم السابقة كبني إسرائيل وغيرهم، ولهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يلتمس مواضع الحجة في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتضح له السبيل، ويسلم له الطريق، وتحسن له العاقبة، فإذا كان كذلك كان من أهل النجاة والفوز والتمكين في الأرض، وكذلك الثواب العظيم عند الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    أهمية معرفة الفتنة وحقيقتها

    في هذا المجلس كما في العنوان المذاع هو الفتنة حقيقتها، والموقف منها أو كيفية التعامل معها، هذا الموضوع إذا أردنا أن نتكلم عليه بجميع جوانبه أصولاً وفروعاً، فإننا نحتاج إلى مجالس متعددة، وذلك لأهميته من جهة معناه، وأهميته من جهة أثره على الإنسان فرداً وكذلك أثره على الأمة عموماً، وتباين مقاصد الشرع في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا المعنى معنى الفتنة يجعلنا بالأهمية أن نبين هذه المقاصد ولو على سبيل الإجمال حتى يكون الإنسان على بينة.

    إن الفتنة إذا أراد الإنسان أن ينظر إليها غالباً ما يجعلها في أبواب الشر في ظاهرها، ولكن الله جل وعلا قد يبلو الإنسان بالخير، ولهذا قال الله جل وعلا: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً[الأنبياء:35]، أي: إن الله سبحانه وتعالى قد يبتلي الإنسان بشيء من الخير يظنه في ظاهره خيراً، ولكن الله جل وعلا أراد به شراً ابتلاءً وامتحاناً واختباراً، ولهذا الله سبحانه وتعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يستعيذ من بلاء الخير ومن بلاء الشر؛ لأن كله فتنة، وأعظم ما يرزق الله جل وعلا عباده في هذه الدنيا من خير هو المال والبنون، وقد سماها الله جل وعلا فتنة أيضاً، سماها في موضع أنها خير ما يؤتى الإنسان في مواضع متعددة من كلام الله وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام قد جعل خير متاع الدنيا هي النساء، وسماها الله جل وعلا والنبي عليه الصلاة والسلام فتنة، فتنة الرجل في أهله وولده وماله.

    وهذا يجعلنا نبين أن الفتنة إذا أرادها الله سبحانه وتعالى بعبد مكر له في أمر الشر، أو مكر له في أمر الخير، وأرداه سبحانه وتعالى، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون على بصيرة بحقائق الشرع ملتمساً رضا الله جل وعلا، أن يكون أيضاً صادقاً مع الله سبحانه وتعالى في التماس الخير، بالتماس المعاني التي يريدها الله سبحانه وتعالى.

    معنى الفتنة في لغة العرب

    الفتنة في لغة العرب المراد بها الابتلاء والاختبار بجميع أنواعها، وهي الامتحان الذي يهز الإنسان سواءً كان خيراً أو شراً، طرب الإنسان له إن كان من أمور الخير أو ساءه، فأي تغير يطرأ على الإنسان يعقبه شيء من التغير فإن هذا من أنواع الفتنة التي حذر الله عز وجل منها؛ لهذا ينبغي أن نعلم أن الفتنة التي يفهمها العامة ويجعلونها في أبواب الشر، وكذلك الآلام والمصائب وغير ذلك، هذا من المعاني الخاطئة أو هو بتر لمعنى الفتنة التي أرادها الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم.

    معنى الفتنة في كلام الله وكلام رسوله

    الله جل وعلا أطلق أمر الفتنة في كل ما غير حال الإنسان، أو جعله يضطرب وتتغير حاله على أي وجه كان حتى لو كان إلى الأمر الأخيَر، فإن الإنسان ربما يتغير حاله من فقر إلى غنى، فإن هذا من أمر الفتنة لينظر الله عز وجل في أمره، هل يشكر الله جل وعلا؟ أو أن الله جل وعلا جعل إصلاحه في الفقر، ثم أغناه ليفسد حتى يختبر الله جل وعلا أمره وحاله؟ هل يئوب الإنسان إلى الله جل وعلا؟

    لهذا نقول: إن معنى الفتنة في كلام الله هو الابتلاء والاختبار على أي وجه كان، فإن فهم هذه الحقيقة تؤدي إلى فهم تعامل الإنسان معها، تعامل الإنسان مع الفتنة هو فرع عن تصور حقيقتها، وفهم أيضاً عن تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنواعها أصلاً وفرعاً، مع أنواعها فيما يتعلق بالأمة عامة، ومع أنواعها فيما يتعلق بالأفراد، لهذا ينبغي للإنسان أن يسبر كلام الله جل وعلا، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الفتنة، وإذا قلنا: إن الفتنة في لغة العرب هي الامتحان والاختبار والابتلاء الذي ينزله الله جل وعلا بعبده على أي وجه كان، هذا يجرنا إلى أمر مهم وهو أن ما يذكره الله جل وعلا من معاني الفتنة واشتقاقاتها في كتابه العظيم، وكذلك في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه المعاني التي يذكرها الله جل وعلا متداخلة، بينها شيء من العموم وشيء من الخصوص.

    وإدراك مقاصد الله جل وعلا في كتابه العظيم في مراده في الفتنة، وكذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفيد الإنسان في التعامل معها، ولهذا نقول دائماً: إن الإنسان إذا أراد أن يحسن التعامل مع شيء فليعرف حقيقته، فإنه إن جهل حقيقته فإنه يسيء التعامل معها، وبقدر جهله لتلك الحقيقة يجهل الإنسان التعامل معه، ولهذا قيم الأشياء تتباين، سواءً كانت جواهر أو ذوات، أو كانت من المعاني مما لا جسم له ولا جرم، الإنسان إذا جهل القيمة لا يحسن أن يتعامل معها، ولهذا قد جاء في السنن، وكذلك أخرجه مسلم في المقدمة في حديث عائشة لما جاء رجل إلى عائشة عليها رضوان الله تعالى له هيئة فأجلسته وأعطته، فلما جاء رجل آخر، فأعطته كسرة، فقيل لها في ذلك، فقالت عائشة عليها رضوان الله: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم.

    هذا الإنزال ما كان ليكون من عائشة إلا وقد عرفت حقائق الناس، ولهذا ينبغي أن نعلم أن الحقائق التي تكون في الذوات يتفرع عنها أشياء كثيرة متعدية في ذات الحقيقة التي كانت في ذلك الشيء، أو ردود الفعل في تعامل الناس مع تلك الحقيقة، لهذا ينبغي للإنسان أن يعرف مواضع الإطلاق في كلام الله جل وعلا، ومواضع التخصيص كذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الفتنة في كلام الله جل وعلا لا تخرج عن المعنى اللغوي، فكل شيء كما تقدم أحدث اختباراً وابتلاءً في الإنسان، وجعله يضطرب، وتتغير حاله ظاهراً وباطناً فهذا نوع من الفتنة، ولهذا يفتن الذهب بوضعه على النار حتى يصاغ، وكذلك أيضاً إذا صيغ بعد ذلك فإنه يفتن، وربما تغيره أيضاً من سائل إلى جماد يسمى فتنة؛ لأن هذا نوع من تغير الجوهر من حالة إلى حالة وصورة إلى أخرى.

    1.   

    مواضع ذكر الفتنة في كتاب الله عز وجل

    إن الله سبحانه وتعالى ذكر الفتنة في كتابه العظيم على مواضع متعددة أهمها:

    فتنة الكفر

    ما أطلقه الله جل وعلا وأراد به الكفر وهو أعظمها، ولهذا يقول الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ[البقرة:217]، المراد بالفتنة في كلام الله جل وعلا هنا هي أعظم أنواع الفتنة وهي الكفر بالله سبحانه وتعالى، وقد فسرها بذلك جماعة من المفسرين كما جاء عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ومجاهد بن جبر، وغيرهم من أئمة التفسير، ولا خلاف عندهم في هذا المعنى، وإنما يقع الإشكال عند كثير من الناس بفهم مراد الله عز وجل بالفتنة، فيستشكلون كثيراً من الوقائع التي تحدث في الأزمنة فيقع خلط لديهم، هل هذا من الفتنة أو ليس من الفتنة، لماذا؟ لأنهم حملوا الفتنة على نوع من الأنواع، فوقع لديهم شيء من الخلط في التعامل معها.

