إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الطلاق
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الطلاق - (باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك) إلى (باب الظهار)

شرح سنن النسائي - كتاب الطلاق - (باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك) إلى (باب الظهار)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للأمة المعتقة الخيار في البقاء مع زوجها المملوك وعدم البقاء؛ لتميزها بالعتق، وقد جعل الشارع للذي يحلف على عدم إتيان زوجته مدة أربعة أشهر إما أن يفيء وإما أن يطلق، دفعاً للضرر عن الزوجة، وإذا ظاهر الرجل من زوجته فقد حرم الله عليه إتيانها حتى يأتي بالكفارة التي ذكرها الله في كتابه.

    1.   

    خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك

    شرح حديث عائشة في قصة بريرة من طريق خامسة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ( كاتبت بريرة على نفسها بتسع أواق في كل سنة بأوقية، فأتت عائشة تستعينها فقالت: لا، إلا أن يشاءوا أن أعدها لهم عدة واحدة ويكون الولاء لي، فذهبت بريرة فكلمت في ذلك أهلها فأبوا عليها إلا أن يكون الولاء لهم، فجاءت إلى عائشة وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فقالت لها ما قال أهلها، فقالت: لا ها الله إذاً إلا أن يكون الولاء لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ فقالت: يا رسول الله، إن بريرة أتتني تستعين بي على كتابتها فقلت: لا إلا أن يشاءوا أن أعدها لهم عدة واحدة ويكون الولاء لي فذكرت ذلك لأهلها فأبوا عليها إلا أن يكون الولاء لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتاعيها واشترطي لهم الولاء؛ فإن الولاء لمن أعتق، ثم قام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله عز وجل؟ يقولون: أعتق فلاناً والولاء لي، كتاب الله عز وجل أحق، وشرط الله أوثق، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها، وكان عبداً فاختارت نفسها، قال عروة: فلو كان حراً ما خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ].

    يقول النسائي رحمه الله: باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك.

    المقصود من هذه الترجمة كما هو واضح: أن العبد والأمة إذا كانا مملوكين وأعتقت الأمة والعبد لا يزال مملوكاً فإن الأمة تخير في أن تبقى مع زوجها أو أن تتخلص منه وتفارقه؛ لأنها لم تعد مساوية له؛ بل تميزت عليه بأن صارت حرة وهو لا يزال مملوكاً، فهما لو أعتقا جميعاً كانا متساويين ويبقى الزواج على ما هو عليه؛ لأنه لا فضل لها عليه ولو أعتق هو وهي لا تزال مملوكة فليس لها خيار؛ لأنه صار أعلى منها من حيث أن بيده الطلاق والعصمة، وهو أعلى منها أيضاً من جهة أنه حصل الحرية وهي لا تزال في العبودية فلا تخير، وقد سبق معنا في بعض الروايات: أن زوجها حر وأنها خيرت، وعرفنا أن تلك الروايات شاذة مخالفة للروايات الأخرى الدالة على أنه مملوك مثل هذه الرواية والروايات التي بعدها.

    ولما أعتقت وهو لا يزال مملوكاً فإنها تخير؛ لأنها زادت عليه وتميزت عليه بالحرية، وهو لا يزال مملوكاً. أورد النسائي حديث عائشة في قصة بريرة، وقد مر هذا الحديث من طرق متعددة، وأورده هنا للاستدلال به على تخيير الأمة إذا أعتقت وزوجها مملوك، وهو واضح الدلالة على ما ترجم له المصنف، فقد قال في آخره نقلاً عن عروة بن الزبير قال: فلو كان زوجها حراً ما خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تكون بإعتاقها ساوت زوجها فلا يكون لها فضلٌ وميزة عليه، بل كانت مساوية له، فيقول: لو كان زوجها حراً ما خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف تخير وقد ساوته في الحرية.

    وبريرة كانت كاتبت أهلها على تسع أواق تدفع في كل سنة أوقية، فإذا مضت السنوات وأدت لهم الذي كاتبتهم عليه فإنها تعتق بذلك والولاء يكون لهم، وقد جاءت إلى عائشة رضي الله عنها وأرضاها، تطلب منها المعونة على تلك الأقساط وتلك المقادير التي تلزمها كل سنة من أجل أن تظفر بالحرية، فعائشة رضي الله عنها وأرضاها، لم تر أن تعينها على ما كاتبتهم أو كاتبها أهلها عليه، ولكنها أرادت أن تشتريها منهم بالمبلغ الذي قسطوه على تسع سنوات في كل سنة أوقية، فـعائشة تريد أن تدفع لهم التسع الأواق وتعدها لهم ناجزاً وحاضراً، ويكون الولاء لها، على اعتبار أنها هي المعتقة، فلما أخبرتهم بريرة بذلك قالوا: لا، إذا كانت تريد أن تشتريها وتعتقها والولاء لنا فلا بأس، أما إذا كان الولاء ليس لنا فلا.

