إسلام ويب

الفتوى ضوابط وأحكام [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله سبحانه وتعالى العلماء ورثه الأنبياء, لأهمية تبليغ الدين, والفتوى هي نوع من بلاغ الدين, ومن أراد أن يعرف منهج العلماء في الفتيا فلينظر إلى طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في البلاغ, وإجابة السائلين.

    1.   

    أهمية العلم وقيمة العلماء

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله سلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فليس بخاف أهمية نشر دين الله جل وعلا, وتبصير الناس به, ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قد جعل العلماء ورثه الأنبياء, وما كانوا أن يصلوا إلى هذه المنزلة, وهذه المكانة, إلا لأهمية تبليغ الدين, وذلك أن الدين هو وحي الله جل وعلا الذي تكلم به، وجعله الله جل وعلا رسالة إلى البشرية جمعاء, إلى أن يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها.

    فبين الله سبحانه وتعالى أهمية العلم، ومنزلته في الدين, وكذلك قيمة العلماء في هذه الأرض, وأنه ينبغي لهم أن يرعوا ما حملوه وأنيط فضلهم به, وذلك أن الله جل وعلا قد جعل للعلماء من العاقبة عنده ما ليس لغيرهم, وذلك أنهم يحشرون إن صدقوا في قولهم وفعلهم مع الأنبياء, وهم أول الصديقين؛ وذلك لليقين الذي حملوه في قلوبهم, ولبلاغ ذلك الدين الذي أوصلوه إلى الناس, فورثوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبلغوا أمته شريعته ودينه.

    1.   

    أهمية الفتوى في الدين

    والكلام على الفتوى, وتبليغ مسائل الدين, والفتوى نوع من بلاغ الدين, ومما يحتاج إلى مجالس متعددة لأهمية ذلك, وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المفتين, وهو إمام المعلمين والمربين, وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام, فمن أراد أن يعرف منهج العلماء على سبيل التحقيق والتأني والكمال, فلينظر إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس كافة, ولينظر إلى طريقته في البلاغ, وطريقته في إجابة السائلين, وإحجامه عليه الصلاة والسلام عن بيان العلم الذي لم يكن لديه سابق علم به من ربه جل وعلا, حال ورود السؤال, والاستفهام إليه.

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مربياً وموجهاً ومعلماً, وكان ناصحاً صابراً؛ لما يأتيه من تبعات ذلك من الجُهال وأنصاف المتعلمين, وكذلك من بعض العالمين بأمر الله جل وعلا الذين تنكبوا العلم والحق, مع بصيرةٍ قد تحصلت لديهم, فكان ذلك عناداً واستكباراً, وتلك طريقة إبليس الذي تنكب الحق, مع ظهوره له وبيانه عنده, فإنه قد شاهد وعاين وحضر الملائكة, وكلام رب العالمين, فكابر الحق الذي أتاه الله جل وعلا إياه, ونكص على عقبيه، وكان له ورثة من جنسه في التمرد والعناد ومكابرة أمر الله سبحانه وتعالى، ولهذا فإن تبليغ العلم من الأمور المهمة في دين الله.

    1.   

    أسباب بقاء أي عقيدة وفكر

    ومما لا يخفى فإن ما من عقيدة, وما من فكرٍ على هذه الأرض, يبقى ويستمر إلا بأمرين:

    الأمر الأول: ببلاغ ذلك الدين, وذلك الفكر وذلك المعتقد إلى الغير, وإلا بقي مع أصحابه، ثم يضمحل ويندثر باندثارهم.

    وقد كان مما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحوال الناس في آخر الزمان, لقلة العلم, وضعف العلماء في تبليغ أمر الديانة, أن (الإسلام يدرس كما يدرس وشي الثوب, حتى لا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك)؛ والسبب في ذلك عدم وجود المعلمين المبلغين, أو وجدوا ولكنهم لم يبلغوا دين الله سبحانه وتعالى.

    وإذا كانت المنزلة عند الله جل وعلا عالية عظيمة للعلماء؛ فإن المقصر منهم في حق ذلك التبليغ إثمه عند الله جل وعلا أشد, وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الثواب والعقاب, وسنة الله جل وعلا في المخلوقات, أنه ما يعلي شيئاً إلا وضعه بقدر علوه, ولا يضع الله جل وعلا شيئاً ثم يكتب له الخير وحسن العاقبة بعد ذلك, إلا يرفعه بقدر تلك الضعة التي جعلها الله جل وعلا له قبل ذلك, وذلك فضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء.