    كثير من الناس أو أكثر العامة يظنون أن الفتنة هي القتل أو الهرج، أو القيل والقال ونحو ذلك، وهذا نوع من فهم بعض وجوه الحقيقة، وجهل أيضاً لبعض وجوهها الأخرى، لهذا هذا الجهل قد يؤدي بالإنسان إلى شيء من المعاني الخاطئة، وقد أخرج البخاري في كتابه الصحيح من حديث سعيد بن جبير، قال: سأل رجل عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى عن قتال الفتنة، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل الناس على الكفر، وكان دخولهم في الكفر واتباعهم للكفار فتنة، ليس كقتالكم على الملك، ولهذا لما فهم ذلك السائل من عبد الله بن عمر في قول الله جل وعلا: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193] قال: كيف يكون القتال، والقتال هو الفتنة؟ فكيف نقاتلهم حتى لا تكون فتنة وقد وقعت الفتنة في ابتداء الأمر؟

    فبين له عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى أن مراد الله عز وجل بذلك هو الكفر، وأن دخولهم في ملة الكفار هو الفتنة بحقيقتها، لهذا قدم نوعاً من أنواع الفتنة على النوع الآخر، وجعل النوع الآخر لا يكون فتنة في مثل هذا الموضع، ولهذا نقول: إن الفتنة العظمى تلغي الفتنة الدنيا، وتجعلها في سبيل محو الفتنة العظمى أمراً محموداً، لهذا إذا فهم الإنسان مراد الله عز وجل بالفتنة ومواضعها في كلام الله جل وعلا أدرك الحقيقة.

    أعظم أنواعها هو الكفر بالله سبحانه وتعالى، وذلك أن الإنسان إذا تغيرت حاله من إيمان إلى كفر، وكذلك تغير من فطرته التي فطره الله عز وجل عليها وقد وقع في الفتنة، الذي يكون في الكفر ابتداءً كيف يوصف بالفتنة، وهو قد ولد عليها ونشأ عليها؟! نقول: قد تغير من فطرته التي فطره الله عز وجل عليها، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30]، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة : ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )، هذا التغير الذي طرأ على الإنسان عن فطرته هو فتنة وقع فيها الإنسان وابتلي فيها.

    فتنة تغير المعاني والحقائق

    النوع الثاني من أنواع الفتنة: هو تغير المعاني والحقائق، فإذا تغيرت المعاني والحقائق عن الإنسان على أي نحو كان حجمها، فإن هذا من الفتنة التي يقع فيها الإنسان، يدخل هذا في أبواب الأصول، ويدخل في هذا النوع الأول، ويدخل كذلك في أبواب الفروع بأنواعها، وذلك مما يقع فيه الناس في تغيير المصطلحات وقلب الحقائق وغير ذلك، وكذلك أيضاً إلباس الحق بالباطل الذي وقع فيه كثير من الناس في الأزمنة المتأخرة بتسمية الخير بالشر، والشر بالخير، والحق بالباطل والباطل بالحق، والصواب بالخطأ والخطأ بالصواب، هذا نوع من التلبيس والفتنة الذي أمر الله عز وجل بتغييره، لهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم مبيناً ذلك النوع من الفتنة: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ [التوبة:48].

    إذاً: تقليب الحقائق حينما يتكلم متكلم، أو يفتي مفت، أو يتحدث متحدث، أو يصنف مصنف ببيان بدعة وسماها سنة فإن هذا من أنواع الفتنة، كذلك أيضاً العكس؛ لأن هذا من تلبيس إبليس على الناس، ولهذا يقول عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى، كما روى الدارمي من حديث أبي وائل: كيف بكم إذا ألبستم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير، ويعمل فيها بغير السنة، يعني: جعل أن الفتنة إذا لبسها الإنسان لباساً تاماً أي: لبس نوعاً من الدين ونوعاً من الحقائق يختلف عن الحقيقة التي وضعها الله عز وجل، فهذا تسربل بتلك الفتنة وفهمها على غير مرادها، لهذا الفتنة التي يقع فيها الإنسان بفهم الحقائق على غير وجهها، هذا من أعظم أنواع الفتنة وأعظمها هو إلباس الكفر بالإيمان، والإيمان بالكفر.

    إذا أردنا أن ننظر إلى دعوة فرعون، فرعون يستعمل نفس المصطلحات التي يستعملها موسى، ولهذا يقول فرعون: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29]، فسبيل الرشاد والطريقة وهو الصراط المستقيم هذا هو الذي يستعمله سائر الأنبياء.

    إذاً: تلك العبارة هي نوع من الافتتان الذي أراد أن يبدل دين الناس على نحو لم يرده الله جل وعلا، كذلك أيضاً في طرائق المنافقين في تبديل مراد الله عز وجل بالمعاني والتماس معنى من كلام الله عز وجل لم يرده الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7]، هذه المتشابهات هي التي جرت الإنسان إلى الفتنة، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7]، لماذا؟ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7].

    إذاً: لبس الحق بالباطل، وقلب المعنى عن مراد الله، ولو كان أصل الدليل من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو إحداث فتنة في الأمة ينبغي للأمة أن تكون على بينة وبصيرة منه، كذلك أيضاً ينبغي أن نعلم أن هذا النوع هو أعظم ما يتصدى له العلماء، ويأتي الكلام عليه في مسألة الموقف من هذه الفتن، وهي على مراتب متعددة منها ما يبتلى به العامي، ومنها ما يبتلى به أهل الإيمان الخلص، ومنها ما يبتلى به أهل العلم، ومنها ما يبتلى به العباد الصالحون، ولهذا هي على مراتب متنوعة، النجاة من سائر أنواع الفتن هي البصيرة بالعلم كتاباً وسنة.

    إذا أردنا أن ننظر إلى ما استعاذ منه النبي عليه الصلاة والسلام من أمر الفتنة وما أخبر به من تكاثر الفتنة في آخر الزمان نجد أن الله جل وعلا يربطها بنقص العلم وظهور الجهل، كذلك أيضاً في ظاهر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما، قال عليه الصلاة والسلام: ( لا تقوم الساعة )، وجاء في رواية: ( إن من أشراط الساعة أن يقبض العلم ويكثر الهرج، ويفشو الزنا، ويظهر الجهل، وتكثر الفتن )، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن ظهور الفتن مرتبط مع قبض العلم، فإذا قبض العلم من جهة الحقيقة، أو قبض العلم من جهة البيان فإن الفتنة حينئذٍ تظهر في الناس بجميع أنواعها، فيبتلى الناس ويحدث تغير فيهم، يرتكبون البدعة ويظنون أنها سنة، ويرتكبون السنة ويظنون أنها من البدع، ويسمون أشياء على خلاف أسمائها، ولهذا نقول: إن المعنى العام للفتنة قد يتحقق في قلب المعاني، قلب المعاني من جهة الحقيقة والمعنى هي داخلة في سائر هذه الأنواع.

    كذلك أيضاً ينبغي أن نعلم أن الفتنة في تغير الحقائق التي وضعها الله سبحانه وتعالى، كذلك الحقائق العقلية الفطرية إذا بدلت فقد فتن الناس فيها.

    فتنة الابتلاء الذي يتعرض له الإنسان

    من أنواع الفتنة وهو النوع الثالث: الابتلاء الذي يقع فيه الإنسان من المصائب وكذلك الشدائد التي تلحق الإنسان، فهذا من الابتلاء الذي سمي فتنة في كلام الله سبحانه وتعالى، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من الاستعاذة بالفتنة، والافتتان بها، ونحو ذلك، وهذا مواضعه كثيرة جداً، وهو أكثر ما يطرق بوصف الفتنة في كلام الله جل وعلا، لماذا كان هذا من أعم المعاني في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأنه يتلبس به سائر الناس، كذلك إذا تلبس به سائر الناس فإن أثره على سائر الناس ظاهر بين، فيبتلى الإنسان ويجعل فتنة الناس كعذاب الله، ومعنى فتنة الناس ما يقع للإنسان من ابتلاء، من عذاب، وكذلك أيضاً ربما تشريد أو سلب المال، أو الأمراض والأسقام والقتل، وغير ذلك، فيكون هذا له أثر على ذات الإنسان في دينه.

