إسلام ويب

الشبهات وأثرها في الثباتللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للشبهات أثر بالغ على ثبات الإنسان على دينه, فبسببها قد يضل الإنسان عن الطريق القويم, والشبهات تتباين في قوتها وضعفها بحسب حال الإنسان ونفسيته, وأفضل ما يواجه العبد به هذه الشبهات هو العلم الشرعي, والإكثار من العبادة, والابتعاد عن مواطن الشبهات

    1.   

    تكريم الله للإنسان وتفضيله على غيره بالعقل

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    إن الله سبحانه وتعالى قد أكرم الإنسان وفضله على كثير من المخلوقات؛ وذلك بما وهبه الله جل وعلا من عقل يميز فيه بين ما يحتاج إليه وما لا يحتاج، وهذا من نعم الله عز وجل وفضله وإحسانه، وقد كرم الله سبحانه وتعالى بني آدم بهذه الخصيصة سواءً كانوا من أهل الإيمان أو كانوا من غيرهم، والإنسان ميزته بعقله وإدراكه، فكلما كان أكثر إعمالاً لهذا العقل كان من أهل الفضل والمنقبة عند الله عز وجل، وإذا لم يكن من أهل الإعمال للعقل قل نصيبه في ذلك، وأصبح من أهل الضلال والزيغ والانحراف، بل ربما لو سلم من عقله لكان خيراً له؛ وذلك أن الإنسان إنما وهبه الله عز وجل تلك الأداة ليسلك بها طريق الخير، وأما من أوتي أداة فاستعملها في غير مرضاة الله عز وجل، أو في غير ما وضعت له فإنه يسلكها في شر، ومن سلكها في الشر كان عدم استعمال تلك الآلة أو عدم وجودها أولى في حقه, كحال الإنسان حينما يعطى لباساً ويستعمله في غير موضعه، أو يعطى آلة فيضعها في غير موضعها, ولو عدمها لكان خيراً له، ولهذا جعل الله جل وعلا الكفار كالأنعام أو أضل سبيلاً، فهم كالأنعام من جهة عدم الفائدة من هذا العقل، وأضل سبيلاً باعتبار أنهم قد ألحقوا بأنفسهم الضرر مع إمكانهم النجاة، فالبهائم لا يمكنها أن تميز بين الخير والشر، وإنما وقعت فيما قدره الله جل وعلا لها بما تستطيع معه الاختيار، فهي لم تضر بنفسها عمداً, بخلاف الإنسان فقد ملك الآلة وقصر في إدراك الحق.

    1.   

    الفطرة الصحيحة للإنسان وتحريفها من قبل أعدائه

    إن الله سبحانه وتعالى قد فطر الإنسان على فطرة صحيحة معتدلة، وهذه الفطرة هي التي فطر الله عز وجل عليها الناس، ولو لم يكن هناك أعداء للإنسان وخصوم تجتاله لأصاب الحق الذي أراده الله جل وعلا له، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل للإنسان أعداء، وهؤلاء الأعداء هم الذين يحرفون فطرة الإنسان عما أرادها الله، ولهذا جاء في الخبر: ( خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين )، ولو لم يكن للإنسان عدو من ذاته -وهي نفسه- أو عدو من خارجه -من شياطين الإنس والجن- لأصاب تلقائياً رضا الله جل وعلا، ولما أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل, وأنزل الكتب, ولكن جعل الله جل وعلا ثمة معادلة؛ وهي أن الإنسان يقف في النصف وعن يساره من يجتاله من الشياطين، وعن يمينه من يرشده من الأنبياء والمرسلين, والإنسان حينئذٍ يحكم عقله بين هذين السبيلين، فإن سلك طريق الحق كان ممن أعمله بالحق، وإن سلك طريق الباطل كان ممن أعمله بالباطل.

    والناس بقدر انحرافهم عن الصراط المستقيم يتميزون من جهة الفضل والشر، فإذا مالوا إلى الحق وسلكوا طريقه بميل يسير ببعد عن الشر كانوا من أهل الهداية والقرب بحسب قربهم من طريق اليمين، وإذا أخذوا شمالاً وانحرفوا عن الصراط المستقيم فبحسب انحرافهم وبعدهم عن الحق يكونون من أهل المقت والشر والضلال، ولهذا جعل الله جل وعلا للخير درجات، وجعل للشر دركات، وما جعل الله سبحانه وتعالى الناس على مرتبة واحدة, وذلك مقتضى عدل الله جل وعلا في قوله: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، ومقتضى ما جاء أيضاً في الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام حاكياً عن الله جل وعلا أنه قال: ( يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرماً )، فحرم الله عز وجل أن يظلم عبده فيجعله كغيره ممن وقع في الخطأ.

    1.   

    نظرة في أعمال الظاهر والباطن للإنسان

    وثمة شيء يؤثر على الإنسان من جهة إصابة الحق في باطنه، فما كل من قتل وقع في الشر المحض، فربما كان قتلاً خطأً أو كان فيه شبهة عمد أو نحو ذلك، ويتباين درجات القصد والتعمد في الوقوع في الشر بحسب باطن الإنسان، وإن تشابهت من جهة الظاهر.

    كذلك أيضاً في أبواب المشابهة في الظاهر من أمور الخير، فقد يتوافق الإنسان مع غيره في التلبس بالخير ظاهراً، ولكن دوافع الباطن تتباين، ولهذا لا يزال الإنسان يشوبه شيء من النفاق أو الرياء أو السمعة أو التصنع في عمل الظاهر، ومنهم من عمله ذلك يبلغ مرتبة تخالف غيره ممن هو دونه، ولهذا المعادلة من جهة قبول الله جل وعلا لعمل عبده وإصابته للحق ينظر فيها إلى عمل الباطل وعمل الظاهر، وهذا عدل الله سبحانه وتعالى ألا يظلم العباد مثقال ذرة، وإنما يجازيهم بحسب عملهم الذي عملوه من الباطن والظاهر، والله جل وعلا ينظر إلى ما في الصدور, ولا ينظر إلى الصور والأجسام إلا بعد صحة البواطن.

    1.   

    الشبهات والشهوات وعلاقة بعضها ببعض

    وفي هذه الندوة نتكلم على الشبهات وأثرها على الثبات، وقولنا في العنوان: (وأثرها على الثبات) هو يتعلق على سبيل اللزوم بكلمة الشبهات, فيلزم منها الثبات أو عدمه، وذلك أن الإنسان إذا تمحض لديه الطريق لم يكن حينئذٍ بحاجة إلى أن يثبت على هذا الطريق، ولكن ذكرنا هذه العبارة: (وأثرها على الثبات)؛ لأن هناك من يعرف الطريق ولا يكون لديه شبهة، ولكن يتعمد طريق الباطل، وطريق المعاندين الذين ذكر الله عز وجل أحوالهم, كقوم فرعون الذين ذكر الله حالهم في قال الله سبحانه وتعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، فهم يعلمون أن هذا هو طريق الحق ومع ذلك تنكبوه.

    ولا يلزم من الإنسان إذا ظهر وتمحض له الحق, وخلص من جميع الشبهات: أن يكون الإنسان لازماً من جهة العمل لما يعلمه؛ وذلك لشيء من الشهوات، والعلم الباطن هو الذي يفرق بين الشبهة والشهوة، فالمخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى دافعها من جهة الباطل نوعان:

    النوع الأول: الشبهة.

    الأمر الثاني: الشهوة.

    أما بالنسبة للشهوة فهي أن يعلم الإنسان أن هذا هو طريق الحق، ولكن يخالفه لشيء من النزوات وحظوظ النفس، ولهذا تجد كثيراً من الناس يقرون بوجوب الصلاة؛ ولكنهم يفرطون فيها، ويقرون بتحريم الربا ولكنهم يقدمون عليه لشيء من لذائذ الدنيا أو شيء من متع النفس، وهذا من الشهوات. وهذا وإن كانت دائرته تتباين من جهة خطورة ما يقع فيه الإنسان, فربما وقع الإنسان في شيء من المكفرات لشيء من الشهوة التي أرادها ولو كان يقر بباطنه؛ ولهذا فرعون في ذاته يعلم أن الله عز وجل هو الخالق, وهو الرازق، وهو المتفرد سبحانه وتعالى بربوبيته للخلق، وكذلك كفار قريش وغيرهم من الخلق يعلمون أن الله سبحانه وتعالى هو المدبر لهذا الكون، لكن ما لم يعملوا بهذا العمل فإنهم على شر، وذلك يتعلق بجملة من العبادات منها: التوحيد, ومنها: الصلاة, على خلاف في بعض أحكام العبادات العملية في هذا في مخالفة الظاهر لأمر الباطن.

