إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب المزارعة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب المزارعة - باب الثالث من الشروط في المزارعة والوثائق - باب ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع

شرح سنن النسائي - كتاب المزارعة - باب الثالث من الشروط في المزارعة والوثائق - باب ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربعللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع لمن استأجر أجيراً أن يعلمه أجره قبل الشروع في العمل، ومن استأجر أجيراً على طعامه سنة وسنة أخرى على شيء آخر جاز له ذلك؛ لأن هذا فيه معلومية المدة والأجرة إلا أنها تكون في سنة كذا وفي السنة الثانية كذا.

    1.   

    كتاب المزارعة. الثالث من الشروط فيه المزارعة والوثائق

    شرح أثر أبي سعيد: (إذا استأجرت أجيراً فأعلمه أجره)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب المزارعة. الثالث من الشروط فيه المزارعة والوثائق.

    أخبرنا محمد بن حاتم حدثنا حبان أخبرنا عبد الله عن شعبة عن حماد عن إبراهيم عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: (إذا استأجرت أجيراً فأعلمه أجره)].

    أورد النسائي كتاب المزارعة، وجاء في أول باب فيه الثالث من الشروط فيه المزارعة والوثائق.

    الأحاديث التي ستأتي تتعلق بالمزارعة، وبعض النسخ فيها: كتاب المزارعة، وبعضها فيها هذا الباب بهذه الصيغة، وعلى هذا فيكون تابعاً للكتاب الذي قبله، الذي هو كتاب الأيمان والنذور، ولهذا فإن الذين وضعوا الفهارس جعلوا هذا باباً من أبواب كتاب الأيمان والنذور، وأحالوا على كتاب الأيمان والنذور؛ لأنه جاء فيه: الثالث من الشروط فيه المزارعة والوثائق، وكلمة الثالث هذه تفيد بأنه متصل بما قبله، وأنه تابع لما قبله، قال المحشي: وكأنه اعتبر أن أبواب النذور وأبواب الأيمان أنها قسمين، وجاء بعدها الثالث الذي يتعلق بالمزارعة والوثائق؛ قال: لأن كلاً منهما فيه تعليق؛ لأن الشروط فيه تعليق، والنذر فيه تعليق، واليمين يعني يكون فيه تعليق، يكون تعليقاً على شيء، فكأن الكل من باب واحد، من جهة أن كلاً فيه تعليق، وإن كان هذا الذي هو كتاب الأيمان شيئاً مستقلاً، والنذور شيء مستقل، والمزارعة شيء مستقل، إلا أن صلة النذور بالأيمان واضحة جلية؛ لأن بينهما تشابهاً وارتباطاً في الأحكام، لا سيما في الكفارة، كفارة النذر وكفارة اليمين، وأما المزارعة فلا ارتباط لها بالأيمان والنذور، لكن الذي جعل المحشي يقول هذا، أنه قال: الثالث من الشروط، ومعناه أنه تابع لشيء متقدم، ولم يتقدم إلا الأيمان والنذور، قال: فكأنه اعتبر الأيمان والنذور الأول والثاني، والثالث من الشروط المزارعة والوثائق، بجامع أن الذي يجمع بينها كلها أنها كلها فيها تعليق، وكلها فيها شروط، وكلها معلق بشرط أو معلق بشيء، اليمين تكون معلقة في الغالب، والنذر كذلك يكون معلقاً في الغالب، والمزارعة فيها تعليق وشروط، والأحاديث التي ستأتي كلها في المزارعة.

    والمزارعة هي إعطاء الأرض لمن يزرعها بشيء معلوم النسبة مما يخرج منها، يعني من ثلث أو ربع أو خمس أو سدس أو ما إلى ذلك، هذه هي المزارعة، وكثيراً ما يأتي في كتب الحديث والفقه الجمع بين المزارعة والمساقاة، والمساقاة هي دفع الشجر لمن يسقيه وله جزء معلوم النسبة من الثمرة، يعني ثلث أو ربع أو نصف أو ما إلى ذلك، فالمزارعة تتعلق بالزرع والأرض التي تزرع، ويكون للزارع جزء معلوم النسبة من النتاج، والمساقاة تتعلق بالشجر الموجود الذي يحتاج إلى سقي، ويكون للساقي جزء معلوم النسبة من ثمرة ذلك الشجر، فالمزارعة إنما هي على الأرض البيضاء تزرع، والمساقاة إنما تكون على الشجر الموجود الذي له ثمر، ويسقى بجزء معلوم النسبة مما يخرج منه.

