إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الأيمان والنذور - (باب الحلف بعزة الله) إلى (باب الحلف بالكعبة)

شرح سنن النسائي - كتاب الأيمان والنذور - (باب الحلف بعزة الله) إلى (باب الحلف بالكعبة)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من تعظيم الله تعالى وتوحيده الحلف بأسمائه وصفاته كصفة العزة، وأما الحلف بغيره كالحلف بالآباء والأمهات والكعبة، أو بملة من الملل كاليهودية والنصرانية فهذا مما ينافي هذا التعظيم، فيجب تجنبه.

    1.   

    الحلف بعزة الله تعالى

    شرح حديث: (لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل عليه السلام إلى الجنة ... وعزتك لا يسمع بها أحد إلا أدخلها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحلف بعزة الله تعالى

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا الفضل بن موسى حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل عليه السلام إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: اذهب إليها فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب فانظر إلى النار وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضاً، فرجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع فانظر إليها فنظر إليها فإذا هي قد حفت بالشهوات فرجع، وقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها )].

    أورد النسائي: الحلف بعزة الله، والعزة هي صفة من صفات الله عز وجل، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة بعزة الله: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر).

    وجاء في هذا الحديث الذي يحكيه عن جبريل أنه أقسم بعزة الله، فقال: وعزتك، يخاطب الله عز وجل.

    أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن الله عز وجل لما خلق الجنة والنار قال لجبريل: اذهب إلى الجنة وانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب إليها ورجع وقال: وعزتك! لا يسمع بها أحد إلا دخلها) ما دام أنها على هذا الوصف كل يطمع فيها، وكل يحرص عليها ولا يبقى أحد إلا وقد دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره.

    ثم قال له: (ارجع إليها وانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فقال: وعزتك! لقد خشيت أن لا يدخلها أحد) يعني: أنها بعدما حفت بالمكاره وصار العمل الموصل إليها شاقاً ويحتاج إلى صبر ومجاهدة النفوس، فإن الوصول إليها ليس بالهين، ولهذا يحتاج من يكون من أهلها إلى أن يصبر على الطاعات ولو شقت على النفوس، ويصبر عن المعاصي ولو مالت إليها النفوس.

    ثم إنه قال له: (اذهب إلى النار وانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها)، فذهب وإذا بعضها يركب بعضاً من شدة هولها وعظيم ضررها وخطرها، ثم رجع وقال: (وعزتك! لا يدخلها أحد) يعني: لشدتها ونفرة الناس منها وعظم شأنها، ثم أمر بها فحفت بالشهوات فقال: (اذهب إليها وانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب وقال: وعزتك لا ينجو منها أحد إلا دخلها) يعني: بسبب الشهوات التي تستميل الناس ويتجهون إليها ولا يفكرون في العواقب فينتهي بهم الأمر إلى أن يقعوا في الهاوية، ولهذا جاء في بعض الأحاديث الثابتة في الصحيحين: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)، وجاء: (حجبت الجنة بالمكاره، وحجبت النار بالشهوات) يعني: أن الطريق الموصل إلى الجنة فيه مشقة، ويحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى احتساب الأجر عند الله عز وجل، وأن الإنسان يجاهد نفسه.

    فمن أمثلة ذلك: كون الإنسان في الشتاء مثلاً مستغرقاً في النوم، وطاب له الفراش، وفي مكان دافئ، وتحت غطاء، ولا يحس بشيء من البرد مع أن البرد موجود خارج المنزل لكنه في مكان دافئ، فيسمع: (حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم) فيهب من هذا الذي هو مرتاح إليه، ويعلم أن ما يدعى إليه خير مما هو متلذذ فيه؛ لأن قول المؤذن: (الصلاة خير من النوم) يعني: هذا النوم الذي أنت مطمئن إليه ومرتاح فيه ومنشرح الصدر وهادئ البال في كنفه، هذا الذي تدعى إليه خير من الذي أنت فيه، (الصلاة خير من النوم)، يهب من فراشه ويقوم ويتوضأ وقد يكون الماء بارداً فيصبر على البرودة، ثم يذهب إلى المسجد وفيه الهواء القارس ويصلي.

