إسلام ويب

الأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصيام مكانة جليلة في الشريعة، وكان مفروضاً بداية الأمر في غير رمضان ثم نسخ ذلك إلى فرضه في رمضان، ولا بأس بالتهنئة عند قدومه؛ لعموم الأدلة بالتهنئة فيما يحصل به السرور. والمعتبر في دخوله الرؤية لا الحساب؛ للنص ولعدم صحة اعتبار الحساب عقلاً، ويثبت هلال شوال بشاهدي عدل باتفاق، واختلف الفقهاء في ثبوت هلال رمضان بشهادة عدل أو عدلين على قولين. وتجب النية للصيام من الليل، والإمساك يكون من طلوع الفجر، وما ورد من أخبار في الشرب حال الأذان أو الأكل قبل الصلاة أو قبل طلوع الشمس لا صحة لها.

    1.   

    فضل الصيام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله جل وعلا قد فرض على الناس صيام رمضان, وأمر بالتهيؤ له بالعمل الصالح وإخلاص النية, والصيام من جليل العبادات وأفضلها على وجه العموم, ولهذا جعله الله جل وعلا ركناً من أركان الإسلام, وقد جاء هذا في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً ), وجاء أيضاً في قصة جبريل لما جاء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله, وهذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة وفي صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى, حينما ( سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام, فقال: الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً ).

    1.   

    بداية فرض الصيام

    والصيام هو من جليل الأعمال وأفضلها، وقد كان في ابتداء الأمر الصيام فرضاً, لكنه في غير رمضان, ( فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر, ويصوم يوم عاشوراء ), وجاء تفصيله في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة عليها رضوان الله تعالى, وجاء كذلك في مسند الإمام أحمد من حديث ابن أبي ليلى عن معاذ ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم في ابتداء الأمر ثلاثة أيام من كل شهر, وكان يصوم يوم عاشوراء فرضاً, ثم لما فرض الله عز وجل عليه صيام شهر رمضان نسخ ذلك إلى الاستحباب ), يعني: صيام يوم عاشوراء وثلاثة أيام, وكان قبل ذلك من شاء أن يصوم رمضان ومن لم يرد أن يصومه فليطعم عن كل يوم مسكيناً, حتى نسخ الله عز وجل ذلك وأبقى صيام شهر رمضان, وهذا من باب التدرج؛ وذلك لمشقة الصيام لمن لم يعتاده, وهذا هو الحكمة من تشريع ذلك.

    1.   

    تعريف الصيام لغة وشرعاً

    والصيام الأصل فيه بلغة العرب: هو الإمساك, ولهذا يقول الشاعر:

    خيل صيام وخيل غير صائمة

    والمراد بذلك: ممسكة عن الصهيل.

    والصيام على ثلاثة أنواع كما قال غير واحد من العلماء؛ كـأبي حامد الغزالي، يقول: الصوم صوم العامة, وهو: إمساك الفرج واللسان وسائر الجوارح عن قصد المعاصي والشهوات.

    وصوم الخاصة هو: إمساك السمع والبصر واللسان وسائر الجوارح عن المعاصي.

    وصوم خاصة الخاصة: وهو صيام القلب عن الهم بغير ما يرضي الله.

    وهذا تقسيم وجيه, ولا يدخل على وجه العموم فيما نحن فيه, لكنه يدخل على وجه العموم فيما أمر الله سبحانه وتعالى بالإمساك عنه وهو داخل في الصيام, فالصيام الآثام فيه أعظم من غيره, كذلك الأعمال فيه أعظم من غيره, ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري ومسلم من حديث ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس بالخير, وكان أجود ما يكون في رمضان ), حينما يأتيه جبريل عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    استقبال رمضان والتهنئة بقدومه

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل رمضان وأصحابه بالجد والاجتهاد والعمل, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم قبل ذلك من شعبان, بل كان يصوم أكثره, بل قيل: إنه يصومه كله, عليه الصلاة والسلام, كما جاء في حديث عائشة وفي غيره, و( كان عليه الصلاة والسلام يبشر أصحابه ويهنئهم بقدوم رمضان ), وروي في ذلك جملة من الأخبار الضعيفة بالتهنئة بدخول رمضان, وما جاء في هذا الباب كله ضعيف, كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة؛ كـالعقيلي في كتابه الضعفاء وغيره.

    وقد روي في هذا الباب ثلاثة أخبار: حديث سلمان الفارسي عليه رضوان الله تعالى, وحديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى, وكذلك حديث عبد الله بن عباس، وهذه كلها معلولة, لا يصح منها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    صيام النبي صلى الله عليه وسلم قبل رمضان

    وكان عليه الصلاة والسلام يصوم قبل ذلك, أي: قبل رمضان في شعبان, وأما رجب فلم يثبت فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صامه أو أمر أحداً بصيامه, وما جاء فيه من فضل فهو معلول, لا يحتج به, وأما ما رواه الإمام أحمد في مسنده والطبراني والبيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ), فلا يصح, فقد رواه زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري عن أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى ولا يصح, فـزائدة بن أبي الرقاد قال فيه النسائي وكذلك البخاري: منكر الحديث, وقد أعل هذا الخبر العقيلي في كتابه الضعفاء.

    و( كان عليه الصلاة والسلام يصوم من شعبان كله ).