    وأما بالنسبة للشبهة فهي: أن يعتقد الإنسان أن الباطل حق، والحق باطل، وهذا هو موضع الكلام في هذا المجلس، فنحن سنتكلم على أصل الشبهة وحقيقتها، أما ما يتعلق بأمر الشهوات فهذا بحر لا ساحل له، وأكثر المعاندين إنما عاندوا في هذا الأمر أي: أمر الشهوات؛ لكن أن يلبس الخير صورة الشر، أو يلبس الحق صورة الباطل -والعكس- فهذا هو موضع الشبهة.

    وقد تكون الشهوة في ذاتها شبهة من وجه ظاهر بخلاف الباطل, فهي في ذاتها بالنسبة للمتلبس بها شهوة، ولكن بالنسبة لتصديرها للغير شبهة وليست بشهوة، ومثال ذلك: أن الإنسان ربما يعتقد في ذاته أن هذا الطريق هو طريق الحق، ولكن يصدره للناس على أنه طريق الباطل؛ لأنه لا يمكن أن يصدر الإنسان الصورة الحقيقية التي تقع في قلبه على هذا الطريق ثم يخالفه، ثم يدعو إلى الشر بأنه طريق الشر، ولهذا فرعون يعلم أن الله عز وجل هو رب الخليقة سبحانه وتعالى، ومع ذلك يقول: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29]؛ لأنه لو لم يستعمل هذه العبارة ما اتبعه على طريقه أحد، فهو بحاجة إلى نوع من الشبهة الظاهرة التي يدلس بها على العباد حتى تتحقق شهوته في ذلك؛ وهي شهوة الملك والرئاسة والسلطة على الناس.

    إذاً: الشبهة قد تكون ممتزجة مع الشهوة، وقد تكون منفردة أيضاً من وجوه أخرى.

    1.   

    تعريف الشبهات وأسباب قوتها وضعفها عند الإنسان

    بالنسبة للشبهات التي ترد في كلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإننا نعرف معناها والمراد منها إذا أرجعناها إلى المعنى اللغوي، فالشبهة في اللغة مأخوذة من قولنا: اشتباه السبيل أو اشتباه الطريق, فنقول: فلان اشتبه عليه الطريق أي: تردد بين طريقين فأكثر.

    والإنسان يقرب من الحقيقة كلما كانت الأمور المتشابهة أقل عدداً، فإذا كثرت ضل الإنسان وتاه فيها، فالإنسان حينما يخير بين عشرة فإنه يصيب أكثر من كونه يخير بين عشرين ومائة؛ وذلك أن الدائرة تقل، وكذلك فإن الإنسان إذا خير بين طريقين فإنه بنسبة خمسين بالمائة يصيب الحق حتى لو خمن في ذلك, بخلاف لو خير الإنسان بين عشرين أو مائة ونحو ذلك.

    ولهذا الشبهة قد تعظم عند الإنسان وقد تضعف بحسب القرائن المحتفة فيها، وبحسب عقل الإنسان ونفسيته، وبحسب ما يمتزج فيها من بعض شهوات الإنسان التي تصرف الإنسان من حيث لا يشعر إلى غير الحق, كبعض النزوات الباطنة للإنسان أو حظوظ النفس؛ كالميل إلى الجاه والسمعة، أو الميل إلى شيء من المال أو نحو ذلك، فإن هذا ربما يصرف الإنسان ويجعله يمعن النظر في تلك الشبهة, ويلتمس فيها المرجحات والقرائن؛ حتى يزيل عنها الشبهة فيقنع القلب بذلك فيسلك طريق الباطل، وهذا أمر معلوم، فمثلاً: الإنسان إذا كان لديه نوع من التجارة يريد أن يضارب فيها فإنه ينظر هل ستكون الأرباح في ذلك عظيمة أو لا, فيكثر ويديم النظر فيها، فيعلق في قلبه؛ لأنه من جهة الأصل متشوف إليها، فيعلق في قلبه المرجحات لها؛ سواء من أقوال الفقهاء فيها أو أن الضرر ليس متعدياً إلى الغير أو ينظر إلى وجوه الخير والفضل فيها، فيقوم الإنسان بعقله وبصره بسبر تلك الحال, حتى يستقر في عقل الإنسان القول بالرجحان، فتثقل الكفة وهي في حقيقتها وفي ذاتها خفيفة، ولكن الذي أثقلها هو إدامة النظر؛ لأن الإنسان استحضر في قلبه حسنها، فجلب الحسن إلى عقله وقلبه فرآها حسنة كذلك، فإن الإنسان إذا أراد الشيء أن يكون حسناً نظر إليه بقصد الحسن، وإذا أراد أن ينظر إليه بوجه السوء جلب السوء إليه، فاستقر في نفسه على أنه سوء، ولهذا إذا ذممت شخصاً عند إنسان وقلت له: إنه سيأتي فلان, وإنه كذا كذا, وفيه كذا وكذا, فأكثرت على هذا الإنسان بأنه مذموم, ولو لم يكن بغير بينة، فإن هذا الإنسان إذا رآه سينظر إليه ابتداءً بالنظر السابق الذي تشربه منك، فيلتقط السيئات ثم يبني عليها بعد ذلك، وتصحيحه في ذلك يصعب على الإنسان، وهذا أمر معلوم.

    كذلك كثير من الناس فيما يتعلق بأمور الدين، والديانات، والأفكار، والعقائد وغير ذلك، حينما تشوه بشيء من المشوهات في وسائل الإعلام أو بشيء من الكتابات أو الطروحات أو بما يسمى بالرسوم الكاريكاتورية وغير ذلك، فهذه تجعل في قلب الإنسان شيئاً من الاستعداد لجلب الصور المشوهة لذلك فيقوم الإنسان بالتقاطها، وغض الطرف عن غيرها، حتى يرتسم في دينه السوء تباعاً، وهذا أمر معلوم، وهذا ليس مقصوداً بإيراده هنا، ولكن لتقرير بيان المقصود من الشبهة في هذه الجلسة.

    إذا: الشبهات هي ما اشتبه على الإنسان وتردد، وضدها العلم، وبعد ذلك اليقين، وبعد ذلك عين اليقين.

    1.   

    أثر الإعراض عن الشبهات

    والإنسان بعلمه في ذلك يبعد عن نقطة الشبهة بحسب تمكنه من العلم, وهذا وجه، وكذلك يبعد عن الشبهة بحسب إعراضه عنها، فالشبهة قد تكون قريبة منك ولكنك تبتعد عنها؛ وذلك بعدم النظر فيها، أو بألا يعمل الإنسان ذهنه بالتفكير فيها، وقد تكون الشبهة مستقرة في جوف الإنسان وقلبه, إلا أن الإنسان أبعد ما يكون عنها وهي موجودة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يزال الشيطان بالعبد فيسأله: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يسأله ويقول: من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينصرف )، وهذه الشبهة توجد في قلب الإنسان وهي أبعد ما تكون عنه؛ لأنه أدار قلبه عليها، ولم يستقبلها, ولهذا الشبهة قد تبعد عن الإنسان مكاناً، وقد تبعد عنه تفكيراً وتأملاً.

    1.   