    فهذه من الأمور التي حفت بها الجنة، فالوصول إليها يحتاج إلى صبر على طاعة الله ولو شقت على النفوس، وإلى صبر عن معاصي الله ولو مالت إليها النفوس؛ فكون الإنسان يصبر والعاقبة طيبة وينتهي إلى خير، فهذا هو شأن العاقل الناصح لنفسه، أما إنسان تحدثه نفسه الأمارة بالسوء بأن يقدم على شيء تميل إليه نفسه، ولكن العاقبة وخيمة تفضي إلى الحسرة والندامة والعذاب، فهذا ليس شأن من يكون عاقلاً، ومن يكون ناصحاً لنفسه، ومن يريد الخير لها، فالجنة حفت بالمكاره، وليس الطريق إليها مفروشاً بالورود والرياحين، وإنما فيه التعب والنصب، وما دام أن العاقبة حميدة فعلى الإنسان أن يصبر على تلك الطريق الموصلة إلى هذه الغاية الطيبة، ولو كان هناك مشقة.

    أما إرخاء العنان للنفس وتمكينها من ملذاتها من ما حل وحرم، وكون الإنسان لا يبالي في الإقدام على ما تميل إليه نفسه وهو محرم، ثم لا يفكر في العواقب، ويوصله الأمر إلى أن يقع في النار، وإلى أن يتعرض لعذاب الله وسخطه ومقته، فهذا ليس شأن من عنده العقل والإدراك والنصح لنفسه.

    فهذا حديث عظيم، وهو من أحاديث الترغيب والترهيب، الترغيب بالجنة والصبر على ما يوصل إليها، والتحذير من النار والصبر عن الملذات والشهوات التي تفضي إليها والتي حفت بها.

    وفي الحديث أيضاً دليل على وجود الجنة والنار؛ لأنه لما خلق الجنة قال لجبريل: (اذهب إليها وانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها).

    والأحاديث كثيرة في أن الجنة موجودة وأن النار موجودة، وأن الجنة قد هيئت لأولياء الله، والنار هيئت لأعداء الله، وهذه أعدت للمتقين، وهذه أعدت للكافرين، فهما موجودتان الآن، ولكن لا يعني أنه قد تكامل خلقهما، بل الله عز وجل ينشئ ويوجد فيهما ما يوجده، ولكن الوجود للجنة والنار قد حصل، والنبي صلى الله عليه وسلم، لما صلى بالناس الكسوف عرضت عليه الجنة والنار، ورأى عناقيد العنب متدلية، ورأى النار يحطم بعضها بعضاً، وأقدم ليأخذ عنقوداً من العنب وترك، ليبقى الناس على الإيمان بالغيب، ويتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لو أخذت منه أي: عنقود العنب، لأكلتم ما بقيت الدنيا)، ولما رأى النار تكأكأ ورجع القهقرى، وأخبر أصحابه بذلك.

    والحديث الذي معنا يدل على وجود الجنة وعلى وجود النار، وأن الإنسان عليه أن يحرص على أن يكون مهيئاً نفسه ومستعداً بالأعمال الصالحة لأن يكون من أهل الجنة، وأن يحذر أن يفعل الأمور التي حفت بها النار وإن كانت تميل إليها النفوس، فلا يعرض نفسه للوقوع فيها؛ لأن المشقة التي يعقبها سرور ونعيم دائم يصبر الإنسان عليها؛ لأن الغاية حميدة، واللذة التي تعقبها الحسرة والعذاب شأن العاقل أن يكون حذراً منها وأن يكون يقظاً، بعيداً من أن يعرض نفسه لذلك.

    والإنسان يحرص على طريق الخير ولو قل سالكوها، ولا يغتر بطريق الباطل ولو كثر سالكوها؛ لأنه كما قال الحسن البصري رحمه الله: ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا؛ لأن الهالكين هم الكثير، والناجين هم القليل، والإنسان يحرص على أن يكون من القليل الناجي ويحذر أن يكون من الكثير الهالك.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل عليه السلام إلى الجنة ... وعزتك لا يسمع بها أحد إلا أدخلها...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن الفضل بن موسى].

    هو الفضل بن موسى المروزي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن عمرو].

    هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي سلمة].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.