    الأمر الثاني: بالنهي عن الدخيل فيه, وذلك أنه ما من عقيدة من العقائد, وشرعةٍ من الشرائع, إلا وثمة دخيل فيها, يريد التشويش عليها, سواءً بلسانها، أو سواء من الدخيل فيها ممن لا يمت لها بصلة, فإن الدخيل على سائر الأفكار والعقائد والشرائع منها ما يتلبس بلباسها ويتدثر بدثارها ويتكلم بلسانها, فيدخل ويتغلغل فيها عند كثير من البسطاء، وقليلي الفهم, فيقع فيهم التدليس والضلال والزيغ, ويتبنى هذه الطريقة غالباً المنافقون الذين يسلكون طرائق الباطل, بلباس ومسوح الحق, كما كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم, يدعون إلى توحيده ونصرته, وكذلك مناكفة من عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومع ذلك يدسون الضلالة والزيغ, بظاهر الرحمة والشفقة, وباطنه من قبله العذاب, فكانوا أشد عداءً لأمة الإسلام من غيرهم.

    وثمة أعداء من خارج الملة, الذين يطعنون بسور الإسلام الخارجي, وهؤلاء أظهر عداء من غيرهم.

    وكل له خطورة مقدرةً يرجع فيها في أبواب التعامل إلى ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل فيه مع الفريقين, سواءً كانوا من أعداء الملة والدين, من الكفرة من أهل الكتاب والوثنيين والزنادقة, أو كانوا من داخل الإسلام من المنافقين, وكذلك أرباب الشهوات وأرباب الشبهات, كلٌ بحسبهم.

    فإذا تحقق لتلك العقيدة الأمران:

    الأمر الأول: هو أن يدعى إلى تلك العقيدة, وتبلغ إلى الغير, فإن العقيدة لا يمكن أن تنتشر بين الناس إلا بالبلاغ, والبلاغ له في ذلك مراتب, بالقول والفعل, وكذلك بالتقرير, وهذه مراتب عالية يختلف فيها أصحابها بقدر تمكنهم في ذلك, وكذلك إجادتهم لوجوه البلاغ, وهذا يرجع فيه كما تقدم إلى ما تتحقق فيه الغاية ويحصل فيه المقصود, من بلاغ الدين إلى الناس, وكذلك أن يكون الإنسان محذراً من كل دخيل يرد إلى حياض معتقده.

    وثمة أنواع من أمور البلاغ وهي بيان العلم للناس, وذلك إذا سألوه, والغالب على كثير من الناس أنهم يسألون عما يستشكل عليهم, وما يجهلون في أمر دينهم ودنياهم, وسؤالهم بقدر جهالتهم, وبقدر ما يكون الإنسان من أهل الجهالة, يكون حينئذٍ سؤاله واستفصاله واستفهامه, فإذا كان سؤاله واستفهامه عن جهالةٍ محضة؛ فإن هذا يدل على تمكن الجهالة فيه, وهذا يتباين فيه الناس, وهذا ما نحن بصدده, وهو ما يتعلق بمسائل الفتيا في الدين.

    1.   

    مدلول مصطلح الفتيا ومظانه

    والفتيا من جهة اللغة وفي لغة العرب هي: إجابة السائل على أي نحو كان سؤاله وفي أي معنى, وكذلك على أي نحو كان الجواب, سواءً كان بالتلفظ، أو كان بالقول أو كان بالتقرير, وذلك أن الإنسان إذا سأل عن شيء أشكل عليه أو جهله, فالذي يجيبه مفتياً, وتلك الإجابة فتوى.

    وقد تكون في أمر الدين، وتكون في أمر الدنيا, فمن سأل عن موضع أو بلد أو سأل عن قيمة شيء وثمنه, فهو مستفتٍ ولو كان ذلك في أمر الدنيا, وكذلك الذي يسأل عن أمور ليست من مسائل الدين المحضة الخالصة التي أمر الشارع بالتعبد بها, كمسائل الرؤى والأحلام, فإن الإجابة عليها هي من الفتيا, ولهذا قال الله جل وعلا: أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ [يوسف:43], وذلك أن الجواب لمن سأل عن شيء جهله فتيا, وكذلك القائل في ذلك سواءً كان عن حق أو باطل, فإنه مفتي فيما سُئل عنه, ورسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المفتين.

    وإذا علم ذلك علم أن ذلك المصطلح الذين يتكلم عليه العلماء في دواوينهم, وكذلك جاء جملة من الإشارات إليه في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو مصطلح الفتوى أو الفتيا, أن هذا غلب على مسائل الدين, ويستعمله كثير من الناس على سبيل التجوز فيما جهله الناس في مسائل دنياهم, وكذلك ما يتعلق بغير مسائل الدين من مسائل الأمور الغيبية, وعلوم الأفلاك, ومسائل الحساب, مما لا يتعلق بذات الإنسان في شأنه وأمره, وكل ذلك يكون من أمر الفتيا, وما نحو بصدده في هذه الحاضرة هو الكلام على مسألة الفتيا في الدين, وأهميتها ومنزلتها.