    اعتبارات تباين الشبهات من جهة قوتها وضعفها

    ولهذا نقول: إن الشبهات من جهة قوتها وضعفها تتباين باعتبارات متعددة؛ من هذه الاعتبارات ما يتعلق بذات الشبهة، فالشبهة بذاتها قد تكون قوية وثقيلة، وقوتها وثقلها وعظمها يرجع إلى اعتبارات أيضاً، ومن ذلك: ما يتعلق بعقل الإنسان وإدراكه، فمن الشبهات ما يجد الإنسان له حلاً وجواباً، ومنها ما لا يجد الإنسان لها حلاً وجواباً، وذلك ليس بأن هذه الشبهة هي مصادمة لأصل العلم الذي أوجده الله لها، وإنما لضعف المدرك به؛ وهو العقل؛ فالعقل كحال الإناء يدرك شيئاً ولا يدرك شيئاً غيره، ولهذا الإنسان يدرك المشاهدات ولا يدرك غيرها، والإنسان يقيس كثيراً من الأمور المشاهدة فإذا وجد غيرها قاس عليها، وإذا خرج عن بيئته وطبيعته لا يستطيع الإنسان أن يتمكن في ذلك، ولهذا الإنسان الذي يسير في الأرض على سيارته ودابته وهو يعرف الطريق، فإنه يتقن من معرفة أمور الأرض ما لا يتقنه غيره ممن لم يسلك هذه الأمور, كذلك أيضاً: من كان يقود المركبة على الأرض فإنه يختلف عن الإنسان الذي يقود الطائرة, إذاً: الإنسان الذي يعرف الطرق كحال الإنسان الذي يكون في الأرض؛ وذلك لأن الإنسان جرب هذه الأمور.

    ومنها: ما لا يدركه الإنسان باعتبار أن عقل الإنسان محجوب عن مثل هذا الإدراك؛ وذلك ما لا مثيل له ولا نظير، ولذلك يجعل العلماء من المتشابهات ما يتعلق بأسماء الله عز وجل وصفاته, وصفات الله سبحانه وتعالى من وجه هي من الأمور المتشابهة، وذلك أن الله عز وجل يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، فالإنسان إذا أراد أن يقيس غائباً على مشاهد فلابد أن ينظر إلى أجزاء المشاهد ثم يقيس عليه الغائب، ولهذا الله عز وجل أغلق باب التأمل في هذا؛ لأنه لا مثيل له في المحسوسات حتى يقوم الإنسان بتأملها وتدبرها.

    كذلك الإنسان إذا ذكرت له شخصاً أو ذكرت له رجلاً ونحو ذلك فمباشرة يقع في ذهنه شيء من الرسم لشخص قد رآه أو قد مر عليه، وهذا أمر فطري جبلي، ولكن فيما يتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى فقد أغلق الله عليه الباب؛ لأنه لا يوجد له نظير، ولهذا يقال: كلما خطر في قلب الإنسان أن الله كذلك فإن الله فوق ذلك، وهذا من الأمور التي لا يجوز للإنسان أن يكيفها في ذهنه، ولا أن يكيفها بقوله، ولا أن يكيفها بفعله, وذلك أن الإنسان لا يمكن أن يدرك لها مثيلاً ونظيراً، وهذا أمر معلوم، بل إن الأمور الحقيقية التي لها مثيل ونظير إذا لم يشاهدها الإنسان فإنه لا يستطع أن يستوعبها؛ كحال الإنسان مثلاً في ابتداء خلقته من جهة مقدار طوله وعرضه, وما خلقه الله عز وجل عليه من بسطة، فالإنسان في ذاته ربما يستشكل استقامة الإنسان وتوازنه وجريه كيف يستقيم مثل هذا الأمر، وهو حقيقة من جهة هذا الأصل، ولكن بعد الإنسان من جهة تصوره؛ فاستشكل هذا الأمر, ولو كان عياناً فيه لأدرك هذا الأمر.

    والإنسان يألف المشاهد ولا يألف الغيب، فالأمور المشاهدة يدركها الإنسان ويألفها، وما كان غير مشاهد فيستنكره الإنسان, وربما نفر منه ولو كان على الحقيقة، ولهذا ينفر الإنسان من بعض المخلوقات، أو من بعض ما خلقه الله عز وجل، ولو كان من بني آدم على خلقة أرادها الله عز وجل له؛ لأنه لم يعتد على هذا النوع، وحال الإنسان كذلك إذا كان الإنسان خلقه الله عز وجل باللون الأسود أو الأبيض ولم يخرج ولم ير أحداً من بيئته ثم رأى في يوم عكس لونه أي: مضاداً له فإنه ربما يستشكل هذا الأمر, وينزعج منه وينفر منه، وهذا أمر معلوم؛ أن الإنسان ينفر مما لم يدركه ولم يره من قبل.

    1.   

    ضعف العقل في إدراك الحكم الإلهية

    الشبهات تستحكم في قلب الإنسان بحسب بعده عن إدراكها، ولهذا قلنا: إن عقل الإنسان هو كحال الإناء منه ما يمكن أن يضعه في الإناء ويستوعبه، ومنه ما لا يستوعبه الإنسان, وما لا يستوعبه الإنسان ككثير من الحكم الإلهية في خلق الله سبحانه وتعالى للكون، وكذلك العلل التي لا يدركها الإنسان، فعقل الإنسان إذا أراد الإنسان أن يعرف قدره فلينظر إلى حجمه من الكون, حتى يدرك مقدار العقل الذي يمكن للإنسان أن يستوعب الحكم الإلهية من خلق المخلوقات, وإجراء المجرات، وسير هذه الكواكب والأفلاك، وما جعل الله عز وجل فيها من سنن إلهية قدرية تحير الألباب، فيعلم الإنسان أن الله عز وجل يغيب كثيراً من الحكم عن عقل الإنسان؛ لأنها لو طرحت عليه لا يمكن للإنسان أن يصدقها، ولهذا لو نظر الإنسان إلى عقل القرشي الجاهلي في مكة حينما أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام أنه ذهب من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة، وعاد من ذلك، ولم يخبرهم عليه الصلاة والسلام بأمر السماء، أنكروا ذلك, وجعلوه من السحر، لكن لو كان أحدنا في زمانهم لعد مجنوناً أن ينكر مثل هذا؛ لأن الإنسان يراه الآن عياناً، فالإنسان الآن يذهب ويأتي بسرعة، فهم كفروا بمثل هذا الأمر, لكن الذي ينكر ذلك الآن فإنه بإجماع البشرية أنه من المتخلفين الذين لم يروا ما أدركه الإنسان.

    إذاً: عقل الإنسان في ذاته لا يمكن أن يحكم على الطبيعة من جهة الصحة والخطأ، ولا يمكن أن يحكم على الغير من جهة الصحة والخطأ أيضاً، وإنما الإنسان يحكم بحسب ما لديه، ولهذا الله عز وجل في بعض المواضع يأمر الإنسان بالإيمان والانقياد فحسب، ويكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا يقيس به الإنسان جملة من الحقائق الإلهية التي خلق الله عز وجل الإنسان عليها، ثم بعد ذلك يقيس صدق خبر في موضع على موضع آخر؛ حتى يعرف الإنسان صدق المخبر في غير ذلك الموضع، وذلك يعطيه يقيناً، والله عز وجل لم يأمر البشرية بأن تؤمن بالغيبيات كلها، ولم يكن ثمة دلائل من الأمور المشاهدة تثبت صدق المخبر في ذلك، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما جعل دائرة للصدق، ودائرة للغيب بعد ذلك يجب عليهم أن ينقادوا إلى موضع الاختبار والامتحان.

    الله سبحانه وتعالى جعل الناس في هذه الدنيا يدركون بحسب ما يريدون، وأكثر ضلال الإنسان فيما لا حاجة إليه في أمر دنياه، ولو اتصل الإنسان بعلمه فيما له حاجة فيه من جهة الإدراك والعمل لما ضل من البشرية أحد، ولهذا الله سبحانه وتعالى امتن على البشر في قوله جل وعلا: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، وذلك أن الإنسان يبحث عن المعلومات ويستكثر منها، وجلبه لهذه المعلومات يزيد معها كثير من الشبهات، وتورث الإنسان شيئاً من الشبهات, كحال كثير من الناس الذين يوغلون بعلم الأبراج والكواكب ونحو ذلك، ومعلوم أنهم لم يغيروا من حركة الشمس ولا الكواكب ولا المجرات ونحو ذلك، بل يبحثون إلى مواضع هي بينهم وبين البشرية إلى آلاف الأميال الضوئية، ويعلمون أنهم لن يدركوا من الوصول إلى هذه الطبيعة شيء، ومثل هذه الأمور تجلب لأناس علماً ويقيناً, وتجلب لأناس شبهة باعتبار أنها من الغيبيات المنفصلة عن إدراك عقل الإنسان، وهذا بحسب يقين الإنسان وقربه من الله سبحانه وتعالى في علوم أخرى التي تثبت القلب عند ورود الشبهة عليه.