    [عن أبي هريرة].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    التشديد في الحلف بغير الله تعالى

    شرح حديث: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التشديد في الحلف بغير الله تعالى.

    أخبرنا علي بن حجر عن إسماعيل وهو ابن جعفر حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله، وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: لا تحلفوا بآبائكم)].

    ثم ذكر التشديد في الحلف بغير الله، يعني: أن الواجب هو الحلف بالله عند الإقسام، لا يجوز الحلف بغير الله، وأورد حديث ابن عمر: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)، أي: إذا كان لا بد من الحلف؛ لأن قوله: (من كان حالفاً) يشعر بأن الحلف ما ينبغي الإقدام عليه بتهاون وبتساهل، بل من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله، أي: عليه أن تكون حلفه مقصورة بالله عز وجل، وليس معنى ذلك أنها بلفظ الله، وإنما المقصود بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته، والمقصود من ذلك أن لا يحلف بغير الله، وإذا حلف بالله أو حلف باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته فهو حلف به سبحانه وتعالى، وإذا كانت بعزة الله، وجلال الله، وكبرياء الله، وعظمة الله، وحياة الله وغير ذلك من صفات الله، أو بالرحمن، والرحيم، والسميع، والبصير، والرحيم، والغفور، والودود وما إلى ذلك، فهو كله حلف بالله عز وجل ليس بغيره؛ لأن الله تعالى بذاته وصفاته الله تعالى هو الخالق ومن سواه مخلوق، فالحلف يكون بالخالق ولا يكون بالمخلوق، فهذا فيه قصر يعني: قصر الحلف على أن يكون بالله وحده ولا يكون بغيره.

    (وكانت قريش تحلف بآبائها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحلفوا بآبائكم) مع أنه عمم بأن الحلف لا يكون إلا بالله، ونص على النهي عن الحلف بالآباء؛ لأنهم كانوا يحلفون بالآباء، فجاء التنصيص بذكر الآباء لبيان الشيء الذي اعتادوه، ليتركوا هذه العادة السيئة وهي الحلف بآبائهم، فلم يرد ذكر الآباء لغير غرض، بل هو لغرض، وهو أنهم كانوا يحلفون بآبائهم، هذا هو السر الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تحلفوا بآبائكم) مع أنه عمم في الحكم بقوله: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)، ومع ذلك نص على بعض أفراد العام فقال: (لا تحلفوا بآبائكم) مع أنه لا يحلف لا بالآباء، ولا الأمهات، ولا الملائكة، ولا الإنس، ولا الجن، ولا الرسل، ولا الكعبة، ولا أي مخلوق من مخلوقات الله عز وجل، فالحلف لا يكون إلا بالله عز وجل ولا يكون بغيره.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله...)

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].

    هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، ثقة أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

    [عن إسماعيل].

    هو ابن جعفر، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن دينار].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عمر].

    وقد مر ذكره.

    حديث: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني زياد بن أيوب حدثنا ابن علية حدثنا يحيى بن أبي إسحاق حدثنا رجل من بني غفار في مجلس سالم بن عبد الله قال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله يعني ابن عمر رضي الله عنهما وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)].

    ثم أورد النسائي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، وقد عرفنا السر في ذلك في الحديث الذي قبل هذا، وهو أن قريشاً كانت تحلف بآبائها فنهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن الحلف بالآباء.

    قوله: [أخبرني زياد بن أيوب].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن ابن علية].

    هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، مشهور بـابن علية.

    [عن يحيى بن أبي إسحاق].

    صدوق ربما أخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن رجل من بني غفار].

    عن رجل من بني غفار لا أدري من هو.

    [عن سالم بن عبد الله].

    وقد مر ذكره.

    [عن عبد الله].

    وقد مر ذكره،

    لكن كون الحديث فيه رجل مجهول لا يؤثر؛ لأن الحديث جاء من طرق كثيرة عن ابن عمر، وهو ثابت عنه بالأسانيد المتصلة، وبالثقات المعروفين المشهورين، فوجود رجل مبهم في إسناده لا يؤثر على صحته؛ لأنه ما جاء من هذه الطريق وحدها، بل جاء من طرق كثيرة.

    1.   

    الحلف بالآباء

    شرح حديث: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم...) من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحلف بالآباء.