    الحكم على حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)

    وأما ما جاء فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصيام بعد منتصف شعبان فلا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقد رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ), وهذا الخبر منكر, قد أعله سائر الأئمة النقاد, أعله عبد الرحمن بن مهدي فأنكره, وكذلك أعله يحيى بن معين فقال: منكر الحديث, وأعله كذلك الإمام أحمد فقال: ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة حديثاً أنكر من هذا, وأعله كذلك النسائي فقال: لا نعرفه إلا من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، وقال في موضع آخر: هذا خبر ليس بمحفوظ؛ وذلك أنه مخالف لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه كان يصوم شعبان, وعليه يقال: إن صيام شعبان سنة, وينبغي للإنسان أن يكثر منه, سواء كان في أوله أو في آخره.

    ما يروى عن بعض السلف في استقبال وتوديع رمضان

    وما يروى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا انصرم دعوا الله ستة أشهر أن يتقبل منهم صيامهم، فهذا لا أعلمه يصح عنهم, وإنما هو مروي عن بعض السلف كما قال المعلى بن الفضل وغيره، وأما عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أصل.

    حكم التهنئة برمضان

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهنئ أصحابه, كما تقدم, فالتهنئة بقدوم رمضان كأن يقول: شهر مبارك أو نحو ذلك هذا لا بأس به, نص عليه الإمام أحمد والشافعي، وكذلك ابن رجب في كتابه اللطائف, وإن لم يكن يثبت في هذا الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إلا أن أصل التهنئة في هذا لا بأس بها, في حصول مواسم الخير وحصول المسرات على الإنسان وإن كانت من التشريع, ولهذا قد جاءت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما هجر كعب بن مالك ومن معه لما نزلت براءتهم من السماء هنأه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبول الله جل وعلا لتوبته, وهذا أصل في قبول التهنئة في الأعمال الخيرية.

    وقد صنف الإمام السيوطي عليه رحمة الله تعالى رسالة في ذلك سماها أصول الأماني بأصول التهاني, ومال إلى أنه لا بأس بأن يهنئ الإنسان بحلول رمضان أو بغيره, وهذا الذي عليه الأئمة.

    الحكم على الأخبار الواردة في التهنئة برمضان

    وقد جاء كما تقدم في هذا جملة من الأخبار، منها ما رواه ابن خزيمة من حديث علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان الفارسي: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم في آخر يوم من شعبان فقال: أيها الناس أتاكم شهر عظيم, شهر فيه ليلة خير من ألف شهر, شهر جعل الله صيامه فريضة, وقيام ليله تطوعاً, من تقرب فيه بخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه, ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ), والخبر منكر كما قال ذلك أبو حاتم، وكذلك قد أعله العقيلي، وأعله ابن خزيمة أيضاً حينما أخرجه في كتابه الصحيح فقال: باب فضائل شهر رمضان إن صح الخبر, وابن خزيمة عليه رحمة الله تعالى كما تقدم الكلام على هذه المسألة في عدة مواضع أنه إذا نص على حديث في ترجمته ثم قال: إن صح الخبر؛ أنه يريد إعلالاً له, وهذا أي: حديث سلمان الفارسي معلول عند سائر الأئمة, وقيل: إنه روي ما يشهد له وفي ذلك نظر؛ فما رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث أيوب بن أبي تميمة السختياني عن أبي قلابة عن أبي هريرة بنحو حديث سلمان الفارسي هو أيضاً منكر, فإن أبا قلابة لم يسمعه من أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى, وكذلك قد رواه ابن ماجه في سننه من حديث عمران بن داور القطان عن قتادة عن أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى بنحو حديث أبي هريرة ونحو حديث سلمان، ولا يصح أيضاً, فهو معلول بـمحمد بن بلال راويه عن عمران بن داور فإنه قد قال الدارقطني : يهم ويغلط, وكذلك قال ابن عدي في كتابه الكامل: يهم ويغرب في روايته عن عمران، وكذلك قد أُعل بـعمران فقد ضعفه غير واحد من الأئمة؛ كـالنسائي وابن معين وأبي داود، ووثقه جماعة, وعلى كل لا يثبت في التهنئة بدخول رمضان خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أحكام تتعلق بتسمية شهر الصوم

    إطلاق لفظ رمضان مجرداً والحكم على ما ورد في ذلك

    ولا حرج من إطلاق رمضان مجرداً على شهر الصيام من غير إلحاقه بشهر, وهذا الذي عليه عمل عامة الأئمة من الفقهاء والمحدثين وهو عمل السلف الصالح عليهم رضوان الله تعالى, وذهب بعضهم إلى كراهة إطلاق رمضان على شهر الصوم من غير أن يسبق بشهر, ولا يثبت في ذلك نهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وغايته ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث محمد بن بكار عن أبي معشر عن محمد بن كعب والمقبري عن أبي هريرة أنه قال: ( لا تقولوا رمضان فإنه اسم من أسماء الله, ولكن قولوا شهر رمضان ), وهذا الخبر منكر, فقد تفرد به أبو معشر وهو وإن كان إماماً في السير ويروي عن أبيه إلا أن تفرده هذا مردود.

    ولهذا قد أنكر هذا الخبر ابن عدي في كتابه الكامل, وقال ابن كثير عليه رحمة الله تعالى في تفسيره: قد أنكر هذا الخبر ابن عدي على أبي معشر، وهو جدير بالإنكار, فإنه قد وهم وغلط فيه فرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو على كل لا يثبت مرفوعاً ولا يثبت موقوفاً.