    الأمور المتشابهة هي المترددة بين أمرين كما تقدم الكلام عليه، وكلما تردد الإنسان بين أمرين فهو أقرب إلى الحق مما إذا تردد بين ثلاثة وأربعة وهكذا، والله عز وجل أرسل الرسل, وأنزل الكتب، وأظهر البينات والمعجزات على يد نبيه عليه الصلاة والسلام، حتى يجلب القلوب النافرة التي تقيس جملة من الأمور التي لا يدركونها، أو يأتي إلى عقل الإنسان شيء من الأفكار والوساوس بالتنفير من أمثال هذه الأمور فيقيسون شيئاً من الأمور الصادقة بشيء من الأمور الغيبية، ثم بعد ذلك يؤمنون، خاصة إذا كان المخبر معصوم، أي: أنه لا يرد على لسانه الكذب عليه الصلاة والسلام، فيرون المشاهد مصدق في كل حال، ويرون الغيبي غائب عنه، فيصدقون الغيبي لثبوت صدق المشاهد، وأنه لم يكذب في موضع من المواضع، ولهذا فالذي ينفر في ذلك ينفر عن الحق الذي يخبر به المصدق ولم يكذب في موضع معين, ويكذب الغيب كله باعتبار عدم إدراكه, ولم يأخذ الأمور المشاهدة التي جاء بها على سبيل الصدق، وبحث الإنسان عللها فوجدها مصيبة فهذا معاند كافر، وهذه طريقة أهل الظلال والزيغ من المعاندين.

    الإنسان في أمر الشبهات وكذلك اليقين إدراكه وإيمانه بما يرى وما يغيب عن ذهنه النظر في ذلك هو أمر طويل وعريض جداً من جهة إدراك الإنسان لما يتعلق في أمور المشاهدات، مما يتعلق علم الإنسان ووفرته، مما يستطيع الإنسان أن يؤلف بين تلك المعلومات ويخرج معلومة أخرى، وكما لا يخفى أن المعلومات والعلم والفكر والآراء كلها موجودة ومخلوقة، وإنما الناس يؤلفون بينها، فما نرى من أمور الطبيعة، وما نرى من الرسومات، وما نرى من الأشياء والألوان، هذه من أمور الطبيعة يشكل الإنسان بينها فيخرج شيئاً جديداً, كحال اللونين يدمج الإنسان بينهما فيخرج في ذلك لوناً جديداً، كذلك أيضاً الأفكار يدمج الإنسان بينها ويخرج شيئاً، ولهذا لا يمكن للإنسان أن يبدع شيئاً معدوماً لم يخلقه الله عز وجل من المعلومات، ولو سبر الإنسان ذلك لوجد ذلك يقيناً، وذلك كأمور المادة يدمج الإنسان بينها فيصنع بيتاً، ويصنع مركبة ونحو ذلك، كذلك أمر الأفكار كما أنه انبهر أنه أوجد هذه المراكب من عدم، وهي في ذاتها لم توجد من عدم، وإنما جهل مراتب التأليف بينها حتى تخرج على هذا الشكل، وذلك لضعف الإنسان السابق وقوة الإنسان اللاحق، وهذا أمر لكثرة الأقيسة والموروث من العلم يزداد لدى الإنسان الإدراك في ذلك، فيزداد الإنسان فيه علماً.

    1.   

    تعدد طرق الضلال

    ما يتعلق بمسألة الشبهات، الشبهات هي شبهات عظيمة في ذاتها، وشبهات هي يسيرة في ذاتها، ولكنها عظيمة في قلب الإنسان؛ لقلة معرفته بالحق، فالله سبحانه وتعالى جعل للإنسان طريقاً مختصراً بيناً يميز به الإنسان الخير من الشر، ويجعل هذا الطريق هو طريق الفيصل بين الطرق كلها، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عبد الله بن مسعود قال: ( خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، وخط عن يمينه وشماله خطوطاً, فقال: هذا الصراط المستقيم، وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم تلا قول الله جل وعلا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] ).

    ذكر الله عز وجل في هذه الآية أن الصراط صراط واحد، وأما السبل فهي متعددة؛ لأن طريق الحق هو طريق واحد كحال العافية، فالعافية واحدة، وأما الأمراض فمتعددة، وهذا طريق الحق دائماً يكون واحداً لا يتعدد، وهذا هو الحق في مذهب أهل الحق من أهل السنة والجماعة على خلاف من أهل العقل من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: إن الحقيقة في ذاتها تتعدد، وأن الصواب يتعدد، وهذا فيه نظر، ولكن نقول: إن أجر الإنسان في حال اجتهاده يتعدد، إما أن يكون من أجر أو أجرين، أما الحقيقة في ذاتها فإنها لا تكون إلا حقيقة واحدة، كذلك الطريق المستقيم هو طريق واحد، ولهذا الإنسان الذي يريد أن يسلك طريقاً من مكة إلى المدينة، فإن الطريق المعتدلة على خط مستقيم هذا هو الطريق الحق الصواب الذي لا يشوبه ميلان، وإن كان ثمة شيء من التعرجات وغير ذلك، هذا طريق فيه حق كبير، وكلما كان تعرجه في ذلك بعد عن الحق، وأما من رأى أنه يصل إلى الغاية, ويحتج بأن هذا أوصله إلى الغاية فيلزم من ذلك التساوي في الصحة، نقول: إن الوصول إلى الغاية لا يعني تساوٍ في الصحة عند العقلاء في كثير من المدركات إذا أراد الإنسان أن ينظر إليها من الأمور المعنوية والحسية.

    1.   

    أثر العلم في دفع الشبهات

    والله عز وجل أنزل كتابه، وأرسل الرسل حتى تبدد كثير من الشبهات التي تطرأ على العقول، كذلك أيضاً تواجه شبهات النفس وشبهات الشياطين فتزيلها، لهذا جعل الله عز وجل الوحي موافقاً للفطرة، ومعنى ذلك: أن الله عز وجل جاء بكتابه العظيم، وجاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه وتعالى حتى تأتي معدلة للفطرة مما طرأ عليها من انحراف، لهذا كان دين الإسلام هو دين الفطرة التي فطر الناس عليها، أي: خلق الله الناس على هذا الأمر بمجرد أن يصل إليهم هذا الشيء لا ينفرون منه، فجاء الله عز وجل بهذه الحقيقة، وجاء بهذا الكتاب العظيم تبياناً لكل شيء وهدى، وجاء به محكماً: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود:1]، جاءت على طريق البيان؛ بياناً للخير في ذاته، وبياناً للشر بمعرفة مواضع الشر حتى يحذر الإنسان منها، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا عرف حقيقة الشبهة، وحقيقة حجمها، وخطورة الولوج فيها، وقربها بحسب حالها، لهذا نقول: إن حال الشبهة مع الإنسان كحال النار، والإنسان إذا كان لا يحتاج إليها من جهة النظر والتأمل فيها ومعرفة حالها، فإنها ربما آذته، وإذا كان الإنسان عالماً محصناً في ذلك فإنها لا تؤذيه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن قرب الإنسان من الشبهة لابد أن يكون بحسب علمه وإدراكه، وقوته من العلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عمران بن حصين قال: ( من سمع منكم بالدجال في بلد فلا يأته, فلا يزال أقوام يأتونه يحسبون أنه مؤمن فيتبعونه لما يرون من الشبهات )، وذلك أن عقل الإنسان لا يمكن أن يقابل شبهة عظيمة يأتي بها المسيح الدجال أنه يأمر السماء أن تمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، ويأمر الموتى أن يحيوا، ويقتل الأحياء ثم يعيدهم بعد ذلك, فهذا شيء من الأمور التي يصعب على الإنسان إدراكها.