    أخبرنا عبيد الله بن سعيد وقتيبة بن سعيد واللفظ له قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنه: (أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عمر مرة وهو يقول: وأبي وأبي، فقال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فو الله ما حلفت بها بعد ذاكراً ولا آثراً)].

    ثم أورد النسائي حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر وهو يقول: وأبي وأبي)، أي: يحلف بأبيه على ما كانوا اعتادوه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحلفوا بآبائكم) وهذا هو السبب في كون النبي ينص على الآباء؛ لأنه لما سمع من يحلف بأبيه قال: (لا تحلفوا بآبائكم)، وكان هذا من عادة العرب أن يحلفوا بآبائهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم، جاء عنه قوله: (لا تحلفوا بآبائكم) أي: أن الحلف لا يكون إلا بالله، هذا الذي أنتم اعتدتموه لا تفعلوه، بل اتركوه، ثم قال: (فوالله ما حلفت بعد ذلك ذاكراً ولا آثراً) وهذا مشهور عن عمر في الروايات الآتية، فيكون هذا الكلام مأثوراً عن عمر، ونقله عبد الله بن عمر عن أبيه أن عمر رضي الله عنه من حين سمع النبي صلى الله عليه وسلم ينهاه وقال له: (لا تحلفوا بآبائكم) أنه ترك ذلك، وقال: إنه ما كان يفعله أي: ما كان يحلف لا ذاكراً ولا آثراً، يعني: لا فاعلاً ذلك من نفسه ابتداءً بأن يقول: وأبي، ولا أن يحكي أيضاً عن واحد حلف بأبيه فقال: قال فلان: وأبي، والمقصود:أنه ما جرى على لسانه الحلف بالآباء، لا ذاكراً، ولا آثراً.

    وليس المقصود من قوله: (ما حلفت بذلك ذاكراً ولا آثراً) بأن الذي يحكي حلف غيره يكون حالفاً، بل الذي يحكي حلف غيره لا يكون حالفاً، إذا قلت: قال فلان والله كذا، ما كنت أنا حلفت وإنما حكيت حلفه.

    وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم من الاستسلام والانقياد لاتباع السنن، وأنهم إذا بلغتهم السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أخذوا بها وتركوا الشيء الذي نهاهم عنه؛ لأن عمر رضي الله عنه لما حصل النهي وكان قبل ذلك يقول: وأبي وأبي يكرر، لما سمع النهي أعرض وأمسك، ولم يفعل ذلك في مستقبل حياته لا مبتدئاً الحلف، ولا عازياً الحلف إلى غيره.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم...) من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد وقتيبة بن سعيد].

    عبيد الله بن سعيد السرخسي اليشكري ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.

    وقتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان].

    هو ابن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزهري عن سالم عن أبيه].

    وقد مر ذكرهم.

    حديث: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم...) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد وسعيد بن عبد الرحمن واللفظ له قالا حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، قال عمر: فو الله ما حلفت بها بعد ذاكراً ولا آثراً)].

    فيه بيان أن عمر رضي الله عنه التزم واستسلم وانقاد، وهو مثلما تقدم.

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد وسعيد بن عبد الرحمن].

    محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ المكي ثقة، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه.

    وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان، ثقة أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.

    [عن سفيان].

    سفيان بن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزهري عن سالم عن أبيه].

    الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    حديث: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم...) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد حدثنا محمد وهو ابن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه أخبره عن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، قال عمر: فو الله ما حلفت بها بعد ذاكراً ولا آثراً)].

    ثم أورد النسائي حديث عمر من طريق أخرى وهو مثلما تقدم.

    قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد].

    هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن محمد وهو ابن حرب].

    هو ابن حرب الحمصي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزبيدي].

    هو محمد بن الوليد الزبيدي الحمصي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    [عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر].

    وقد مر ذكر هؤلاء الأربعة.

    1.   

    الحلف بالأمهات

    شرح حديث: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحلف بالأمهات.

