إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب المزارعة - تابع باب ذكر الأحاديث المختلفـة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع [3]

شرح سنن النسائي - كتاب المزارعة - تابع باب ذكر الأحاديث المختلفـة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع [3]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الشرع أن كراء الأرض بالثلث والربع وغير ذلك مما هو معلوم النسبة، أن هذا سائغ وصحيح، والمزابنة هي: بيع الأوساق من التمر بالتمر على رءوس النخل، والمحاقلة جاء في بعض الروايات تفسيرها بالمزابنة، وجاء في بعضها أنها تأجير الأرض بجزء مما يخرج منها، وجاء أنها بيع الحب بالحب في السنابل وفي الزرع.

    1.   

    تابع ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع واختلاف ألفاظ الناقلين للخبر

    شرح حديث: (أن رسول الله نهى عن المحاقلة والمزابنة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم حدثنا عثمان بن مرة سألت القاسم عن المزارعة فحدث عن رافع بن خديج رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة). قال أبو عبد الرحمن: مرة أخرى].

    سبق في الدروس الماضية جملة من الأحاديث المتعلقة بالمزارعة، وهذه أيضاً جملة منها، أولها حديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة)، وقد عرفنا المحاقلة والمزابنة مراراً وتكراراً؛ لأن هذين اللفظين قد مرا كثيراً، وعرفنا أن المحاقلة جاء في بعض الروايات تفسيرها بالمزابنة، وجاء في بعضها أنها تأجير الأرض بجزء مما يخرج منها، وجاء أنها بيع الحب بالحب في السنابل وفي الزرع، وعرفنا أن ما كان مما يتعلق بالتأجير بالثلث والربع فإنه سائغ وجائز، وأنه مثل المضاربة ولا بأس به، وهي مشاركة من المالك والمزارع.

    وأما التفسير الثاني وهو بيع أوسق من الحب بالحب الذي في السنابل في الزرع فهذا لا يجوز؛ لأنه من قبيل الربا، وأما المزابنة فقد عرفنا أنها بيع الأوساق من التمر بالتمر على رءوس النخل، وعلة تحريمه هو كون الربا فيه موجود وذلك من جهة أنه إن كان البيع في الحال بأن استلم هذا الأوسق من التمر، واستلم هذا التمر على رءوس النخل، ففيه التفاضل من جهة أن ما في النخل مجهول وإن كانت الأوسق التي دفعها المشتري معلومة، وذلك أن بيع الجنس بالجنس كالتمر بالتمر من شرطه التماثل والتقابض، التساوي والتقابض، ومن المعلوم أن بيع أوساق من التمر معلومة بالرطب على رءوس النخل، التساوي غير موجود، وذلك من جهة جهالة مقدار ما على رءوس النخل، ومن جهة أنه لو بيع الرطب بالتمر متساوياً فإنه لا يصح؛ لأن الرطب ينقص إذا جف، فهو بيع مثلي بمثله غير متساوي، وقد عرفنا أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، وذلك لا يجوز.

    وعلى هذا فالمحاقلة والمزابنة إذا كانت بيع أوسق معلومة بحب على رءوس الزرع، أو بتمر على رءوس النخل، فإن هذا لا يجوز، وإن كان المراد بالمحاقلة أنها تأجير الأرض بالثلث والربع والنصف فهذا لا بأس به؛ لأنها شركة سائغة، وهي مثل المضاربة تماماً، يجوز فيها ما يجوز في المضاربة، وذلك أن المضاربة جائزة ومشروعة وسائغة باتفاق العلماء، وهي شركة بين العامل وبين المالك على أن الربح بينهما على النسبة التي يتفقان عليها، فكذلك من لا يجيد البيع والشراء ولكنه يجيد الزرع، يمكنه أن يعمل مشاركة مع صاحب الأرض على وفق ما هو موجود في المضاربة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله نهى عن المحاقلة والمزابنة)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].

    هو عمرو بن علي الفلاس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي عاصم].

    أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عثمان بن مرة].

    عثمان بن مرة لا بأس به، أخرج له مسلم، والنسائي، وكلمة لا بأس به تعادل صدوق.

    [عن القاسم].

    هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ثقة، فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن رافع بن خديج].

    رافع بن خديج رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [قال أبو عبد الرحمن: مرةً أخرى].

