إسلام ويب

شرح سنن النسائي - كتاب الإحباس - باب كيف يكتب الحبسللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأنبياء لا يورثون ديناراً ولا درهماً، وإن ما خلفه النبي عليه الصلاة والسلام فإنه يوضع في سبيل الله، وقد ثبت مشروعية الوقف، ووضع مال في سبيل الله جل وعلا ليتوالى الأجر لصاحبه بعد موته.

    1.   

    الإحباس

    شرح حديث عمرو بن الحارث: (ما ترك رسول الله ديناراً ولا درهماً... إلا بغلته ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب: الإحباس

    أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه، أنه قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ديناراً ولا درهماً، ولا عبداً ولا أمة، إلا بغلته الشهباء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها في سبيل الله)، وقال قتيبة مرة أخرى: (صدقة)].

    ثم أورد النسائي كتاب الإحباس، والإحباس هو: التوقيف؛ لأنه من حبس وأحبس إذا وقف، وهو الوقف أو التوقيف، والتحبيس والتسبيل، ويقولون في تعريف الوقف: هو: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، أي: أن الأصل يوقف فلا يباع ولا يتصرف فيه، ومنفعته تصرف في وجوه الخير التي نص في الوقف على أنها تصرف فيها، فيبقى الأصل دون أن يباع؛ لأنه صار وقفاً على جهة معينة، ومنفعته تصرف في حق تلك الجهة التي أوقف عليها، فإذا أوقف مثلاً داراً على أن تكون للمساكين، فتكون هذه الدار أصلها خرجت من ملك مالكها، ومنفعتها تكون لأولئك المساكين سواء سكنوها، أو أجرت وقسمت أجرتها عليهم، فهو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، هذا هو المقصود بالإحباس، وهو من أحبس وحبس، أي: إذا وقف.

    وقد مر ذكر الاحتباس في الخيل يحتبسها للجهاد في سبيل الله، أي: يوقفها، والاحتباس غير الاحتساب، الاحتساب أن يحتسب الأجر ويريده، وأما الاحتباس هو توقيف العين لأمر من الأمور، أو في جهة من جهات الخير، سواء كان جهاداً أو غير جهاد.

    أورد النسائي حديث [عمرو بن الحارث رضي الله عنه قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ديناراً ولا درهماً، ولا عبداً ولا أمة، إلا بغلته الشهباء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها في سبيل الله)]، قوله: (إلا بغلته) هذا استثناء منقطع، أي: لكن ترك بغلته؛ لأن الاستثناء المنقطع هو ما يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه؛ لأن الذي مر دراهم ودنانير، وإماء وعبيد، فجاءت البغلة وهي ليست من جنسها، فيكون استثناء منقطعاً، ويمكن أن يكون استثناء متصلاً على حذف مفعول، أي: ولا شيئاً، أي: ما ترك عبداً، ... ولا شيئاً إلا بغلته، فيكون استثناء متصلاً إذا كان المقدر شيئاً، وأما على حالته فإنه استثناء منقطع، أي: لكن ترك بغلته، وهي من غير جنس ما تقدم.

    قوله: (الشهباء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها في سبيل الله)، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء الحديث عنه أنه قال: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، فكل ما تركه صدقة، يعني: البغلة، والسلاح، والأرض كل ذلك في سبيل الله عز وجل، لكن هذه الأرض جعلها في سبيل الله عز وجل، وأما الأموال الأخرى التي هي السلاح، والبغلة فهي أيضاً في سبيل الله عز وجل، وهي صدقة جارية، وذلك مما كان يصرف على الفقراء والمساكين، يرصد ويعد للجهاد في سبيل الله كالبغلة، وكالسلاح، فيجعل في الجهة التي تناسبه.

    [وقال قتيبة مرة أخرى صدقة]، أي: بدل في سبيل الله، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)، هكذا جعل الله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم لا يورث عنهم المال؛ لأنهم ما جاءوا لجمع المال وتوريثه لأقاربهم كغيرهم من الناس الذين يجمعون المال ويرثهم أقاربهم، هم جاءوا لهداية البشر، وهداية الخلق بإخراجهم من الظلمات إلى النور، وجاءوا بالعلم النافع الذي هو ميراث مشاع مبذول لكل من أراده، وليس خاصاً بالقرابات، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، فميراث النبوة هو: العلم النافع، وهذا الميراث ليس خاصاً بقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هو مبذول، ومشاع، ومشترك، وكل من أراده فهو أمامه، لا يرد عنه أحد، ولا يختص بأحد دون أحد، لكن غيرهم من الناس يجمعون المال، ويرثهم أقرباؤهم الذين فرض الله لهم الفرائض في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: (ما ترك ديناراً، ولا درهماً)، وقال: (وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً، ولا درهماً)؛ لأنهم ما جاءوا لجمع المال، وإنما جاءوا لنشر الحق، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ودعوة الناس إلى الصراط المستقيم، وميراثهم عام لكل من أراده ممن وفقه الله عز وجل.