    وأما جعل فتنة الناس كعذاب الله، أي: أنه قد جعل تلك الفتنة التي يبتلى بها في دينه كعذاب الله تصرفه عن الحق إلى الباطل، فالله جل وعلا إذا أراد أن يحذر عبداً حذره من عقابه سبحانه وتعالى، فينصرف عن عمل قصده إلى عمل آخر أراده الله جل وعلا ليسلم، فالذي ينفر من البلاء الذي ينزله به البشر، قد وقع في الفتنة؛ لأنه قد جعل فتنة الناس كعذاب الله، وهذا نوع من الافتتان الذي حذر الله عز وجل من الوقوع فيه.

    فتنة الإنسان بالنعيم

    والنوع الرابع في ذلك: هي فتنة الإنسان بالنعيم، وهي ما تسمى فتنة الإنسان في أهله وولده وماله، وهذا هو النعيم، الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35]، الله سبحانه وتعالى ذكر بلاء الإنسان بالموت، وبين أن الإنسان يبتلى بقبض نفسه، أو يبتلى بقبض نفس غيره، وبلاؤه بقبض نفسه؛ لأن ذلك يفضي إلى فتنة القبر، والنبي عليه الصلاة والسلام قد استعاذ كما جاء في الصحيح قال: ( اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر، ومن عذاب القبر، ومن فتنة النار، ومن عذاب النار )، فثمة فتنة يفضي إليها.

    كذلك أيضاً في الاحتضار نوع من البلاء الذي ينزل على الإنسان، فربما أفضى به إلى شيء من القنوط، ولا يقنط من رحمة الله إلا من سلب الإيمان والعياذ بالله، لهذا نقول: إن ابتلاء الإنسان بشيء من الخير هذا أيضاً له وجه من الخطورة باعتبار أن الناس لا يدركون هذا، يظنون أن الفتنة هي سلب المال، سلب الولد، سلب الخير والرزق الذي يؤتاه الإنسان، بل إن المال قد يكون فتنة للإنسان، فينبغي له أن يحذر من ذلك، ولهذا قال الله جل وعلا مبيناً بعد أن بين أن قبض الأرواح ابتلاء من الله جل وعلا أنه ينبغي للسامع ألا يظن أن الفتنة من هذا النوع من البلاء، بل إن الله جل وعلا يقول: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35]، أي: أن الله سبحانه وتعالى ربما أعطى الإنسان شيئاً من أنواع الفتنة وهي على مراتب متعددة.

    أعظم هذه المراتب ظهوراً: أن الخير إذا أعطاه الله جل وعلا الإنسان فصرفه ذلك الخير عن شيء من معاني الحق فإن هذا من الفتنة التي يقع فيها الإنسان، كأن يكون الإنسان مثلاً مصلياً صائماً قائماً، فرزق مالاً، أو رزق ذرية، فقلت عبادته وقلت دعوته، أو قل إيمانه، أو قلت صلاته، أو قل تسبيحه وذكره، فهذا نوع من الافتتان الذي يقع فيه الإنسان.

    النبي عليه الصلاة والسلام قد مر به كما جاء في حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً على المنبر، فقدم الحسن والحسين يعثران وعليهما ثوبان أحمران يعثران بثوبيهما، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما فوضعهما عليه، فقال: صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28] )، هذا المقدار من الفتنة ما الذي قصده النبي عليه الصلاة والسلام؟ قصده أن ثمة قدراً لا يدركه إلا من هو في مقام النبوة أو من ورثة الأنبياء، وهو الذي يدرك معنى دقيقاً يصرف الإنسان عن شيء فاضل إلى شيء مفضول، فالنبي عليه الصلاة والسلام نزل إلى الحسن والحسين وترك الخطبة، وهذا معنى دقيق لا يفوت خيراً فإن الصحابة ينتظرون، ولكن هذا المعنى الدقيق هو الذي أدرك النبي عليه الصلاة والسلام أنه قد ابتلي به وفتن عليه الصلاة والسلام، الله عز وجل قد يفتن نبياً من أنبيائه، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص:34].

    والفتنة تقع على النبي كما تقع على غيره، ولكن مقدار الفتنة على النبي أمر دقيق يدركه النبي من جهة إدراك معناه، ومن جهة أثره عليه، ولو كان أمراً دقيقاً، مثل هذا الأمر لو وقع من آحاد الناس ولو من العباد لما أدرك معناه، ولكن النبي عله الصلاة والسلام لما كان الكمل من العباد يدركون أن فتنتهم في ذلك هو أن يصرف عن معنى فاضل، ولو لمعنى دقيق، أو لحظات يسيرة إلى شيء مفضول، ولو كان ذلك في ذاته له معنى من جهة الحقيقة.

    بعض الناس وخاصة المتعلمين أو المثقفين ونحو ذلك، في أبواب الفاضل والمفضول يقعون في الفتنة ويتلبسون فيها كثيراً، وسبب الوقوع في الفتنة هو الجهل بين حقائق الأشياء، الأشياء بينها حقيقة إذا جهل الإنسان أحدها وقع في الفتنة؛ لأنه جهل المقدار الفارق بين الشيئين، والمقدار الفارق بين الحقيقتين يجعل الإنسان يقدم إحداهما على الأخرى ربما لحظ خارج عن تلك الحقيقتين، ويظن أنه نظر إلى الحق متجرداً، وهذا من المعاني التي ينبغي للإنسان أن يكون على بصيرة فيها.

    العلماء يفتنون، الصالحون، طلاب العلم، مهما بلغ الإنسان من العلم ربما يفتن بشيء من أنواع الفتنة، وسبب ذلك أن الإنسان ينصرف أو يستجلب، أو ربما يستدعي الشيطان لديه النصوص من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل شيء بذاته بعيداً عن مقارنته بغيره، في أيهما أفضل زماناً ومكاناً وحقيقة، ثم يقدم غيره إذا فصله عن تركيبته تلك، فيقدم غيره فيقع في شيء من الافتتان لا يدركه الإنسان، وإذا نظر إلى ما قدم، ونظر إلى النصوص من الكتاب والسنة سلى نفسه أنه مشغول بشيء من الصالحات، أو مشغول بشيء من المعاني العظيمة الجليلة، وقد ورد فيها كذا وورد فيها كذا، هذا نوع من تلبيس إبليس على العلماء وعلى المثقفين، وعلى أهل المعرفة والعقل والدراية، لهذا نقول: إن أنواع الفتنة على مراتب متعددة، ولهذا الإنسان يبلى بالفتنة أياً كانت مرتبته.

    يقول عبد الله بن مسعود كما روى ابن جرير الطبري من حديث القاسم قال عبد الله بن مسعود في قول الله جل وعلا: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] قال: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على الفتنة، ومراده بالاشتمال، أن هذه المعاني من الفتنة لا يدركها الإنسان من جهة حقيقتها يخلط في أبواب المفاضلة، ينظر بعين واحدة إلى جزئية معينة، أما من جهة ترك تلك لأجل تلك، ومقدارها في الشرع، مقدارها من جهة الزمن والحال، ومقتضى الكلام والقول أو العمل، فإن هذا من تلبيس إبليس ربما على كثير من الصالحين.