    ولما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بالذي حصل، قال: ( الولاء لمن أعتق )، كيف يكون العتق من شخص والولاء لشخص آخر؟! الولاء شيء حصل بسبب العتق يحصل به التوارث وهو كالنسب لا يباع، ولا يوهب، ولا يتصرف فيه وإنما هو تابع لمن حصل منه العتق، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: اشترطي لهم، يعني: اشتريها والشيء الذي قالوه وافقيهم عليه، وذلك الذي طلبوه باطل، وهو مخالف لشرع الله ولكتاب الله، فلا عبرة به ولا قيمة له؛ لأن الولاء إنما يكون لمن أعتق، وهم لم يكونوا معتقين، فإذا اشترت عائشة منهم بريرة وأعتقتها فالمعتق هو الذي له الولاء، وليس هم، أما لو بقيت بريرة على المكاتبة وكل سنة تأتي لهم بالمقدار الذي بينها وبينهم وفي الآخر يحصل إعتاقهم إياها فالولاء يكون لهم؛ لأنهم هم الذين أعتقوا، لكن عائشة تريد أن تشتري شراء والذي سيُدفع لهم في تسع سنوات ستدفعه لهم مقدماً، وناجزاً، وعاجلاً، وتكون هي المعتقة، والمعتق هو الذي يكون له الولاء.

    الحاصل: أن الحديث أورده النسائي في أبواب متعددة، ومن طرق مختلفة، وأورده هنا للاستدلال به على أن الأمة المملوكة إذا أعتقت وزوجها لا يزال مملوكاً فإنها تخير في البقاء مع زوجها أو عدم البقاء، فإن اختارت البقاء فالزوجية على ما هي عليه، وإن اختارت الفراق فالأمر يرجع إليها، وبريرة زوجها مغيث رضي الله تعالى عنهما، وقد اختارت فراقه، والنبي صلى الله عليه وسلم شفع له عندها بأن تبقى على ما هم عليه، ولكنها لم ترض بذلك واختارت فراقه ففارقها رضي الله عنهما وعن الصحابة أجمعين.

    [ ثم قال: (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست ..) ].

    الرسول صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا الكلام وقال لعائشة ما قال أراد أن يعلن ذلك للناس وأن يبين للناس هذه السنة، وأن يكون ذلك على المنبر حتى تعم الفائدة وحتى ينتشر الخبر والحديث الذي يحدث به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه عندما يحصل أمر منكر من أحد من الناس ويعلن هذا فإنه لا يسمي من حصل منه الأمر المنكر، وإنما يأتي بهذه العبارة: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، فلا يسميهم ولا يعينهم، ولكن يبين أن هذا قد حصل، وأن أناساً حصل منهم كذا وكذا، وأن الواجب هو كذا وكذا، فالإنسان الذي حصل منه ذلك الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم يتنبه ويعلم أن ما أقدم عليه أمر منكر، وإذا كان أناس ينطبق عليهم هذا الشيء والرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم عنهم أيضاً يفهمون أنهم داخلون تحت هذا الإطلاق وتحت هذا الإيماء والتنبيه الذي ليس فيه التصريح بالأسماء وتعيين الذين حصل منهم الخطأ.

    ( ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله )، وكتاب الله عز وجل يراد به ما هو أعم من القرآن، يعني: يراد به شرع الله، ويراد به ما كتبه الله أي: ما شرعه، وفرضه، وأوجبه سواء كان ذلك في القرآن أو في السنة؛ لأن السنة هي قرينة القرآن، وهي وحي من الله عز وجل، كما أن القرآن وحي، إلا أن القرآن متعبد بتلاوته وموصوف بالإعجاز، والسنة ليست كذلك ولكنها تشترك مع القرآن في أن الأخذ بهما جميعاً لازم، وأمر متعين، ولا يؤخذ بالقرآن وتترك السنة، وإنما يؤخذ بالجميع، ويلتزم الجميع، وعلى هذا فكتاب الله عز وجل يشمل ما هو أوسع من القرآن وما هو أعم؛ لأن السنة قد أرشد إليها القرآن وأمر بالتزامها في قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] فكل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو داخل في هذا الأمر وهذا النهي، كل السنة من أولها إلى آخرها داخلة تحت هذه الآية، ولهذا لما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه لعن النامصة، والمتنمصة، والواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمستوصلة وغيرها مما جاء به الحديث، قال: ما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موجود في كتاب الله، فكانت واحدة من الصحابيات استعرضت القرآن ولم تجد فيه ما يتعلق بالنامصة، والمتنمصة، والواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمستوصلة فجاءت إلى عبد الله بن مسعود فقالت: إنك قلت: كذا وكذا، وإنني قرأت المصحف من أوله إلى آخره فما وجدت فيه هذا الذي قلت، فقال رضي الله عنه: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، قال الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] فلعن النامصة، والمتنمصة، والواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمستوصلة موجود في كتاب الله في قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

    ( ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، يقولون: أعتق فلاناً والولاء لي؟!) يعني: أن شخصاً يتولى العتق وشخصاً آخر يكون له الولاء، هذا ليس بصحيح؛ بل من حصل منه العتق فيكون له الولاء، كما أن الإنسان ينسب إلى أبيه ولا ينسب إلى غيره، فكذلك الولاء يضاف إلى صاحب النعمة نعمة الإعتاق ولا يضاف إلى غيره ولا يملكه غيره ولا يتنازل عنه لغيره، لا يبيعه ولا يهبه؛ لأنه ليس شيئاً يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، وإنما هو عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه بالعتق، ويحصل التوارث بذلك من جانب المعتق حيث يرث العتيق إذا لم توجد العصوبة التي تكون من جهة النسب، ويكون الولاء بدلاً عن العصوبة النسبية المفقودة.

    ( يقولون: أعتق فلاناً والولاء لي ) المعتق هو الذي له الولاء ولا يكون الولاء لغير المعتق، بل الولاء خاص بالمعتق لا يستطيع المعتق أن يهبه، أو يبيعه؛ لأن هذا شيء مثل النسب لا يتصرف فيه الإنسان بالبيع، والهبة، وإنما هو عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه بالعتق، ويحصل التوارث بها من جانب واحد وهو جانب المعتق، حيث يرث العتيق إذا لم توجد العصوبة التي من جهة النسب، والتي هي مقدمة على عصوبة الولاء.

    ( كتاب الله عز وجل أحق ) يعني: أحق بالاتباع، وأحق بالأخذ، وأحق بأن يعمل بما فيه ولا يكون العمل بما يخالفه مما يتواطأ عليه الناس ومما يشترطه الناس كاشتراط الولاء لغير المعتق وشرط الله أوثق، وهو الذي يتمسك به، ويؤخذ به، وأما الشرط الذي ليس في شرع الله فإنه لا عبرة به، ولا قيمة له، وهو لاغ وباطل ولا يؤخذ به، وليس له قرار ولا ثبوت، وإنما الثبوت والقرار والأخذ إنما يكون بشرط الله عز وجل الذي هو أوثق.

    ( وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) المقصود: إذا كان يخالف ما جاء في كتاب الله أي: القرآن والسنة، (وإن كان مائة شرط) وإن كثرت تلك الشروط وتضاعفت ووصلت إلى مائة شرط، وهي ليست في كتاب الله فإنها لاغية، وباطلة، ووجودها مثل عدمها.

    ومعنى قوله: (ابتاعيها واشترطي لهم الولاء ) ابتاعيها يعني: اشتريها، وأبرمي الاتفاق معهم، وإذا أصروا فاقبلي منهم ذلك وهو مردود عليهم؛ لأنه يخالف ما جاء في كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    وليس فيه خدعة، فالولاء لـعائشة رضي الله عنها، لكونها المشترية والمعتقة.

    وأما بالنسبة لتبويب النسائي الأول: وزوجها حر، وهذا: وزوجها مملوك، هل مراده بيان علة حديث بحديث؟

    فالجواب: يحتمل ذلك، لكن كونه يجعل الباب: عتق الأمة وزوجها حر، ثم عتقها وزوجها مملوك فلعله يريد بذلك ما ورد من الروايات في هذا وفي هذا، لكن المحفوظ هو كونه مملوكاً وليس كونه حراً، فيحتمل أن يكون أراد بذلك أن بعض الطرق معلولة، وشاذة، والمحفوظ سواها، ويحتمل غير ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة بريرة من طريق خامسة

    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].

    هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي ثقة، ثبت، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث وهو لقب رفيع لم يظفر به إلا القليل النادر من المحدثين، مثل: شعبة، وسفيان الثوري، والبخاري، والدارقطني وعدد قليل من المحدثين، وصف كل واحد منهم بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديث إسحاق بن راهويه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [ عن جرير ].