    والأحاديث الصحيحة دلت على ثبوت المساقاة والمزارعة، فكل منهما ثابت، وكل منهما جاء فيه أحاديث، ومن أوضح ما جاء: أحاديث معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر، لليهود، حيث أبقاها على النصف مما يخرج منها، على أن لهم النصف من الثمرة، وهذه المساقاة، وكذلك المزارعة، يعني إذا زرع يعني مع الثمر أو مع النخل فإنه أيضاً يكون على النصف، وكذلك لو كانت الأرض بيضاء واستؤجرت لزرعها على أن يكون للزارع جزء معلوم النسبة مما يخرج منها، كل ذلك صحيح وسائغ.

    أورد النسائي أثر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا استأجر أحدكم أجيراً فليعلمه أجره.

    يعني: يخبره بالأجرة، ويتفق معه على الأجرة، وهذا أمر لا بد منه.

    يعني أن الإنسان عندما يستأجر فالذي ينبغي له أنه يتفق معه على مقدار الأجرة حتى لا يحصل لبس، وحتى لا يحصل خلاف، ولو حصل خلاف فإنه يرجع إلى أجرة المثل حيث لا تعين، لكن تعيينها يقطع النزاع ولا يحتاج الناس إلى أن يرجعوا إلى أجرة المثل، ولا إلى الخبرة، ولا يكون بينهم شقاق ونزاع، ولهذا يعرفون المؤاجرة بأنه لا بد فيها من بيان الأجر بأجرٍ معلوم، يعني أن تشتمل على عمل معلوم وعلى أجر معلوم.

    قوله: (إذا استأجرت أجيراً) قد يكون عاماً في عموم الإجارة، وقد يكون خاصاً حيث وضعه النسائي في المزارعة، والذي يبدو أنه عام يعني في المزارعة وغيرها، أي أنه يشمل المزارعة ويشمل غير المزارعة.

    تراجم رجال إسناد أثر أبي سعيد: (إذا استأجرت أجيراً فأعلمه أجره)

    قوله: [أخبرنا محمد بن حاتم].

    هو محمد بن حاتم بن نعيم المروزي ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن حبان].

    حبان، هو: حبان بن موسى المروزي، ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي .

    [عن عبد الله].

    عبد الله، هو عبد الله بن المبارك المروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن شعبة].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن حماد].

    هو: حماد بن أبي سليمان، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وفي الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن إبراهيم].

    إبراهيم هو: ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، الفقيه، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي سعيد].

    هو أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر أن إبراهيم لم يسمع من أبي سعيد، وعلى هذا فيكون مرسلاً، ويكون منقطعاً.

    شرح أثر الحسن البصري: (أنه كره أن يستأجر الرجل حتى يعلمه أجره)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد أخبرنا حبان أخبرنا عبد الله عن حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن: (أنه كره أن يستأجر الرجل حتى يعلمه أجره)].

    أورد النسائي أثراً عن الحسن البصري، وهو مثل ما تقدم، أنه كره أن يستأجر الرجل حتى يعلمه أجره، يعني: قطعاً للنزاع، ولكنه لو لم يعلمه أجره وأعطاه وأرضاه فإنه لا بأس بذلك، المحظور هو ما يحصل من التنازع والخصومات بسبب عدم التعيين، والأصل هو أن يعين وأن يبين، لكنه إذا لم يبين فيصار إلى أن يعطيه ويرضيه أو يرجع في ذلك إلى أجرة المثل؛ لأنه إذا حصل الخلاف فلا بد من فصل الخلاف، لكن المطلوب هو الحيلولة دون وجود الخلاف الذي ينشأ ويطرأ وذلك بأن يتفق معه على أجرٍ عند الدخول وعند الاتفاق.

    وهذا أثر أن الحسن كره أن يستأجر أجيراً حتى يعلمه بأجره، أي يسمي له الأجر ويتفق معه عليه قطعاً للنزاع.

    تراجم رجال إسناد أثر الحسن البصري: (أنه كره أن يستأجر الرجل حتى يعلمه أجره)

    قوله: [أخبرنا محمد].

    محمد هو محمد بن حاتم الذي مر ذكره.

    [عن حبان].

    في تحفة الأشراف: سويد بن نصر بدل حبان.