    1.   

    منزلة البلاغ من الفتيا

    تقدم الإشارة إلى أن البلاغ أعظم من الفتيا, وبلاغ الدين هو أعلى منزلةً من الفتيا, وذلك أن الفتيا قد وردت في حال جهلٍ, وما كل جاهل يسأل، وما كل جاهل يعلم بجهله, فثمة جاهل يعلم أنه جاهل, ولكنه لا يسأل ولا يستفصل؛ لبلادة أو عدم اكتراث بذلك الجهل الذي قد ورد عنده, وكذلك فإن الجاهل قد يجهل شيئاً ولكنه لا يعلم بجهله.

    وكذلك فاق مسألةُ البلاغ على مسألة الفتيا؛ وذلك أن الإنسان يبلغ غيره مسائل الدين بالكلية فتوافق جهلاً, فيكون حينئذٍ الجاهل قد استبصر وازداد علماً, وكذلك توافق علماً فيتذكر من يتذكر, وكذلك يعي الإنسان ما وصل إليه, فربما كان من أهل العلم والدراية, فإذا تكرر إليه العلم كان من أهل التمكن والحفظ فيه, فكان البلاغ حينئذٍ أعلى منزلةً.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء أمره ما كان يجيب السائلين, وإنما يبلغ الناس, فلما انتشر العلم وتمكن, بقيت جهالات يسيرة, أو شيء من مسائل الدين سأل عنها من جهل بحسب الجهل الذي ورد إليهم, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب.

    وبهذا نعلم أن غالب الفتيا التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, إنما كانت في آخر أمره لما استقر العلم, وثبت أمر الدين, فوردت تلك المسائل التي كانت في كلام الناس في أواخر زمن سول الله صلى الله عليه وسلم, مع ورود شيء من مسائل الدين في ابتداء الأمر, وهذا معلوم, ولهذا كان كثير من كفار قريش يسألون رسول الله صلى الله عليه سلم, فمنهم من يسأل على سبيل التعنت والعناد والكبر والاستهجان, ومنهم من يريد الاستزلال، استزلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليزل، وما يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم بعصمة الله جل وعلا له، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67], فالله جل وعلا عصم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزلل في قوله وفعله, وعصمه عليه الصلاة والسلام من أن يرد عليه ضرر ممن أراد به الضرر, وهذا من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد تكون الفتيا أفضل من وجه, وذلك في مسائل الأعيان إذا وردت جهالة عند أحدٍ, فاحتاج إلى مسألة, فسُئل على سبيل التخصيص, وجب عليه حينئذٍ البيان.

    وتدخل الفتيا في مسألة بلاغ العلم على سبيل العموم, وإنما أفردت وفصلت، وانفكت من جهة المصطلح في كلام العلماء؛ لأهميتها وجلالة قدرها, وكذلك حاجة الناس إليها.

    والغالب أيضاً في بلاغ الدين أنه يدخله سائر الناس, من علم شيئاً يسيراً من الدين، أو علم جل مسائل الدين وأكثرها, وأما بالنسبة للفتيا فإنه لا يتصدى لذلك إلا من علم مجموع مسائل الدين, وتوفر لديه معرفة المسائل الظاهرة, وكذلك الخفية من أمور الدين وأحكامه, فإنه لا يتصدى لذلك إلا ما تحقق فيه هذا الأمر.

    وقد تكلم العلماء في هذه المسألة، أي: في شروط المفتي, وأهمية تصدره في هذا الباب مما لا حاجة إلى إيراده هنا, والكلام على شروط المفتي مما يطول، وهو بحاجة إلى مجالس متعددة؛ لخلاف العلماء في كثير من تلك الشروط وتفريقهم أيضاً بين درجات المفتين, وأما الذي قد علم شيئاً من مسائل الدين, فيكون من أهل الفقه في باب من الأبواب, كأن يكون مثلاً من أهل المعرفة بأبواب المناسك, وهو من أهل الجهالة في بقية الأحكام, كأبواب المعاملات والمواريث وغيرها, فهو يدعو إلى ما علم فيه, وقد يكون أيضاً من أهل الفتيا في هذا الباب.

    وهذا يدل على أن مسائل الدين وتبليغه, وكذلك الفتيا تتجزأ بحسب علم الإنسان ومعرفته, وهذا يرجع فيه إلى علم الإنسان, وإلى ما عرف به, فإذا رجع إلى هذا الأصل عرف أهل الاختصاص من عدمهم, وهذا أيضاً يرجع فيه إلى قوة سبر الإنسان, ودرايته وقوة إدراكه برجوعه إلى طرائق الأئمة الأوائل من أهل الاختصاص, من نقلة العلوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذين جاء العلم بواسطتهم, فهم النقلة وحملة الوحي لمن جاء بعدهم من التابعين وأتباعهم، إلى أن يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها.