    تراجم إسناد حديث عمرو بن الحارث: (ما ترك رسول الله ديناراً ولا درهماً ... إلا بغلته ...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي الأحوص].

    هو أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي إسحاق].

    هو أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرو بن الحارث].

    عمرو بن الحارث رضي الله عنه أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث عمرو بن الحارث: (ما ترك رسول الله إلا بغلته البيضاء ...) من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سفيان حدثني أبو إسحاق سمعت عمرو بن الحارث رضي الله عنه يقول: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضاً تركها صدقة)].

    أورد النسائي حديث عمرو بن الحارث رضي الله عنه، وليس فيه ذكر الأشياء التي نفيت قبل البغلة، وإنما قال: ما ترك إلا بغلته، يعني: ما ترك شيئاً إلا بغلته.

    تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن الحارث: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بغلته البيضاء ...) من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].

    هو عمرو بن علي الفلاس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى بن سعيد].

    هو يحيى بن سعيد القطان، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي إسحاق عن عمرو بن الحارث].

    قد مر ذكرهما.

    حديث عمرو بن الحارث: (رأيت رسول الله ما ترك إلا بغلته ..) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه قال: سمعت عمرو بن الحارث رضي الله عنه يقول: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ترك إلا بغلته الشهباء، وسلاحه، وأرضاً تركها صدقة)].

    أورد النسائي حديث عمرو بن الحارث رضي الله عنه وهو مثل ما تقدم.

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].

    عمرو بن علي مر ذكره.

    [عن أبي بكر الحنفي].

    هو عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن يونس بن أبي إسحاق].

    هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو صدوق يهم قليلاً، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبيه عن عمرو بن الحارث].

    قد مر ذكرهما.

    1.   

    كيف يكتب الحبس، وذكر الاختلاف على ابن عون في خبر ابن عمر فيه رضي الله عنهما

    شرح حديث عمر: (أصبت أرضاً من أرض خيبر ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف يكتب الحبس، وذكر الاختلاف على ابن عون في خبر ابن عمر فيه رضي الله عنهما.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا أبو داود الحفري عمر بن سعد عن سفيان الثوري عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (أصبت أرضاً من أرض خيبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: أصبت أرضاً لم أصب مالاً أحب إلي ولا أنفس عندي منها، قال: إن شئت تصدقت بها، فتصدق بها على أن لا تباع ولا توهب؛ في الفقراء، وذي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف غير متمول مالاً، ويطعم)].

    يقول النسائي رحمه الله: [كيف يكتب الحبس، وذكر الاختلاف على ابن عون في حديث ابن عمر فيه].

    الحبس: هو الوقف، والإحباس هو التوقيف، يقال: أحبسه وحبسه إذا أوقفه ووقفه، وقيل للوقف حبساً لأن فيه منعاً من أن يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم بالبيع، والشراء، والهبة، وما إلى ذلك، فإن الوقف ليس فيه هذه الأمور؛ لأنه حصل فيه الحبس الذي هو المنع من أن يتصرف فيه هذا التصرف.

    [وكيف يكتب الحبس؟] أي: كيف يكتب الوقف، وما هي الكيفية التي يكتب بها الوقف، والتي يوقف الإنسان بها ما يريد من المال على أن يكون عيناً جارية، وعلى أن يكون صدقة جارية، ومالاً تتوالى منافعه بين وقت وآخر، ويعود ذلك إلى من أوقفه، ويكون لمن أوقفه ثواب هذه الصدقة الجارية؛ لأن الصدقة صدقتان:

    صدقة منتهية: وهي الصدقة العينية التي يضعها الإنسان في يد محتاج، وصدقة جارية: وهي التي تكون مستمرة ودائمة، مثل أن يبني مسجداً فيصلي الناس فيه، فتدوم فيه هذه المنفعة، ويؤجر على كل ما يصلى فيه من الصلوات على ممر السنين والأيام، وكذلك إذا حبس داراً على أن يكون ريعها للفقراء والمساكين، أو يسكن فيها الفقراء والمساكين، فإنها صدقة جارية، وهو الوقف الذي يوقفه الإنسان ويستمر نفعه، ويكثر أجره ويتوالى لمن حبسه ووقفه.

    وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه أصاب أرضاً من خيبر لم يصب أرضاً مثلها، وليس عنده مال أنفس منها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك وأنها أنفس وأحب مال إليه، وهو يستأذنه ويستأمره ويطلب منه الأمر بأي وجه من وجوه الخير يضعها؟، فالنبي صلى الله عليه وسلم، أمره بأن يتصدق بها صدقة جارية، وهو أن يحبس أصلها، ويتصدق بثمرتها، بأن تصرف الثمرة في وجوه الخير والبر التي يذكرها وينص عليها، ففعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكانت كيفية تحبيسه وتوقيفه أنه حبسها بحيث لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، وهذا هو شأن الوقف؛ لأن الوقف إذا خرج من ذمة الإنسان ومن ملك الإنسان، وصار في وجوه البر التي جعله فيها، فلا سبيل إلى بيعه، ولا إلى هبته، وليس مالاً يورث من بعده؛ لأنه خرج من ملكه في حياته بتلك الطرق التي جعله فيها، وهي الوقف.

    مصرف وقف سيدنا عمر

    وذكر أن هذه المنفعة التي تنتج من وراء هذه الأرض، والثمرة التي تخرج منها تكون في الفقراء، والمساكين، وذي القربى، وإعتاق الرقاب، والضيف، وفي سبيل الله، وابن السبيل، هذه هي المصارف ووجوه البر التي جعلها عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مصرفاً لهذا الوقف الذي وقفه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاده وتوجيهه، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    فبين أن الوقف يكون بأن يحبس ويمنع من التصرف فيه، وأن ثمرته ومنافعه تكون في وجوه البر التي يذكرها، ووجوه البر التي أرادها ونص عليها عمر هي هذه الوجوه؛ في الفقراء، والمساكين، وذي القربى يعني: قرابته هو، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل هذه وجوه البر والخير التي جعلها عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مصرف وقفه يصرف فيها.

    ثم ذكر أن من وليها فلا جناح عليه أن يأكل غير متمول مالاً، معناه: أنه لا يأخذ منها شيئاً يتموله، وإنما يأكل ويأخذ منها بالمعروف، دون أن يتمول مالاً منها يجعله ضمن ماله يتجر فيه ويستعمله، وكذلك يطعم بالمعروف، ويحسن إلى من هو محتاج.

    [قال عمر رضي الله عنه: (أصبت أرضاً من أرض خيبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: أصبت أرضاً لم أصب مالاً أحب إلي، ولا أنفس عندي منها، قال: إن شئت تصدقت بها)].

    هو يريد أن ينفق خير ماله وأحب ماله إليه، والله تعالى يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، فهو يقول: إن هذه الأرض هي أحب مالي إلي، ولم أصب أنفس منها ولا أحب إلي منها، وهو يستشير الرسول صلى الله عليه وسلم، كيف يضعها، وكيف ينفقها؟ فأشار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحبسها، وأن يجعل ثمرتها في وجوه الخير ففعل، ماذا قال؟

    قوله: [(قال: إن شئت تصدقت بها)].

    أي: جعلتها وقفاً؛ لأنه جاء في بعض الروايات أنه (يحبس أصلها، ويسبل ثمرتها)، فقوله: (تصدقت بها) أي: صدقة جارية؛ لأن الصدقة بالأصول صدقة جارية، وأما الصدقة بالثمرة في وقت من الأوقات، أو في زمن من الأزمان، وفي حين من الأحيان هذه صدقة منتهية، لكن إذا حبس الأصل الذي هو النخل، وصارت ثمرته تصرف في كذا وكذا كل سنة، فعندما تأتي الثمرة تؤخذ ثمرته وتصرف في كذا وكذا، فتكون صدقة جارية.

    قوله: [(فتصدق بها على أن لا تباع ولا توهب)].