    يعني: أنه يسوق السند برجاله وبإسناده مرةً ثانية من طريق أخرى، إلا أن اللفظ يختلف، السند واحد والمتن يختلف.

    شرح حديث: ( إن رسول الله نهى عن كراء الأرض)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي قال أبو عاصم عن عثمان بن مرة قال: سألت القاسم عن كراء الأرض؟ فقال: قال رافع بن خديج رضي الله عنه: ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن كراء الأرض)، واختلف على سعيد بن المسيب فيه].

    أورد الطريق الثانية عن القاسم بن محمد عن رافع بن خديج وهي مثل السابقة في الإسناد، إلا أنها ليست مثلها في اللفظ، وفيها النهي عن كراء الأرض، وكراء الأرض يكون منهياً عنه فيما إذا كان بشيء مجهول بأن يقول مثلاً: أؤجرك ولي سهم، ولا يعين ذلك السهم بحيث يكون جزءاً معلوم النسبة كثلث أو ربع، وكذلك أيضاً تأجيرها بشيءٍ معلوم مما تخرجه الأرض، هذا أيضاً لا يصح؛ لأن الأرض يمكن ألا تخرج إلا هذا المقدار، فيظفر به واحد ويحرم الثاني، كذلك أن يستثني أحدهما بقعة معينة، كأن قال: ما تنبته هذه البقعة، أو ما ينبت على السواقي، أو ما ينبت في كذا.. أو في كذا، فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأن هذا يؤدي إلى الخصومة؛ ولأنه قد لا ينبت الزرع إلا في هذه البقعة، والباقي قد لا يحصل فيه نبات الزرع، فيكون في ذلك جهالة، فالنهي عن كراء الأرض إذا كان فيه جهالة، أو كان فيه علم يؤدي إلى أن يظفر أحد المتشاركين ويختص به دون الآخر، فذلك لا يجوز.

    أما إذا كان بأجرةٍ معينة يدفعها المستأجر للمؤجر ويقبض الأرض ويتصرف فيها، ويستفيد من غلتها، وهو قد دفع الأجرة التي استأجر بها، أو استأجر بالثلث والربع أو النصف.. أو بنسبة معينة يتفقان عليها، فلا بأس بذلك، أي: إنه إذا كان التأجير على سبيل المشاركة مثل ما هو موجود في المضاربة بالنصف والربع والثلث لا بأس بذلك، وإذا كان بأجرة معلومة يدفعها المستأجر للمؤجر ثم يقبض الأرض ويتصرف فيها، وذاك قبض أجرته، وهذا قبض أرضه، فلا بأس بذلك.

    والإسناد هو نفس الإسناد.

    شرح حديث رافع بن خديج في المزارعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن أبي جعفر الخطمي -واسمه عمير بن يزيد - قال: (أرسلني عمي وغلاماً له إلى سعيد بن المسيب أسأله عن المزارعة؟ فقال: كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى بها بأساً حتى بلغه عن رافع بن خديج رضي الله عنه حديث، فلقيه فقال رافع: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بني حارثة فرأى زرعاً، فقال: ما أحسن زرع ظهير، فقالوا: ليس لـظهير، فقال: أليس أرض ظهير؟ قالوا: بلى، ولكنه أزرعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خذوا زرعكم وردوا إليه نفقته، قال: فأخذنا زرعنا، ورددنا إليه نفقته) ورواه طارق بن عبد الرحمن عن سعيد، واختلف عليه فيه].

    أورد النسائي حديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه، وأن ابن عمر رضي الله عنه كان لا يرى في تأجير الأرض بأساً، حتى لقي رافع بن خديج وأخبره بأن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببني حارثة فوجد مزرعةً لـظهير، فقال: ما أحسن مزرعة ظهير، قالوا: إنها ليست لـظهير، إنها لشخصٍ أزرعه إياها، معناه: أجره إياها، يعني لا ندري كيفية التأجير الذي تم بينهما، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذوا زرعكم وردوا عليه نفقته)، يعني ما يصلح التأجير وإنما الذي يصلح هو الإحسان والإرفاق وأن الإنسان يزرع بنفسه أو يمنح غيره.