    أخبرنا أبو بكر بن علي حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون)].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الحلف بالأمهات، والمقصود: أنه كما يمنع الحلف بالآباء كذلك يمنع الحلف بالأمهات، وإنما ذكر الآباء والأمهات؛ لأنهم أقرب الناس للإنسان، ولقوة صلتهم بهم، ولأنهم سبب وجودهم، ولتمكنهم منهم، فكانوا يحلفون بآبائهم وهذه عادة قريش كما جاء في الحديث، فنهوا عن الحلف بالآباء والأمهات، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه فيه النهي عن الحلف بالآباء والأمهات.

    قال:(لا تحلفوا بالآباء ولا الأمهات ولا بالأنداد) الأنداد: هي الأصنام التي كانوا يحلفون بها في الجاهلية، فيقول: واللات والعزى، غير ذلك من الأصنام التي كانوا يعظمونها ويحلفون بها، ومن المعلوم أنهم لما دخلوا في الإسلام منعوا، وجاء التنصيص على الأشياء التي كانت موجودة عندهم، والتي كانوا ألفوها واعتادوها.

    (ولا تحلفوا إلا بالله) لما ذكر النهي عن الأمور الثلاثة أتى بجملة تشملها وتشمل غيرها، قال: (لا تحلفوا إلا بالله) أي: الثلاثة التي هي الآباء والأمهات والأصنام وغيرها كلها لا يحلف به، بل الحلف يجب أن يكون مقصوراً على الله وحده لا شريك له، (ولا تحلفوا إلا بالله)، وإذا حلفتم بالله (لا تحلفوا إلا وأنتم صادقون)، أيضاً الحلف إذا حصل بالله لا يكون على كذب، بل يكون على صدق، فهو فيه قصر الحلف على أن يكون بالله، وقصر الحلف بالله على أن يكون بالصدق، لا بالكذب.

    والحلف بغير الله عز وجل شرك، والحلف بالله عز وجل توحيد، وقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (لأن أحلف بالله كاذباً، أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً)؛ لأن الحلف بالله توحيد، وكونه يكذب، فالكذب معصية، والحلف بغير الله شرك، والشرك يجب الحذر منه، وكونه حلف بغير الله وهو صادق، أي: الصدق وإن كان مطلوباً إلا أن المطلوب هو ترك الشرك والابتعاد عنه، فالحلف بالله وإن كان الإنسان كاذباً، أهون من الحلف بغير الله صادقاً؛ لأن حسنة التوحيد وإن كان فيها معصية الكذب، أهون من سيئة الشرك وإن كان فيها طاعة الصدق.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم...)

    قوله: [أخبرنا أبو بكر بن علي].

    هو أحمد بن علي المروزي ثقة، أخرج له النسائي وحده.

    [عن عبيد الله بن معاذ].

    هو عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري، ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [عن أبيه].

    هو معاذ بن معاذ العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عوف].

    هو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن سيرين].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكره.

    1.   

    الحلف بملة سوى الإسلام

    شرح حديث: (من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً فهو كما قال...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحلف بملة سوى الإسلام

    أخبرنا قتيبة حدثنا ابن أبي عدي عن خالد ح وأخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع حدثنا يزيد حدثنا خالد عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً فهو كما قال. قال قتيبة في حديثه: متعمداً. وقال يزيد: كاذباً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذبه الله به في نار جهنم)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الحلف بملة سوى الإسلام، يعني: أنه أكد الشيء بانتسابه إلى دين غير دين الإسلام بأن قال: هو يهودي إن فعل كذا وكذا، أو نصراني إن فعل كذا وكذا، أو ما إلى ذلك، أي: أن معناه يعظم الشيء بانتسابه إلى ذلك الدين، وإضافة نفسه إلى ذلك الدين.

    أورد النسائي حديث ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً فهو كما قال) يعني: أنه يكون من أهل ذلك الدين، وهذا فيه تفصيل لأهل العلم، يقول: (من حلف بملة سوى الإسلام) أي: راضياً معظماً لهذا الدين ومستحسناً له، فإنه كما قال، أما إذا كان لا يقصد ذلك وإنما قصد استبعاد أن يحصل منه ذلك الشيء الذي أراده، فإنه لا يكون كافراً بذلك، لكن لا يجوز له أن يأتي بهذه الألفاظ الخبيثة والقبيحة التي هي كونه يحلف بملة سوى الإسلام، ويضيف نفسه إلى ملة سوى الإسلام.