    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هو هشام بن عروة بن الزبير، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام، ثقة، فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، الصحابية الجليلة، الصديقة بنت الصديق، ذات المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة التي أنزل براءتها مما رميت به من الإفك في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، وهي من أوعية السنة وحفظتها، حفظ الله تعالى بها الشيء الكثير من سنة النبي صلى الله عليه وسلم لا سيما الأمور التي تقع بين الرجل وأهل بيته، والتي لا يطلع عليها إلا نساؤه، فإنها حفظت من ذلك ما لم يحفظه غيرها رضي الله عنها وأرضاها.

    حديث عائشة في قصة بريرة من طريق سادسة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا المغيرة بن سلمة حدثنا وهيب عن عبيد الله بن عمر عن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان زوج بريرة عبداً ].

    ثم أورد النسائي قطعة مختصرة من حديث بريرة وذلك من حديث عائشة بإسناد آخر، وهو مطابق لما ترجم له من كونه عبداً؛ ولهذا خيرت؛ لأنها تميزت عليه بالحرية، وهو دونها، ولو كان حراً ما خيرت كما قال عروة بن الزبير؛ لأنها إذا عتقت ساوته؛ ولم يكن ميزة عليه حتى تخير، ولكنها تخير حينما صارت لها ميزة عليه بكونه عبداً وهي ظفرت بالحرية.

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم عن المغيرة بن سلمة ].

    إسحاق بن إبراهيم مر ذكره، والمغيرة بن سلمة، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [ عن وهيب ].

    هو وهيب بن خالد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله بن عمر ].

    هو: عبيد الله بن عمر العمري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن رومان ].

    يزيد بن رومان، ثقة، أيضاً أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة عن عائشة ].

    وقد مر ذكرهما.

    شرح حديث عائشة في قصة بريرة من طريق سابعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار حدثنا حسين عن زائدة عن سماك عن عبد الرحمن بن القاسم ( عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار فاشترطوا الولاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن ولي النعمة، وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عبداً، وأهدت لـعائشة لحماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وضعتم لنا من هذا اللحم، قالت عائشة: تصدق به على بريرة، فقال: هو عليها صدقة، وهو لنا هدية ) ].

    أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى، وهو مشتمل على ما اشتمل عليه الذي قبله من جهة ما ترجم له المصنف وهو كونه مملوكاً، والنبي صلى الله عليه وسلم خيرها لكونه كان مملوكاً، فهو مشتمل على ما اشتمل عليه الذي قبله، وفي قوله: ( الولاء لمن ولي النعمة ) أي: هي نعمة العتق؛ لأن المعتق أنعم على عتيقه بالعتق، ولهذا يقولون في تعريف الولاء: عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه بالعتق، والله عز وجل يقول: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب:37] أي: أنعمت عليه بالعتق.

    [ ( عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار فاشترطوا الولاء ) ] أي: لهم، أما لو ساعدت بريرة وأعطتها نجوم الكتابة، وبريرة دفعتها لهم فإن الولاء يكون لهم؛ لأنهم أعتقوها بعد أن أخذوا النقود التي جمعتها لهم بريرة، لكن عائشة أرادت الشراء، فتكون هي المعتقة بعد أن تشتري، فكونهم يطلبون الولاء لهم وهم ليسوا معتقين فطلبهم في غير محله، وشرط ليس في كتاب الله فهو باطل.

    [ ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن ولي النعمة، وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عبداً ) ].

    وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تبقى مع زوجها مغيث وهو لا يزال عبداً، وبين أن تفارقه، والمقصود من ذلك: أن زوجها الذي خيرت بفراقه والبقاء معه كان عبداً ولم يكن حراً؛ لأنه لو كان حراً ما خيرت كما قال عروة بن الزبير؛ لأنها ساوته في الحرية، فليس لها ميزة عليه.

    [ ( وأهدت لـعائشة لحماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وضعتم لنا من هذا اللحم، قالت عائشة: تصدق به على بريرة، فقال: هو عليها صدقة وهو لنا هدية ) ].

