إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب النكاح
  6. شرح سنن النسائي - كتاب النكاح - باب التزويج على نواة من ذهب - باب إباحة التزوج بغير صداق

شرح سنن النسائي - كتاب النكاح - باب التزويج على نواة من ذهب - باب إباحة التزوج بغير صداقللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المهر لا بد منه، ويكون بالقليل والكثير، ولا حد لأكثره ولا لأقله، ولكن حذر الشارع من المغالاة في المهور؛ لأن فيها مشقة وضرراً ولأنها تمثل عقبة كبيرة حائلة بين الرجال والنساء. وللمرأة أن تتزوج بغير صداق مسمى؛ فالعقد صحيح والنكاح يجوز؛ لأن لها مهر مثيلاتها.

    1.   

    التزويج على نواةٍ من ذهب

    شرح حديث أنس بن مالك في التزويج على نواة من ذهب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التزويج على نواة من ذهب.

    أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ لـمحمد عن ابن القاسم عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبه أثر الصفرة، فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره أنه تزوج امرأةً من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كم سقت إليها؟ قال: زنة نواةٍ من ذهب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أولم ولو بشاة)].

    يقول النسائي رحمه الله: التزويج على نواة من ذهب. فالنواة من الذهب قيل: إن المقصود بها مقدار من الذهب قيمته خمسة دراهم، قيل: هذا هو المقدار من نواة من الذهب، والأصل أن النواة هي: ما تكون في داخل التمرة التي هي أصلها يقال لها: نواة، والمراد من النواة من الذهب مقدار من الذهب يعادل ويساوي خمسة دراهم، كما يقال للأوقية: أربعين درهماً، وللنش عشرين درهماً، قالوا: فيقال للخمسة الدراهم أو ما يعادل خمسة دراهم من الذهب يقال له: نواة.

    وقد أورد النسائي حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: أنه تزوج امرأةً من الأنصار، وعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (كم سقت إليها؟)، أي: كم دفعت إليها مهراً؟ فقال: قدر (زنة نواةٍ من ذهب)، يعني: مقداراً من الذهب يوازي نواةً، وهي خمسة دراهم، أي: ما يعادل خمسة دراهم من الفضة من الورق، قال عليه الصلاة والسلام: (أولم ولو بشاة)، الحديث يدل على أن المهر لا بد منه، وعلى أنه يكون بالقليل؛ لأن زنة نواة من ذهب هو شيء قليل، ولا حد لأقله، أي: المهر، كما أنه لا حد لأكثره؛ لأنه ليس هناك تحديد لأوله ولا لآخره، لكن لا تنبغي المغالاة، وكثرته الكثرة التي يكون فيها مشقة، وفيها ضرر كبير على الزوج، ويجوز باليسير والقليل، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي طلب منه أن يزوجه الواهبة التي وهبت نفسه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن له بها حاجة، قال: (التمس ولو خاتماً من حديد)، فهذا الحديث وذاك الحديث يدلان على أن الزواج يتم بالمهر اليسير والقليل؛ لأن الخمسة الدراهم شيء يسير، ومقدار نواة من الذهب شيء يسير، وبعض العلماء قال: إنه لا يكون أقل من عشرة دراهم، ومنهم من قال: لا يكون أقل من خمسة دراهم، وليس هناك دليل يدل على هذا التحديد الذي أنه لا ينقص عنه، ولا يكون دون هذا المقدار، بل الأمر في ذلك واسع، ويكون المهر بكل ما يتمول، ولو كان يسيراً، ولو قل عن عشرة دراهم، ولو قل عن خمسة دراهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمس ولو خاتماً من حديد).

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة)، كذلك لا حد لأكثره، والله عز وجل ذكر ذلك في كتابه: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20]، يعني: أنه لو أعطي لهن شيء كثير جداً، والإنسان أراد أن يترك المرأة، ويبحث عن امرأة أخرى، فإنه يطلقها ولا يأخذ منها شيئاً، فلا حد لأقله، ولا حد لأكثره، لكن لا تصلح المغالاة في المهور، وتكون عقبةً حائلةً بين الرجال والنساء، وبين الزواج الذي لا بد منه في حق الرجال، وفي حق النساء.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة)، فيه، مشروعية الوليمة واستحبابها، وأنها تكون ولو بالشيء اليسير، ولو بشاة في حق الموسرين، وفي حق من كان موسراً يولم ولو بشاة.