    ابتلاء الله عز وجل لعبده بالخير والشر، هذا أمر معلوم ومشاهد، الحقيقة التي ينبغي أن تعلم في ابتداء الدخول في هذا النوع من أنواع الابتلاء، وهو ابتلاء الإنسان بالخير وبالنعمة، أن يعلم الإنسان أنه يبتلى بالخير كما يبتلى بالشر على السواء، ولما كان الناس ينظرون إلى النظرة المادية يظنون أن الابتلاء يكون بالسلب، لا يكون بالعطاء، يكون بسلب الله عز وجل الخير لا يكون بعطائه، وهذا هو نوع جهل بحقائق المعاني الشرعية من جهة الأصل، وكذلك بمراد الله سبحانه وتعالى بعباده، السنن الكونية في الأمم، فإن الله عز وجل يبتلي الأمم بالنعيم والإغداق عليهم، كما ابتلى الله عز وجل كثيراً من القرى بأن أغدق عليهم بالنعم، ورزقهم من الطيبات والثمرات بما يشتهون منها، وذلك لينظر هل يشكروا أم يكفروا، وابتلى الله عز وجل في ذلك سليمان، وابتلى في ذلك داود وابتلى في ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا نقول: إن الإنسان قد يبتلى بالخير فلا يصبر ولا يستطيع الصبر، وقد يبتلى بالشر ويستطيع مع ذلك الصبر، ومن نظر إلى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد أنه يتقلل من الدنيا، ولا يتقلل عليه الصلاة والسلام كثيراً من التعرض للبلاء، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يهاجر ويذهب إلى دعوة القبائل، ويقاتل في سبيل الله، ويقود السرايا والجيوش ونحو ذلك، لماذا النبي عليه الصلاة والسلام تقلل من أمر الدنيا؟ لأن سلبها أمر عظيم وثقيل على الإنسان، وذلك أن البلاء الذي ينزل بالإنسان ربما في الغالب يكون بلاء في ذات الإنسان خاصاً به، ربما لا يعلم به أحد، ربما ينزل به مرض ويصبر عليه إلى أن يموت، أو ينزل به مثلاً نازلة يستطيع الإنسان أن يكتمها، ولكن بالنسبة للنعيم إذا رزق الله عز وجل عبده نعيماً ثم سلبه منه، فإن ذلك مدعاة إلى شماتة الناس، مدعاة إلى محاولة الإنسان للكذب أو التشبع بما لم يعط، أو مسايرة الناس حتى يعيدوا له حقه المسلوب ونحو ذلك، أو كذلك النهم الذي غرس في الإنسان من محبة الزيادة بالمال، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لو أعطي ابن آدم وادياً من ذهب لابتغى لهما ثالثاً ).

    لهذا نقول للإنسان: إنه إذا ابتلاه الله عز وجل بالخير فليعلم أن هذا الابتلاء يستوجب يقظة، وهذه اليقظة على أمور: منها أن يعرف حاله قبل تلك النعمة، وثباته على تلك الحال من عدم تغير في أمور العبادة، أمور الصلاة، أمور الصدقة، أمور الإحسان إلى الغير، النظر إلى الفقراء القلب من جهة النظر إلى الفقير المحتاج المعوز الضعيف، نصرة المظلوم، المشي مع صاحب الحاجة، يجد الإنسان في حال فقره وضعفه يجد في ذلك حباً للفقراء والمساكين، وحباً مثلاً لمعاشرتهم ونحو ذلك، وأما إذا أعطاه الله عز وجل خيراً يجد من ذلك بعداً ونفرة منه؛ لأنه قد ارتفع طبقة عنهم، وهذا من الابتلاء والفتنة التي يقع فيها الإنسان ليصرف الله عز وجل عبده إما إلى خير، وإما إلى شر.

    ولهذا الإنسان الذي يؤمن بقضاء الله عز وجل وقدره، يؤمن بحكمة الله سبحانه وتعالى، يؤمن بمكر الله عز وجل أن الله عز وجل إذا قدر له في ذاته أراد به خيراً فعليه أن يستغل الخير لصالح نفسه، وأنه إذا سلبه خيراً أن الله عز وجل أراد به خيراً أيضاً.

    قد جاء من حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى كما روى الحاكم وغيره، وجاء عند ابن عساكر أيضاً، قال عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى: إن الرجل ليحرص على الشيء من الإمارة والتجارة حتى يدنو منها ثم يأمر الله عز وجل ملكاً: أن ائت عبدي فلاناً فاصرفه عن ذلك الخير، فإني إن أيسره له يدخل النار فيصرفه الله عز وجل عنه فيتظنى العبد فيقول: غلبني فلان.. غلبني فلان.. غلبني فلان، وما هو إلا الله صرفه عنه.

    لهذا الإنسان في أبواب الخير وأبواب الشر عليه أن يعلق أمره بالله سبحانه وتعالى من جهة وهب الخير، ومن جهة أيضاً سلب الخير، الضراء التي تلحق بالإنسان أن الله عز وجل أراد به خيراً.

    اليوم يحدثني أحد الأطباء في معنى لطيف، ربطته بأمر الفتنة، وهو أن الإنسان قد يبتلى بمرض ويدفعه الله عز وجل عن شيء عظيم، وذلك أن أحد الأطباء يقول: وجد عندي مريض، وهذا المريض قد ابتلي بالسمنة المفرطة، وهذه السمنة أوشكت أن تؤثر على أمر القلب لديه، وأنه يوشك إذا زاد بضع كيلوجرامات من وزنه أن ذلك يودي بحياته، وهو لا يعلم بهذه الحال، فأصابه مرض هد من وزنه وأسقط، وقد حرص حرصاً شديداً على إنقاص الوزن فلم يستطع، أصيب بهم ومصائب في ماله وذهب شيء من ثرواته، وتأذى من ذلك أذية كثيرة نزل من وزنه شيء كثير، ثم عادت له عافيته، الله عز وجل يأخذ من عبده شيئاً، ويعطيه شيئاً، وكم من بلاء في الإنسان لا يدرك حقيقته، ينزل الله عز وجل عليه بلاءً آخر ليدفع عنه ضراء باطنة لا يدركها، فالله عز وجل يدرك من أمر عبده ما لا يدرك الإنسان من أمر ذاته، ولهذا الله عز وجل أمر الإنسان أن يبصر في نفسه، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21].

    الإنسان إذا كان يجهل ذاته فكيف يعلم غيره؟ ولكن الله عز وجل أراد بقوله: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] إشارة إلى حقيقة أنك تجهل ذاتك، وتجهل نفسك، فإذا جهلت ذاتك فإنك لغيرك من الأمور المنفكة عنك من باب أولى من أمر الجهالة، لهذا إذا نظر الإنسان إلى قضاء الله عز وجل وقدره، إذا نظر الإنسان إلى الخير أن الله عز وجل يبتليه به ابتلاءً لينظر حاله، أيشكر أم يكفر، فإن الإنسان يستطيع أن يتعامل مع الخير تعاملاً حسناً، ويوفق ويسدد في ذلك تسديداً عظيماً.

    1.   

    كيفية التعامل مع الفتنة حال وقوعها

    أما ما يتعلق في مسألة التعامل مع الفتنة في حال نزولها في الإنسان، أو في حال نزولها في الأمة، الفتنة قد تعم وقد تخص، والفتنة قد تقع في الفرد وقد تقع في الفردين، قد تقع في العائلة ويسلم منها البقية، أو تقع في الأمة ويسلم منها فرد وعائلة، أو تسلم منها أحياء ومدن وبلدان، والله عز وجل يعمم ويخصص لحكمة عظيمة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى ومن أراد من عباده سبحانه وتعالى.

    لهذا نقول: إن الوقوف ومعرفة الفتنة في ذاتها هو من أعظم ما يعطي الإنسان قدرة على التعامل معها، وهذا هو أول علاجها.

    التنزيل الصحيح لعلاج الفتنة من الكتاب والسنة

    علاج الفتنة في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير جداً، وتنزيله على جميع الصور هذا من المعاني الخاطئة، بعض الناس يقول: إن هذه الفتنة وعلينا أن نعتزل وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كما جاء في الصحيح: ( يوشك أن يكون خير مال الرجل غنماً يتتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن )، هذا فرار من الفتن، ما المراد بالفتنة في هذا الحديث؟ هل الفرار من الفتن من جميع أنواعها، يفر الإنسان مثلاً من الرزق الذي آتاه الله عز وجل إياه؟ يفر من الأمراض والأسقام؟ يفر من القتل؟ يفر من الكفر؟ يفر من تلبيس الحق بالباطل؟ ما هي المعاني التي قصدها الله عز وجل هنا، وأرادها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بعض العامة يحمل بعض المعاني على معان مطلقة، أو يحمل المعاني المطلقة على معان خاصة فيقع في الخلط في أبواب الفتنة.