    ومما حصل لـبريرة أنها تصدق عليها بشيء من اللحم فأهدته إلى بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم سأل عن هذا الذي رآه يطبخ في بيته ولم يقدم له منه شيء، فقيل له: إن هذا تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: هو لها صدقة، ولنا هدية، ومعناه: أنه لما تصدق عليها به ملكته فتتصرف به كيف تشاء، إن باعته فلها أن تبيعه ومن اشتراه ما له علاقة بالصدقة، وإن أهدته لأحد فالمهدى إليه يتصرف فيه، ويستفيد منه، ولا علاقة له بالصدقة؛ لأن العين تغيرت، فاللحم عين، فكان انتقاله من المحسنين الذين أحسنوا إلى بريرة صدقة منهم، ولكنه لما وصل إلى بريرة صار ملكاً لها، فإذا خرج من ملكها عن طريق الهبة أو الهدية، أو البيع فلا يقال: إنه صدقة؛ لأنه تغير وضع العين من كونها صدقة إلى كونها ملكاً يتصرف فيه، فلم تبق صدقة، ولهذا فإن الفقير الذي يتصدق عليه بالشيء إذا طبخ طعاماً، ودعا إليه أناساً، وأكلوا منه لا يقال: إنهم أكلوا صدقة، وإنما أكلوا شيئاً ملكه ذلك الذي أطعمهم إياه، فالذي لا يحل له أكل الصدقة يحل له أن يأكل؛ لأنه خرج عن أن يكون صدقة إلى كونه ملكاً ويتصرف مالكه فيه تصرف الملاك في أملاكهم.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة بريرة من طريق سابعة

    قوله: [ أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار ].

    القاسم بن زكريا بن دينار، ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [ عن حسين ].

    هو حسين بن علي الجعفي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زائدة ].

    هو زائدة بن قدامة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سماك ].

    هو: سماك بن حرب، صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن عبد الرحمن بن القاسم ].

    هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها.

    شرح حديث عائشة في قصة بريرة من طريق ثامنة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي بكير الكرماني حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قال: وكان وصي أبيه، قال: وفرقت أن أقول سمعته من أبيك قالت عائشة: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بريرة وأردت أن أشتريها واشترط الولاء لأهلها ) ] كذا صحيح.

    إذا كان اللفظ: (أشترط الولاء) فهم اشترطوا أن يكون لهم الولاء، لكن هي ما أرادت أن تشترط الولاء لهم، وإنما تريد أن تشترط الولاء لها وليس لهم، لكن يمكن أن يكون اللفظ هكذا: (واشتُرط الولاء) أي: أنهم اشترطوا الولاء.

    [ ( واشترط الولاء لأهلها فقال: اشتريها؛ فإن الولاء لمن أعتق، قال: وخيرت وكان زوجها عبداً ثم قال بعد ذلك: ما أدري، وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فقالوا: هذا مما تصدق به على بريرة، قال: هو لها صدقة، ولنا هدية ) ].

    وهو مثل الذي قبله، وفيه قول شعبة لـعبد الرحمن بن القاسم قال عنه: وكان وصي أبيه، أي: القاسم بن محمد، قال: فرقت يعني: خفت أن أقول: سمعته من أبيك، وفرق من الفرق، وهو الخوف، أي: خاف أن يقول له: سمعته من أبيك، يخاطب شعبة عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قصة بريرة من طريق ثامنة

    قوله: [ أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ].

    هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المشهور أبوه بـابن علية، ثقة، أخرج له النسائي وحده.

    [ عن يحيى بن أبي بكير الكرماني ].

    يحيى بن أبي بكير الكرماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه].

    عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة أي: القاسم.

    [عن عائشة].

    عائشة وقد مر ذكرها.

    1.   

    الإيلاء

    شرح حديث ابن عباس في حكم الإيلاء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الإيلاء.

    أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم البصري حدثنا مروان بن معاوية حدثنا أبو يعفور عن أبي الضحى: تذاكرنا الشهر عنده فقال بعضنا: ثلاثين، وقال بعضنا: تسعاً وعشرين، فقال أبو الضحى: حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( أصبحنا يوماً ونساء النبي صلى الله عليه وسلم يبكين عند كل امرأة منهن أهلها، فدخلت المسجد فإذا هو ملآن من الناس، قال: فجاء عمر رضي الله عنه فصعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في علّية له فسلم عليه فلم يجبه أحد، ثم سلم فلم يجبه أحد، ثم سلم فلم يجبه أحد، فرجع فنادى بلالاً فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أطلقت نساءك؟ فقال: لا، ولكني آليت منهن شهراً، فمكث تسعاً وعشرين ثم نزل فدخل على نسائه ) ].