    ومثل هذا ينبغي للإنسان الإعراض عنه، ولهذا نقول: إن الشبهة لها أثر على ثبات الإنسان بحسب قوتها، وبحسب قوته، فقوة الشبهة وقوة الإنسان متلازمة من جهة المواجهة بين الشبهة والعلم، فالعلم في الإنسان مكتسب، ومنه ما هو موجود في فطرة الإنسان، فالإنسان ينفر من الشيء فطرةً، وكذلك الشبهة تكون منها ما هي قوية في ذاتها، ومنها ما ليست بقوية؛ ولكن قويت باعتبار أن الإنسان جاهل فيها، ولهذا نقول: إن من الشبهات ما لا يمكن أن يقاوم، فينبغي للإنسان أن ينفر منه، ومثلنا لذلك ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من الشيطان أنه يسأله: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ ثم يقول: من خلق الله؟ لماذا؟ لأن الإنسان في ذاته هو يقيس كل شيء بحسب ما يرى وما يدرك، خلق الله عز وجل عجلة الزمن بطلوع الشمس وغروبها, ودائرة الأعوام والشهور ونحو ذلك، والإنسان يدور في فلك هذه الطبيعة فيظن أن كل ما كان موجوداً فهو كحاله، فمثلاً: الإنسان قبل أن يعلم ويعرف حقيقة الجاذبية ونحو ذلك، كان يظن أن كل ما كان من الأشياء الساقطة فإنه يسقط إلى أسفل، حتى أدرك بعد ذلك أن ثمة أشياء ممكن أن تسبح في الفضاء, لهذا نقول: الإنسان في إدراكه هو بحسب علمه يمكن أن يدفع الشبهة، ولهذا من الشبهات ما ينبغي للإنسان أن يدفعها، ويظن الإنسان حينما يوسوس له الشيطان أنه يرى كل من لديه له ابتداء كاليوم والسنة والشهور والأنفس والأحجار ومن حوله له بداية، ويدور في هذا الغلاف المجوف، وهذا الكون, ويظن أن ما كان خارجاً عنه هو يدور أيضاً في عجلة الزمن، وينفي ما عدا ذلك، وهذا هو لضعف الإنسان؛ كحال الإنسان حينما لا يرى في الكون إلا شكلاً معيناً أو صورة معينة، ويستوحش وينفر مما عداه، ويرى أن هذا لا يمكن أن يكون حقيقة, وإنما هو من أمور الخيال.

    لهذا نقول: إن الإنسان يتأثر بالشبهة بحسب العلم، فإذا كان من أهل العلم المتمكنين في ذلك دفع الشبهة، ولهذا يقول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7]، فجعل الله عز وجل تأويل هذه المتشابهات لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم بعلم الله سبحانه وتعالى يعلمون ذلك، فالإنسان كلما رسخ في العلم استطاع أن يدفع الشبهات، وهذا العلم علم من المنقول, وعلم من المعقول، ولهذا نقول: إن علم المنقول هو الذي يوثق به، أما علم المعقول فينبغي للإنسان أن يشكك فيه؛ لأن اللبس والدخن فيه كثير.

    جاء في صحيح الإمام مسلم أن فروة بن نوفل الأشجعي قال: ( أتيت إلى عائشة عليها رضوان الله تعالى فقلت لها: أخبريني دعاءً يدعو به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت, ومن شر ما لم أعمل )، فالنبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من شر عمله, ومن شر ما لم يعمله, وهذا فيه ازدراء للنفس في جانب التوكل على الله, وتعظيم الله سبحانه وتعالى، ولهذا نقول: إن الإنسان من جهة معرفة الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يستصغر نفسه، وألا يثق بنفسه.

    1.   

    أثر الثقة المفرطة بالعقل في الوقوع بالشبهات

    من أعظم المؤثرات على الإنسان هو أن يبالغ بالثقة بنفسه, فإذا وثق بنفسه ووثق بعقله أقبل العقل على اعتقاد كثير من الشبهات ثم تشربها فضل وزاغ، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم اختصر الأمر على الناس, وجاء بالهدى والنور وشق الصراط المستقيم، ثم بينه للناس، وأمر بسلوكه، وبين أن هذه السبل التي على يمين الصراط المستقيم تتنازع الإنسان وتحرفه عن المنهج القويم، لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم -كما جاء في المسند والسنن- من حديث العرباض بن سارية: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة )، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالتمسك بسنته، والإعراض عن غيرها، فقال عليه الصلاة والسلام: ( وإياكم ومحدثات الأمور )، يعني: ابتعدوا عنها وانفروا؛ لأنها دوامة عريضة إذا دخل فيها الإنسان لن ينتهي، وعمر الإنسان أقصر من أن يتتبع هذه الشبهات، ولهذا الله عز وجل جعل النور واحداً, والظلمات متعددة، وهذا كما أنه في المحسوسات فكذلك أيضاً هو في أمور المعاني، فما خلقه الله عز وجل في هذا الكون جعل الله عز وجل جله مظلماً، كذلك أيضاً ما كان من أفكار وآراء جلها مظلمة، وأما النور فيكون طارئاً وعارضاً؛ لهذا الله عز وجل يقول الله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257]، فجعل الظلمات متعددة, والنور واحداً، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:257]، يعني: من نور واحد إلى ظلمات متعددة.

    1.   

    ضعف اليقين وأثره في الوقوع في الشبهات

    من أعظم الإشكالات لدى كثير من الناس: أن ضعف اليقين لديه برسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم يضعف اليقين فيها فيقوم بتلمس الحق، فإذا ضعف وقف عند أدنى طريق, كحال الإنسان الذي يمشي يلتمس الطريق، فإذا ضعفت قواه بقي في أرض قد انهارت فيه قواه لا يستطيع أن يسير بعد ذلك، فالأفكار والآراء والعقائد لا يمكن للإنسان أن يستوعبها، لهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما خط خطاً ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً، وقال: ( هذا الصراط المستقيم, وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ).

    يعني: الإنسان لو أراد أن يجرب هذه السبل سبيلاً بعد سبيل بعد سبيل لا يستطيع الإنسان أن يحصيها عدداً فضلاً عن أن يسبر ويميز هذه السبل, فيقف بعد ذلك على حق منها قارنه بالحق الذي جاء الله عز وجل به، لهذا نقول: إن الصراط المستقيم جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر عليه الصلاة والسلام بسلوك هذا الصراط المستقيم, والحذر من سلوك الأمور الأخرى، والأمور الأخرى من الشبهات ومن أمور الشهوات لها شياطين يدعون إليها، من أراد أن يعرف الشبهات المحيطة به عن علم فهذا أمر محمود إذا كان عن علم؛ حتى يحذر الإنسان منها، وهذا من الأمور التي تقي الإنسان الشبهة فيحترز منها، ولهذا يقول حذيفة بن اليمان كما جاء في الصحيح: ( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنيه )، والمراد بهذا: أن الإنسان يتوخى من ذلك؛ لأن الشبهة ربما تأتيه، فإذا جاءته لا مناص عنها، فيكون الإنسان قد احتاط من ذلك.

    1.   

    المحترزات من الوقوع في الشبهات

    وإذا تقدم تمييز الشبهات، وكذلك أن الدافع منها في ذلك هو العلم, نقول: ما هي المحترزات للإنسان من هذه الشبهات.

    العلم الشرعي

    تقدم أن من أعظم المحترزات للإنسان من هذه الشبهات التي تطرأ؛ وهي في زماننا عريضة جداً: أن الإنسان ينبغي له أن يرسخ نفسه وأن يقعدها بالعلم، والعلم الشرعي والعقلي كلما أكثر منه الإنسان أدرك الإنسان الحق في ذاته، وكان حذراً من سبل الشر، فإذا طرأت عليه أمامه عرف أن هذا طريق شر، كحال الإنسان الذي يسلك طريقاً وتحذره من طرق تأتيه عن يمينه وشماله، فحينما تأتيه لا يشتبه عليه هذا الأمر؛ لأن لديه علماً سابقاً أن طرقاً ستأتيه عن يمينه وشماله, فلا يلتفت إليها وإنما هي مهالك، ولو جاءه دليل يريد أن يرشده عن يمين وشمال أنه يأتيك طريق عن يمينك وشمالك، فيقول: لدي علم قبل ذلك أن هذه طرق تؤدي إلى مهالك، فيحذر من ذلك؛ لأن لديه علماً، بخلاف الإنسان الذي لم يعلم من قبل، فأي داعي إليه ربما يأتي دافع النفس بالتجربة والنظر في ذلك فيهلك الإنسان، والشبهة تجر أختها, كحلقات السلسلة ترد إلى قلب الإنسان وعقله حتى يتشرب الإنسان ذلك، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً )، يعني: مرة بعد أخرى حتى يتشرب القلب تلك الفتن، ولا يستطيع الإنسان منها خلاصاً، والإنسان ربما يرى الحق ويؤمن به، ويجد ثقلاً من الاستجابة في ذلك، وهذا أمر معلوم، ولهذا الجاهليون لأنهم تعلقوا بهذا الأمر المعظم -وهي الوثنية وعبادتها- وجدوا ثقلاً من اتباع النبي عليه الصلاة والسلام؛ حتى منهم لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ( يا رسول الله! إني أريد أن أسلم؛ ولكني أجدني كارهاً؟ فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: أسلم ولو كنت كارهاً )، فهذا الكره هو بقايا التشرد في القلب من التعلق بأمر الجاهلية، فيدخل الإنسان في ذلك، ثم تأتي دورة العكس بسلسلة الحق بعد ذلك، فيأتي إلى قلب الإنسان حتى يفيض الباطل والفتنة من قلب الإنسان ويتشرب الحق، ثم بعد ذلك يتخلص الإنسان مما وقع في قلبه من الشبهات.