    وعلى كل فهذا لا يؤثر، سواء كان سويداً أو كان حبان فكل منهما ثقة، يعني سويد بن نصر المروزي وحبان بن موسى المروزي كل منهما ثقة، إلا أن حبان بن موسى أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأما سويد بن نصر فأخرج له الترمذي والنسائي.

    [عن عبد الله عن حماد بن سلمة].

    عبد الله مر ذكره، وحماد بن سلمة بن دينار البصري، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن يونس].

    هو يونس بن عبيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الحسن].

    هو الحسن بن أبي الحسن البصري، ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح أثر حماد بن أبي سليمان في استئجار الأجير على طعامه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن حاتم أخبرنا حبان أنبأنا عبد الله عن جرير بن حازم عن حماد -هو ابن أبي سليمان -: أنه سئل عن رجل استأجر أجيراً على طعامه؟ قال: لا، حتى تعلمه].

    أورد النسائي أثراً عن حماد بن أبي سليمان: أن رجلاً استأجر أجيراً على طعامه يعني: الأجرة طعامه، الطعام الذي يقدم له يأكله هذه أجرته، فقال: لا، حتى تعلمه، يعني: يعلمه بالطريقة التي يتم بها إعطاؤه الطعام، هل يأكل معه ويطعمه من طعامه، أو أنه يطعمه طعاماً يخصه؟ ثم أيضاً مقدار الطعام الذي يعطى إياه يعني بحيث يحدد كذا وكذا وكذا حتى تكون الأجرة معلومة، وحتى لا ينقطع، وحتى لا يحصل النزاع والشقاق بعدم التعيين، واستئجار الأجير بطعامه سائغ، لكن يحتاج الأمر إلى البيان الذي ينقطع معه الخلاف والنزاع، وتدفع به الخصومات، وقد جاء في القرآن الكريم مؤاجرة موسى عليه الصلاة والسلام، مع والد زوجته على أن يأجره ثمان حجج، يعني استأجر بعمله أو بكده وبفعله، وهذا ليس من هذا القبيل، يعني هذا مثال ليس لقضية الطعام، هذه مسألة أخرى، يعني لا علاقة لها بالطعام، هذه مسألة أخرى غير ما نحن فيه، فهي ليست من هذا القبيل، وإنما الأصل هو جواز ذلك حتى يأتي دليلٍ يمنع، لكن يحتاج إلى بيان المقدار والكيفية التي يتم بها تقديم الطعام.

    وبعض العلماء يمنع من ذلك ويقول: إنه لا يجوز أن يستأجر أجيراً بطعامه؛ لأن هذا شيء الناس يتفاوتون فيه، لكن إذا حصل البيان وحصل الإيضاح والبيان يزول الإشكال، ومن العلماء من قال: إنه يجوز في المرضعة فقط هي التي تستأجر على طعامها، وقد يكون لهم مقصد في أن تكون الأجرة الأكل، وهو أن يحصل اللبن وحتى يحصل الدر للرضيع؛ لأنهم لو أعطوها نقوداً فيمكن أن تقتر على نفسها فيتبع ذلك إلحاق المضرة بالجنين أو بالرضيع، فمن العلماء من منعه وأجازه في المرضعة الظئر التي ترضع، قالوا: لأن هذا لا يكون فيه مشاحة؛ لأنهم في الغالب يغدقون عليها لتدر اللبن لرضيعهم، وقد يكون لهم قصد وهو أن يتحققوا بأن الأم استفادت حتى يستفيد الابن تبعاً لاستفادتها.

    تراجم رجال إسناد أثر حماد بن أبي سليمان في استئجار الأجير على طعامه

    قوله: [أخبرنا محمد بن حاتم عن حبان عن عبد الله عن جرير بن حازم].

    مر ذكر الثلاثة، وجرير بن حازم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن حماد بن أبي سليمان].

    حماد بن أبي سليمان مر ذكره.

    شرح أثر قتادة وحماد: (في رجل قال لرجل: أستكري منك إلى مكة بكذا وكذا...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [في رجل قال لرجل: أستكري منك إلى مكة بكذا وكذا، فإن سرت شهراً -أو كذا وكذا شيئاً سماه- فلك زيادة كذا وكذا، فلم يريا به بأساً، وكرها أن يقول: استكري منك بكذا وكذا، فإن سرت أكثر من شهرٍ نقصت من كرائك كذا وكذا].