    وبناء عليه قد كره بعض السلف من الأئمة وغيرهم أن يُجمع رمضان, سواء كان بجموع التكسير أو جموع المؤنث السالم؛ كأن يقال رمضانات أو رماضين أو أرمضة أو أرمضاء وغيرها, والصواب أنه يجوز أن يجمع على أي وجه كان, وأنه ليس من أسماء الله عز وجل, ولهذا ذهب البخاري عليه رحمة الله تعالى إلى جواز ذلك؛ كما ترجم في كتابه الصحيح قال: باب هل يقال رمضان, ثم أورد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ), وهذا نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاق رمضان من غير أن يسبقها كلمة شهر, وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما: ( لا تقدموا رمضان بصيام يوم ولا يومين ), ولم يقل شهر.

    وإن كان قد روي عن بعض الأجلة من الأئمة كراهة ذلك, فقد روي هذا عن غير واحد من الأئمة كالقاضي أبي يعلى من الحنابلة كما نص عليه ونقله عنه جماعة من الفقهاء أنه يرى كراهة إطلاق كلمة رمضان من غير قرينة؛ كأن يقال: صام الرجل رمضان, أو من غير أن يسبقها كلمة شهر, وقد ذكر النووي عليه رحمة الله تعالى في كتابه المجموع عن أصحاب الإمام مالك أنهم كرهوا ذلك, وفي هذا النقل نظر، فإن ما هو موجود في مصنفات المالكية هو عدم الكراهة, وهذا الإطلاق فيه نظر, ومن نظر إلى عمل السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام وجد أنهم يتسامحون في ذلك, ومن قال بالنهي فإن معتمده حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى، وكذلك ظاهر كلام الله عز وجل في قول الله جل وعلا: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185], فنقول أن قول الله جل وعلا: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185], أن هذا الإطلاق لا يعني أنه لا يسمى بغيره, وكذلك يستدلون بما اشتهر عند العرب أن الأشهر تسمى بأسمائها إلا رمضان يقال فيه: شهر رمضان, فيقال: محرم, وصفر, وربيع, وجمادى, وشهر رمضان, وهذا إما على العرف أو أخذاً من كلام الله سبحانه وتعالى, وهذا لا يتضمن نهياً.

    أصل اشتقاق لفظ (رمضان)

    وقد اختلف العلماء في مصدر اشتقاق كلمة رمضان ومن أين أخذت، قيل أخذت من الرمضاء وهي: حرارة الأرض, وقالوا: إن العرب حينما سموا الأشهر من أسمائها القديمة ونقلوها إلى أسمائها العربية كان وضع ذلك في وقت الحر, ومعلوم أن الأيام في السنة القمرية تنتقل وتتحول, فيكون الشهر سنة في صيف، ويتأخر قليلاً, بعضهم قال: خمسة عشر, وبعضهم قال: أكثر من ذلك قليلاً, وعلى كل يقال: إن هذا محتمل, ولكن يناقضه رأي بعض الفلكيين الذين يقولون: إن تغيير العرب لهذا كان في فصل الخريف ولم يكن في وقت الحر.

    1.   

    المعتبر في دخول شهر رمضان والرد على من قال باعتبار الحساب

    الإجماع على أن العبرة إنما هو بالرؤية؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ).

    الرد على من قال باعتبار الحساب بالنص

    ومن قال بالحساب فإنه محجوج بأمرين: أولهما: النص, كما تقدم بيانه, ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ), الأمر الثاني: بالعقل والنظر, وذلك أن الله سبحانه وتعالى إنما فرض الصيام بالرؤية وعلقه بالرؤية، وكذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كما في حديث الحسين بن الحارث عن رجل من أهل مكة ويأتي الكلام عليه, وقد أعل بما لا يعل, أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما علق الأمر بالرؤية علقه بما يدركه الناس, أي: عامتهم, ولم يعلقه بما يفهمه قلة من الناس من حساب ونحو ذلك, فيدركه الرجل في بلد ناء, ويدركه الراكب في البحر ويدركه الذي يسكن في البراري من أهل البوادي وغيره, ويدركه كذلك أهل الحاضرة, وهذا أمر مفروض على الأعيان لا يتعلق بحساب أناس أو بأمر لا يعرفه إلا القلة, ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ).

    الرد على من قال باعتبار الحساب بالعقل

    والحجة بالعقل من ذلك أن يقال: إن الله سبحانه وتعالى حينما أمر بذلك أمر لمصلحة الناس عامة, ولم يكلف بما لا يطاق, وإن قلتم بالحساب، وأنه لابد من أن نأخذ بما نعلمه من ولادة الشهر؛ فيقال: إن ولادة الشهر عند الفلكيين معلومة أن الهلال يولد قبل رؤيته بالعين المجردة بخمس عشرة ساعة, وقيل بأكثر من ذلك, فيقال: هذه الخمس عشرة ساعة قبل الصيام التي لا ترى بالعين المجردة يجب الأخذ بها؛ لأنها ثابتة بالحساب, وإن قالوا بذلك فقد كلفوا الناس بما لا يكلفهم به الشرع.

    والأمر الآخر أيضاً: أنه بإجماع الفلكيين وإجماع أهل النظر والخبرة في الحساب أن ما نراه من أجرام سماوية من شمس وقمر ونجوم وكواكب أنها ليست هي حقيقة التي خلقها الله سبحانه وتعالى وإنما هو انعكاسها في الغلاف الجوي, فما بين الجرم الحقيقي للشمس والقمر والكواكب وبين انعكاسها هو ثمان دقائق, وقيل: ثمان دقائق وعشرون ثانية, وقيل: ثمان دقائق وثلاثون ثانية, وعليه إن قلتم بالحساب بدخول الأهلة فيلزمكم أن تقولوا بالحساب بخروج الشمس والصلوات الخمس, فالشمس التي نراها حينما تطلع وبها تنقطع صلاة الفجر هي ليست الشمس الحقيقية التي ألزمنا بالإمساك عن الصلاة حالها, وبها تنتهي صلاة الفجر, وإنما هو انعكاسها, والشمس الحقيقية تخرج بعد ذلك بثمان دقائق.