    وتبليغ الدين هو الأصل في حماية الشريعة, وكذلك دفع الجهالات, فإذا ظهر التبليغ فالأغلب أنه لا يحتاج إلى الفتيا, وإنما يستفصل الناس استفصالاً زائداً عما لم يحضر في كلام أو في ذهن المبلغ وعمله وتقريره, فيستفصلون أمراً مزيداً في ذلك.

    وكذلك فإن الجهالة والضلال يظهر عند كثير من مسائل الفتيا, أظهر من أمور البلاغ, وذلك أن المبلغ لدين الله جل وعلا يبلغ ما علم في الأغلب, بخلاف المفتي؛ فإنه يفتي بقدر السؤال المخصص الذي سُئل به, فإن كان لديه علم أجاب, وإن لم يكن لديه علم ولم يكن من أهل التقوى والديانة والاحتراز في دين الله, فربما أفتى بجهالة, ولهذا تظهر الضلالة.

    ومخالفة الحق في مسائل الفتيا أظهر من مسائل تبليغ العلم, وتذكير الناس, ولهذا نجد أن كثيراً من الناس من المعلمين والموجهين, والمربين والوعاظ, إنما يعظون الناس ويذكرونهم ويعلمونهم بحسب ما لديهم من علم, أما بالنسبة للمفتي فإنه يسأل عن شيءٍ مخصوصٍ جهل عنه السائل, وهذا ربما يكون الإنسان قد أعد له, وربما يكون لم يعد له, فيكون حينئذٍ مسألة الافتتان في دين الله جل وعلا بالنسبة للمفتي وللمستفتي.

    ولهذا كانت مسألة الفتيا في هذا المقام العظيم, فينبغي الاحتراز لها من هذا الوجه, وعظمها الشارع الحكيم من جهة وجوب البلاغ, ومن جهة أيضاً الاحتياط في مسألة بلاغ المعاني الخاطئة, والمفاهيم البعيدة عن مراد الشرع.

    1.   

    الأمر بالبلاغ وخطورة كتمان الحق

    والنبي صلى الله عليه وسلم أمر ببلاغ الدين, وقد جاء هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نصوص كثيرة, منها ما جاء في الصحيحين وغيرهما, في أحاديث جملة من الصحابة, فجاء عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو، وروي أيضاً من حديث عثمان بن عفان وغيرهم, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بلغوا عني ولو آية, وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ), فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: ( بلغوا عني ولو آية ) هذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يبلغ الدين, ولو في المسائل الدقيقة التي يجهلها غيره, فإن جهلوها وجب عليه أن يبلغ ذلك العلم لديه, فإن الشريعة لا تحاط ولا تحفظ إلا بذلك البلاغ.

    وقد بين الله سبحانه وتعالى خطورة كتمان الحق, وإحجام كثير من الناس عن بيان الحق, وذلك أن مبين الحق إذا أحجم عن بيانه, فإنه لا بد أن يسد بجاهل, وقد جاء هذا في الصحيح من حديث عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد, ولكن يقبض العلم بقبض العلماء, حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ), وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إشارة إلى شيء من المعادلة والسنة الكونية, أن الشيء إذا لم يشغل بشيء صالح, شغل بضده, وهذا كما أنه في المحسوسات كذلك في أبواب المعاني, فوجب على العلماء أن يتصدروا لبلاغ الدين, ولمسائل الفتيا؛ حتى يكون الناس على بينة من أمرهم.

    1.   

    احتراز العالم والمفتي في فتياه وكلامه

    والواجب على العالم وكذلك على المفتي أن يفرق بين مسائل الدين, فمسائل الدين لم تكن في باب واحد وعلى حد سواء, فلم تكن المسائل على خط مستوي من جهة الأهمية وبيان المقدار, باختلاف كونها أصولاً وفروعاً, وكذلك ما كان من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة يجب حياطته وعدم التنزل فيه, وكذلك ما كان مما يقبل التغيير والتنزل أيضاً لمصلحة الناس, فثمة أمور يجب فيها الحياطة سواءً كان من المسائل العينية المعروفة, أو كان ذلك من بعض الألفاظ من الوحي, ومعلوم أن كلام الله جل وعلا يختلف عن غيره من كلام الناس من نقلة العلم, فإن كلام الله جل وعلا يجب على المفتي أن يحترز معه أكثر من غيره.