    المقصود من ذلك: أن الإرشاد إلى الوليمة ولو كانت قليلة، قوله: (ولو بشاة)، هي إشارة إلى الحد الأدنى فيما يذبح من النعم، وقوله: (ولو بشاة)، يعني: إشارة إلى الشيء القليل، لكن هذا في حق الموسرين، وتجوز أن تكون بشيء غير اللحم كما حصل في زواج الرسول صلى الله عليه وسلم على صفية، وجعل وليمةً ليست من اللحم، فتجوز أن تكون بغير اللحم، وأن تكون أقل من ذلك، لكن في حق الموسر تكون بهذا المقدار الذي هو لا يقل عن شاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة)، وهذا اللفظ يشعر بالقلة، ومثله في الإشارة إلى القلة: (ولو خاتماً من حديد)، الذي مر بنا، ومثله أيضاً في القلة ما جاء في الحديث (من بنى لله مسجداً ولو كان كمسحة قطاة)، إشارة إلى الصغر، وكذلك (لا تحقرن جارةً جارتها ولو ظلف شاة)، يعني: ولو كان شيئاً يسيراً، فمثل هذه العبارات تأتي في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يراد بها القلة، ولا يراد بها الكثرة، يعني (أولم بشاة)، أن هذا الحد الأقصى أو الحد الأعلى؛ لأن هذا اللفظ ما عرف في التكثير، وإنما عرف في التقليل، ونظائره كثيرة، ومنها ما أشرت إليه من الأحاديث التي هي مثل هذا الحديث في الإشارة إلى القلة في استعمال لو، (ولو خاتماً من حديد) (ولو فرسِ شاة) (ولو كمسحة قطاة)، (ولو بشاة)، وهكذا.

    وقوله (وبه أثر الصفر)، يعني: الذي هو طيب النساء، وقد استدل به أو فهم منه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه تزوج، فسأله: (هل تزوجت؟ قال: نعم، قال: ما سقت عليها؟ قال: زنة نواةٍ من ذهب، قال: أولم ولو بشاة).

    تراجم رجال إسناد حديث أنس بن مالك في التزويج على نواة من ذهب

    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].

    هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    الحارث بن مسكين].

    هو الحارث بن مسكين المصري أيضاً، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [عن ابن القاسم].

    هو عبد الرحمن بن القاسم، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.

    [عن مالك].

    هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، الإمام الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة.

    [عن حميد الطويل].

    هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخادمه، خدمه عشر سنوات، وكان من أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عن أنس، وعن الصحابة أجمعين.

    شرح حديث عبد الرحمن بن عوف في التزويج على نواة من ذهب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا النضر بن شميل حدثنا شعبة حدثنا عبد العزيز بن صهيب سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: قال عبد الرحمن بن عوف: (رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بشاشة العرس، فقلت: تزوجت امرأةً من الأنصار، قال: كم أصدقتها؟ قال: زنة نواةٍ من ذهب)].

    ثم أورد النسائي حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه وعليه طلاقة العرس)، يعني: طلاقة الوجه، على إثر الزواج، وعلى إثر العرس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: تزوجت؟ قال: (نعم امرأةً من الأنصار)، فقال: (كم أصدقتها؟ قال: زنة نواةٍ من ذهب)، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث، التزويج على نواة من ذهب، أي: مقدار نواة من ذهب يعادل خمسة دراهم من الورق.

    تراجم رجال إسناد حديث عبد الرحمن بن عوف في التزويج على نواة من ذهب

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [حدثنا النضر بن شميل].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا عبد العزيز بن صهيب].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت أنساً].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره.

    [قال عبد الرحمن].

    هو عبد الرحمن بن عوف صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة في حديث واحد، حيث قال عليه الصلاة والسلام في حديث: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)، كل واحد منهم أخبر بأنه في الجنة، مبتدأ وخبر في كل واحد منهم، فلان في الجنة، وفلان في الجنة، وفلان في الجنة، وفلان في الجنة، ولهذا قيل لهم: العشرة المبشرين بالجنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سردهم في حديث واحد.