    وكذلك إذا غاب قرص الشمس نقول: إن الصلاة صحيحة؛ لأن هذه ليست الشمس, وإنما بالحساب أن الشمس الحقيقية لم تغب, وإنما بقي عليها ثمان دقائق, وعليه فالصلاة صحيحة.

    إن قلتم هنا بأنه يؤخذ بالحساب في مسألة دخول شهر رمضان فيجب عليكم أن تقولوا به في الصلوات الخمس, وإن قلتم به في الصلوات الخمس وهي سيان، عبادات مرتبطة بالمواقيت فهو ضلال وبدعة وزندقة, لم يقل بذلك أحد معتبر من أهل الإسلام, ومخالف لظاهر النص, والنصوص حينما علقت الصلوات الخمس دخولاً وانصراماً إلا صلاة العشاء وابتداء صلاة الفجر بطلوع الشمس وتقلبها في الفضاء؛ كذلك علق الله سبحانه وتعالى الصيام بطلوع القمر وكذلك انصرامه بغيابه وطلوعه في شهر شوال, ويجب عليه أن نلتزم هنا, وهذا لابد من الأخذ باعتباره, وهو من أقوى الحجج العقلية التي يخاصم بها من يقول بالحساب.

    ويكفي في ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ), وما جاء في سنن أبي داود وابن حبان من حديث أبي مالك الأشجعي عن الحسين بن الحارث قال: ( خطبنا أمير بمكة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا ألا ننسك إلا للرؤيا، فإذا شهد شاهدا عدل أنهم رأوه أن ننسك ), وهذا حديث إسناده صحيح وقد أعله بعضهم بما لا يعل, فقالوا: إن الحسين بن الحارث مجهول كما أعله ابن حزم في كتابه المحلى, ولا يعتد به, وقد صحح إسناده الدارقطني في سننه فقال: هذا حديث صحيح إسناده متصل, والحسين بن الحارث معروف كما قال ذلك علي بن المديني، فقد ولاه ابن الزبير على مكة, وكذلك قد وثقه غير واحد من الأئمة كـابن حبان وابن خلفون، وصحح هذا الحديث كما تقدم الإمام الدارقطني عليه رحمة الله تعالى.

    1.   

    إثبات رؤية هلال رمضان وشوال والحكم على ما جاء في ذلك من أخبار

    ورؤية الهلال بها يدخل الشهر, وبرؤية هلال شوال ينصرم, وهذا محل اتفاق عند الأئمة, لكن وقع الخلاف في رؤية هلال رمضان هل لابد من أن يراه واحد أم لابد من دخوله بشاهدي عدل؟

    اتفاق العلماء على ثبوت هلال شوال بشاهدي عدل

    أولاً تقرير المسألة أن يقال: إن العلماء عليهم رحمة الله تعالى قد اتفقوا على أنه لابد في الفطر من شاهدين في سائر الأشهر وفي خروج شهر رمضان, وأما في الصيام فقد يقع الخلاف, ولم يخالف في هذا أحد معتبر إلا بعض الأئمة كـابن حزم وأبي ثور وهو قول داود بن علي الظاهري، قالوا: إنه لا حرج أن يقبل بشاهد واحد في الفطر، وقد حكى إجماع العلماء كما تقدم ابن المنذر وكذلك ابن عبد البر وكذلك الإمام الترمذي عليه رحمة الله في سننه, وإنما الخلاف في دخول رمضان هل يجوز أن يدخل بشاهد واحد أم لا؟

    أقوال العلماء في إثبات هلال رمضان

    فقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

    ذهب الإمام أحمد وكذلك مروي عن الإمام الشافعي عليه رحمة الله تعالى إلى أن صيام رمضان يدخل بشاهد واحد ولا حرج في ذلك, وأما انصرامه فبشاهدين وهو الذي عليه عامة العلماء, واستدلوا بما جاء عند الإمام أحمد وكذلك أبي داود وغيرهما من حديث أبي بكر بن نافع عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر أنه قال: ( تراءى الناس الهلال فرأيته، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصامه عليه الصلاة والسلام وأمر الناس بصيامه ), قالوا: وهذا شاهد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشهادته فصام وأمر الناس بصيامه, وهذا الخبر قد أعل, فإنه يرويه أبو بكر بن نافع عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث يرويه محمد بن بلال عن عبد الله بن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم عن أبي بكر بن نافع عن نافع عن عبد الله بن عمر، وقد أعل بـابن بلال فإنه قد تفرد به كما قال ذلك الإمام الدارقطني وكذلك الإمام البيهقي عليهما رحمة الله تعالى في سننيهما, وقد أُعل بـيحيى بن عبد الله بن سالم فقد ضعفه يحيى بن معين، والصواب أنه ليس بضعيف فقد وثقه يحيى بن معين في رواية, وكذلك قد وثقه الإمام النسائي، وروي عنه أنه قال: مستقيم الحديث, وقد طعن فيه ابن حبان فقال: ربما يغرب، وهذا الحديث معلول, وكذلك ما روي من حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سماك بن حرب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس ( أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, إني رأيت الهلال, فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: نعم, قال: فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بصيامه ), وهذا الخبر معلول, فإنه يرويه سماك بن حرب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس وقد تفرد به, وسماك بن حرب عن عكرمة روايته منكرة, وهي على ثلاثة أحوال:

    الحالة الأولى: أن يتفرد بالرواية سماك بن حرب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والأصل فيه أنه منكر ما لم يوافقه غيره ممن يحتمل معه المتابعة.