    وقد جاء عن غير واحد من السلف من الاحتراز في كلام الله جل وعلا, وأن من تكلم في كلام الله بغلبة ظنٍ أنه يخطئ في ذلك فأصاب فهو مخطئ, ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحترزون من الفتيا في أبواب التفسير, كما جاء هذا عن أبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى, كما رواه سعيد بن منصور في كتابه السنن, من حديث إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سُئل عن قول الله جل وعلا: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:31], فقال عليه رضوان الله تعالى: ( أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كلام الله ما لا أعلم ).

    وقد كان غير واحد من السلف الصالح يحترزون في مسائل الفتيا في كلام الله جل وعلا, وإذا لم يكن لديه علم احترز من ذلك احترازاً شديداً, وقد جاء عند ابن سعد وغيره, من حديث الأعمش عن أبي وائل ؛ أنه إذا سُئل عن شيءٍ من تفسير كلام الله سبحانه وتعالى, قال: قد أصاب الله جل وعلا ما يريد, يعني: أن الله سبحانه وتعالى قد أراد شيئاً فأصابه, فالتمسه في كلام الله سبحانه وتعالى, وليس عندي.

    ولهذا ينبغي أن يحترز المفتي في كلام الله جل وعلا أكثر من احترازه في غيره, باعتبار أن كلام الله جل وعلا هو من صفاته، والتعدي عليه هو تعدٍ على ذات الله جل وعلا, فوجب فيه الاحتراز والاحتياط لمسائل الدين وأحكامه.

    وكذلك يجب أن يحترز المفتي في مسائل الدين الكلية الظاهرة المحكمة, وأن يحتاط لها أكثر من احتياطه لغيرها, وكذلك أن يحتاط للمسائل المتعلقة بالأصول أكثر من المسائل الفرعية, فثمة مسائل متعلقة بمسائل الأصول والمعاني الكلية، كما في مسائل أركان الإسلام وأركان الإيمان, وغيرها من المسائل الظاهرة المعلومة من دين الإسلام بالضرورة, فيجب على الإنسان أن يحتاط في ذلك قدر إمكانه ووسعه, حتى لا يفتي الناس بغير علم, فهذا من المسائل الظاهرة البينة, ولهذا قال الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7], آيات الكتاب المحكمة هي أم الكتاب, أي: أصله وكله ومجموعه, وهذا ما ينبغي للإنسان أن يحترز فيه.

    وجميع ما في كلام الله جل وعلا على سبيل الإجمال قد جاء بيانها على سيبل الإحكام, إلا نزراً يسيراً قد جاء فيه الخلاف والتباين, وذلك في مواضع من آي الأحكام, وربما وقع من ذلك شيء من السير والقصص ونحو ذلك, وقد اختلف جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب.

    ووجب على الإنسان أن يحتاط في مسائل الفتيا, فقد قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36], وقول الله جل علا: (( وَلا تَقْفُ )) يعني: لا تقف ولا تنصب نفسك في مسائل لست لها بأهلٍ, ولم تكن حينئذٍ من أهل العلم والدراية والمعرفة, فتتكلم بشيءٍ لست من أهل المعرفة والفتيا فيه, فتكون حينئذٍ ممن افتأت على الله جل وعلا, وافتأت أيضاً على دين الإسلام, فيكون حينئذٍ ممن يستحق المقت واللعن والطرد.

    وقد بين الله جل وعلا أن من افترى على الله سبحانه وتعالى, فقد اقترف أعظم الظلم وأقصاه, ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ [هود:18], وبين الله جل وعلا أن هؤلاء أكثر الناس ظلماً, ويعرضون على الله جل وعلا على سبيل الانفراد، وتشهد عليهم الخلائق, أنهم أفتوا الناس بغير علم: وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18], هؤلاء الذين كذبوا على الله جل وعلا.

    وقد جاء عن غير واحد من السلف أن من أكبر الكبائر الكذب في كلام الله جل وعلا, وتأويله بغير علم، بل ذهب بعض الأئمة من الفقهاء من الشافعية إلى أن من افترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم كذباً وهو متعمد أنه كافر, كما نص على ذلك إمام الحرمين، وهذا إذا كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التعمد, فهذا في كلام الله جل وعلا من باب أولى على قوله, وقد خالف في ذلك جماعة من العلماء وجماهيرهم على أن الكذب على رسول الله صلى الله عليه سلم, أنه لا يصل إلى درجة الكفر إلا من أراد أن يقنن أو يبين حكماً يخالف حكم الله سبحانه وتعالى, فذلك قد خرج من دين الإسلام من هذا الوجه, ولهذا ينبغي للإنسان أن يحترز في كلام الله سبحانه وتعالى, والفتيا فيه, وكذلك في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مسائل ينبغي الانتباه لها عند الفتيا

    وثمة مسائل عديدة تتعلق بمسائل الفتيا والفتوى, مما ينبغي للإنسان أن يأخذ بها عنايةً واحترازاً وضبطاً:

    التفريق بين مسائل الدين وأحكامه وأصول الدين وفروعه

    أولها: أن يفرق الإنسان بين مسائل الدين وأحكامه, وأن يفرق بين أصول الدين وفروعه, وما ينبغي للإنسان أن يتكلم فيه من المسائل عند الحاجة, وما ينبغي للإنسان أن يحترز فيه.