    وذكر العشرة لا مفهوم له بأنه ما بشر في الجنة إلا عشرة، ولكن المقصود أنهم سردوا في حديث واحد، وإلا فقد ثبتت البشارة في الجنة لغيرهم من الصحابة كثيرين، كـالحسن، والحسين، وفاطمة، وكـعكاشة بن محصن، وكـثابت بن قيس بن شماس، وبلال، وعدد من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام جاء تبشيرهم بالجنة في أحاديث، لكن غلب على هؤلاء العشرة لقب العشرة، وحديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (أيما امرأةٍ نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هلال بن العلاء حدثنا حجاج قال ابن جريج: حدثني عمرو بن شعيب، (ح)، وأخبرني عبد الله بن محمد بن تميم سمعت حجاجاً يقول: قال ابن جريج: عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أيما امرأةٍ نكحت على صداقٍ أو حباءٍ أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطاه، وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أو أخته)، اللفظ لـعبد الله].

    ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: (أيما امرأةٍ نكحت على صداقٍ أو حباءٍ أو عدةٍ قبل عصمة النكاح فهو لها)، (أيما امرأةٍ أنكحت على صداقٍ)، يعني: على مقدار معين، هو صداق لها، (أو حباء)، عطية أعطيت إياها من أجل الزواج، (أو عدة)، وعدت بأنها ستعطى كذا وكذا، وكان هذا قبل الزواج فهو لها، وما كان بعد الزواج فهو لمن أعطيه، يعني: سواءً أعطيت هي، أو أعطي أبوها، أو أعطيت أمها، وما كان بعد الزواج فهو لمن أعطيه؛ لأن ما يعطى قبل الزواج هو من أجل المرأة، ومن أجل الحصول على المرأة، وبعد الزواج يكون المهر قد حصل، ويكون ما يعطى إما لها أو لغيرها، وما كان بعد الزواج فهو لمن أعطيه.

    (وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أو أخته)، يعني: أنه إذا أعطي شيئاً، وأكرم من أجل ابنته وأخته، أن هذا حق، وأنه يبر، ويحسن إليه، ويعطى من أجل أخته وابنته، حيث كان الإنسان تزوج منه، وكان صهراً له، فإذا أعطاه بعد الزواج شيئاً، فإنه لا بأس بذلك، هذا هو معنى الحديث، وقد أورده النسائي تحت نواة من ذهب، وهو لا يدل على الترجمة، ولكنه يدل من حيث المعنى على أن ما أعطيت المرأة من صداق هو لها، لكن ليس فيه تحديد ذلك الصداق، ولا بيان مقدار ذلك الصداق، لا أنه زنة نواة ولا أكثر ولا أقل، وإنما هو مطلق.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أيما امرأةٍ نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها...)

    قوله: [أخبرنا هلال بن العلاء].

    صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا حجاج].

    هو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [قال ابن جريج].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني عمرو بن شعيب].

    هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.

    ثم ذكر حاء التحويل، وهي التحول من إسناد إلى إسناد، فقال:

    [أخبرني عبد الله بن محمد بن تميم].

    هو: عبد الله بن محمد بن تميم المصيصي، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.

    [سمعت حجاجاً يقول: قال ابن جريج عن عمرو بن شعيب].

    وقد مر ذكرهم.

    [عن أبيه].

    هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وفي جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.