    الإكثار من العبادة

    من وسائل الابتعاد عن الشبهات: أن يكثر الإنسان من العبادة، وهذا أمر يفتقده كثير من الناس، ويفتقده ربما كثير من الصالحين المنتسبين إلى الديانة, فالعبادة من أعظم المثبتات على الحق، والمحذرات من الفتن، والمقومات للإنسان على الصراط المستقيم، فأنبياء الله عز وجل ما من نبي أراد الله عز وجل أن يرسله إلا أمره بالعبادة قبل أن يبدأ بالرسالة؛ لأن الرسالة فيها مواجهة، وفيها صراع حجج، وفيها مقاومة, وربما فيها افتتان وأذية للإنسان، فهي بحاجة إلى شيء من قوة البدن, وقوة القلب.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام أمره الله عز وجل بصلاة الليل كله إلا قليلاً, كما في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2]، وموسى عليه السلام لما جاء جانب الطور ورأى النار فأول كلمة سمعها من الله سبحانه وتعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]؛ بل إنه ربما لو سئل عن كيفية الصلاة وقد أمر بها لم يكن لديه علم في تلك الساعة عن صفتها تامة، مما يدل على أن الإنسان ينبغي أن يثبت في أمر العبادة، وكثير من الناس غير المتسلحين بالعبادة والإيمان يقعون في حياض الشبهات، وكذلك الفتنة ونحو ذلك، وتجتالهم وينحرفون فيها، فمن جهة العلم ضعيف، ومن جهة الديانة والتعلق بالله ضعيف، فأنى يكون له مثبت في قلبه، ولهذا ما من نبي من أنبياء الله يأمره الله عز وجل بالرسالة إلا ثمة فترة قبل الرسالة وهي فترة الحصانة الذاتية بالتعلق بالله سبحانه وتعالى.

    عيسى عليه السلام وهو في المهد قال: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:31]، ابتداءً من هذه اللحظة أن يبتدئ الإنسان تعلقاً بالله سبحانه وتعالى، وأن يعرف المهمات أنه ينبغي للإنسان أن يتحصن، لهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يكثر من العبادة لله عز وجل، وأن يكثر من الصلاة، وأن يكثر من أعمال البر، والتعلق خاصة بعبادة السر، وعبادة السر هي من أعظم المثبتات للإنسان، وهي كحال الوتد الذي يغرسه الإنسان فيثبته فلا تأتيه الأعاصير ونحو ذلك.

    1.   

    الصراع مع الشبهات

    ثمة مسألة وهي مسألة الصراع مع الشبهات، ومواجهة هذه الشبهات، وثمة مقولة فكرية تطرح وهي: لماذا لا تناقش هذه الشبهة؟ ولماذا لا تناظرون هذه الشبهات؟ هل أنتم في شك منها؟ اطرحوا ما لديكم ونحو كذلك.

    فنقول: ينبغي أن نعلم أن صراع الأفكار كصراع الأبدان، ليس لشخص أن يأتي ضعيفاً هزيلاً ويأتيه شخص أو أشخاص متعددون أو جيش عرمرم ويقول: لماذا لا تطرح ما لديك، ونقوم بهذه المعركة ونحو ذلك؟ فينبغي أن نعلم أن صراع الأفكار كذلك، إذا لم يكن لدى الإنسان علم, ولم يكن لديه شيء من المثبتات الأخرى، فأنى أن يواجه الشبهات، ولهذا نقول للإنسان: إن الله عز وجل حينما أمر الإنسان أن يبتعد عن مواضع الشبهة ليس خوفاً على الحق، وإنما خوفاً عليه بذاته، ليس خوفاً على الحق؛ لأن الحق ثابت وراسخ بك أو بغيرك، وإنما الخوف عليك، ولهذا نقول: إن صراع الأفكار والعقائد هو كصراع الأبدان، إذا لم يكن الإنسان قوياً محصناً بالعلم فإنه سيضعف وسيلزمه غيره، ولا يعني أن غيره حينما يلزمه أنه من جهة الحقيقة أقوى منه، ولكن هذا أضعف من ذاك، فضعف الحق الذي لديه جاء بشبهة أقوى من ذلك، فدفعته وصرفته عن الحق، ولهذا الله سبحانه وتعالى نهى على سبيل الإجمال أهل الحق أن يخالطوا المشركين, وأن يقيموا بين ظهرانيهم، فقد جاء في المسند وغيره من حديث قيس عن جرير بن عبد الله , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنا بريء ممن يقيم بين ظهراني المشركين )، فذكر النبي عليه الصلاة والسلام الإقامة؛ لأن الإقامة تجعل الإنسان يتأمل ويستعرض ويسمع كثيراً من الشبهات ليلا ًونهاراً، ثم بعد ذلك يتشربها، ولهذا كثير من الناس ربما يقدمون على صراع الشبهات, ويتشربون الشبهة, ويظنون أنهم أخذوه عن طريق قناعة، وأنه تأمل هذا الأمر فاقتنع فيها، وهذا أيضاً دليل على ضعف الإنسان من جهة إدراك صراع الأفكار, وصراع العقائد, وصراع الشبهات ونحو ذلك، ونعلم أن الإنسان إذا أدام النظر في شيء ولو كان ضعيفاً دل على تشربه في قلبه، ولو كان أبعد ما يكون من الضلال، فحينما ينشأ الإنسان في بيئة تعبد الأصنام أو تعبد البقر أو تعبد الفأر أو غيرها من دون الله سبحانه وتعالى، تجد الإنسان يتعصب لهذا المعبود؛ لأنه استدام النظر والتعظيم لهذا الأمر، بل إنه ربما يقاتل ولا يتخلى عن هذا المعبود؛ لأنه تشرب هذا الأمر, وجاء إليه هذا الأمر -الذي لا يمكن أن تؤمن به فطرة بشرية سوية- والقلب في ذلك خامل، ثم تشربه شيئاً فشيئاً, وأخذه على سبيل التدرج، ولهذا أعظم الشبهات تأتي على الإنسان على سبيل التدرج من حيث لا يشعر.

    الإنسان حينما يأتي من بيئة نظيفة إلى بيئة ملوثة على سبيل السرعة فإن الإنسان يصرع مباشرة، ولكن لو جاءها على سبيل التدرج شيئاً فشيئاً يجد أنه تشرب ذلك ووقع عليه حصانة ولم يمرض في ذلك، مع أن حاله من جهة النهاية هو قد تشرب ذلك الأذى كما تشربه الذي صرع، ولكن الشبهة في حال تدرج الإنسان فيها تقع في قلب الإنسان ولا يشعر في ذلك.