    وأن يفرق الإنسان أيضاً بين الورع الذي يطرأ على الإنسان من المجازفة في كلام الله جل وعلا, وبين الورع البارد الذي ربما يستحكم ويكون من تلبيس إبليس على بعض أهل العلم والديانة من بيان الحق, والاتكال على غيرهم, بأنهم يبينون الحق, ولم يبين أحد من الناس الحق, فيتكل هذا على هذا, فيستحق الناس حينئذٍ اللعن والمقت والطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى.

    وقد بين الله جل وعلا أن الذين يكتمون البينات؛ أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, أي: أنهم قد بلغوا مرتبة من المقت والطرد من رحمة الله جل وعلا, ما لم يستحقه أحد سواهم.

    ووجب على الإنسان أن يحترز, وأن يفرق بين الورع الذي يطرأ على الإنسان في حال وجود العالم المبين، وبين الورع الذي يطرأ على الإنسان في حال عدم وجود المبين لدين الله سبحانه وتعالى, وكان عمر بن الخطاب عليه رضوان تعالى ينصح الشخص الذي ينبري للفتيا؛ أن يكلها إلى غيره ممن نصب نفسه للفتيا, فقد جاء عن ابن أبي شيبة وغيره من حديث أيوب عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى قال لـأبي موسى لما رآه يفتي الناس: أوليس بأمير؟ قال: ولي حارها من تولى قارها, أي: أنه ينبغي أن تكل الأمر إلى من نصب نفسه في ذلك, والمعنى في هذا أنك إذا وجدت تقصيراً؛ فانصب نفسك لمثل ذلك؛ لأنه لا يوجد من يتولى الحارة والقارة, فيجب عليك حينئذٍ أن تنصب نفسك لبيان الحق للناس, حتى يهتدي من أراد الهداية، ويضل من أراد الضلال والزيغ.

    التفريق بين أحوال السائلين

    وينبغي للإنسان أن يفرق في فتياه بين أحوال السائلين, فثمة أناس يسألون المسألة الواحدة، ولكن تتباين منزلتهم في حال السؤال, فمنهم من يسأل يريد حظاً لنفسه؛ يريد أن الحكم يصل إليه على النحو الذي يريد, وهذا موجود في حال كثير من المستفتين, فيستفتون العلماء ويسألونهم عن جملة من الأحكام ومسائل الدين؛ لأنهم يعلمون ويرون أن هذا لحظ نفوسهم, لا لحظ غيرهم.

    والإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى كان ينظر إلى مآلات الفتيا, وحظ السائل والمصلحة المنوطة بالفتوى التي يفتيها, وقد ذكر ابن أبي يعلى في كتابه الطبقات أن رجلاً جاء إلى الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى, فقال له: إن أبي أمرني أن أطلق زوجتي, فقال له الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى: لا تطلق, فقال له: إن عمر بن الخطاب أمر ابنه عبد الله بن عمر أن يطلق زوجته فطلقها, فقال الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى: حتى يكون أبوك كـعمر .

    والمراد من هذا أن عمر بن الخطاب إنما أمر ابنه أن يطلق زوجته, وعمر قد بلغ من المنزلة والمكانة أنه لا يمكن أن يأمر ابنه أن يطلق زوجته لحظ نفسه, فربما علم من حالها, ودقائق أمرها ما لم يرد أن يهتك سترها, أو أن يبين من أمرها لـعبد الله بن عمر ما يتجاوز فيه الحد معها, فأمره بذلك.

    ولهذا من أراد أن يأخذ بهذا على الإطلاق, فيوجد مثلاً من الآباء من يأمر ابنه أن يطلق زوجته لحظ نفسه, وذلك أنه يريد ابنه أن يتزوج امرأة أخرى, كبنت أخيه أو بنت جاره أو مصلحة لحظ نفسه, لكونه قد أخذ من الأبعدين ونحو ذلك, وهذا خارج عن الحكم الشرعي, ولهذا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى المآلات وما يبنى عليها.