    أورد النسائي الإيلاء، والإيلاء هو: الحلف على عدم قربان النساء، إما مقيداً بمدة معينة كالشهر، وإما مطلقاً بدون تحديد وتعيين للمدة، والإيلاء جاء في القرآن الكريم أن من آلى من زوجته فله تربص أربعة أشهر إما أن يفيء فيها ويترك ما آل عليه، وإما أن يعزم على الطلاق ويطلقها، والرسول صلى الله عليه وسلم حلف ألا يقرب نساءه شهراً ومكث ذلك الشهر ولما مضى تسع وعشرون دخل على نسائه؛ لأنه أكمل المدة التي آلى عليها، فقيل له: إنك آليت شهراً، قال: الشهر تسعة وعشرون؛ لأن الحد الأدنى في الشهور القمرية: تسعة وعشرون، والحد الأعلى ثلاثون، ما فيه واحد وثلاثون ولا فيه ثمانية وعشرون، إما هذا وإما هذا، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وأشار بيديه ثلاث مرات، ثم عاد فأشار بيديه ثلاث مرات وقبض الإبهام في الثالثة ) ومعناه: مرة يكون ثلاثين، ومرة يكون تسعاً وعشرين، فهو إما هذا وإما هذا، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما آلى من نسائه شهراً، وجلس في غرفة وفي مكان مرتفع يسمى مشربة، يقال له: علية وجلس فيه شهراً معتزلاً نساءه، وكان أشيع أنه طلق نساءه، وجاء عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أنه كان في بستان له في عوالي المدينة، وكان يتناوب مع جار له بحيث ينزل هذا يوماً وهذا يوماً، ثم من نزل عندما يأتي في المساء يخبر صاحبه بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديث، ولما كان اليوم الذي ينزل فيه صاحبه، جاء وطرق عليه الباب بشدة، وبشيء يظهر فيه الذعر، والخوف، فجاء عمر رضي الله عنه، وقال: ما هذا؟ قال: الرسول صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، فنزل وجاء إلى حفصة وتكلم معها ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم واستأذن، ولما دخل عليه بادر وقال: يا رسول الله! أطلقت نساءك؟ قال: لا، فكبر عمر وحمد الله عز وجل، وفرح وسُر بما حصل من كونه صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، وإنما اعتزلهن شهراً، والقرآن جاء فيه قول الله عز وجل: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:226-227] يعني: إما أن يتركوا في خلال هذه المدة ويفيئوا وإما أن يعزموا الطلاق، ولا يبقى تعليق مستمر، ويستمر ذلك التعليق إلى غير نهاية، بل إما هذا وإما هذا، والرسول صلى الله عليه وسلم ما حلف على أن لا يقرب نساءه مدة مطلقة، وإنما حلف على شهر وقد أنهى ذلك الشهر ثم جاء إلى نسائه صلى الله عليه وسلم، ولما دخل وكان آلى شهراً وقد مضى تسع وعشرون وكن يعددنها عداً قالوا: إنك آليت شهراً، وإن اليوم تسع وعشرون قال: الشهر تسع وعشرون.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في حكم الإيلاء

    قوله: [ أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم البصري ].

    هو أحمد بن عبد الله بن الحكم البصري، ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.

    [ عن مروان بن معاوية ].

    مروان بن معاوية الفزاري، ثقة، يدلس تدليس الشيوخ، وتدليس الشيوخ غير تدليس الإسناد، تدليس الشيوخ هو: أن يعمد إلى شيخ من شيوخه معروف بشهرة فيذكره بغير ما اشتهر به، بأن يذكر كنيته وكنية أبيه ولا يذكر اسمه ولا اسم أبيه، أو يذكر اسمه وكنية أبيه، المهم أنه يذكر شيخه بغير ما اشتهر به، هذه الطريقة فيها تدليس؛ لأن فيها توعير الطريق لمعرفة الشخص، وقد يقال: إن الشخص غير معروف، مجهول لم نقف له على ترجمة، ولكن سبب الجهالة هو التدليس في كونه ذكر بغير ما اشتهر به، وقد ذكروا عن مروان بن معاوية الفزاري أنه كان يدلس تدليس الشيوخ، أما تدليس الإسناد فهو: أن يروي الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع: كعن أو قال، يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع.

    [ عن أبي يعفور ].

    أبو يعفور الأصغر، وهو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الضحى ].

    أبو الضحى مسلم بن صبيح، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    حديث أنس في حكم الإيلاء وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا خالد حدثنا حميد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ( آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شهراً في مشربة له، فمكث تسعاً وعشرين ليلة ثم نزل، فقيل: يا رسول الله، أليس آليت على شهر؟ قال: الشهر تسع وعشرون ) ].

    أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو مثل حديث ابن عباس المتقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهراً وجلس في مشربة والمشربة: غرفة في مكان مرتفع وهناك قال: علية، وهناك قال: مشربة، والمقصود بها شيء واحد، ولما مضى تسع وعشرون نزل، وهذا يفيد أنه كان في مكان عالٍ، يعني: نزل من ذلك المكان الذي وصف بأنه علية في الحديث السابق، فقيل: إنك آليت شهراً، فقال: الشهر تسع وعشرون.

    قوله: [ أخبرنا محمد بن المثنى ].

    هو محمد بن المثنى أبو موسى الزمن البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [ عن خالد ].

    هو: خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حميد ].

    هو: حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    رضي الله عنه خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث من رباعيات النسائي التي هي أعلى الأسانيد عنده؛ لأن أعلى ما يكون عنده الرباعيات، وليس عنده شيء من الثلاثيات والرباعيات كثيرة في النسائي، لا يمر بنا الإسناد والعدد الذي بين النسائي ورسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، والنسائي توفي في أوائل القرن الرابع الهجري، توفي سنة ثلاث بعد الثلاثمائة وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، فهو من أعلى ما يكون عند النسائي، وقد عرفنا فيما مضى أن أنزل ما عند النسائي العشاريات، أي: الذي إسناده عشرة أشخاص بين النسائي ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر بنا حديث في فضل قل هو الله أحد، وقال النسائي عنه: إن هذا أطول إسناد.

    1.   

    الظهار

    شرح حديث ابن عباس في حكم الظهار

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الظهار.

    أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم قد ظاهر من امرأته فوقع عليها، فقال: يا رسول الله! إني ظاهرت من امرأتي فوقعت قبل أن أكفر، قال: وما حملك على ذلك يرحمك الله؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، فقال: لا تقربها حتى تفعل ما أمر الله عز وجل ) ].

    أورد النسائي باب الظهار، والظهار هو: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أو كظهر أختي، وقد جاء ذكره في القرآن في سورة المجادلة، وبين الكفارة التي تكون على من ظاهر وهي عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، وتكون الكفارة قبل المسيس، فاذا كفر ساغ له المسيس.

    أورد النسائي حديث ابن عباس، أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما الذي حملك على ذلك؟ قال: إنه رأى خلخالها في ضوء القمر فأقدم على ما أقدم عليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، أي: لا تقربها مرة ثانية؛ لأن المرة الأولى قد حصلت فأرشده ألا يقربها، أو الحكم أنه لا يجوز قرب المرأة التي حصلت المظاهرة منها إلا بعد أن يكفر الإنسان الكفارة التي أمر الله عز وجل بها في أول سورة المجادلة: بأن يعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصيام أطعم ستين مسكيناً، والكفارة متقدمة على مسيس الزوجة، فلابد من تقديم الكفارة على ذلك، لكن هذا الذي استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ألزمه بشيء لكونه خالف ما نهي عنه، ولكنه أرشده إلى ألا يقربها إلا بعد أن يفعل ما أمره الله عز وجل به من الكفارة.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في حكم الظهار

    قوله: [ أخبرنا الحسين بن حريث ].

    هو الحسين بن حريث المروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [ عن الفضل بن موسى ].

    هو الفضل بن موسى المروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري، ثم اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحكم بن أبان ].

    الحكم بن أبان، صدوق، له أوهام، أخرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن عكرمة ].

    عكرمة مولى ابن عباس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    وقد مر ذكره.

    حديث ابن عباس في حكم الظهار من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال: ( تظاهر رجل من امرأته فأصابها قبل أن يكفر، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ذلك؟ قال: رحمك الله يا رسول الله! رأيت خلخالها أو ساقيها في ضوء القمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاعتزلها حتى تفعل ما أمرك الله عز وجل ) ].

    أورد النسائي الحديث من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم.

    قوله: [ أخبرنا محمد بن رافع ].

    هو محمد بن رافع النيسابوري القشيري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [ عن عبد الرزاق ].

    هو ابن همام الصنعاني اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة ].

    وقد مر ذكرهم.

    [ولم يذكر ابن عباس].

    ولم يذكر ابن عباس فهو مرسل، لكن كما هو معلوم الإسناد الذي قبله فيه الصريح بـابن عباس.