    والحالة الثانية: أن يرويه قدما أصحابه كـشعبة وسفيان، وكذلك أبي الأحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس فإنه يقبل ما لم يأت بشيء يخالف الأصول.

    والحالة الثالثة: ما يرويه سماك بن حرب عن عكرمة عن غير عبد الله بن عباس كعن عائشة عليها رضوان الله تعالى فالأصل فيه القبول، وهذا قد صححه غير واحد من الأئمة؛ كالإمام النسائي وكذلك الدارقطني في إتيان النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة وقوله عليه الصلاة والسلام: ( أعندكم طعام؟ قالت عائشة عليها رضوان الله تعالى: لا, قال: إني صائم ), وهذا الخبر قد صححه النسائي وكذلك الدارقطني في سننه عليه رحمة الله.

    والقول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لابد من شاهدي عدل, وهذا قد مال إليه الإمام مالك وسفيان الثوري والليث والأوزاعي وإسماعيل بن علية وجماعة؛ إلى أنه لابد من شاهدي عدل؛ لعموم النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في حديث الحسين بن الحارث عن من أخبره عن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم الإشارة إليه, وأنه صحيح.

    وذهب أبو حنيفة عليه رحمة الله تعالى إلى أنه إذا كان في السماء صحو فلابد من رؤية الجماعة الذين يزول الشك بهم, ولا يتواطئوا على الكذب, وأما إذا كانت غيماً فإنه لا حرج من إثبات رؤية هلال رمضان بواحد, وهذا في حال الغيم.

    1.   

    صيام يوم الشك

    ولا حرج على الإنسان أن يصوم قبل رمضان, لكنه لا يصوم يوم الشك عمداً إلا إذا كان له صيام كان يصومه, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين إلا صوماً كان يصومه أحدكم ), كأن يكون إنسان يصوم الإثنين والخميس, أو يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فتأخر صيامه وأراد أن يصوم, لكن أن يتعمد صيام يوم الشك فلا يجوز ذلك؛ لقول عمار عليه رضوان الله تعالى: ( من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ), وهذا في الصحيح, حمله جمهور العلماء على التحريم, ومال جماعة إلى الكراهة, وذهب بعضهم إلى جواز صيام يوم الغيم, وذهب إلى هذا الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى وهو قول عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى, وقد صنف غير واحد من الأئمة في هذا مصنفات, في جواز الصيام يوم الشك, إذا كان يوم غيم.

    1.   

    تبييت النية في صيام رمضان

    يجب لكل عمل نية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات ), كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ), أي: إنما قبول الأعمال وردها بالنية.

    الحكم على حديث: (لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل)

    وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر عن حفصة عليها رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل ), وهذا الخبر لا يصح رفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والصواب فيه أنه موقوف, قد تفرد به عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر عن حفصة عليها رضوان الله تعالى, وقد رواه عن عبد الله بن أبي بكر جماعة, رواه الليث بن سعد وعبد الله بن وهب وسعيد بن أبي مريم ويحيى بن أيوب، رواه عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر عن حفصة عليها رضوان الله تعالى مرفوعاً, وخولف فيه عبد الله بن أبي بكر، فقد رواه جماعة من الثقات عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر موقوفاً عليه وهو الصواب, وقد رواه عبد الرحمن المدني وعبيد الله بن عمر ومعمر بن راشد الأزدي عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر، وروي تارة أيضاً عن حفصة موقوفاً, والصواب أنه موقوف ولا يثبت مرفوعاً, وهذا الذي عليه أكثر الأئمة, قد مال إلى صحة الموقوف الترمذي وقد صح عنه أنه قال: الموقوف على حفصة أشبه, وكذلك قد روي عن الإمام النسائي عليه رحمة الله تعالى أنه قال: الموقوف أصح, لكن قد مال الدارقطني عليه رحمة الله تعالى في سننه إلى صحة المرفوع, وقال في السنن: قد رواه مرفوعاً عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر عن حفصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعبد الله بن أبي بكر من الثقات الرفعاء, ووافقه على ذلك الإمام البيهقي عليه رحمة الله تعالى في سننه.

    وعلى كل فإن هذا الخبر لا يصح مرفوعاً, ويكفي ويغني عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات ).

    صيام من لم يبيت نية الفرض من الليل وأقوال العلماء في ذلك

    وإنما تعلق بعض الأئمة بهذا الخبر؛ لأنهم يرون أن من لم يبيت الصيام من الليل لا يصح منه الصيام, فإذا طلع الفجر ولم يصم فإنه يجب عليه القضاء, وهذا الذي عليه جمهور العلماء على أن النية لابد لها أن تكون من الليل, وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا بأس من النية بالنهار, واستدل بما جاء في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع عليه رضوان الله تعالى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منادياً أن ينادي: من كان صائماً اليوم فليتم صومه, ومن كان مفطراً فليمسك, فإن اليوم عاشوراء ), وقال: هذا في حال فرض عاشوراء, والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإمساك نهاراً, فيقال: إن هذا لا دليل فيه, فإن سلمة بن الأكوع عليه رضوان الله تعالى روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حين أن الله جل وعلا ما فرض صيام يوم عاشوراء وما علموا إلا نهاراً, أي: أولئك الناس, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به, ما كانوا يعلمون قبل ذلك فيبيتوا النية من الليل, فما علم الإنسان من دخول رمضان نهاراً ولم لا يعلم أنه في رمضان هذه مسألة أخرى وإنما كلام العلماء على رجل لم ينو من الليل وفي قدرته أن ينوي، والصواب أنه لابد من النية في الليل، وهذا الذي عليه جمهور العلماء, على خلاف عند العلماء أيضاً في مسألة النافلة ويأتي الكلام عليه.