    (ومن قتل نفسه بشيء عذبه الله تعالى به يوم القيامة) من قتل نفسه بسم، فإنه يتحساه في نار جهنم، ومن رمى نفسه من شاهق، فإنه يهوي في جهنم، وجاء في بعض الأحاديث ما يدل على ذلك وأنه يعذب بذلك الشيء الذي قتل نفسه به يوم القيامة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً فهو كما قال...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة عن ابن أبي عدي].

    مر ذكره.

    [عن ابن أبي عدي].

    هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن خالد].

    هو خالد بن مهران الحذاء ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وإنما لقب الحذاء؛ لأنه كان يجالس الحذائين، وليس منسوباً إلى بيع الأحذية ولا صناعتها، ولكن كان يأتي إلى الحذائين ويجلس عندهم، فقيل له: الحذاء، وهي مما يقولون عنه: نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن، والذي يسبق إلى الذهن أن الحذاء هو الأحذية الذي يصنع.

    [ح وأخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع].

    ثم أتى بـ(ح) وهي تحول من إسناد إلى إسناد، فقال:ح وأخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي.

    [عن يزيد].

    هو ابن زريع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن خالد].

    هو خالد الحذاء وقد مر ذكره.

    [عن أبي قلابة].

    هو عبد الله بن زيد الجرمي، ثقة كثير الإرسال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ثابت بن الضحاك].

    رضي الله عنه وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    حديث: (من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً فهو كما قال...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمود بن خالد حدثنا الوليد حدثنا أبو عمرو عن يحيى أنه حدثه قال: حدثني أبو قلابة قال: حدثني ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في الآخرة)].

    أورد النسائي حديث ثابت بن الضحاك من طريق أخرى، وهو مثلما تقدم.

    قوله: [أخبرني محمود بن خالد].

    هو محمود بن خالد الدمشقي ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن الوليد].

    هو الوليد بن مسلم ثقة، كثير التدليس والتسوية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي عمرو].

    هو أبو عمرو الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، ثقة، فقيه الشام ومحدثها، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك].

    وقد مر ذكرهما.

    1.   

    الحلف بالبراءة من الإسلام

    شرح حديث: (من قال: إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحلف بالبراءة من الإسلام.

    أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً لم يعد إلى الإسلام سالماً)].

    أورد النسائي: الحلف بالبراءة من الإسلام، أورد النسائي فيه حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من قال: إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً..).

    لما ذكر النسائي في الترجمة السابقة: الحلف بملة سوى الإسلام يعني كون الإنسان يضيف نفسه إلى دين غير دين الإسلام إن حصل كذا وكذا، ذكر هنا عكس ذلك وهو: أنه ينص على براءته من الإسلام، أي: أنه يقول في حلفه: أنا بريء من الإسلام إن حصل كذا وكذا، قال: (فإن كان كاذباً فهو كما قال) يعني: مثلما تقدم.

    (وإن كان صادقاً لم يعد إلى الإسلام سالماً) يعني أنه لا بد له من نقص وخلل إذا عاد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من قال: إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال...)

    قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث].

    هو الحسين بن حريث المروزي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن الفضل بن موسى عن حسين بن واقد].

    الفضل بن موسى مر ذكره، والحسين بن واقد المروزي ثقة له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الله بن بريدة].

    هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب المروزي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه]

    هو بريدة بن الحصيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الحلف بالكعبة

    شرح حديث: (... فأمرهم النبي إن أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحلف بالكعبة.

    أخبرنا يوسف بن عيسى حدثنا الفضل بن موسى حدثنا مسعر عن معبد بن خالد عن عبد الله بن يسار عن قتيلة امرأة من جهينة رضي الله عنها: (أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولون: ما شاء الله ثم شئت)].

    ثم أورد النسائي: الحلف بالكعبة، أي: أنه لا يجوز؛ لأنها مخلوقة، والحلف بالمخلوق لا يجوز، لكن الإنسان الذي عود نفسه أن يحلف بمخلوق وله تعظيم، فعليه أن يضيف إليه كلمة رب قبل ذلك المخلوق فالإنسان إذا كان يحلف بالكعبة يأتي بكلمة رب قبل الكعبة ويقول: ورب الكعبة، وكذلك إذا كان يحلف بالنبي يقول: ورب النبي.