    شرح حديث ابن عباس في حكم الظهار من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا المعتمر (ح) وأنبأنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر قال: سمعت الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة قال: ( أتى رجل نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! إنه ظاهر من امرأته ثم غشيها قبل أن يفعل ما عليه، قال: ما حملك على ذلك؟ قال: يا نبي الله! رأيت بياض ساقيها في القمر، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فاعتزل حتى تقضي ما عليك، وقال إسحاق في حديثه: فاعتزلها حتى تقضي ما عليك ) واللفظ لـمحمد، قال أبو عبد الرحمن: المرسل أولى بالصواب من المسند، والله سبحانه وتعالى أعلم ].

    فهذا الحديث من الأحاديث المتعلقة بالظهار، وقد سبق بعض الأحاديث في ذلك، وهذا الحديث عن عكرمة مرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكر فيه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أنه ظاهر من امرأته، أي: قال لها: أنت علي كظهر أمي، أو كظهر أختي، وأنه غشيها، أي: وطئها قبل أن يفعل ما عليه، أي: قبل أن يقوم بالشيء الذي أمر الله أن يفعل، وهو أن يعتق رقبة قبل المسيس، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، هذا هو الواجب عليه قبل المسيس كما جاء منصوصاً عليه في القرآن الكريم، ولكن هذا الرجل غشيها قبل أن يفعل ما عليه من الكفارة، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه فعل أمراً خلاف ما جاء في القرآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما حملك على ذلك؟ يعني: ما الذي دفعك إلى أن تفعل هذا الفعل، والله عز وجل إنما أذن في ذلك بعد الكفارة؟ فقال: إنه رأى ساقيها في ضوء القمر، أي: حصل له شيء دفعه إلى أن يقدم على هذا الذي أقدم عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: اعتزل حتى تفعل ما أمرك الله، وعند الشيخ الثاني: اعتزلها حتى تفعل ما أمرك الله، ولم يترتب على ذلك حكم، يعني: لم يلزمه بشيء بكونه حصلت منه هذه المخالفة، وإنما أرشده إلى أن عليه أن يأتي بالكفارة قبل المسيس.

    وكونه فعل هذا الفعل قبل المسيس لم يلزمه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء بسبب ذلك، ولكنه أرشده إلى عدم قربانها إلا بعد المسيس، وهذا إسناد مرسل، والمرسل هو ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو حصل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، بمعنى: يحكي ما يحكيه الصحابي، ومن المعلوم أنه لم يدرك، فعلى هذا يكون مرسلاً، وهذا المرسل سبق أن مر في بعض الطرق تسمية الصحابي فيكون صحيحاً بما تقدم من المسند المضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنسائي قال: إن المرسل أولى بالصواب من المسند، والمسند ثابت، والقصة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أرشده إلى ذلك أي: إلى أنه لا يقربها إلا بعد الكفارة، وقد سبقت الأحاديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في حكم الظهار من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه المروزي الحنظلي، ثقة، ثبت، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [ عن المعتمر].

    هو المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ح وأنبأنا محمد بن عبد الأعلى].

    ثم أتى بـ(ح) الدالة على التحويل والتحول من إسناد إلى إسناد، ومحمد بن عبد الأعلى، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [ عن المعتمر عن الحكم بن أبان ].

    المعتمر عن الحكم بن أبان، والحكم بن أبان، صدوق، له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن عكرمة ].

    هو عكرمة مولى ابن عباس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا جرير عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، فكان يخفى علي كلامها، فأنزل الله عز وجل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1] ].

    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، الذي قالت فيه: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، أي: أنه ما من صوت ولو دق وخفي إلا والله تعالى يسمعه، وقد وسعه سمع الله عز وجل الذي يسمع كل شيء، والذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهو يدل على إثبات صفة السمع لله عز وجل، وأن سمع الله عز وجل لا يخفى عليه شيء، فما من صوت ولو دق ولو خفي إلا والله عز وجل يسمعه؛ لأنه هو السميع العليم.

    قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها، هذا الكلام ثم وضحت ذلك: بأن خولة بنت حكيم جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها وتجادله فيه، وكان كلامها مع رسول الله سراً، ويخفى على عائشة شيء منه، والله عز وجل سمع هذا الكلام الذي خفي على عائشة؛ لأنه عز وجل يسمع السر والنجوى، ويسمع الخفي والجلي من الأصوات، وقد وسع سمعه الأصوات سبحانه وتعالى، فهو دال على إثبات صفة السمع لله عز وجل، وأن سمعه محيط بكل صوت، وبكل شيء له صوت.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ...)

    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].

    إسحاق بن إبراهيم قد مر ذكره.

    [ عن جرير ].

    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن تميم بن سلمة ].

    تميم بن سلمة، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [ عن عروة ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام، فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق التي حفظ الله بها الكثير من سنة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.