    وهنا قال: [عن عبد الله بن عمرو بن العاص]، ما قال: عن جده، وفهم من هذا كما جاء هنا، وكما جاء في بعض الروايات أنه يصرح بالجد فيقال: عبد الله بن عمرو بن العاص، ففهم منه أن شعيباً يروي عن جده الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص، وليس يروي عن أبيه الذي هو جد عمرو، وهو: محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنه لو كان كذلك يكون مرسلاً؛ لأن محمداً لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، فلو انتهى الإسناد إليه فصار عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، يعني جده هو وليس جد أبيه، فيكون الحديث مرسل؛ لأن محمداً لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن عمرو بن شعيب يروي عن أبيه، وأبوه يروي عن جده، وهو نفس جد عمرو بن شعيب؛ لأن جد أبيه جد له، فهي سواءً قال: عن جده هو أو جد أبيه هو جده؛ لأن جد أبيه جد له، وآباء الأب وأجداده هو أجداد لأبنائه، ففي هذا وغيره من الأحاديث التي فيها التصريح باسم الجد، وأنه عبد الله بن عمرو بن العاص الذي هو جد شعيب، وهو نفسه أيضاً جد لـعمرو بن شعيب، يدل على أن الجد في الأحاديث المجملة التي فيها عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، المراد به عبد الله بن عمرو، وعلى هذا فالحديث متصل، وليس بمنقطع، لكن لو كان المقصود به محمد بن عبد الله بن عمرو، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فيكون مرسلا؛ لأن التابعي إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فهو مرسل، وعلى هذا فتسميته تدل على أن الجد هو عبد الله بن عمرو، وقد قال الحافظ ابن حجر: وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، وقالوا: إن الحديث إذا صار صحيحاً إلى عمرو بن شعيب فهو لا يقل عن درجة الحسن؛ لأن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هي من قبيل الحسن؛ لأن كل منهما صدوق، عمرو صدوق، وأبوه صدوق، فحديثهم حسن، لكن هذا إذا كان الإسناد إلى عمرو سليم، أما إن كان فيه علة انقطاع أو ضعف أو ما إلى ذلك، فالأمر كما يذكر في حق الرجال، لكن إن كان سليماً ومستقيماً إلى عمرو بن شعيب فهو يكون حسناً؛ لأن حديث عمرو حسن، وحديث أبيه شعيب حسن؛ لأن كل منهما صدوق، أي: حديثه من قبيل الحسن.

    أما عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، فهو صحابي جليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين هم من صغار الصحابة، والحديث ضعفه الشيخ الألباني، وذكره في السلسلة الضعيفة في رقم ألف وسبعة، وحكم بضعفه من أجل أن في إسناده ابن جريج وقد رواه بالعنعنة، لكن كما نرى عند النسائي في الطريق الأولى أنه صرح بالتحديث؛ لأن ابن جريج قال: حدثني عمرو بن شعيب، فهو لم يعنعن عنعنة في الطريقة الثانية التي هي طريق عبد الله بن محمد بن تميم، وأما طريق هلال بن العلاء، فإنه صرح بالتحديث، قال ابن جريج: حدثني عمرو بن شعيب، وعلى هذا فيكون لا تدليس فيه، وزال احتمال التدليس الذي فيه، والشيخ ذكر من خرجه من الأئمة، ومنهم الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقال: إنه ضعيف؛ لأن فيه ابن جريج، وهو مدلس وقد عنعنه، لكن الطريق الأولى التي معنا فيها التصريح بالتحديث وليس بالعنعنة، فيزول احتمال التدليس، وإنما احتمال التدليس في الطريق الثانية، لكن المدلس إذا صرح بالسماع في موضع من المواضع، فإنه لا يكون مدلساً، لا يكون الحديث مدلساً أو الإسناد مدلساً، وإنما يكون متصلاً.

    1.   

    إباحة التزوج بغير صداق

    شرح حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إباحة التزوج بغير صداق.

    أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله عن زائدة بن قدامة عن منصور عن إبراهيم عن علقمة والأسود قالا: (أتي عبد الله رضي الله عنه في رجلٍ تزوج امرأةً ولم يفرض لها، فتوفي قبل أن يدخل بها، فقال عبد الله: سلوا هل تجدون فيها أثراً؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن ! ما نجد فيها يعني أثراً، قال: أقول برأيي، فإن كان صواباً فمن الله: لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة، فقام رجلٌ من أشجع فقال: في مثل هذا قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا في امرأةٍ يقال لها: بروع بنت واشق، تزوجت رجلاً فمات قبل أن يدخل بها، فقضى لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثل صداق نسائها، ولها الميراث، وعليها العدة، فرفع عبد الله يديه وكبر)، قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً قال في هذا الحديث الأسود غير زائدة].