    النية لابد أن تكون من الليل لما جاء موقوفاً عن حفصة وعبد الله بن عمر عليهما رضوان الله تعالى, وكذلك في حديث عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات ), فلابد من النية أن تسبق العمل وأن تصاحبه, وإذا خرج النهار عليه ولم ينو فإن صيامه غير صحيح, ومن قال بالشك؛ إذا كان من رمضان غداً سأصوم وإن لم يكن من رمضان فلن أصوم, يقال: إن التردد بالنية غير جائز إذا علم الإنسان, أما إذا شك فهل يصح منه ذلك أم لا؟ ذهب أبو حنيفة باعتبار عدم اشتراط النية من الليل أصلاً إلى صحة ذلك, وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في رواية, وكذلك الإمام الشافعي إلى عدم صحة ذلك, والصواب أنه يصح منه إذا كان لا يعلم, وعليه يحمل من قال بصيام يوم الشك, فإنه قال بعضهم بصيام الشك، بعضهم قال بالوجوب كما هو مرو عن الإمام أحمد وفيه نظر, فإنهم يقولون بصحة الشك من باب أولى؛ لأنه قد أتى به على وجهه, وإن جاء بالنية من النهار ولا يعلم أن اليوم رمضان فإنه يمسك ولا قضاء عليه وإن طعم, على الصحيح؛ لحديث سلمة بن الأكوع عليه رضوان الله تعالى.

    1.   

    أحكام تتعلق برؤية شهر رمضان

    اختلاف المطالع من بلد لآخر

    والرؤية في رمضان هي لكل قطر يرون الشهر, فالمطالع تختلف من بلد إلى بلد فيتفاوتون, ولا يجوز لأهل بلد أن يتبعوا بلداً بعيداً وهم لهم رؤية, فإن لكل بلد هلالاً, قد يروه في موضع ولا يروه في موضع, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ).

    أقوال العلماء في صيام من رأى هلال رمضان ولم يصدقه الناس

    ولكن هنا مسألة إذا رأى الإنسان هلال رمضان فما صدقه الناس وما اعتد بقوله هل يصوم أو لا يصوم؟ قد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

    ذهب الإمام مالك وروي عن الإمام الشافعي أيضاً, وهو رواية عن الإمام أحمد على أنه يصوم وحده ويفطر وحده بحسب ما يرى ولا يعتد بقول من أبى أن يأخذ بقوله؛ لأنه مخاطب، وقد رأى الحجة بينة فوجب عليه أن يعمل بذلك, هذا قول قد قال به الإمام مالك، قد أسنده عنه ابن عبد البر في كتابه الكافي.

    والقول الثاني: وهو قول الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في المشهور عنه وقال به أبو حنيفة، وأسنده عن الإمام مالك الدارقطني في سننه على أنه يصوم بقوله ويفطر مع الناس, ففرقوا بين الصيام والفطر.

    والقول الثالث: قالوا: على أن فطره وصيامه مع الناس ولا يعتد بقوله, قالوا: وذلك لما رواه الترمذي في سننه من حديث حماد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون ), وهذا الخبر معلول بالاضطراب, فقد رواه أبو داود في سننه عن حماد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة، واختلف عليه فيه.

    ورواه حماد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، ورواه أبو داود في كتابه المراسيل من حديث عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك قد وقع اختلاف في لفظه, ولكن يقال: إن الاعتبار بعمل العامة محل اتفاق عند العلماء في هلال ذي الحجة, وأنه لابد من أن يأخذ بعمل الناس, ولا أن يشذ فيقف بعرفة وحده, أو ينحر وحده يوم العيد باعتبار أنه رأى, ولهذا قد روى ابن أبي شيبة من حديث ابن جريج عن عطاء: ( أنه جاءه رجل قد حج أول حج فوقف مع الناس وهو قد رأى الهلال في غيره, فقال: حجه صحيح, وهذا ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ), وعليه يقال: إن العبرة بعمل الناس, خاصة في هلال ذي الحجة, وعدم المخالفة هو الأولى, وأن لا يأخذ الإنسان بقوله, لكن لو صام الإنسان سراً إذا كان متيقناً من غير إعلان حتى لا يقع عند الناس اضطراب وشك وفتنة, فإن الإنسان إذا قيل: إنه هو المخاطب بقوله ولم يعتد بقوله لا يثير ذلك ويعمل بما رأى.

    ورمضان يدخل بغروب شمس الثلاثين وآخر يوم من شعبان, يدخل رمضان بفضله وخيريته وعظيم أجر لياليه, ولهذا يشرع اغتنامه من أول ساعة فيه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهيأ لرمضان ويستعد له بالطاعات والإكثار من أعمال البر.

    1.   