    أورد النسائي أثر عن قتادة وحماد بن أبي سليمان في رجل استأجر من رجلٍ إلى مكة وقال: أستكرى إلى مكة بكذا وكذا، وقال له: فإن سرت شهراً أو كذا وكذا شيئاً سماه فلك زيادة كذا وكذا، فلم يريا به بأساً.

    هي سرت بالفتح؛ لأنه استكراه على أن يذهب إلى مكة مثلاً بشيء، إما يوصل بضاعة أو يوصل يعني شيئاً أو رسالة أو ما إلى ذلك.

    وقوله: (فلم يريا به بأساً)؛ لأن المقصود الاستعجال، وأنه يحصل زيادة من أجل الاستعجال؛ لأن هذا أمر مقصود، يعني الإيجار بكذا وكذا، لكن إن حصل الاستعجال فإنه يحصل زيادة، يعني لا بأس بذلك، لم يريا بذلك بأساً.

    أما عكس ذلك، فقد كرها أن يقول: أستكري منك بكذا وكذا، فإن سرت أكثر من شهر نقصت من كرائك كذا وكذا.

    لأن هذا فيه ظلم؛ لأنه يزيد في السير وينقص في الأجر، فأجاز ذاك؛ لأن فيه مصلحة، ومنع هذا؛ لأن فيه مضرة وظلماً.

    تراجم رجال إسناد أثر قتادة وحماد (في رجل قال لرجل: أستكري منك إلى مكة بكذا وكذا...)

    قوله: أخبرنا محمد حدثنا حبان أخبرنا عبد الله عن معمر، عن حماد، وقتادة.

    كلهم مر ذكرهم إلا قتادة وهو: ابن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح أثر عطاء بن أبي رباح في استئجار الأجير سنة بطعامه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن حاتم أخبرنا حبان أخبرنا عبد الله عن ابن جريج قراءةً قال: قلت لـعطاء: عبد أؤاجره سنة بطعامه وسنةً أخرى بكذا وكذا، قال: لا بأس به، ويجزئه اشتراطك حين تؤاجره أياماً، أو آجرته وقد مضى بعض السنة، قال: إنك لا تحاسبني لما مضى].

    أورد النسائي أثراً عن عطاء وهو ابن أبي رباح، وقد سأله ابن جريج قلت لـعطاء: عبد أؤاجره سنةً بطعامه وسنةً أخرى بكذا وكذا، قال: لا بأس به.

    يعني: سنة يستأجره بطعامه على أنه أجرته، لكن تكون معينة كما عرفنا من قبل، وسنةً بكذا وكذا يعني معيناً، فقال: لا بأس بذلك؛ لأن هذا كله معلوم، المدة معلومة والأجرة معلومة، إلا أنها في سنة تكون كذا، وفي سنة تكون كذا، ولا بأس بذلك.

    والعبارات التي تأتي فيها شيء من الخفاء.

    ثم قال: ويجزئه اشتراطك حين تؤاجره أياماً، قال المحشي: إن السنة ليست بلازمة، وإنما يجزئ أن يكون ذلك بأيام، وهذا غير واضح؛ لأنه إذا استأجر منه على مدة سنة فالإجارة عقد لازم فليس لواحدٍ منهم أن يفسخ بمفرده، بل لا بد من اتفاق الطرفين على الفسخ، فيترتب على ذلك إشكال ويترتب على ذلك خصومات.

    ثم قال: أو آجرته وقد مضى بعض السنة، قال: إنك لا تحاسبني لما مضى.

    أنا ما يظهر لي هذا المعنى، وقد ذكر السندي أن هذا الكلام من كلام ابن جريج وأيضاً قال: كأنه افترض أنه صور المسألة مع عطاء، ولهذا قال في آخر الكلام: لا تحاسبني فيما مضى، يعني العبارة غير واضحة.

    تراجم رجال إسناد أثر عطاء بن أبي رباح في استئجار الأجير سنة بطعامه

    قوله: [أخبرنا محمد بن حاتم عن حبان عن عبد الله عن ابن جريج].

    مر ذكرهم إلا ابن جريج فهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عطاء].