    معرفة مآلات الحكم الشرعي

    ومن الصور التي ينبغي للإنسان أن يحترز معها مآلات الحكم الشرعي, فإن الإنسان قد يسأل عن الأحكام الشريعة, ولكن ذلك الحكم ربما يئول إلى مفسدة أعظم من ذلك, فينبغي للإنسان أن يفتي في مسائل الدين, وقد نظر إلى مآلات تلك الفتوى.

    وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه سلم, كما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ثابت بن الضحاك (أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله! إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا, قال: وهل فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا, قال: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله, ولا فيما لا يملك ابن آدم ), ورسول الله صلى الله عليه وسلم في سؤاله ذلك إشارة إلى أنه ينبغي للمفتي أن يسأل وأن يحتاط, ومثل هذا الرجل الذي نذر, كان جوابه على سبيل الاختصار أن يقال له: (أوف بنذرك), فالنحر عبادة, وينبغي لك أن تبادر, وكذلك الوفاء بالنذر محمود, وقد مدحه الله جل وعلا: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7], فينبغي أن تكون من أولئك العباد, ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عما هو أبعد من ذلك مما ربما يتلبس به, فكان ذلك على سبيل الاحتياط, ومعلوم أن ذلك الرجل إنما نذر ذلك النذر, ويظهر من حاله أنه يعلم, أو ربما كان ذلك على سبيل الاتفاق, أي: أنه لم يكن قد قصد شيئاً قد خالف أمر الله جل وعلا, فكان على ما يريد.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما سأل تلك الأسئلة مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يستفد في إطلاق الحكم على تلك النازلة إلا ليبين وجوه الاحتياط لذلك المفتي, وكذلك لأمته من بعده, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أفتى على سبيل الاختصار, وقال له: أوف بنذرك, أو سأله ثم أفتاه بذلك لكان الجواب على السؤال, وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر مآلات الفتوى.

    والعلماء يفرقون بين المسائل بحسب القرائن التي قد احتفت بها, فالفتيا ببيع السلاح في زمن الفتنة يختلف عن الفتيا في غيرها, والفتيا في إباحة سلعة لشخص يغلب على الظن أنه يستعملها في حرام, يختلف عن رجل يستعملها في إباحة, وهذه من المسائل المتغيرة التي ينبغي لأهل الحذق والدراية والنظر من أهل العلم أن ينظروا إليها, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما تباين حكمه في المسألة الواحدة بحسب الأمر المتعدي إليها من جهة المصلحة, ومن جهة المفسدة الواردة الطارئة على الإنسان.

    التفريق بين الفتيا العامة والفتيا الخاصة

    ومن الصور التي ينبغي للإنسان أن يستحضرها أن الفتيا للعامة تختلف عن الفتيا للخاصة, كما في مسألة الظفر, فإن مسألة الظفر يفتي بها العلماء على سبيل التخصيص بخلاف الفتيا للعامة ونحو ذلك.

    فينبغي للإنسان في حال فتواه للعامة أن يحترز, وأن يشدد, وأما بالنسبة لفتواه للخاصة فإن ذلك ربما يكون على سبيل التيسير, لماذا؟ لأن تباين الناس في أفهامهم لمسائل الدين معلوم, فربما أخذوا من أبواب التيسير التي يفتحها الإنسان للعامة, ما تخرم معه الشريعة، ويذوب الحكم الشرعي, ولا يتحقق للإنسان حينئذٍ الحيطة.

    وينبغي للإنسان في مسائل العامة أن يحتاط وأن يحترز، وأن يستثني قدر إمكانه ووسعه, حتى يحصل الأمر تاماً, وذلك أن المفسدة إذا طرأت في سوء الفهم للعامة أظهر من المفسدة إذا ظهرت في سوء الفهم للفرد, فإنها قاصرة عليه ومن حوله, وأما بالنسبة للعامة؛ فإن الضرر في ذلك أعم.

    وينبغي للإنسان أن يقدر الأمر بقدره, ومن ذلك ما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم (أن رجلاً منهم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسأله, فقال: يا رسول الله! إني أريد أن أبايعك على ألا أصلي إلا صلاتين, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صل صلاتين ), فهذا الرجل قد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأراد فتوى، وكان وثنياً قبل ذلك, وقيل: كان نصرانياً, فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأرد أن يساومه إما أن يبقى على ما هو عليه، أو يصلي صلاتين, أي: يدخل الإسلام برمته ويأخذ بأحكامه, ولكن الصلاة يؤديها صلاتين؛ لشيء قد دخل قلبه, من ضعف اليقين أو قلة العمل, أو العجز عن ذلك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك الأمر.