    أورد النسائي هذه الترجمة إباحة التزويج بغير صداق، المقصود من هذه الترجمة: أن عقد النكاح يتم، ويجوز، ويباح بغير أن يتفق على صداق، لكن لا يعني ذلك أنه ليس فيه صداق أصلاً، فيرجع في ذلك إلى مهر المثل، هذا هو مقصود النسائي من هذه الترجمة، ليس مقصود النسائي أن التزويج يباح بدون صداق، وأن الصداق يسقط، وأنه لا يلزم؛ لأن الأحاديث التي مرت في قصة الواهبة نفسها وقال: (التمس ولو خاتماً من حديد)، ثم صار الأمر إلى أن يعلمها شيئاً من القرآن، يدل على أن الصداق لازم، لكن الترجمة المقصود منها أنه ليس من شرط العقد أن يكون هناك مهر متفق عليه، بل يصح العقد ولو لم يسم مهر، ولم يعين مهر، لكن يرجع في ذلك إلى مهر المثل، هذا المقصود من هذه الترجمة، فلا يفهم منها أن النسائي يقول: بجواز الزواج أو بإباحة الزواج من غير أن يكون هناك صداق أصلاً، والفهم للكلام لا بد منه؛ لأن الحديث الذي أورده تحت هذه الترجمة دال على هذا؛ لأنه تزوج رجل بامرأةً ولم يسم لها مهراً، معناه: العقد صحيح، ولو لم يسم مهرا، لكن هل يسقط المهر؟ لا، لا يسقط المهر، بل يرجع إلى مهر المثل.

    وبالمناسبة أقول: إنه ينبغي الاحتياط في فهم الكلام، ومعرفته على حقيقته، وأن لا يفهم شيء غير ما أراده المتكلم، وغير ما قصد المتكلم أو المحدث؛ لأن العبارة إباحة التزويج بغير صداق، هذا هو معناها، وهذا هو مفهومها، يعني معناها: أنه ليس من شرط العقد أن يكون من غير الصداق، فيكون إذا لم يذكر الصداق معناه أنه لا عبرة بالعقد، لا العقد يعتبر، لكن ما يسقط الصداق، ولا يكون الصداق ما له وجود، لا، يوجد ولكن يرجع فيه إلى مهر المثل.

    أورد النسائي حديث معقل بن سنان [رجل من أشجع في أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق، وكانت عقد عليها رجل ولم يسم لها مهراً ومات، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لها مهر نسائها]، يعني مهر مثيلاتها، وعليها العدة، ولها الميراث، هذا هو نفس الحديث، وكانت المسألة عرضت على أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكان لا يعلم فيها سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (اسألوا هل تجدون فيها أثراً؟) يعني: أثراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فبحثوا فلم يجدوا أثراً عن النبي عليه الصلاة والسلام، فاجتهد برأيه، وقال: [أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله]، (وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان) كما جاء في بعض الروايات، ثم قال: (لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط)، يعني: لا زيادة ولا نقصان.

    (وعليها العدة، ولها الميراث)، وعليها العدة أربعة أشهر وعشر، ولها الميراث؛ لأنها زوجة مات عنها زوجها فترثه.

    ثم إن الخبر انتشر، فجاء رجل من أشجع، وجاء في الحديث الذي بعد هذا أنه معقل بن سنان الأشجعي، فقال: (إن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى في امرأةٍ منا هي بروع بنت واشق بما قضيت به)، يعني: هذا الذي اجتهدت فيها أصبت فيه ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكمت بما حكم به رسول الله، وأفتيت بما أفتى به رسول الله عليه الصلاة والسلام من أن لها مهر نسائها، وعليها العدة ولها الميراث، فعند ذلك رفع يديه وكبر، فرحاً وسروراً بأنه هذا الاجتهاد الذي اجتهده وافق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا إذا نزلت نازلة يجتهد العالم في بيان حكمها، فإن وفق للصواب حصل أجرين، وإن لم يوفق وأخطأ الصواب حصل أجراً واحداً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد).

    عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، اجتهد وأتى بهذه الفتوى، وتبين بعد ذلك أنها مطابقة لما أفتى به الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث جاء معقل بن سنان الأشجعي، وأخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ما قضى به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وقوله: [فرفع يديه وكبر]، فرحاً وسروراً حيث وافق الصواب، وحيث وافق اجتهاده ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على أنه عند الفرح يكبر ويحصل التكبير، ما يحصل التصفيق مثل ما يحصل عند بعض الناس عندما يصفقون، بل السنة هي التكبير كما جاء في هذا الحديث، وكما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد اعتزل نساؤه، فقال: (طلقت نساءك يا رسول الله؟ قال: لا، فقال: الله أكبر)، يعني: فرحاً وسروراً وكان أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، وكذلك الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أن تكونوا ثلث أهل الجنة، وأن تكونوا نصف أهل الجنة، وفي كل مرة يكبرون يقولون: الله أكبر)، يعني: فرحاً سروراً، وهنا فعل ابن مسعود رضي الله عنه، [رفع يديه وكبر]، يعني فرحاً وسروراً، بأن اجتهاده وافق ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    وهكذا يجري من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، يسألون ويبحثون عن الدليل؛ لأن ابن مسعود رضي الله عنه ما أفتى على طول، وإنما تريث وقال: (اسألوا هل تجدون فيها أثراً؟) يعني: هل تجدون فيها أثراً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أي: تمهل، وفي بعض الروايات: (أنه تركهم ومكث شهراً، وهم يراجعونه ويترددون عليه)، وفي الآخر بعد أن ألحوا عليه اجتهد وقال لهم ما قال، وتبين أن ما قاله مطابق لما جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن ابن مسعود وعن الصحابة أجمعين.

    قوله: (فقام رجلٌ من أشجع فقال:...).

    إذاً المرفوع هو ما جاء عن الأشجعي، وقد جاء تسميته في الرواية الثانية، وأنه معقل بن سنان الأشجعي، هناك رجل مبهم، وهنا قال: رجل من أشجع، فهو مبهم، وهو صحابي، والصحابة سواءً عرفت أسماؤهم، أو لم تعرف، ما دام هو صحابي، فالمجهول فيهم في حكم المعلوم، المجهول فيهم معلوم، ولا تضر الجهالة في الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا الرجل المبهم جاء مسمىً في الرواية الثانية، وهو معقل بن سنان الأشجعي، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.

    حديث معقل بن سنان الأشجعي أخرجه أصحاب السنن الأربعة، ومثل هذا الذي حصل لـعبد الله بن مسعود، حصل لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما ذهب إلى الشام، ولقيه أمراء الأجناد وفيهم أبو عبيدة، وكان الطاعون وقع في الشام، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، لا تدخل على الطاعون، معك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرضهم للموت، بعض الصحابة قالوا: ادخل ولا ترجع، ولا تفر من قدر الله، فرضي الله عنه استدعى المهاجرين وسألهم: هل يعلمون فيها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما كان عندهم شيء، استدعى الأنصار سألهم، استدعى مسلمة الفتح، وكل يختلفون، أحد يشير له بكذا، وأحد يشير بكذا، فاجتهد وعزم على أن يرجع، وقال: إني مصبح على ظهر، يعني: بكرة في الصباح، أي: سأرجع إلى المدينة، فقال له أبو عبيدة: تفر من قدر الله يا أمير المؤمنين، قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، فقال: نفر من قدر الله، إلى قدر الله، ثم إن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما كان حاضراً المحاورة، والكلام الذي جرى، وكان عنده فيها علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء وقال: عندي فيها علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا وقع الطاعون في بلدٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه، وإن وقع وأنتم لستم فيها فلا تدخلوا عليه)، فصار اجتهاد عمر، والذي انتهى إليه عمر رضي الله عنه، موافق لما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من كونه اجتهد، ورأى أن يرجع، وألا يدخل على البلد الذي فيه الطاعون، فصار ما صار إليه وما انتهى إليه اجتهاده.

    وكان هذا بعد مشاورات وأسئلة للصحابة المهاجرين، والأنصار، ومسلمة الفتح، ولم يذكر أحد فيها سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، عند ذلك اجتهد وعزم على الرجوع، ورجح أنه لا يدخل بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في البلد التي فيه الطاعون، فلا يعرضهم للموت، فكان هذا الذي صار إليه وأداه إليه اجتهاده، مطابقاً لما جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتي كانت عند عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ففرح عمر رضي الله عنه، عندما بلغه حديث عبد الرحمن بن عوف، وأخبره بالحديث؛ ولأن اجتهاده صار مطابقاً لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالذي حصل لـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث رفع يديه وكبر فرحاً وسروراً، لكون اجتهاده طابق ما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى

    قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن].