    هو عطاء بن أبي رباح المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع واختلاف ألفاظ الناقلين للخبر

    شرح حديث: (نهى رسول الله عن كراء الأرض ..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إبراهيم أخبرنا خالد -هو ابن الحارث - قال: قرأت على عبد الحميد بن جعفر أخبرني أبي عن رافع بن أسيد بن ظهير عن أبيه أسيد بن ظهير رضي الله عنهما: (أنه خرج إلى قومه إلى بني حارثة فقال: يا بني حارثة! لقد دخلت عليكم مصيبة، قالوا: ما هي؟ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كراء الأرض، قلنا: يا رسول الله! إذا نكريها بشيء من الحب، قال: لا، قال: وكنا نكريها بالتبن، فقال: لا، وكنا نكريها بما على الربيع الساقي، قال: لا، ازرعها أو امنحها أخاك) خالفه مجاهد].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: [ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع واختلاف ألفاظ الناقلين للخبر].

    محصل ما تدل عليه الأحاديث أنه إذا كانت المزارعة بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها وهي ثلث أو ربع أو نصف أو ما إلى ذلك فهي سائغة، وكذلك إذا كانت بشيء معلوم كأجرة يدفعها المستأجر للمؤجر، وهي معلومة، ثم يأخذ الأرض في مقابل هذه الأجرة فذلك سائغ، فإذا كانت في شيء معلوم إما معلوم المقدار يدفعه المستأجر للمؤجر في مقابل استئجاره الأرض، أو المستأجر لا يدفع شيئاً، ولكن يتفق مع مؤجر الأرض على أن له النصف مما يخرج من الزرع، أو الثلث، أو الربع، أو أقل أو أكثر، المهم أن يكون معلوم النسبة، ولا يكون شيئاً معيناً من الخارج، أو يكون نصفاً أو سدساً ومعه شيء آخر معين من الخارج، كأن يقول: الذي تنتج البقعة الفلانية، أو الذي يكون على السواقي، أو الذي يكون على المكان الذي يجتمع فيه الماء وقريب من الماء، هذا هو الذي لا يجوز، فيجوز استئجار الأرض بشيء معلوم يدفعه المستأجر للمؤجر ويكون حاصل الأرض كلها له أي: للمستأجر أو لا يدفع شيئاً، ولكن يتفق مع مالكها على أن يزرعها بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها، ليس بشيء معلوم مما يخرج منها، هذا سائغ، وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث: حديث قصة خيبر أنه عاملهم على النصف من الثمر، والمساقاة مثل المزارعة؛ لأنها كلها تأجير بنصف ما يخرج أو ثلث ما يخرج أو ربع ما يخرج، أو ما إلى ذلك، فإذا كانت الأجرة شيئاً معلوماً مما يخرج بأن يقول مثلاً: لي من الزرع ألف صاع والباقي لك، لا يجوز هذا؛ لأنه يمكن ألا يخرج إلا ألف صاع، يعني يمكن الزرع كله يصير هذا المقدار ثم يحوزه أحدهما والثاني يتعب ولا يحصل شيئاً، أو يقول: ما تنتجه البقعة الفلانية، يعني هذه البقعة الذي يخرج منها يكون لي والباقي لك، هذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه يمكن ألا يخرج إلا في هذه البقعة، فيحوز الزرع أو يحوز الفائدة واحد منهما، ويكون ذاك ذهب عمله بدون مقابل، أو يقول: الذي على السواقي يعني مجرى الماء الذي كان نابتاً عليه هذا يكون لي، أيضاً كذلك لا يجوز؛ لأن تعيين شيء معين سواءً كان المقدار مكيلاً أو بقعة يعني نتاجها على أن يكون له، هذا غير جائز وغير سائغ، أما إذا كان معلوماً وكان خارج الزرع بأن دفع المستأجر شيئاً أو بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها، فهذا هو الذي يسوغ ولا بأس به، والأحاديث التي وردت في هذا الباب في كراء الأرض كثيرة، وفيها اختلاف كثير، وبعضها يدل على أن النهي كان لغرض من الأغراض وهو الإشارة إلى أنه ما كان ينبغي لهم إذا استغنوا عن الأرض أن يؤجروها بل يعطوها لمن يحتاجها، ولا شك أن هذا خير لمن فعل ذلك، كونه يعطي ويمنح بالمجان هذا خير، لكن يجوز له أن يؤجر أرضه بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها، وبعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قال: إن الذي أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يمنح أحدكم أخاه يكون خيراً له) ولا شك أنه إذا منح يكون خيراً له من أن يؤجر، والصلاة خيرٌ من النوم بلا شك، يعني التمثيل بأن هناك يعني شيئين بعضهما أفضل من بعض كالصلاة فلا شك أنها خيرٌ من النوم، وكون الإنسان يمنح خيراً من كونه يؤجر، كون الإنسان يعطي عطية خير من أن يؤجر، مثل الصلاة خير من النوم، النوم يستفيد منه الإنسان ولكن الصلاة أحسن منه، والتأجير يستفيد منه الإنسان والمنح أحسن منه، فهو مجرد تمثيل للشيء المتشابه.