    تبصر نوع الفتنة ومعناها

    أعظم علاج للفتنة في ذات الإنسان هو أن يتبصر بمعناها وأنواعها، إذا عرف نوع الفتنة استطاع أن يتعامل معها، إذا عرف أنها كفر عرف أن كل دفع لهذا الكفر فليس من الفتنة؛ لأن الله عز وجل قد جعله حقاً في أبواب تحقيقها، النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله عز وجل بالمقاتلة، مع أن القتل فتنة، ولهذا قال الله عز وجل: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، مع أن القتل يسمى فتنة، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة السابق ( أن في آخر الزمان تكثر الفتن والهرج، والهرج هو القتل )، ولهذا نقول: إن الفتنة إذا كانت دنيا وفتنة عظمى فإن الفتنة الدنيا لا يجوز أن تسمى فتنة، وإنما تسمى أمراً خيرياً بحسب ما سماها الله عز وجل.

    القتل في سبيل الله شهادة، في هذا الموضع شهادة لماذا؟ لأنه لتحقيق التوحيد ودفع الفتنة الأعظم، ومن يأخذ معنى من المعاني الدنيا ويجعلها فوق العليا، هذا أيضاً وقع في فتنة أخرى، وهي قلب المعاني التي حذر الله عز وجل منها بقوله جل وعلا: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ [التوبة:48]، لهذا ينبغي للإنسان أن يعرف حقيقة الفتنة في ذاتها، وأن يضعها في موضعها، ثم يقوم بالتعامل معها.

    1.   

    التعامل مع فتنة الكفر والموقف منها

    أول هذه الفتن التي تقدم الكلام عليها، وهي ما يتعلق بالكفر، وهي جزء من أجزاء النوع الثاني، وهو تغيير المعاني وقلبها.

    الكفر في ذاته قد يتلبس به الإنسان، ولا يتلبس الإنسان غالباً بالكفر إلا وهو متأول؛ لأن غالب الناس لا يريدون الكفر بذاته إلا المعاندون، ومن الناس من يعاند يعرف الحق بذاته ولكنه يعاند لكبر في نفسه وعناد، فهو يسول لنفسه حججاً بعد أن استقر في قلبه حب الباطل، وكذلك كراهية الحق، فكانت الحجة لتقرير الباطل تابعة للتقرير، وليست ناشئة عنه، وهذا مما وقع فيه كثير من المشركين كبني إسرائيل ممن كفر بموسى، كما في قول الله جل وعلا: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، وكذلك أيضاً من كفار قريش (فإنهم لا يكذبونك)، لا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هؤلاء بآيات الله يجحدون في ظاهر الأمر، ولكن من جهة الحقيقة يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم.

    لهذا نقول: في موقف الإنسان من الفتنة أمر الكفر، وكذلك قلب المعاني بالنسبة للكفر أمر الله عز وجل بإزالة الكفر للناس، كما في قول الله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6].

    كذلك أيضاً من وجوه درء تلك الفتنة هي المقاتلة وهو الجهاد في سبيل الله، كما قال الله جل وعلا: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، أمر الله عز وجل بمقاتلة المشركين؛ حتى لا تكون فتنة في الدين، فسمى الفتنة هي الكفر، وجعل ذلك القتال هو قتال في سبيله سبحانه وتعالى.

    1.   

    موقف الإنسان من فتنة قلب الحقائق والمعاني وعلاجها

    أما المعنى الآخر وهو قلب المعاني والحقائق في الدين تسمية الخير بالباطل، والباطل بالخير، وكثير من المعاني كما في زمننا، ظهر تلبيس كثير من الناس يسمون الحلال بالحرام، والحرام بالحلال، وظهر التمسك بأقوال شاذة كثيرة جداً تظهر بين فينة وأخرى، وتشريعات باطلة قد استقر عليها الإجماع وهذا من أعظم الفتن.

    درء الفتنة ببيان الحق

    ما الموقف من هذا المعنى؟ هل الموقف من هذا المعنى هو أن يفر الإنسان بدينه من الفتن؟ نقول: لا يفر الإنسان بدينه من الفتن، الموقف من هذا هو أن يدرأ تلك الفتنة ببيان الحق فيها، الذي أمر الله عز وجل ببيانه، وهي الفتنة التي ابتغاها من في قلبه زيغ، ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]، إذاً: الراسخون في العلم هم الذين يعلمون التأويل فيجب عليهم حينئذٍ البيان، وبوجود العلم تدفع هذه الفتنة، وذلك ببيان الحجة من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويظهر هذا في معان كثيرة، ويجد الإنسان في كلام كثير من الناس، بل ربما بعض طلاب العلم الذي يرى حقائق كثيرة جداً تبدل في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم مسائل قد استقر عليها الإجماع سابقاً من أئمة السلف من الصحابة والتابعين، ثم بدأت تنقلب كثير من الأمور، ويحكى الإجماع إلى خلافها، أو ربما يذكر على أقل الأحوال أنها من الأقوال المعتبرة ونحو ذلك، وهذا من أنواع الفتنة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تقع في الأزمنة اللاحقة.

    العلم المسبق بنوع الفتنة ومعرفة وقوعها

    من علاج هذه الفتنة فيما يقع للناس: أن المؤمن إذا استقر في قلبه معرفة أنواع الفتنة، كذلك معرفة الوقوع لها، فإن هذا يرزقه طمأنينة في النفس، الإنسان إذا كان مسافراً من مكة إلى المدينة، وكان لديه مثلاً بلاء في طريقه يعلم ذلك البلاء، وهو أن الطريق مثلاً مبتور أو مهدوم، أو يوجد أنفاق مثلاً مكسرة، أو يوجد مثلاً حوادث أو نحو ذلك، يتوقع إذا رأى الحوادث هل يفجع، الفجع لديه يسير يقوم بالتعامل معها بحكمة، لماذا؟ لأن لديه علماً سابقاً.

    بنو إسرائيل إنما وقعوا في الفتنة أنهم حسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا، وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا [المائدة:71]، أي: ضلوا وزاغوا عن مراد الله سبحانه وتعالى، لهذا الإنسان الذي يتحسب للفتنة ووقوعها وأدرك أن الله عز وجل قد أخبر بوقوعها في آخر الزمان، هذا يعطي الإنسان ثباتاً على ما هو عليه وعلى الحق، مهما تكاثر القائلون بذلك، ومن نظر في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد أن الفتنة في الأمة متسارعة، وأن الإنسان ممكن الصباح يكون على حق، والمساء يكون على باطل، والصباح يمكن يكون مؤمناً والمساء يكون كافراً، هذه العجلة المتسارعة إذا كان في الصباح مؤمناً و في المساء كافراً كفر في نصف يوم، إذاً: بكم يفسق، وبكم يبتدع؟ وبكم يدخل في الهوى؟ هذه جزئيات من أمور الكفر، إذاً في الدقائق والثواني.

    وهذا المراد بذلك أن الإنسان إذا علم هذا أن التقلبات لا تعنيه، تقلب فلان وانتكس فلان، وانتكس العالم الفلاني وتغير وقلب ونحو ذلك، هذه فتنة عندنا خبر منها من زمان، النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا ).

    إذاً: الفتنة التي أخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام سبب وقوعها ماذا؟ أنه باع الدين، لديه دين هو من جهة الحقيقة، لكنه تاجر به، فهو يعلم أنه دين، ولكنه خرج من ذلك الدين لشيء من أمر المادة، لشيء من مطامع الدنيا، لشيء من الشهوات، لشيء مثلاً من التمكين في الأرض، لشيء من الرفعة، لشيء من الرئاسة، لشيء من المال، لشيء من الحظوة، لشيء من السمعة، لشيء من الذكر الحسن والرياء وغير ذلك، هذه من الفتن التي يفتن بها الإنسان، فإذا تعلق في قلب الإنسان وقع في الفتنة، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( بادروا بالأعمال )، يعني: إذا كنت في زمن ليس فيه فتنة بادر بالأعمال واغرس العمل في قلبك حتى ترسخ، وهذا من علاج رسول الله صلى الله عليه وسلم للفتنة، أن الراسخ في أمر العلم والراسخ في أمر العبادة، هذا في الغالب لا تضره الفتنة، الذي يفتن في هذا هو عالم بلا عبادة أو عابد بلا علم، وهذا أمر معلوم واسبروا التاريخ، العباد العلماء لا يكادون ينتكسون، أما العالم قليل العبادة فينتكس بقدر نقصان أحد الأمرين منه، ولو ظهر منه في ظاهر أمره عبادة ففي باطنه قصور يعلمه الله سبحانه وتعالى.

    ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود: ( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع )، هل العمل في الحقيقة لله؟ ليس لله، لماذا؟ لأنه جاء في حديث سهل قال: ( يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس )، في الظاهر، في الظاهر يبدو للناس، التغير الذي طرأ عليه لماذا؟ أن لديه عملاً ظاهراً وليس لديه عمل باطن، والله عز وجل لا ينظر كنظرة العباد، ينظر إليها أنها قائمة واحدة ممزوجة، الظاهر بالباطن لها مقياس واحد ليس كمقياسنا، ننظر إلى أمر الظاهر، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ) ولكن ينظر إلى القلوب التي في الصدور، لهذا نقول: إن من أعظم ما يعين الإنسان على أمر الفتن والثبات فيها هو أن يكثر من العبادة، ولهذا وصف الله عز وجل سائر الأنبياء بقوله: وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:73]، أنهم عابدون فأمنهم الله عز وجل من الفتن.

    معرفة أن الثبات بيد الله وطلبه منه

    كذلك أيضاً ينبغي أن نعلم أن الفتنة خاصة فيما يتعلق بتغير الآراء، بتغير الحقائق أن هذا ربما يبتلى بها نبي ولكن الله عز وجل يثبته بذلك، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ [المائدة:49] تحذير لمن؟ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ [الإسراء:73]، هل النبي عليه الصلاة والسلام ممكن أن يفتري؟ لا يمكن أن يفتري من جهة الوقوع، ولكن الله عز وجل بيّن أنه كاد لولا لطف الله سبحانه وتعالى وتثبيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا تأمل الإنسان أمثال هذه المعاني يأخذ من ذلك جملة من العبر العظيمة منها:

    أن الإنسان مهما بلغ قدره من العلم والعبادة أن حمى الفتن لابد أن تمر عليه فعليه أن يثبت، وأن التثبيت من الله سبحانه وتعالى.

    الأمر الآخر في ذلك: أن الإنسان ينبغي ألا يغتر بنفسه، وأن لا يغتر بعلمه وعبادته، وأن يبدي ضعفه لله سبحانه وتعالى توكلاً واعتماداً عليه، وإذا أكثر من سؤال الله عز وجل الثبات وفقه الله عز وجل على الثبات، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان من أكثر دعائه: ( اللهم مصرف القلوب والأبصار صرف قلبي على دينك ).

    لهذا نقول: إن من أعظم ما يثبت الإنسان على الحق مهما كان قدره هو الثبات على الدعاء، الثبات على العلم، وعلى العبادة.

    تجنب مخالطة أهل الباطل والتشوف إلى حبهم أو مدحهم

    كذلك أيضاً أن يعلم الإنسان أنه بقدر مخالطته لأهل الباطل بقدر ما يفتن الإنسان بأقوالهم، الكفار من المشركين الذين أخبر الله عز وجل عنهم أنهم كادوا أن يفتنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفتري على الله عز وجل غير ما أنزل إليه، ولكن الله ثبته، ولولا تثبيت الله عز وجل لقد كان يركن إليهم شيئاً قليلاً، ولكن الله سبحانه وتعالى عصمه من ذلك، لماذا؟ ذكر في ذلك علة، وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء:73].

    يعني: النفس تتشوف إلى أنني أكون محبوباً لدى الفئة الفلانية أو المجموعة الفلانية أو الشخص الفلاني أو نحو ذلك، هذا أمر محمود، ولهذا يبحث الإنسان دائماً أو كثيراً عن مسألة التوسط ولو على حساب الحق، هو نوع من الأمر الذي يقع في ذات الإنسان ويعميه عن بعض الحقائق، فيقع في الفتنة من حيث لا يشعر، ولهذا بيّن الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن العاقبة التي يريدون هذا، والتي تظن أنت هذا لولا أن ثبتناك بالانصراف عنهم، ولهذا لولا فضل الله ورحمته على رسوله صلى الله عليه وسلم لهمت طائفة منهم أن يضلوه، والنبي عليه الصلاة والسلام إذا كان من هو هم الطائفة أن يضلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن دونه من العلماء من ورثة الأنبياء وبقدر إرث الإنسان لذلك العلم، بقدر ما يكون لديه ذلك الافتتان والبلاء، ومن يأمن كأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الإقبال على العلم والعبادة وتجنب التقصير في أحدهما

    ينبغي أن نعلم أن البلاء إذا كان جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفتنة إذا جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أطرأ على العالم وأطرأ على العابد، وأطرأ على سائر الناس؛ لهذا كلما ارتفع الإنسان في البابين باب العلم وباب العبادة، وأمن من مكر الله عز وجل، وأمن من الانصراف في أمر الفتن، وكان الإنسان من أهل الثبات والقوة في ذلك، كذلك أيضاً ألا يعتمد على أمر العلم وعلى أمر العبادة المجردة، بل يكثر من سؤال الله عز وجل الثبات، العبادة مع العلم هي التي تثبته، والعلم بلا عبادة يجعل الإنسان في مهب الريح، ولهذا أقول دائماً: إن العبادة بالنسبة للعلم كحال الأوتاد بالنسبة للفسطاط، الفسطاط مهما كانت أعمدته، إذا كان ليس له أوتاد فإنه لا يثبت وتأتيه الريح، الإنسان قد يكون وتداً عظيماً جداً من جهة العلم، ولكنه ليس ثابتاً في الأرض تجتاله الأعاصير والرياح يذهب، وإذا كان عوداً يسيراً، أو من حديد، أو نحو ذلك اغرسه في الأرض ولو تأتي إعصار لا يزيله؛ لماذا؟ لأنه قد رسخ في أمر العبادة.

    لهذا نقول: إن أمر العبادة متلازم مع أمر العلم، كلما كثر الإنسان في أمر العلم زاد في أمر العبادة، وإذا زاد علماً ورأى أن العبادة تنقص فليعلم أنه مفتون، وأنه هش، لهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من ذلك.

    كذلك أيضاً بعض الناس يبتلى بالتقصير في العبادة يقول: أنا واقع فيها بلا ريب، لهذا ينبغي له أن يبتعد لماذا؟ لأنه هش كحال الزجاج لا يتعرض لها، لا يتعرض لأمر الفتنة، ولو كان لديه شيء من العلم، وينبغي أيضاً ألا يكون ذلك من تلبيس إبليس عليه، أن يجعله مقصراً في ذلك، فيقصر في بيان الحق لماذا؟ لأنه من ذلك الصنف، ولديه قدرة على أن يبين الحق، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا عرف أمر الفتنة وعرف أنواعها وعرف حقيقتها فإن الله عز وجل يوفقه إلى علاجها والموقف منها، وهذا فيما يتعلق بالنوعين الأولين وهو الكفر، والنوع الثاني قلب الحقائق والمعاني، وهذا من أعظم الفتن في زماننا أصولاً وفروعاً نرى خروقاً للإجماعات، وخروقاً مصادمة للأدلة الظاهرة من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    موقف الإنسان من فتنة الابتلاء بالخير أو الشر

    النوع الثالث: ما يتعلق بأمر الابتلاء، ما معنى الابتلاء؟ الابتلاء هو المصائب التي تحل بالإنسان، المرض، الإسقام، خسائر الأموال، التجارة ونحو ذلك، الفقر الذي يطرأ على الإنسان ونحو ذلك ما هو علاج ذلك؟ نقول: إن علاجه هو علاج سائر أنواع الفتن وهو الاستعاذة من الفتنة.

    التعوذ من الفتن

    النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما جاء في الصحيح من حديث زيد بن ثابت قال: ( تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن )، وكذلك أيضاً ما جاء في حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار ومن عذاب النار، اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر ومن عذاب القبر، اللهم إني أعوذ من شر فتنة الغناء ومن شر فتنة الفقر )، النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ هنا من سائر أنواع الفتنة، حتى الغناء له شر، والفقر له شر، وجعلهما على السواء كما تقدم في قول الله عز وجل: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35]، الاستعاذة والالتجاء إلى الله عز وجل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ) الإكثار من ذلك، ولهذا نعلم أن الاستعاذة من الفتن على نوعين:

    استعاذة منها على سبيل العموم، وأن يقول الإنسان: اللهم إني أعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ما يدرك الإنسان دقائقه وما لا يدرك دقائقه، فيستعيذ منها على سبيل العموم، وأن يستعيذ من أشياء خاصة، يخشى الإنسان أن يفتن بها، فيقول: اللهم إني أعوذ بك من فتنة الغناء، أعوذ بك من فتنة الفقر، إذا كان فقيراً استعاذ من ذلك، أي: يستعيذ من الغناء إذا آتاه الله عز وجل مالاً، لماذا؟ حتى يوفقه الله عز وجل ويسدده إلى أمر الخير.