    قوله: (خذوا زرعكم) يعني الزرع الذي زرعه العامل خذوه لأنه حصل في أرضكم، والنفقة التي أنفقها المزارع ردوها عليه، وأعطوها إياه، وقد جاء في بعض الروايات والتي ستأتي: أن عبد الله بن عمر كان لا يرى بأساً بتأجير الأرض، وكان يؤجر أو يؤاجر أراضيه، ولما بلغه عن رافع بن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فخشي أن يكون أتى فيها شيء خلاف ما كان يعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترك ذلك تورعاً، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    والأمر كما ذكرت؛ أن المنع يكون في بعض الأحوال، والجواز يكون في بعض الأحوال، فحيث يكون الغرر والجهالة، فهذا لا يجوز، وحيث يكون شيئاً معلوماً لا محظور فيه ولا جهالة، ولا يترتب عليه تضرر أحدهما، فإن هذا لا بأس به.

    تراجم رجال إسناد حديث رافع بن خديج في المزارعة

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].

    محمد بن المثنى هو أبو موسى العنزي الملقب بـالزمن البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى].

    هو يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد].

    أبو جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد صدوق، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.

    [عن سعيد].

    هو سعيد بن المسيب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن رافع].

    رافع بن خديج قد مر ذكره.

    شرح حديث رافع بن خديج في المزارعة من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن طارق، عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج رضي الله عنه أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المحاقلة والمزابنة، وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجلٌ له أرض فهو يزرعها، أو رجلٌ منح أرضاً فهو يزرع ما منح، أو رجلٌ استكرى أرضاً بذهبٍ أو فضة) ميزه إسرائيل عن طارق فأرسل الكلام الأول، وجعل الأخير من قول سعيد].

    أورد النسائي حديث رافع بن خديج رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه النهي عن المحاقلة والمزابنة، وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرع ما ملك، ورجل منح أرضاً فهو يزرع ما منح، ورجل اكترى بذهب أو فضة، وهذا فيه التنصيص على أن الاكتراء بالذهب والفضة سائغ، وهو يخالف ما تقدم من النهي عن كراء الأرض، وهو لفظ مطلق، وهو يدل على جوازه بالذهب والفضة، يعطيه الأجرة ويقبض الأرض، هذا سلم الأرض لينتفع بها، وهذا أخذ أجرته على ذلك، فالكراء بالذهب والفضة لا بأس به، وكذلك الكراء بالثلث والربع والنصف لا بأس به.

    تراجم رجال إسناد حديث رافع بن خديج في المزارعة من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي الأحوص].

    هو أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن طارق].

    وهو طارق بن عبد الرحمن البجلي، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج].

    قد مر ذكرهما.

    حديث سعيد بن المسيب: (نهى رسول الله عن المحاقلة) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن طارق عن سعيد أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المحاقلة) قال سعيد: فذكره نحوه، رواه سفيان الثوري عن طارق].

    ميزه إسرائيل عن طارق، فجعل في الأول الروية عن سعيد مرسلة ليس فيه ذكر طارق، وفي الثاني جعله من كلام سعيد.

    الملقي: فجعل الأول مرسلاً ليس فيه ذكر رافع، تابعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، والثاني أو الأخير جعله من كلام سعيد نفسه.

    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].

    هو أحمد بن سليمان الرهاوي، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن عبيد الله بن موسى].

    عبيد الله بن موسى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن إسرائيل].

    هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن طارق عن سعيد].

    طارق وسعيد قد مر ذكرهما.

    تراجم رجال إسناد مرسل سعيد بن المسيب: (نهى رسول الله عن المحاقلة)

    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].

    هو أحمد بن سليمان الرهاوي، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن عبيد الله بن موسى].

    عبيد الله بن موسى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن إسرائيل].

    هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن طارق عن سعيد].

    طارق وسعيد قد مر ذكرهما.

    شرح أثر سعيد بن المسيب: (لا يصلح الزرع غير ثلاث ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن علي -وهو ابن ميمون - حدثنا محمد حدثنا سفيان عن طارق قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: لا يصلح الزرع غير ثلاث: أرض يملك رقبتها، أو منحة، أو أرض بيضاء يستأجرها بذهب أو فضة، وروى الزهري الكلام الأول عن سعيد فأرسله].

    أورد النسائي ما تقدم عن سعيد بن المسيب ولكنه من قوله ليس مرفوعاً، وقال: لا يصلح الزرع غير ثلاثٍ.