    وقت بداية الإمساك واستحباب تأخير السحور

    يجب على الإنسان أن يمسك عند طلوع الفجر, وهذا هو الصيام, ويستحب له أن يؤخر سحوره, فإن السحور ما سمي سحراً إلا لخفاء ليله وهجوع الناس, ولهذا سمي سحراً؛ لاختفاء من أراد أن يختفي فيه, ويسمى السِّحر سحراً لخفائه ولطف سببه, ويسمى السَّحر سحراً وهو المريء الذي يجري فيه الطعام؛ لأنه يخفى على الرائي, تقول عائشة عليها رضوان الله تعالى كما في الصحيحين: ( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري ), فكلما تأخر كان أفضل, وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر ), زاد بعضهم فيه: ( وأخروا السحور ), وهو منكر, لا يثبت في حديث سهل عليه رضوان الله تعالى, وتأخيره أفضل, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تسحروا فإن في السحور بركة ), والمراد بالبركة هنا ما يجعله الله عز وجل للإنسان من إعانة وتوفيق وتسديد, أي: أنه يبارك له من نشاط وعمل في نهاره, ومن لا يتسحر فإنه يكون في نهاره كسلان يميل إلى الراحة والدعة, وفي هذا تثاقل عن أعمال الخير والبر والطاعة, ومن كان يطعم واستعد للصيام بالسحر فإنه يكثر من الطاعات ويكون قوياً نشيطاً منشرح النفس, قوي القدرة على الأعمال الصالحة من ذكر ودعاء وقراءة قرآن وغير ذلك.

    الحكم على أحاديث الشرب وقت الأذان

    والإمساك يكون بطلوع الفجر, فإذا طلع الفجر وجب على الإنسان أن يمسك, وطلوع الفجر يكون بدخول صلاة الفجر, وأما ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أذن المؤذن وفي يد أحدكم إناء فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ), فهو خبر منكر, قال أبو حاتم في كتابه العلل: ليس بصحيح, وإذا أذن المؤذن وجب عليه أن يمسك ولو كان بيده الإناء, وقد روي بعض الأخبار في هذا ولا يثبت منها شيء, منها ما رواه الإمام أحمد من حديث ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ( أنه جاءه رجل فقال: يؤذن المؤذن وفي يدي إناء, قال: إنا سمعنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يشرب ), وهذا الحديث في إسناده ابن لهيعة ولا يصح حديثه ولا يحتج به.

    وكذلك ما رواه الإمام أحمد من حديث الحسين بن واقد عن أبي غالب عن أبي أمامة عليه رضوان الله تعالى: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى بعد الأذان وفي يده إناء, فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيشرب أم لا, فقال: اشرب ), وهذا الخبر لا يصح؛ ففي إسناده أبو غالب قد ضعفه يحيى بن معين وكذلك النسائي وغيرهم, ولا يحتج به.

    الحكم على حديث أنس في الأكل قبل الصلاة

    وكذلك قد روى ابن جرير الطبري في تفسيره من حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى ومن حديث عبد الله بن عباس وكذلك قد رواه العقيلي في كتابه الضعفاء من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عباس ولا يصح, وروي من حديث بلال عند الإمام أحمد من حديث شداد مولى عياض بن عامر، وكذلك تابعه عليه عبد الله بن معقل كلاهما عن بلال عليه رضوان الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه, ولا يصح ففي إسناده انقطاع, وكذلك قد روى البزار في مسنده من حديث توبة بن الربيع عن أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يأكلون قبل الصلاة ثم خرجوا فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الفجر في رمضان ), وهذا الخبر لا يصح, ولا يصح في الأكل بعد الأذان شيء أو الرخصة فيه, والأصل المنع من ذلك والإمساك والمبادرة بالاحتساب.

    ولهذا أمر الله عز وجل بالإمساك كما قال الله جل وعلا: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187], فإذا تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وجب الإمساك, وهذا هو ظاهر القرآن, وما روي من أحاديث ضعاف لا تنشط إلى مقاومة النص الصريح بكلام الله سبحانه وتعالى.

    الحكم على أثر حذيفة في بداية الإمساك

    وما روي عن حذيفة عليه رضوان الله تعالى أنه كان يطعم حتى إذا قيل له: كأن الشمس قد طلعت أمسك, هذا خبر منكر, ولو قيل بصحته لا يتعلق بالشواذ, ولهذا قد روي عن أبي طلحة الأنصاري عليه رضوان الله تعالى كما روى الإمام أحمد وغيره من حديث شعبة بن الحجاج وعمران بن داور القطان كلاهما عن قتادة عن أبي طلحة: أنه كان يأكل البرد في رمضان أو يأكل البرد في صيامه ويقول: إنه بركة.

    قد ذكر العسكري في كتاب الأوائل من حديث علي بن حميد أو علي بن محمد عن أبيه أن الخليفة عيسى بن جعفر قال له, أي: قال له والد علي بن محمد: لو دعوت عشرة من الفقهاء والأدباء ووجهاء الناس فتحدثوا عندك في الفقه والأدب، وأفادوك فاكتسبت علماً واكتسبت ذكراً, فقال: اختر لي عشرة منهم وهذه ألف دينار قسمها بينهم, قال: فاختار له عشرة من الفقهاء قال: فجاءوا فقال محمد في مجلس عيسى بن جعفر: إن أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى حينما ولي في نيسابور سنتين أخذ يقصر الصلاة ويفطر, فأنكره عيسى بن جعفر، قال: فقام الفقهاء وأسندوا إليه بثبوته, ثم قال محمد: وإن أبا طلحة كان يأكل البرد في صيامه, فأنكر ذلك عيسى بن جعفر، فقام الفقهاء وأسندوه وأثبتوه بالإسناد, فقال حماد بن زيد : أتريد بهذا أن تطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا أريد أن أطعن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني أريد أن أبين خطأك فيما ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ), أي: أن مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقهاء الصحابة؛ كـأبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وغيرهم, فربما تعلق بقولك بعض من لا يعرف الفرق بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة الأخذ والعلم، وما ربما يخالفونه لعدم ورود الدليل فتأثم بإثمه.

    1.   