    أورد النسائي حديث قتيلة الجهنية أن يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إنكم تنددون) أي: تجعلون لله أنداداً، (وتشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة)، تقولون: ما شاء الله وشئت فيجمعون بين مشيئة الله ومشيئة غيره، ويحلفون بغير الله عز وجل، يحلفون بالكعبة، قال: إنكم تنددون وتشركون، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، أن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت، بأن يأتوا بكلمة (ثم) التي تدل على عدم التماثل والتساوي، وأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله عز وجل، وكذلك أيضاً يأتون برب قبل الكعبة فيقولون: ورب الكعبة بدل والكعبة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... فأمرهم النبي إن أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة...)

    قوله: [أخبرنا يوسف بن عيسى].

    هو المروزي، ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

    [عن الفضل بن موسى].

    مر ذكره.

    [مسعر بن كدام]

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن معبد بن خالد].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن يسار].

    ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.

    [عن قتيلة].

    هي قتيلة الجهنية وهي صحابية خرج حديثها النسائي.

    1.   

    الأسئلة

    التخرص في معرفة المحب والمبغض في لعبة العقد

    السؤال: نرجو من فضيلتكم البيان والتفصيل في هذا الأمر الذي سنعرضه عليكم وهو ظاهرة قد انتشرت وللأسف الشديد بين الفتيات في المدارس بصورة ملفتة، بل ومحزنة والله المستعان وهي أن تسأل الطالبة من قبل صديقاتها عن تحديد اسم مقرب إلى نفسها أو اسم تحبه بصرف النظر عن كون هذا الاسم يخص الرجل أو المرأة، ثم تأتي بسلسال عادي وهو ما تلبسه المرأة في عنقها ويوضع على كف التي سألت بشكل حلزوني فتقوم تلك بجمع كفيها وتحريكها أو خفضها وقراءة بعض السور القصيرة عدة مرات كالفاتحة أو الإخلاص أو غيرها من السور، ثم تفتح يدها بعد الانتهاء من القراءة وترى إذا عقدت السلسلة وتشابكت مع بعضها تكون تلك التي أشارت إلى اسمها تحبها، وإذا لم تعقد كان العكس، والله المستعان. تقول هذه: إنه والله لأمر ينفطر القلب كمداً لأجله، والمصيبة الأعظم من ذلك حين سألنا بعضهن عن سبب فعلها ذلك وبينا لها أن ذلك استهزاء بالقرآن وآياته وفيه نوع من البدع على حسب اجتهادنا، قالت متحججة بأنها تمزح وهي غير قاصدة، فما قول فضيلتكم في ذلك مع بيان حكم تلك الفعلة، وتوجيه كلمة لكل من وقعت في شراك تلك الفعلة، وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: الواجب هو الالتزام بما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم في كل شيء، وإذا أرادت الواحدة أو الإنسان أن يعمل شيئاً يبحث عنه أولاً هل هو سائغ أو غير سائغ، هل هو مشروع أو غير مشروع، والرجوع في ذلك إلى أهل العلم؛ لأن الله تعالى يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، هذا هو الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون متبعاً، لا أن يكون مبتدعاً، ولا أن يكون تابعاً لمن يبتدع أو من يأتي بشيء غير صحيح، بل الواجب هو الحذر من الأمور المنكرة ومن كل شيء يشين، ومن كل أمر ليس طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وذكر مثل هذه الأمور استهزاء أمر خطير، لا أن يكون جداً ولا أن يكون استهزاء، فكله خطير، فالواجب هو الحذر من الوقوع في أي شيء ليس طاعة لله عز وجل وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى كل إنسان سواء كان رجل أو امرأة أن يكون متبعاً، وإذا التبس عليه الأمر أو أشكل، فإنه يسأل من عنده علم ويأخذ بالحق ويحذر ما هو باطل لا يسوغ، وهذا هو الجواب على هذا السؤال وعلى غيره مما يشابهه ويماثله، القضية قضية اتباع وحذر من أمور محدثة ليس لها أساس من الدين وليس لها أصل في دين الله عز وجل.