    لكن إذا استأجر أو أجر وكان الإيجار سائغاً ولا محظور فيه فإنه لا بأس بذلك، والأحاديث التي ستأتي كلها تدور حول كراء الأرض والنهي عن كراء الأرض، وأنه إذا كان كذا يجوز، وإذا كان كذا لا يجوز، وسنأتي عليها واحداً واحداً.

    أولها: حديث أسيد بن ظهير رضي الله تعالى عنه أنه خرج إلى قومه إلى بني حارثة فقال: يا بني حارثة! لقد دخلت عليكم مصيبة، قالوا: ما هي؟ قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كراء الأرض، قلنا: يا رسول الله!).

    يعني: كانوا قبل يكرون أراضيهم ويأخذون عليها الأجرة.

    (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض، قلنا: يا رسول الله! إذاً نكريها بشيء).

    يعني قوله: مصيبة يعني أنهم كانوا يستفيدون من أراضيهم بالكراء، وقد بلغه النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذاً هذه مصيبة لهم أنه يضيع عليهم هذه الفوائد التي كانوا يستفيدونها من قبل.

    (قلنا: يا رسول الله، إذاً نكريها بشيءٍ من الحب؟ قال: لا).

    إذاً نكريها بشيء من الحب يعني: مقدار من الحب يعني، إذا كان المقصود به مما يخرج منها، فهذا لا يجوز وأمره واضح؛ لأنه كما قلت: يمكن ما يخرج إلا هذا المقدار المعين، أما لو كانت الأجرة من الخارج يعني أجرة يدفعها المستأجر كأن يكون عنده حب أو عنده دراهم أو دنانير أو عنده سيارة أو عنده أي شيء من أنواع الأموال فيدفعها أجرةً في مقابل استخدامه الأرض فلا بأس بذلك.

    (قال: لا، قال: وكنا نكريها بالتبن، فقال: لا).

    وهو نتيجة للحصيدة، يعني عندما تداس ويميز الحب من غيره الذي يكون علفاً للبهائم الذي هو التبن، فقال: لا.

    (وكنا نكريها بما على الربيع الساقي، قال: لا).

    يعني: الربيع الذي يسعد بالماء، والذي يعني يمشي معه في الماء، يعني: كأن يقول المؤجر: لي ما ينبت على السواقي، وما ينبت على مجرى المياه، وحول مجرى المياه فالرسول منع من ذلك، وهذا طبعاً لا يسوغ؛ لأنه قد لا ينبت إلا هذه البقعة فيكون الإنسان عمل بدون مقابل.

    (قال: لا، ازرعها، أو امنحها أخاك) وهذا إرشاد إلى ما هو الأكمل والأفضل، وهو كون الإنسان يزرع أو يمنح، وأما كونه يؤجر فهو خلاف الأولى، لكنه لو أجر وكان على وجه سائغ بأن يكون بشيء معلوم يدفعه المستأجر أو كان بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها فإنه لا بأس بذلك؛ لأن هذا يتيح للكل أن يستفيد؛ لأنه لو خرج صاع واحد يكون بينهم، ولو خرج ألف صاع يكون بينهم، لأنهم كلهم يستفيدون إذا كان بشيءٍ معلوم النسبة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله عن كراء الأرض)

    قوله: [أخبرنا محمد بن إبراهيم].

    هو محمد بن إبراهيم بن صدران، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود والترمذي والنسائي.

    [عن خالد قال: قرأت على عبد الحميد بن جعفر].

    خالد بن الحارث مر ذكره وعبد الحميد بن جعفر صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبيه].

    وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن رافع بن أسيد بن ظهير].

    وهو مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن أبيه أسيد بن ظهير].

    وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.

    قال في آخره: [خالفه مجاهد].

    ثم قال: خالفه مجاهد وذكر الأثر الذي بعده وفيه مخالفة مجاهد.