    لهذا نقول: إن الإنسان إذا أراد أن يواجه الشبهات, وأن يدرك موقف الحق منها: أن يكون من أهل العلم فيها، وأن يكون أيضاً من أهل القوة في أمر العبادة؛ لأن العلم في ذاته لا يحصن الإنسان، وذلك أن ثمة شبهة وشهوة تدفع الإنسان إلى اقتراف الباطل، فما من أحد على هذه الأرض أعلم من إبليس, فهو قد أدرك آدم وذريته, وشهد الوحي، ونزل على سائر الأنبياء، وأدرك الأجيال والقرون، وهو يعرف الأقوال التي جاءت, ويدرك الأئمة, ويعرف الأدلة, وسمعها مباشرة بلا واسطة، ومع ذلك فهو أضل الخلق، وذلك أن القلب قد يعلم الحقيقة، ولكنه لم يكن محصناً بالكفة الأخرى وهي العمل، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: ( بادروا بالأعمال ) يعني: أسرعوا وأكثروا من العبادة، فإن ثمة شيء توجلون منه، ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً, يبيع دينه بعرض من الدنيا )، هو يعلم أنه دين، لكنه باعه من أجل الدنيا؛ للجاه.. للسمعة.. لحظوة في نفسه عند الناس، ولهذا نرى كثيراً من أهل العلم، أو المنتسبين للدعوة، أو المنتسبين للديانة قد ضلوا السبيل على علم بفتاوى تخرق الإجماع، أو بفتاوى لم يكن عليها أهل العلم في ذلك، وهذا أمر يدل على أن العلم في ذاته لا يحصن الإنسان، ولهذا لا يحفظ التاريخ عالماً عابداً جمع بين هذين الأمرين، ثم انتكس عن طريق الحق إلا في مرحلة ضعف في أحد هذين الجانبين؛ إما ضعف في العلم أو ضعف في أمور العبادة والديانة، وهذا أمر معلوم، لهذا نقول للإنسان: إذا أراد أن يثبت وأن يصمد أمام الشبهات، أو أن يخوض معترك الشبهات فعليه أن يحصن نفسه بهذين الأمرين؛ امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الشبهات في زماننا كثيرة ومتكاثرة وتعرض على الإنسان كثيراً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( فتناً كقطع الليل المظلم ), أعظم ضلال للإنسان وحيرة هو في حال الظلمة، فإذا كان الإنسان حائراً ولا يرى شيئاً كقطع الليل، فلا يرى من أجرام السماء شيئاً، ولا من معالم الأرض وفجاجها ومناراتها شيئاً، لا يعرف الجهات ولا يستطيع أن يتوجه، وهذا بسبب الفتنة التي طرأت عليه، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم, يصبح الرجل مؤمناً, ويمسي كافراً؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا )، فهذه الثمرة -التي هي أن يبيع دينه بعرض من الدنيا- إشارة إلى أن الفتنة إنما هي فتنة دنيا وبريقها كالجاه والسلطة ونحو ذلك، والذي أرى والله أعلم أن في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( فتناً كقطع الليل المظلم )، أن هذا الرجل الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: (يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً) أنه آمن وكفر في اثني عشر ساعة يعني: في نصف يوم، وهذا الكفر الذي جاء من أقصى اليمين حيث أنه قد دخل في الإسلام ثم رجع إلى الكفر، مع أن بين الكفر والإيمان ذنوباً وبدعاً وشهوات وغير ذلك، فكيف انتكس هذه الانتكاسة العظيمة جداً في ساعاته؟! مما يدل على أن ثمة شبهات متتالية، وهذا ما نراه كثيراً في وسائل الإعلام التي تطرق مسامع الناس في وسائل الاتصالات المرئية والمسموعة والمقروءة، بل ربما تلاحق الإنسان في ذهابه ومجيئه، وربما في الجوالات المحمولة وفي الرسائل المقروءة، فهي أمور تقذف على عقل الإنسان حتى يظن الإنسان أن أكثر البشرية تساق من قبل شخص واحد أو أشخاص, سواء ما يتعلق بأمور السياسة، أو ما يتعلق بأمور الاجتماع، أو ما يتعلق بأمور الاقتصاد ونحو ذلك, بل إنه ربما لو كان ثلاثة أو أربعة أفراد أرادوا أن يوجهوا الناس إلى تجارة معينة، وجهوهم بهذا الأمر بشيء من الوهج الإعلامي على نوع من التجارة خسر الناس في ذلك شيئاً عظيماً جداً بسبب إقبالهم، وهذا كما أن الناس يفتنون في أموالهم كذلك يفتنون في دينهم أيضاً، ولهذا نقول: إن من أعظم ما يرسخ الإنسان في هذا الأمر المعرفة بالعلم الشرعي, أن يكون من أهل التأصيل والتقعيد في ذلك، أن يبصر معالم الأرض، وأن يبصر أيضاً أبراج السماء مما جعلها الله عز وجل هداية، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في حديث أنس بن مالك: ( مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بهم )، فالنجم في حقيقته من جهة الأصل الغالب أنه ثابت لا يتحرك، وإذا كان عالماً غيب أو همش جاءت غيبة وسحابة هل يتحرك ويقول: أريد الناس أن يروني، أريد أن أبتعد عن السحابة أو نحو ذلك حتى يراني أهل الأرض؟ لا, فهو يبقى في مكانه، تذهب السحابة وأرى بعد ذلك أو لا أرى؛ لأن الحق لابد أن أبقى في مثل هذا الأمر؛ لأن هناك من يهتدي بي، ولو ذهبت في موضع آخر لأضللت خلقاً وبشراً كانوا يهتدون بي قبل ذلك، لهذا الثبات في ذلك أن يكون الإنسان راسخاً بالعلم، راسخاً في جانب العبادة.

    1.   

    ضعف إدراك الناس واستيعابهم للحقائق وأثر ذلك في الوقوع في الشبهات

    كذلك أيضاً ما يتعلق في مسألة الشبهة, وخاصة في زماننا مع كثرة الصوارف, والإعراض, وانشغال الناس في أمور الكماليات, وأمور الحياة؛ ضعف إدراك الناس واستيعابهم للحقائق، فتأتيهم شبه عارضة، وتأخذ بقلوبهم وترمي بهم في مواضع الضلال، وهذا مشاهد ملموس، وذلك أن كثرة الطرق على عقل الإنسان وذهنه ونحو ذلك كفيل بتجهيله، ومعلوم أن قلب الإنسان كجسده، إذا طرق وجلد جلداً يسيراً انحنى وركع بعد ذلك, وظن أنه خلق على هذا الأمر، ولهذا الإعلام والشبهات تطرأ على عقول كثير من الناس حتى تصور كثيراً من الأمور على أنها هي الحق، ثم تتجلى بعد قرن أو قرنين أنها ليست على هذا الأمر.

    البشرية -حتى لو سبرت التاريخ- لابد أن تقر أنه لا يوجد حقيقة يمكن أن يوصل إليها العقل المجرد، فالإنسان مرت عليه قرون طويلة جداً، ولو استطاع أن يضغط هذه القرون التي مرت بالبشرية ضغطاً، وأن يجعل القرن الواحد يساوي دقيقة، ثم يقوم باستعراضه لرأى أحوال البشرية كيف تتقلب في الحق والصواب, والباطل والحضارات, تتبدل وتقوم وتنزل، ورأى أخطاء البشرية تتغير، هؤلاء تتكرر أخطاؤهم في القرن الماضي ونحو ذلك، لأدرك أن كثيراً من البشر إنما هم على ضلال، والله عز وجل قد جعل مشعل الهداية بيناً ظاهراً, وعلى خط واحد يسلكه هداة الوحي, وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا من نظر إلى كثير من التيارات والأفكار التي ناكفت الإسلام وجد أن الإسلام ثبت, وبقي على ما هو عليه، وهذه الشبهات زالت وانطوت، ومن نظر في كتب الملل والنحل والفرق وجد آلاف المذاهب، وآلاف الأفكار والعقائد؛ أرادت أن تناكف الإسلام وأن تواجهه, لكن قامت عجلة الإسلام بطي هذه الشبهات، وتجاوزها، والمضي بعد ذلك، وثبت الإسلام، ووقفت هذه الأمور، ولكن كثير من الناس يخدع بقوالب جديدة لشبهات هي في ذاتها من جهة جوهرها متقدمة؛ ولكن قلبت بصور وأغلفة جديدة جداً، فظن الناس أنها من الأفكار الجديدة، ولكن هي مزيج من أفكار قد سبقت لدى الناس، ولنعلم أيضاً أن كثرة المشاهد يؤثر على عقل الإنسان, ويغرس في قلبه شبهة، وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان مهما بلغ من العلم، ومهما بلغ من العبادة أيضاً ألا يجعل لعقله وقلبه إطلاق العنان أن ينظر في الشبهات، وأن يطيل التأمل فيها، وأن ينظر فيما لا يعنيه في ذاته إذا تمحض لديه ابتداءً أنه ليس هذا بطريق الحق؛ لأن القلب يشرب، يقول الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [الحجر:88]، لا تمدن عينيك يا محمد! والمراد بذلك أي: لا تطلق البصر لما أوتي هؤلاء مما لم تؤتاه يا محمد! في حياتك, فربما تعلق القلب بشيء من ذلك شيئاً فشيئاً حتى انجرف القلب، كثير من الناس حينما يتعلقون بأمور المادة, وتتعلق قلوبهم كثيراً في ذلك يتأثرون في ذلك حتى لو رفع لديهم المال ذهبوا إليه؛ لأن القلب كان معموراً قبل ذلك، فالإنسان إذا كان قلبه معموراً في أمر المادة, ولو لم تكن بين يديه من أول لائح يدعو إليها يقوم بالاستجابة لها؛ لأن البصر والقلب قد امتد إليها، ولهذا الله عز وجل لما عرض على نبيه عليه الصلاة والسلام من الدنيا ذهباً، والخلود فيها ما اختارها؛ لأنه لم يتعلق قلبه بذلك، ولم يمد بصره بذلك، وهو عليه الصلاة والسلام بشر.