    أي: اجعلها صدقة جارية على أن لا تباع ولا توهب، فهي أصول موقوفة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، أي: ليست مالاً له يورث من بعده يحصله الورثة؛ لأن هذا خرج من ملكه في حياته، وصار في وجوه الخير، ووجوه البر التي جعله فيها؛ لأن هذا هو شأن الوقف، والفرق بين الوقف والوصية أن الوقف خروج من المال في الحياة، وأما الوصية فهي بعد الموت، وتكون في حدود الثلث فأقل يجعلها في وجوه الخير والبر، والوقف: هو خروج من المال في الحياة، يخرج من ملكه في حياته، فلا يكون من ماله، ولا يورث من بعده، ولا يتمكن هو من بيعه أو هبته، وكذلك غيره لا يتمكن من بيعه، ولا هبته إلا إذا تعطلت منافعه، فالوقف إذا تعطلت منافعه فإنه يمكن أن يباع، وأن يصرف في مثله.

    قوله: [(فتصدق بها على أن لا تباع ولا توهب في الفقراء وذي القربى)].

    على أن لا تباع، ولا توهب، هذا هو تحبيس الأصل، ثم قوله (في الفقراء) يعني: منفعتها وثمرتها وفائدتها تكون في المصارف الآتية: وهي في الفقراء.

    وقوله: [(وذي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل)].

    هذه وجوه البر التي جعل عمر رضي الله عنه وأرضاه مصارف وقفه فيها.

    قوله: [(لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف غير متمول مالاً، ويطعم)].

    الذي يليها له أن يأكل بالمعروف، ولا يتمول مالاً بمعنى: أنه يأخذ شيئاً يتموله، ويجعله مالاً يتجر به، أو يتصرف فيه كيف يشاء، وإنما يأكل بالمعروف، ويطعم منه، ويحسن منه، أي: يطعم صديقه، ويطعم جاره.. لا بأس بذلك، لكن بالمعروف دون أن يكون هناك تمول واتجار بشيء من هذا الوقف ومن ثمرات هذا الوقف.

    تراجم رجال إسناد حديث عمر: (أصبت أرضاً من أرض خيبر ...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة، ثبت، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن أبي داود الحفري عمر بن سعد].

    أبو داود الحفري هو عمر بن سعد، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن سفيان الثوري].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عون].

    هو عبد الله بن عون، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن نافع].

    هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عمر].

    هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    [عن عمر].

    هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثاني الخلفاء الراشدين، الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، ولي الخلافة عشر سنوات وأشهراً، حصلت فيها الفتوحات، واتسعت فيها رقعة البلاد الإسلامية، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وقضي على الدولتين العظيمتين في زمانه، وهما: دولة فارس، والروم، وأنفقت كنوز كسرى وقيصر، كسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، وأنفقت في سبيل الله، وتحقق بذلك ما أخبر به رسول الله عليه الصلاة والسلام من أن كنوزهما لتنفقن في سبيل الله، وقد كان إنفاقها في زمن الفاروق، وعلى يد الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    طريق أخرى لحديث عمر: (أصبت أرضاً من أرض خيبر ...) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني هارون بن عبد الله حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه].

    أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه دون أن يذكر متنه، ولكنه أحال على ما قبله بنحوه، أي: أن لفظ المتن الذي لم يذكر قريب من لفظ المتن المذكور قبله، وهذا هو معنى نحوه، أي: أنه متفق في المعنى ويختلف في الألفاظ، وهذا بخلاف كلمة مثله؛ فإنها تعني المماثلة باللفظ والمعنى، وأما نحوه فتعني: الموافقة بالمعنى مع الاختلاف باللفظ.

    تراجم رجال إسناد حديث عمر بن الخطاب (أصبت أرضاً من أرض خيبر..) من طريق ثانية

    قوله: [أخبرني هارون بن عبد الله].

    هو هارون بن عبد الله الحمال البغدادي، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن معاوية بن عمرو].

    هو معاوية بن عمرو المعني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي إسحاق الفزاري].

    وهو إبراهيم بن محمد بن الحارث أبو إسحاق الفزاري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عون].

    وفي تحفة الأشراف: عن أبي إسحاق الفزاري عن ابن عون، وفي السنن الكبرى أخذ من المجتبى، وذكر أيوب.

    [عن نافع عن ابن عمر عن عمر].

    قد مر ذكرهم.