    يعني ثلاثة أحوال يصلح فيه المزارعة:

    (أرض يملك رقبتها) يعني: يملكها؛ لأنه يقال رقبة للعين فملك رقبة الدار، أي: عين الدار، وقيل: رقبة؛ لأن في الأصل أن من ملك شيئاً من الحيوانات أخذ برقبته وقاده، فصاروا يعبرون عن الشيء الذي يملكه الإنسان بالرقبة، يعني إشارةً إلى أن ما كان من الحيوانات عندما يملك يأخذ الإنسان برقبته، معناه بملكه وقاده وحازه، فصاروا يعبرون عن كل شيءٍ معين برقبة.. رقبة الدار، رقبة السيارة، رقبة كذا، يعني تقابل العين، أو تماثل العين.

    أرض يملك رقبتها يزرعها بنفسه.

    (أو منحة)، إنسان منح أرضاً فهو يزرعها؛ لأنه منح إياها.

    (أو أرض بيضاء يستأجرها بذهب أو فضة)، وهذا مثل ما تقدم.

    وذكر أولاً أنه مرفوع، ثم ذكر في الطريق الثانية أنه مقسوم إلى قسمين: قسم أرسله سعيد، وقسم هو من قوله، ثم ذكر حديثاً آخر هو من قوله، وهو مثل الفقرة الثانية التي قال عنها في الإسناد الذي قبله: إنه من قوله؛ لأن فيه ذكر الأمور الثلاثة التي هي: كون الإنسان يزرع ما ملك، أو يزرع ما منح، أو اكترى بذهب أو فضة.

    تراجم رجال إسناد أثر سعيد بن المسيب: (لا يصلح الزرع غير ثلاث ...)

    قوله: [أخبرني محمد بن علي هو ابن ميمون].

    محمد بن علي هو ابن ميمون الرقي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    وكلمة (هو ابن ميمون) هذه قالها من دون النسائي، وهذا يبين لنا أن من دون النسائي يزيد في شيوخ النسائي من يحتاج إلى إيضاحٍ وبيان ويقول: هو؛ لأن هذا لا يكون من كلام النسائي؛ لأنه لو كان من النسائي فما كان يحتاج إلى أن يقول: هو ابن ميمون، بل يقول: محمد بن علي بن ميمون الرقي، هكذا يقول بدون أن يقول: هو، لكن غير التلميذ هو الذي يقول: هو، إذا أراد أن يوضح ويبين، وهذا يبين لنا أن غير النسائي يضيف إلى كلام النسائي ما يوضحه ويبينه.

    [عن محمد].

    محمد هو ابن يوسف الفريابي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن طارق عن سعيد].

    طارق عن سعيد قد مر ذكرهما.

    حديث سعيد بن المسيب: (أن رسول الله نهى عن المحاقلة والمزابنة ...) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم قال: حدثني مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة)، ورواه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة عن سعيد بن المسيب فقال: عن سعد بن أبي وقاص].

    أورد هذه الطريق الثانية وهي توافق الطريق التي قبل هذه حيث أرسل الأول وجعل الثاني من كلامه، ثم أورد إسناداً متنه يطابق ما هو من كلام سعيد، ثم ذكر إسناداً آخر وأتى بمتن يطابق ما أرسله سعيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة) وهذا مرسل؛ لأن سعيد بن المسيب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا، وما ذكر الصحابي، ما ذكر واسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمرسل هو ما يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو المرسل.

    قوله: [قال الحارث بن مسكين].

    هنا عبر بقال الحارث بن مسكين، وما قال: أخبرني الحارث بن مسكين، أو حدثني الحارث بن مسكين، وقد عرفنا من قبل أن النسائي له مع الحارث بن مسكين شيخه حالتان: حالة كان بينه وبينه وئام، وحالة كان بينه وبينه نفرة، وكان في الحالة الأولى يحضر حلقته بإذنه، فما سمع القارئ يقرأ عليه، يرويه بقوله: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وأما إذا كان في الحالة التي كان بينه وبينه فيها عدم وفاق ووئام، فكان يأتي وقد منعه من حضور حلقته، يأتي ويجلس من وراء الستار ويسمع، والحارث بن مسكين لا يدري عنه، ويروي عنه لكن لا يقول: أخبرنا؛ لأن الحارث بن مسكين ما قصد إخباره وتحديثه؛ لأنه أتى من دون علمه، وهذا سائغ عند المحدثين كون الإنسان يروي عن الشيخ، والشيخ لا يريد له أن يروي عنه، يعني: يأتي مع الناس ويسمع مختفياً ثم يقول: قرئ عليه وأنا أسمع، أو: قال كذا وأنا أسمع، فهذا لا بأس به، ففي هذه الحالة النسائي لا يقول: أخبرنا، وإنما يقول: قال الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، والحارث بن مسكين، ثقة فقيه، مصري، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.