    وأما بالنسبة لفتيا العامة, فإن ذلك مما لا يستجيزه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه؛ لأنه لو أفتى للعامة لاقتضى ذلك تبديلاً, بخلاف الأفراد، فإن الأفراد ولو أفتاهم بفتوى خاصة, فإذا أفتى الفرد بفتوى عينية من جهة نظر العامة, فإن هذا يقتضي التبديل, ولكن إذا أردنا أن ننظر إلى الشريعة, فإن الشريعة منوطة بالعامة, ولم تناط بالأفراد, ولهذا يترخص للأفراد ما لا يترخص في غيرهم.

    ولهذا لا يحوز للمفتي أن يفتي للعامة فيقول على سبيل المثال: من عجز أن يصلي الصلوات كلها, فليصل صلاتين, وهذا أمر جائز وهو أضعف الإيمان, فإن هذا من القول الباطل, الذي لا يسوغ للعالم وللمفتي أن يقوله للناس.

    وكذلك في المسائل الخاصة, فيما يتعلق بمسائل العورات, وبعض صور الربا, ومسائل الضرورات ونحو ذلك, فمسائل الضرورات لا تفتح للعامة, وإنما تفتح للأفراد وقضايا الأعيان، والضرورات في ذلك تقدر بقدرها, فينبغي للإنسان أن ينظر إلى المآلات, وأن ينظر أيضاً إلى ذات السائلين.

    جهل المفتي ببعض المسائل

    ومن المسائل المهمة في ذلك أن الإنسان قد يكون من أهل العلم والدراية, ولكنه يجهل مسألة قد سئل عنها, فوجب عليه أن يقول في ذلك: لا أعلم, مهما بلغ من العلم, فإذا جهل شيئاً من حكم الله سبحانه وتعالى, وليس في ذلك غضاضة, بل هذا منقبة ورفعة وعلو منزلة، وفيه إشارة إلى قوة الديانة, ومراقبة الله سبحانه وتعالى.

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل شيئاً لم يكن لديه علم من الله جل وعلا, وهو سيد المفتين وإمامهم عليه الصلاة والسلام, لم يفت في ذلك شيء, وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن خالد الجهني ومن حديث أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لما كان بالجعرانة وجاءه رجل عليه جبة وقد تضمخ بخلوق وأراد العمرة, فقال: يا رسول الله! ما تقول في رجل قد أراد العمرة وتضمخ بخلوق وعليه جبة؟ قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه إليه ثم أطرق, لم يجبه, فأطال رسول الله في إطراقه حتى ذهب الرجل, ولم يجبه, ونزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يجد الرجل, فقال: أين السائل على العمرة؟ فأتي به, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الجبة فانزعها واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما تصنعه في حجك ).

    وفي هذا جملة من المسائل للمفتين, منها أنه ينبغي للمفتي أن يتجنب القول بلا علم مهما كانت منزلته, فلن تكون بمنزلة محمد صلى الله عليه وسلم, ويجب عليه أن يكل العلم إلى عالمه, كما وكل رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم إلى ربه جل وعلا, فإن عليه الصلاة والسلام مبلغ عن الله جل وعلا, كما في قول الله جل وعلا: بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [المائدة:67], فما أنزل على رسول الله صلى الله عليه سلم, وهو كلام الله عز وجل وهو يبلغه فقط: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4], ولم يكن ذلك من تلقاء نفسه.

    ومن ذلك أيضاً أنه ينبغي للإنسان إذا رأى في نفسه قصوراً في الفتيا, وإذا لم يشفِ السائل, ونظر في المسألة أن يسأل عن السائل الذي سأله هو أن يبين الأمر له حتى لا يقع في جهالة فيفتي نفسه، أو يذهب إلى أحد جاهل في ذلك.

    التماس المستفتي أعلم الناس في مسائل الدين

    ومن الأمور المهمة في هذا أنه ينبغي للجاهل أن يلتمس أعلم الناس في مسائل دينه, ولهذا لا غضاضة على المفتي وطالب العلم وعلى العالم أن يفتي مع وجود غيره ممن هو خير منه, كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام, ما علمه من حكم الله جل وعلا, وحكم رسوله.

    وقد كان جملة من الصحابة يفتون كـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وحذيفة وغيرهم من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, يفتون في مسائل الدين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام, كما روى ابن سعد في كتابه الطبقات, من حديث يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر أنه سُئل: هل كان أحد يفتي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم, أبو بكر وعمر .

    وجاء أيضاً عند ابن سعد في كتابه الطبقات, من حديث القاسم قال: كان الذين يفتون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب، وقد جاء عن غيره أن من الصحابة الذين يفتون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله.

    ولهذا ينبغي أن يعلم أنه لا حرج على طالب العلم, وكذلك المفتي أن يفتي في حضرة وشهود من هو أولى منه؛ شريطة أن يكون على يقين وبينة وحجة من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نكتفي بهذا القدر، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.