    الإنسان يتأثر بالمشاهد ولو كان باطلاً، والله عز وجل حكى -وهذا من أعاجيب العناد للعقل البشري في أمور الشبهات- حال الكفرة المعاندين أنهم يرون النار: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [الأنعام:27]، يقولون: يا ربنا! نريد أن نرجع إلى الدنيا، ولا نكذب بآيات ربنا، ونكون من المؤمنين، فقال الله عز وجل لهم: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:28]، هذه الحقيقة كانت مخفية كامنة لم تثيروها أنتم، وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28].

    إذاً: الإنسان يتأثر بالمشاهدة، وهذا أمر ملموس، ولهذا أصحاب الجرائم الذين يدخلون في السجن تجد الواحد يدخل السجن بسبب جريمة ثم يخرج، ثم يرجع إليها، وهو يعلم، وإذا سئل: لماذا أنت تقع في مثل هذا الضلال وأنت تدرك هذا الأمر؟ فيقول: رغماً عني, فالسبب في ذلك: أن العقل يدوخ بالتعلق في هذا الأمر، والتعلق بهذا الأمر كالتعلق بالجوارح في هذا الشيء, فلا يمكن للإنسان أن ينفك عنها، ولهذا الله عز وجل حث الإنسان على أن ينفك عن مواضع الشبهات بقلبه وبصره, حتى لا تجلبه إليه من حيث لا يشعر، وهذا إذا كان برسول الله صلى الله عليه وسلم فهو في غيره من باب أولى.

    1.   

    أهمية الابتعاد من مواضع الشبهات

    لهذا نقول: إن من أعظم ما يعين الإنسان في أمور الشبهات ما يتعلق بالعلم الشرعي، وما يتعلق بأمر العبادة، وما يتعلق أيضاً بالنفرة من مواضع الشبهات، وأن النظرية التي يقولون إليها من جهة: هل تخافون على الحق الذي لديكم؟ فنقول: ليس خوفاً على الحق، ولكن خوفاً عليك، وخوف على الضعفاء أن يمتزجوا بهذا الباطل وهم ضعفاء، ثم بعد ذلك يصرعوا, ويظن أن الحق هزم بهزيمتهم، والحق لم يهزم.

    كثير من الناس ضعفاء الإدراك، ضعفاء العلم, يخوضون في أمور الشبهات ثم بعد ذلك يصرعون, ويقولون: قد تغيرنا وعرفنا الحقيقة، الحقيقة في ذلك ليست متجسدة في جسدك حتى تظن أن الحقيقة هزمت، إنما هزم الحق الضعيف الذي لديك بباطل وشبهة عظيمة طرأت, لم تحسن الأمر بينهما, فقمت بالمصارعة الفكرية بين ذلك ثم هزمت، وهذا عين الخطأ الذي حذر الله عز وجل الناس من ذلك في قوله سبحانه وتعالى: إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء:140]، والمراد بذلك: هو تحصين الإنسان لا تحصين الحق، فالحق بذاته محصن، ولهذا الله عز وجل يقول في كتابه العظيم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وكذلك فإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم محفوظة، ولكن المراد بذلك من يتمسك بهذا الأمر ينبغي له أن يبتعد عن أمثال هذه الشبهات، وأن يكون محترزاً منها قدر وسعه وإمكانه، حتى لا تجتال من حيث لا يشعر، ونحن في هذا الزمن المتأخر مع كثرة الشبهات ينبغي أن نزيد في التمكن من أمثال هذه الأسباب، أن نزيد علماً، وأن نزيد أيضاً عبادة، وأن نزداد أيضاً ما يتعلق بالنفرة من مواضع الشبهات، وهي متكاثرة، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: ( فتناً كقطع الله المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً )، هذه دوامة يدل على أن الإنسان يتقلب في دائرة من الفتن ولا يدركها, مما يدل على أن العالم الراسخ الثابت في هذا الأمر ربما تجتاله هذه الأفكار والتيارات؛ لأنه لم يكن من أهل التحصين في هذا.

    ولهذا نقول: ينبغي للإنسان أنه إذا عرف ما هو التحصين له في ذلك، وكذلك أيضاً احتاط بمعرفة مواضع الشبهات التي تؤثر على الإنسان أو لا تؤثر عليه، ويكفي في هذا أن عقول البشر في ذاتها إنما تتأثر؛ لأنها لا تجد بقعة من الأرض إلا ولدى أهلها قناعات تختلف عن القناعات الأخرى، فأهل هذه البلدة والدولة تختلف عن الأخرى, ولو مررت على خمسين دولة لوجدت قناعات تختلف, أين الحقيقة من هذه العقول البشرية كلها؟ الحقيقة نعم أنها واحدة، أين هي؟ إنما هي عقول تدور في دوامة من الشبهات، وأغلقوا فكل أخذ قناعة بما فتح عقله عليه، فأخذها على أنها هي القناعة، وربما قاتل على ذلك، فجاءت هداية البشرية ببيان الحق من الباطل والصراط المستقيم، وأمر بالإنسان أن يتعلم وأن يحصن نفسه بجانب العلم والعبادة، فكلما زاد تحصيناً قيل له: خذ مواضع الصراع والشبهات، ولهذا الأئمة الراسخون من أهل العلم والمعرفة والدواهي في ذلك خاضوا في أمور الأفكار, وأمور العقائد, وشبهات أهل العقل، وشبهات أهل النقل في هذا الأمر فما ضرهم في ذلك، بل كانوا من أهل الثبات والعلم والمعرفة والإدراك في هذا الأمر، وأما إذا دخل الإنسان في ذلك ضعيفاً فإنه ينجرف, وهذا أمر مشاهد، ويكفي في بطلان تلك الشبهات: أن الشبهات لدى كثير من الناس تتقلب بتقلب الأيام، ولو كانوا في موضع واحد، لهذا تجد الناس في عشر سنوات يختلفون عن الشبهات التي تطرأ عليهم.. وهكذا، وهذه دوامة عريضة جداً، وهل الحق مرتبط بطلوع الشمس وغروبها أو مرتبط بطلوع القمر وغروبه أو بحول الحول أم هو بذاته هو حق؟ فالشبهة هي شبهة في ذاتها طلعت عليها الشمس أو لم تطلع هي في ذاتها حقيقة ثابتة، والشبهة هي في ذاتها شبهة يعرفها من عرفها ممن مكن الله عز وجل له في ذلك، فتزول بالعلم، والشبهة تبقى مع الجهل.

    وفقني الله وإياكم لمرضاته، وأسأله جل وعلا أن يسلك بأموركم المنهج القويم والصراط المستقيم، وأن يعيذنا من الفتن والشبهات الظاهرة والباطنة، وأن يجعلنا من أهل العلم والمعرفة والاستقامة والثبات والعبادة على دينه, إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.