    شرح حديث ابن عمر: (... إن شئت جبست أصلها وتصدقت بها ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا حميد بن مسعدة حدثنا يزيد وهو ابن زريع حدثنا ابن عون عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: (أصاب عمر أرضاً بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس عندي، فكيف تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها على أن لا تباع، ولا توهب، ولا تورث؛ في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقاً غير متمول فيه)].

    أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر عن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو مثلما تقدم من كونه أصاب الأرض، وأنها أنفس ماله، وأنه جاء يستشير النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة بها، فأمره بأن يحبس أصلها ويتصدق بها، أي: بالثمرة والريع والنتاج ويكون ذلك في الفقراء، وذي القربى، وابن السبيل، والرقاب، والضيف، وأن الولي له أن يأكل بالمعروف، ويطعم صديقاً غير متمول فيه، أي: كونه يأكل ويطعم صديقه دون أن يكون متجراً فيه، متخذه تجارة أو مالاً يتموله ويتصرف فيه، وإنما المقصود هو انتفاع وأكل دون أن يتجر فيه.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (... إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ...)

    قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].

    حميد بن مسعدة هو صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن يزيد هو ابن زريع].

    يزيد هو ابن زريع، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر عن عمر].

    قد مر ذكرهم.

    حديث ابن عمر: (... قال: إن شئت حبست أصلها ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (.. قال: إن شئت حبست أصلها ..) من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].

    هو إسماعيل بن مسعود البصري، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن بشر].

    هو بشر بن مفضل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عون].

    قد مر ذكره.

    [وأنبأنا حميد بن مسعدة].

    قد مر ذكره.

    [عن بشر عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر عن عمر].

    قد مر ذكرهم.

    حديث ابن عمر: (... فقال: إن شئت حبست أصلها ...) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (.. فقال: إن شئت حبست أصلها ..) من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    إسحاق بن إبراهيم مر ذكره.

    [عن أزهر السمان].

    أزهر السمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر عن عمر].

    قد مر ذكر هؤلاء.

    شرح حديث: (اجعلها في قرابتك ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو بكر بن نافع حدثنا بهز حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (لما نزلت هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] قال أبو طلحة رضي الله عنه: إن ربنا ليسألنا عن أموالنا، فأشهدك يا رسول الله! أني قد جعلت أرضي لله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اجعلها في قرابتك؛ في حسان بن ثابت، وأبي بن كعب)].

    أورد النسائي حديث أنس رضي الله عنه: أن أبا طلحة لما نزل قول الله عز وجل: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، قال: (إن ربنا ليسألنا عن أموالنا)، يعني أي يطلب منا أن نتصدق من أموالنا، وأن تكون الصدقة في الأحب والأنفس؛ لأن الله يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، فهذا فيه حث وتنبيه إلى التصدق والإنفاق، وأن يكون ذلك بالأحب، وبالأنفس والأرغب عند الإنسان، فقال: [(أشهدك يا رسول الله! أني قد جعلت أرضي لله)].

    أي: أنه جعلها في سبيل الله عز وجل، يرجو ثواب الله عز وجل من هذا المال الذي هو أحب ماله إليه، أو من أحب ماله إليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمره بأن يجعلها في قرابته في حسان بن ثابت وأبي بن كعب، وهذا يدلنا على أن الأقربين هم أولى بالمعروف، وأنهم أولى الناس ببر القريب وإحسانه، ولهذا عمر رضي الله عنه جعل للقربى أي قرابته لهم نصيب من هذا المال، أو من هذا الوقف، والرسول صلى الله عليه وسلم أرشد أبا طلحة بأن يجعل ذلك في قرابته المحتاجين، فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    تراجم رجال إسناد حديث: (اجعلها في قرابتك ...)

    قوله: [أخبرنا أبو بكر بن نافع].

    أبو بكر بن نافع هو محمد بن أحمد بن نافع، وهو صدوق، أخرج حديثه: مسلم، والترمذي، والنسائي.

    [عن بهز].

    هو بهز بن أسد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن حماد].

    هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن ثابت].

    هو ثابت بن أسلم البناني البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويخبر عن أبي طلحة وهو زوج أمه أم سليم رضي الله تعالى عنها وعنه وعن الصحابة أجمعين، فهو يخبر عما حصل من زوج أمه أبي طلحة رضي الله عنه من مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ورغبته في التصدق في جعل أرضه في سبيل الله عز وجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار إليه بأن يجعلها في القربى.