    شرح حديث رافع بن خديج في النهي عن الحقل والمزابنة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى -وهو ابن آدم - حدثنا مفضل -وهو ابن مهلهل - عن منصور عن مجاهد عن أسيد بن ظهير رضي الله عنهما قال: جاءنا رافع بن خديج رضي الله عنه فقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهاكم عن الحقل، والحقل: الثلث والربع، وعن المزابنة، والمزابنة: شراء ما في رءوس النخل بكذا وكذا وسقاً من تمر)].

    أورد النسائي الحديث من طريق مجاهد عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الحقل).

    والحقل قيل: هو الإيجار بالثلث والربع، هذا تفسير، وفسر الحقل أو المحاقلة بأن الإنسان عندما يأتي ليشتري يدفع أوساقاً من الحب بأوساق مما يزرع، وهذا لا يجوز؛ لأن فيه ربى النسيئة، وأيضاً يكون نسيئة؛ لأنه يدفع أوساقا معلومة على أن يحصل مكانها أوسقا معلومة مما يخرج من الزرع، فيكون باع براً ببر، وهو نسيئة، هذا لا يجوز، لكن أن يكون على الثلث والربع فهذا سائغ وجائز، وهو من جنس المساقاة التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر على النصف مما يخرج، لكن لعل المقصود من ذلك هو ما جاء في بعض الأحاديث: أن عدم الاستئجار بأي طريقة من الطرق أولى من التأجير، وأن المنح خير من التأجير، ويكون هذا فيه إرشادٍ إلى الأكمل وإلى الأفضل، لكن لا شك أنه محرم، وهو مثل المزابنة التي قال: إنه أوسق من التمر، يعني: في مقابل أوسق من شيء مما على رءوس النخل، وهذا لا يجوز؛ لأنه بيع ربوي بربوي، وأما مسألة المؤاجرة يعني بالثلث والربع فإنها سائغةً وجائزة ولا إشكال فيها، وأما ما جاء في بعض الأحاديث أنهم كانوا يؤجرون على الثلث والربع فقال: لا، امنحوها، فهو إرشادٌ إلى ما هو الأكمل والأفضل.

    تراجم رجال إسناد حديث رافع بن خديج في النهي عن الحقل والمزابنة

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].

    هو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي.

    [عن يحيى هو ابن آدم].

    هو يحيى بن آدم الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن مفضل هو ابن مهلهل].

    مفضل بن مهلهل وهو ثقة، أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجه .

    [عن منصور].

    هو منصور بن المعتمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن مجاهد].

    هو مجاهد بن جبر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أسيد بن ظهير عن رافع بن خديج].

    أسيد بن ظهير وقد مر ذكره، ورافع بن خديج صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث رافع بن خديج في النهي عن الحقل والمزابنة من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد حدثنا شعبة عن منصور قال: سمعت مجاهداً يحدث عن أسيد بن ظهير قال: أتانا رافع بن خديج رضي الله عنهم فقال: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أمرٍ كان لنا نافعاً، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرٌ لكم، نهاكم عن الحقل، وقال: من كانت له أرض فليمنحها أو ليدعها، ونهى عن المزابنة، والمزابنة: الرجل يكون له المال العظيم من النخل فيجيء الرجل فيأخذها بكذا وكذا وسقاً من تمر)].

    أورد النسائي حديث رافع بن خديج من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم، (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحقل)وقال: (من كانت له أرض فليمنحها).

    يعني: يزرعها أو يمنحها ولا يؤجرها، ولا شك أن هذا خير وأفضل، لكن التأجير في أمر لا محذور فيه لا بأس به، وإنما يكون فيه بأس إذا كان فيه محذور وفيه مخالفة لما جاءت به السنة عن سول الله صلى الله عليه وسلم، وأما هذا فهو إرشاد إلى الأولى والأفضل والأكمل.

    (ونهى عن المزابنة، والمزابنة: الرجل يكون له المال العظيم من النخل فيجيء الرجل فيأخذها بكذا وكذا وسقاً من تمر).

    يعني إما يأخذ الذي على رءوس النخل بأوساق يأتي بها، وهذا يكون فيه الربا من حيث النسيئة، وإن كان أخذ منه الثمر كله بأوساق معلومة، أيضاً يكون فيه الربا في الفضل؛ لأنه قد جهل ذلك المقدار الذي على رءوس النخل، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.