    [عن ابن القاسم].

    هو عبد الرحمن بن القاسم، صاحب الإمام مالك، ثقة فقيه، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.

    [عن مالك].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة بمذاهب أهل السنة، وهي: مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب الإمام أحمد، هذه هي المذاهب الأربعة، وهي مذاهب أهل سنة، ليست مذاهب أهل بدعة كما يقال: المذاهب الثمانية، وبعض الناس يحاول أنه يجمع موسوعات لأصحاب المذاهب الثمانية، وهي مذهب الزيدية، ومذهب الإباضية، ومذهب الظاهرية، ومذهب الجعفرية، يعني المذاهب المشهورة من مذاهب أهل السنة هي هذه الأربعة، وأما غيرها فهو ليس مثلها وإن كان الظاهرية هم أخف من غيرهم، ولكنهم ابتلوا بالأخذ بالظاهر وعدم الأخذ بالقياس.

    [عن ابن شهاب].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن سعيد بن المسيب].

    سعيد بن المسيب قد مر ذكره.

    شرح حديث: (كان أصحاب المزارع يكرون في زمان رسول الله ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم حدثني عمي حدثنا أبي عن محمد بن عكرمة عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: (كان أصحاب المزارع يكرون في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مزارعهم بما يكون على الساقي من الزرع، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاختصموا في بعض ذلك، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكروا بذلك وقال: أكروا بالذهب والفضة) وقد روى هذا الحديث سليمان عن رافع فقال: عن رجل من عمومته].

    أورد النسائي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وفيه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه كانوا يكرون على ما يكون على السواقي، معناه: أحد الاثنين يقول: لي الذي ينبت على السواقي والباقي لك، أي: الذي يكون على حافة الماء، والذي يشرب من الماء دائماً وأبداً، ويحسن ويظهر جيداً، فيكون مفيداً ومثمراً، يشترطه أحدهما، فإذا ظهر وصلح وغيره ما صلح، فيختصمون يقول: أنا اشتغلت.. أنا تعبت وما حصلت شيئاً، وأنت أخذت الذي على السواقي؛ لأنه نبت كله، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم؛ لأن فيه جهالة حيث يحوزه أحدهما دون الآخر، أما لو كان بالثلث أو النصف، ولو كان صاعاً واحداً يكون بينهما، واحد منهما له النصف والثاني له النصف الآخر، أو واحد منهما يأخذ ثلثاً، والثاني يأخذ ثلثين، أما أن يكون أحدهما له آصع معينة والباقي لفلان، أو يكون له ما ينبت على السواقي وحافة النهر وحافة الماء، والثاني له الباقي أو غير ذلك.. فهذا يؤدي إلى الخصومة والفوضى والنزاع، وهذا لا يصح ولا يسوغ، وإنما يكون بالذهب والفضة، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى أن يكروا بالذهب والفضة، إنسان يستأجر أرضاً، يدفع الأجرة بالذهب والفضة، ويمسك الأرض، وما يخرج منها يكون له، أي: للمزارع؛ لأنه دفع الأجرة وانتهى، وصاحب أخذ نصيبه من قبل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان أصحاب المزارع يكرون في زمان رسول الله ...)

    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم].

    هو عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود، الترمذي والنسائي.

    [عن عمه].

    وهو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    يعني يعقوب يروي عن أبيه، وأبوه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن عكرمة].

    محمد بن عكرمة مقبول، أخرج حديثه مسلم، والنسائي.

    [عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة].

    محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة ضعيف كثير الإرسال، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص].

    سعيد بن المسيب قد مر ذكره.

    وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والحديث وإن كان في إسناده رجل ضعيف كثير الإرسال، إلا أنه قد جاء من طريق أخرى بهذا اللفظ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن تكرى الأرض بأشياء معينة تنبت على السواقي وما إلى ذلك، هذا سيأتي في حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو في معنى ما يأتي، فهذا اللفظ قد صح من طريق أخرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية الكراء بالذهب والفضة

    السؤال: كيف يكون الكراء بالذهب والفضة؟

    الجواب: يأتي الإنسان إلى صاحب أرض ويقول: أستأجر أرضك منك هذه السنة لأزرعها وأدفع لك ألف ريال، خذها، فيأخذ الألف ريال، وهذا يقبض الأرض ثم يزرعها، وكل ما يأتي من الزرع هو للمزارع، وصاحب الأرض قبض ألف ريال هي الأجرة، هذا شيءٍ معلوم مضمون ثبتت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وفي غيره.

    بدع شهر رجب

    السؤال: نرجو من فضيلتكم أن تكلمونا عن شهر رجب وعن هذه الليلة بالخصوص؟

    الجواب: شهر رجب من الأشهر الحرم التي هي أربعة من اثني عشر شهراً، واحدٌ منها فرد وهو رجب، وثلاثةٌ منها متتالية، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، واحدٌ منها في وسط السنة وهو رجب ولهذا يقال له: رجب، الفرد؛ لأنه شهرٌ حرام مفرد ليس قبله شهرٌ حرام ولا بعده شهر حرام، وإنما جاء في وسط السنة منفرداً عن الأشهر الحرم، ولم يثبت فيه شيءٍ يخصه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وقد جاء فيه بدعتان إحداهما: صلاة الغائب، والثانية: ليلة الإسراء والمعراج التي يحتفل بها كثير من الناس، فصلاة الغائب التي هي إحياء أول ليلة جمعة من رجب، وهذه ما ثبت فيها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي بدعة محدثة.

    والأمر الثاني: أن ما انتشر عند كثير من الناس أن ليلة سبع وعشرين هي ليلة الإسراء والمعراج، وأنها يحتفل بها بحيث تخص دون غيرها من الليالي، وهذا -أولاً- ما ثبت أن الإسراء والمعراج في هذه الليلة، لم يثبت أنه في ليلة معينة هي ليلة سبعة وعشرين أو غيرها.. لم يثبت ذلك، فيه أقوالٌ كثيرة قيل كذا، وقيل كذا، وقيل كذا.

    والصحيح: أنه لم يثبت في تعيينها شيء يدل على ذلك، ثم لو ثبت في تعيينها شيء، ما يسوغ أن تخص بشيء إلا بدليل؛ لأن العبادات مبناها على التوقيت، وليس مبناها على الابتدار، وعلى ما تهواه وتميل إليه النفوس، لو ثبت أن ليلة سبع وعشرين ليلة الإسراء والمعراج، لا يجوز لأحد أن يقدم على تخصيصها بشيءٍ من ذلك إلا بدليل؛ لأن الحق والاعتبار بما يثبت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وعلى هذا ليس هناك شيء يدل على تخصيص رجب إلا كونه من الأشهر الحرم، ولا يخص بشيءٍ دون غيره، ولم يثبت فيه شيءٍ يخصه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    أسماء الله الحسنى

    السؤال: هذا أخ أرسل لنا بطاقة مكتوب فيها: الأسماء الحسنى تسعة وتسعون، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك.. إلى آخرها، فيسأل عن صحة هذه الأسماء؟

    الجواب: أولاً سرد الأسماء ما ثبت فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي ثبت (إن لله تسعةً وتسعين اسماً، مائةً إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة) وهذا متفق عليه، وجاء عند الترمذي سردها في بعض الروايات ولكنه عند الحفاظ مدرج، يعني من كلام بعض الرواة وليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو غير ثابت سردها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا العلماء حرصوا على أن يجمعوا من الكتاب والسنة تسعة وتسعين، وقد حاول جماعة من العلماء المتقدمين والمتأخرين أن يجمعوا تسعة وتسعين، ولو كان هناك نصٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان هناك حاجة للمحاولة، بل يأخذون بالنص، لكن النص الذي ورد فيه تسعة وتسعون اسماً جاء في سنن الترمذي، ولكنه مدرج، يعني: من كلام بعض الرواة، أراد أن يبين هذه التسعة والتسعين، وليس ذلك ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.