    حالات اجتهادات الصحابة المخالفة للنص

    وما يورد عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يجتهدونه لا يخلو من حالين, يعني: فيما يخالفون به النص:

    علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وإرشادهم إلى غيره

    الحالة الأولى: أن يكون علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأرشدهم إليه؛ فلا يجوز الأخذ بقولهم على الإطلاق ولا ريب في ذلك؛ كالثلاثة الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أحدهم: إني لا أتزوج النساء, وقال: إني لا آكل, وغير ذلك, النبي صلى الله عليه وسلم بين لهم الصواب, وهؤلاء وإن كانوا صحابة قالوا بمخالفة الدليل فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم.

    عدم بلوغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع وجود نص صريح في المسألة

    الحالة الثانية: أن لا يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك, وهذا لا يخلو من أحوال:

    أن يكون في المسألة نص صريح؛ فلا يعتد بقول أحد, ولهذا قد روي عن جماعة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ما يخالف دليلاً أو لم يكن عليه أصل, والأصل على خلافه؛ كما جاء عن أبي طلحة عليه رضوان الله تعالى هنا وهو محتمل ومتأول, وكذلك عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى في إدخال الماء في عينيه في الغسل, وكذلك عن حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى هنا, وكذلك بإلزام بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بالتمتع وغيره, أن مثل هذا يُعتذر لهم, ولا يقال: إن قولهم ذلك سنة, فما خالف صراحة الدليل لا يعتد بقوله, وإن كان من الصحابة؛ لأن العبرة بالوحي من الكتاب والسنة, لكن إذا اشتهر قول الصحابي عليه رضوان الله تعالى وكان الصحابة شاهدين وكأنهم أطبقوا عليه، فإن هذا يكون شبه إجماع, وإن كان واحداً, وهذا مرتبط بشهرة القول عن الصحابي, ومعرفة الشهرة أن يرويه عنه جماعة من أصحابه, أو يقوله في ملأ.

    الصورة الصحيحة للإجماع السكوتي عند الصحابة

    وهنا مسألة ينبغي أن يتنبه لها أن بعض الفقهاء حينما يورد قولاً للصحابي يقول: قال فلان بن فلان: كذا؛ كـابن عباس أو ابن عمر، ولا يعلم له مخالف من الصحابة وهذا إجماع سكوتي, نقول: إجماع سكوتي كيف يثبت أنه إجماع سكوتي وأنت تعلم أنه لم يروه عنه من أصحابه إلا فلان ولم يرو عن فلان إلا واحد, فأثبت صورته أن الصحابة علموا به ثم قل إجماعاً سكوتياً, ولهذا قد روي عن جماعة من الصحابة أقوال يخالفها جماعة آخرون, وروي عن بعضهم أقوال لم يحملها إلا واحد من أصحابهم؛ من ذلك ما يحتج به جماهير الفقهاء كما جاء في المصنف وكذلك عند الطيالسي وغيره من حديث سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أنه قال فيمن ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فعليه دم, يعني: في الحج, يقول: هذا قول مشهور لا يُعلم له مخالف, مع أنه لم يروه عن عبد الله بن عباس إلا سعيد بن جبير، وأصحابه كثر, ولا نقدح بثبوته وإنما نقدح باشتهاره, فهو لم يشتهر عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أو قاله بمجالس ونحو ذلك وانتقد عليه أو أنه وافقه عليه غيره.

    وما يوافق فيه الصحابي الصحابة وعلم أنه قاله في ملأ ولو كان واحداً ولم يذكر موافقة فإنه يكون إجماعاً, كما رواه ابن المنذر في مسألة الإنصات حال سماع الأذان, أو الترديد مع المؤذن هل هو واجب أم لا؟ بعض الفقهاء يقول: إنه واجب, مع أن ظاهر عمل الصحابة أنه مستحب, بل الذي أراه أنه بالإجماع على أن متابعة المؤذن ليست واجبة بإجماع الصحابة, وأن الإنصات ليس واجباً بل مستحب, الدليل على ذلك ما رواه ابن المنذر من حديث عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى قال: ( كان عثمان بن عفان إذا صعد المنبر يوم الجمعة وقام المؤذن وأذن أخذ يسأل الناس عن أحوالهم ), عثمان بن عفان على المنبر وخليفة راشد ومن معه كبار الصحابة, ومع ذلك يسأل الناس عن أحوالهم والمؤذن يؤذن؛ فدل على أن متابعة المؤذن سنة, والإنصات حال الأذان سنة, ومن قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ), هذا أمر ظاهره الوجوب؛ هذا تعلق بقاعدة أصولية تخالف ما عليه العمل, ولا يعتد بهذا القول وإن قال به أئمة كبار؛ لأنه مخالف لعمل الصحابة, والإجماع على خلافه، ولا نعلم أحداً من الصحابة ولا من التابعين أمر بمتابعة المؤذن, وإنما هو مستحب وفضله معلوم, وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة، لكن كل هذا لا يعني مسألة الوجوب, ونحن نريد أن نفرق هنا بين أعمال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى وبين أن يحتج إمام أو فقيه بقول لـابن عباس أو قول لـابن عمر لم يروه عنه إلا واحد ولا يعلم الحال التي هو عليها, ثم يقول: هذا إجماع سكوتي, وبين إجماع ظاهر جلي فعل على منبر وغير ذلك دل عليه الدليل بإسناد صحيح عن صحابي كبير, وحضره أئمة متوافرون والجمعة تشهد من الكبار والصغار ومع ذلك لم يخالف؛ فيدل على أن هذا يكون هو الإجماع السكوتي وإن لم يكن هذا الإجماع سكوتياً فلا يوجد إجماع سكوتي على الإطلاق.

    ونكتفي بهذا القدر، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.