    عدم التعرض للابتلاء

    الأمر الثاني: هو أن يبتعد الإنسان عن أمر البلاء، ولدينا قضية مهمة جداً، وهي أن بعض الناس لديه التعرض للبلاء، تعرض للبلاء كون الإنسان يحمل الحق، إذا لم يكن من أهل الثبات في أمر العلم وأمر العبادة فتعرضه للبلاء ومواجهته للمبطلين هذا من أمر الفتن التي يغفل عنها كثير من الناس، وإذا مواجهته للبلاء ذلك ينزل به البلاء فيفتن في دينه فيرجع عن الحق الذي يقع الإنسان فيه، لهذا يقول الله سبحانه وتعالى: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الممتحنة:5]، ما هي فتنة الذين كفروا؟ يقول مجاهد بن جبر، وجاء عن عبد الله بن عباس قال: لا تفتنّا ولا تعذبنا بالذين كفروا فتسلطهم علينا فنفتن بذلك، ويقول عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى في ذلك، وقد جاء عنه من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس في قول الله عز وجل: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الممتحنة:5]، قال: ربنا! لا تعذبنا بأيديهم ولا بأيدينا فنفتن في ديننا فيقول الناس: لو كانوا على الحق ما ابتلاهم الله.

    وهذا من أعظم الفتن أن الإنسان تنزل به الفتنة ويتعرض لها، فإذا وقع فيها وجد شماتة الأعداء، لو كنت على الحق، لو كنت صادقاً في قولك ما نزل بك البلاء، هذا من أعظم الفتنة الذي يرد الإنسان عن كثير من قول الحق، وكذلك كثير من الانتكاسات، سواءً من الدعاة أو كثير من الصالحين هو من هذا الأمر، الذي دعا بهذا الدعاء من هو؟ إبراهيم الخليل، ومن هو أقوى إيمان من إبراهيم الخليل؟ يدعو بهذا الدعاء ألا يجعله الله جل وعلا فتنة للذين كفروا، يخشى أن تنزل به فتنة فيسلط الله عز وجل الذين كفروا عليه، فيفتن في دينه أو يفتن بشماتة الأعداء به، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( تعوذوا بالله من شماتة الأعداء )، وكذلك أيضاً ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تجنبه وتوقيه لكثير من مواضع الشماتة والضعف ونحو ذلك، وهذا تفسير تخلي النبي عليه الصلاة والسلام عن كثير من الدنيا والتقلل منها، لماذا؟ لأن ضريبتها عظيمة على الإنسان خاصة في حال الإنسان القيادي العظيم؛ لأن الفتنة في أمره ربما يفقد المال، أو ربما يفقد حظوة أو نحو ذلك، أو شيئاً من هذا، فيفتن في ذلك، تعلق القلب في هذا يجعل الإنسان يشمت فيه وهذا فتنة، يجعل الناس يتكلمون فيه؛ لأنه قد فقد، أو مثلاً صرفت أو تغيرت قيمته في الناس، أو عزل أو نحو ذلك، وهذا من الفتن التي يبتلى بها المسلم، لهذا النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يقول: ( ما لي وللدنيا، إنما أنا والدنيا كرجل استظل بظل شجرة ثم ذهب وتركها ).

    إذاً: يقول لأعدائه ويقول للخصوم: أنا لا يوجد عندي شيء حتى تساوموني عليه، أنا أصلاً لا يوجد لدي شيء، إذاً: لا يوجد موضع للفتنة، لماذا؟ لأن الإنسان إذا أدرك شيئاً من ضعفه عليه أولاً أن يبتعد عن مواضع البلاء، بعض الناس يقدم على إنكار المنكر، ويقدم على المواجهة وهو يعلم أنه ضعيف، فإذا نزل فيه البلاء وقع في الفتنة، فإذا علم الإنسان منه ضعفاً عليه أن ينظر إلى حاله حال نزول الفتنة من غير عاطفة، فإذا نزلت فيه الفتنة ربما صرف عن الحق، وظل عن مراد الله سبحانه وتعالى إلى غيره.

    الفتنة في قلب الإنسان إذا نزلت تجرد الإنسان وهي موضع التغيير في الحل للشيطان، إذا نزل بالإنسان خوف أو رعب هو موضع التشكيك في عقيدته، ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله تعالى لما كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغت القلوب الحناجر، ماذا قال الله عز وجل عنهم: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب:10]، مثل هذا يأتي موضع الشك والمحاسبة، هل أنا فعلاً على الحق؟ هل هؤلاء المخالفون الذين قالوا بخلاف قولي فعلاً هم على صواب وأنا على خطأ؟ تبدأ مسألة المراجعة، هذا هو من أعظم مواضع الفتنة، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام في مواضع الخوف والفزع والكرب يلجأ إلى الصلاة، ينفر منها، يقيد أمثال هذه الأمور بالصلاة، يلجأ إلى الله، يفزع إليه؛ لأن أضعف ما يكون الإنسان في أمثال هذه الأمور في حال نزول البلاء فيه هو موضع المراجعة والتصحيح، ولهذا المتغيرون في التاريخ كلهم تغيروا عند الخوف لا في حال الأمن، لا يوجد أحد في حال أمنه قيل له: اختر الحق أو الباطل إلا واختار الحق، ولا يمكن لأحد في حال أمنه واستواء الأمرين إليه خير بين أمرين إلا واختار الحق، فطرة فطر الله عز وجل الناس عليها، ولكن الناس يتباينون من جهة موازين الحق والباطل، لهذا نقول: إن الإنسان أعظم ما يوجهه إلى مثل هذا الأمر هو ما تقدم الكلام عليه من أمر العلم والإكثار من العبادة، كذلك أيضاً أن يبتعد عن مواضع الابتلاء إذا نزل به ابتلاء ونزلت به مصيبة أن يلجأ إلى أمر العبادة.

    لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصعب الأحوال لديه في مكة، وأقوى وجوه التعبد لديه كانت في مكة، لماذا؟ لأن الابتلاء كان لديه عظيم، كانت سمعة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند كفار قريش أسوأ ما تكون، حتى إن ابنتيه أم كلثوم ورقية يطرقان عليه الباب طلقنا الناس، لماذا؟ لسمعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بناته لا يريدهن الناس، يتصور الإنسان مثل ذلك، أن ابنتك تطرق عليك الباب تقول: سمعتك في الناس حتى أزواجنا تركونا وطلقونا من هذا، أليس هذا شديد على الإنسان؟ كذلك أيضاً قراباته ممن حوله ونحو ذلك نفروا منه ولكن الله عز وجل يخاطبه: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2]، أكثر من قيام الليل، لماذا؟ لأنه يرسخ الإنسان، يلتجئ ويشغل قلبه بالله سبحانه وتعالى، لا يسلم إلى أمر التفكير، لا ينشغل بأمر المراجعة وأمر التأمل في حال الخوف، عليه في حال الأمن هو موضع المراجعة، وهو موضع التصحيح، وهو الذي ينظر فيه، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غير مبدأً وما غير شرعة إلا في حال الأمن واستقرار الحال، وسلامة القلب، فهذا هو التغير الصحيح، وأما في حال الفتنة والخوف فإن الإنسان أبعد ما يكون عن مراد الله سبحانه وتعالى في أمر التغيير، فإنه غير لأجل أمان في قلبه، لأجل بحث عن استقرار أو نحو ذلك، ولهذا نقول: إن أعظم ما يتسلط الشيطان على الإنسان في أمثال هذه المواضع هي في موضع فتنة الإنسان بالبلاء، وهذا النوع ما تقدم الكلام عليه هو الذي يبتلى به كثير من الناس.

    كثير من العامة يقولون: ما لفلان وهذا القول، ما لفلان وهذا الفعل، ما لفلان وهذا التصرف ونحو ذلك، لماذا؟ لأن نظرتهم هي البلاء والسلامة، السلامة وعدمها، أما في حال عدم السلامة فهم دائماً مع الحق، ولهذا يتقلب السواد بمثل هذه القضية، ولهذا نقول: أخطر أنواع الفتنة على العامة هو هذا الموضوع، وأخطر الفتنة أيضاً على الخاصة من وجه هذا الموضوع، لماذا؟ لأنهم يتأثرون بالعامة، ربما نفقد الناس، وربما نفقد الحظوة أو قول فلان، أو مدح فلان أو ثناء فلان ونحو ذلك، وهذا من أعظم ما يبلى به الإنسان ويفتن به عن دينه، لهذا نقول: إن الإنسان إذا علق قلبه بالله سبحانه وتعالى، وأخذ أمر الفتنة وكذلك أيضاً أمر مقاومته على ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق وسدد، وثمة أمر وقضية وهي ما يتعلق بمسألة الفرار من الفتن، متى يفر الإنسان من الفتن، وعن أي فتنة يفر؟

    نقول: إذا عجز الإنسان عن الأخذ بأسباب علاج الفتنة وتقدم مسألة العلاج منها العلم، منها المبادرة مثلاً بمحاربة الكفر كما في قول الله عز وجل: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193].

    الاعتزال

    إذا عجز الإنسان مثلاً عن معرفة حقائق الأشياء كأن يكون جاهلاً، عليه الاعتزال، والاعتزال في زماننا هذا أيضاً من الأمور الصعبة لانفتاح وسائل الإعلام، وسائل الإعلام الآن مفتوحة وصلت البراري والصحاري، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عوف بن مالك كما في البخاري: ( اعدد ستاً بين يدي الساعة وذكر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة لا تدع بيتاً من بيوت العرب إلا دخلته )، كذلك أيضاً ما جاء في الصحيح في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان على أطم من آطام المدينة قال: ( أترون ما أرى إني أرى الفتن في بيوتكم كمواضع القطر )، كذلك أيضاً ما جاء في حديث حذيفة بن اليمان فيما رواه ابن أبي شيبة وكذلك نعيم بن حماد من حديث حذيفة بن اليمان أنه قال: ( ليوشكن أن ينزل عليكم الشر من السماء حتى لا يدع أرضاً إلا دخله حتى الفيافي. قالوا: وما الفيافي؟ قال: الأرض القفر ).

    ولهذا تجد الآن البث المباشر يأتي حتى للبادية، تأتي راعي الغنم لديه القنوات في الخيمة، ينظر إليها كما تنظر إليها في المدينة، أليس هذا هو الصحيح؟ صحيح، إذاً: ما هي مسألة العزلة؟ العزلة في ذلك في زمن يستطيع الإنسان أن يتحكم فيها، وأن يبتعد ويقلل من عرض الشر على ذهنه، يقلل من عرض الشر إذا كان لديه مثلاً ضعف في العلم، وضعف في الإيمان يقلل، ألا يقوم مثلاً على القنوات والشبهات، ثم بعد ذلك يقول: أريد أن أسلم تبحث عن حقيقة، ما لديك من قوة حتى تقاوم ذلك الشر؟ القوة البدنية في مقاومة الأعداء، الإنسان يهرب من الأعداء إذا قيل له: يوجد عشرة يريدون أن تقاومهم، هل يستطيع الإنسان أن يقاوم؟ عشرة عشرين ثلاثين، مائة، أو أكثر من ذلك، هل يستطيع وهو فرد ضعيف؟ لا يستطيع، هذا في المقاومة البدنية، كذلك في أمر العلم، لهذا ماذا يصنع؟ يقوم بعدم مواجهتهم والإعراض عنهم وعدم رؤيتهم، ولهذا عذر الله عز وجل نبيه في حال الكثرة المتكاثرة من المشركين ألا يقاتل ذلك؛ لأنه أخذ بالنظر المادي، وهو أمر معتبر.

    كذلك أيضاً بالقوة العلمية، إذا كان الإنسان ضعيفاً في العلم، يقوم بتجييش الجيوش عليه، وعلى إيمانه وقلبه والعرض بالقنوات والكتابات والمقالات ونحو ذلك، ثم إذا تغير يقول: أنا تغيرت، طبعاً أنت أقدم عليك من الجيش مائة ثم حطموك، هذا أمر طبيعي، ولكن لو لديك حصانة علمية وقوة وبسطة في العلم ما استطاع أحداً أن يضلك، ولكن الإنسان ينبغي أن نعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما نهى عن الإقامة بين ظهراني المشركين، الآن يستطيع الإنسان أن يقيم بين ظهراني المشركين وهو في جوار الكعبة، وهو النظر في أحوالهم من القنوات الفضائية، الآن في الجوال، في مواقع الإنترنت، وكذلك الكتب والمصنفات يقرأ في أقوالهم في رواياتهم في قصصهم، في كتب فكرية في كتب إلحادية ونحو ذلك، وهو عند الكعبة.

    إذاً: المراد بذلك هو الإقامة بين ظهراني المشركين وهم صم بكم لا، المراد التأثر بما يسمع وما يشاهد، ما يشاهد من أحوالهم، وما يسمع من أقوالهم، ويتأثر بذلك، إذا كان أصماً أعمى لا يسمع نقول: لا ضرر أن تقيم بين ظهرانيهم، إذاً: ليس المراد بذلك هو الجسد، المراد بذلك هو التلقي، لهذا نقول: في هذا الزمن الذي نحن فيه كثير من الناس يقيم بين ظهراني المشركين وهو لا يشعر، وهو في أوساط المسلمين، بل ربما في أفضل البقاع، لهذا ينبغي للإنسان أن يتوقع، هل هو خوف على الحق، وثمة قول يقوله كثير من الناس، لماذا تخافون من الباطل؟ لماذا لا تناظر، ولماذا لا تتكلم، نقول: يتكلم أهل العلم، أهل المعرفة، أما أنت فأنت هش كالذي يأتيه عشرة أو عشرون يقول: لماذا لا تخرج ونحو ذلك، أو لا تقاتل أو نحو ذلك، أقول: كيف أقاتل وأنا ضعيف، اذهبوا إلى من هو أقوى، ولهذا نقول في هذه المسألة فيما يتعلق في مسألة علم الإنسان وتمكنه من الشريعة ومعرفة مراد الله عز وجل، ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتن وأنواعها، وكذلك الشبهات والحقائق الشرعية وغيرها، فإن الإنسان إذا تمكن من ذلك استطاع أن يواجه الفتن مهما تعددت، إذا اعتمد على الله سبحانه وتعالى وتوكل عليه، وعليه أن يقلل من منافذ الشر لديه، وأن يسأل أهل العلم بذلك، فإنه إن كان كذلك ابتعد عنها ووقي.

    كذلك أيضاً مسألة مهمة: فيما يتعلق في أن الإنسان إذا تجرد بذلك كله، نقول: ينعزل، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي سعيد: ( يوشك أن يكون خير مال الرجل غنماً يتتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن )، ولكن يكون معه غنم، ولكن لا يكون معه إنترنت في خارج في البر، ثم يتلقى المعرفة ويقول: أفر بديني من الفتن، هذا لا يفر بدينه من الفتن، الفتن تلحقه وقد ذهب بها.

    ولهذا يستطيع الإنسان في البادية يفر بجسده من الفتن من غير وسيلة، ويستطيع الإنسان في المدينة أن يفر بدينه من الفتن، والفرار هنا مسألة نسبية، يأخذ من ذلك شيئاً، يتوقع من بعض الفتن، يقلل من عرضها على قلبه، ( فإن الفتن تعرض على القلوب عوداً عوداً )، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لهذا نقول: إن المعالجة لأمر الفتنة متعددة، وهي فرع عن معرفة حقيقتها، فإذا تبصر الإنسان بذلك وقي الفتنة، وأعانه الله سبحانه وتعالى، وسدده وأرشده.

    أسأل الله جل وعلا وإياكم أن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأسأله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من فتنة النار، وعذاب النار، وفتنة القبر وعذاب القبر، ومن شر فتنة الغناء ومن شر فتنة الفقر إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.