    عبد الرحمن هو: أخو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المخرمي، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، يعني: ليس هناك عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن، ليس في رجال الكتب من هو كذلك، يعني: الذي يروي عنه النسائي، وإنما الذي يروي عنه هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، وهو الذي ذكره في تحفة الأشراف؛ لأن في تحفة الأشراف قال: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المخرمي، صدوق، أخرج له، مسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله].

    هو أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له البخاري، وأبو داود في فضائل الأنصار، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن زائدة بن قدامة].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن منصور].

    هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن إبراهيم].

    هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن علقمة والأسود].

    هو علقمة بن يزيد بن قيس النخعي، والأسود أخوه ابن قيس بن يزيد النخعي، وهما ثقتان، أخرج لكل منهما أصحاب الكتب الستة، وهما خالا إبراهيم النخعي، فـإبراهيم النخعي يروي عن خاليه: علقمة، والأسود.

    [عن عبد الله].

    هو عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن رجل من أشجع].

    رجل من أشجع، هو مبهم، وقد جاء مبيناً في الحديث الذي بعد هذا في الرواية الثانية، وهو معقل بن سنان الأشجعي، وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.

    والصحابي له اجتهاد يجتهد، يعني: عندما تنزل النازلة يجتهد في معرفة الحق، ثم ينتهي إلى ما يؤدي إلى اجتهاده، فإن أصاب الحق في اجتهاده أُجر أجرين: أجر للاجتهاد، وأجر للإصابة، وإن لم يصب الحق فله أجر واحد على اجتهاد وخطؤه مغفور، الصحابة وغير الصحابة يجتهدون في النوازل.

    وقوله: [(لم يدخل بها)]، فهنا جزم بأنه كما في بعض الروايات (أربعة أشهر وعشر)؛ لأن المدخول بها قد تكون حاملاً، والحامل عدتها وضع حملها، لكن غير المدخول بها، وكذلك المدخول بها التي ليست حاملاً، تكون عدة الجميع أربعة أشهر وعشراً، يعني: في المتوفى عنها وهي غير مدخول بها، ترث، وعليها العدة، والإحداد على الزوج، أربعة أشهر وعشر، وهي والمدخول بها سواء إذا كانت ليست بحامل، أما إن كانت حاملاً، فعدتها وضع الحمل، لكن هذا يختلف عن حال الطلاق؛ لأن الطلاق إذا طلقها قبل الدخول ليس هناك عدة تبين منه.

    [قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً قال في هذا الحديث الأسود غير زائدة].

    يعني: قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً ذكر في الحديث الأسود غير زائدة، يعني: هو الذي جاء في إسناده وفي روايته الأسود مع علقمة، أما غيره يذكر علقمة ولا يذكر الأسود، وهو ذكر علقمة، والأسود، فذكر الأسود مما انفرد زائدة، بخلاف علقمة فإنه جاء عن غير زائدة.

    شرح حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يزيد حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه: (أنه أتي في امرأةٍ تزوجها رجل فمات عنها ولم يفرض لها صداقاً، ولم يدخل بها، فاختلفوا إليه قريباً من شهر لا يفتيهم، ثم قال: أرى لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة، فشهد معقل بن سنان الأشجعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت)].

    وهذه الطريقة الثانية عن ابن مسعود رضي الله عنه، مثل التي قبلها إلا أن فيها تسمية الرجل المبهم من أشجع، وأنه معقل بن سنان الأشجعي رضي الله تعالى عنه، وهو الذي أخبر بأن النبي عليه الصلاة والسلام قضى بمثل هذا القضاء الذي قضى به ابن مسعود، فيكون قضاء ابن مسعود وافق السنة، ووافق قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الرواية أنهم اختلفوا عليه شهراً يترددون عليه، ما أفتاهم؛ ما وجد فيها نصاً، فلما كثر تردادهم عليه، وأرادوا أن يعرفوا الحكم، اجتهد هذا الاجتهاد الذي وافق فيه الصواب رضي الله عنه وأرضاه.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].

    هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا يزيد].

    هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن منصور].

    هو منصور بن المعتمر، وقد مر ذكره.

    [عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله].

    عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، وهنا ما ذكر الأسود الذي قال النسائي قبل: ما أعلم أحداً ذكر الأسود، يعني في الإسناد إلا زائدة بن قدامة، هذا من الأسانيد التي جاءت من غير طريق زائدة، وليس فيها ذكر الأسود، وإنما فيها ذكر علقمة وحده.

    [عن معقل بن سنان الأشجعي].

    هو معقل بن سنان الأشجعي رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.

    حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداقٍ مسمى من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله رضي الله عنه: (في رجلٍ تزوج امرأةً فمات ولم يدخل بها، ولم يفرض لها؟ قال: لها الصداق، وعليها العدة، ولها الميراث، فقال معقل بن سنان رضي الله عنه: فقد سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى به في بروع بنت واشق)].

    ثم أورد النسائي حديث ابن مسعود من طريق أخرى حديث معقل بن سنان الذي فيه فتوى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من طريق أخرى، وهي مثل ما تقدم.

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور].

    هو إسحاق بن منصور المشهور بـالكوسج المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.

    [حدثنا عبد الرحمن].

    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان عن فراس].

    هو سفيان الثوري، وفراس هو فراس بن يحيى الكوفي، وهو صدوق ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الشعبي].

    هو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن مسروق].

    هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.

    [عن عبد الله عن معقل بن سنان].

    وقد مر ذكرهما.

    حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه مثله].

    أورد الحديث من طريق أخرى، وأحال على الرواية السابقة قبلها فقال: مثله، أي: أن المتن مثل المتن الذي قبله، وكلمة (مثله) تعني: المماثلة، بخلاف كلمة (نحوه) فإنها تعني المماثلة في المعنى مع الاختلاف في اللفظ، أما كلمة مثله فتعني المماثلة في اللفظ والمعنى، والاتفاق في اللفظ والمعنى، أي: إن المتن لهذا الحديث الذي لم يذكر متنه مطابق، ومماثل لمتن الإسناد الذي قبله.

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله].

    وكل هؤلاء قد مر ذكرهم.

    شرح حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى من طريق خامسة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه: (أنه أتاه قومٌ فقالوا: إن رجلاً منا تزوج امرأةً ولم يفرض لها صداقاً، ولم يجمعها إليه حتى مات؟ فقال عبد الله: ما سئلت منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد عليّ من هذه، فأتوا غيري، فاختلفوا إليه فيها شهراً، ثم قالوا له في آخر ذلك: من نسأل إن لم نسألك؟ وأنت من جلة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذا البلد، ولا نجد غيرك، قال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، أرى أن أجعل لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهرٍ وعشراً، قال: وذلك بسمع أناس من أشجع، فقاموا فقالوا: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امرأةٍ منا يقال لها: بروع بنت واشق، قال: فما رئي عبد الله فرح فرحة يومئذٍ إلا بإسلامه)].

    ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن جماعة من أشجع فيهم معقل بن سنان الأشجعي رضي الله تعالى عنه، وذلك في قصة الاستفتاء الذي استفتي عنه في المرأة التي تزوجها رجل، ولم يجمعها إليه، ولم يفرض لها صداق، يعني ما دخل عليها، وما فرض لها صداقاً، فقال: [ما سئلت منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة أشد عليّ من هذه]؛ لأنه ما يعرف فيها جواباً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، اسألوا عنها غيري، فقالوا له: [من نسأل غيرك؟ لا نعلم أحداً نسأله في هذا البلد، وأنت من جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم]، يعني: جمع جليل، فليس هناك أحد نسأله فأفتنا، فقال: [أقول فيها برأيي، أو اجتهد رأيي]، ثم ذكر ما انتهى إليه رأيه، وقال في آخره: [إن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له]، وهو المتفضل بالتوفيق والامتنان، [وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله براء من ذلك، لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فشهد أناس من أشجع أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيهم بامرأة مات عنها زوجها ولم يدخل بها، ولم يفرض لها صداقاً، وهي بروع بنت واشق، فحكم بأن لها صداق مثيلاتها، وعليها العدة، ولها الميراث، قالوا: فما رأينا عبد الله بن مسعود فرح فرحةً يومئذ إلا بإسلامه]، يعني: ما هناك فرحةً أعظم من هذه الفرحة إلا فرح يوم أنه أسلم، فرحه يوم أسلم هذا يعني أعظم فرح حصل له، وهذا الذي حصل منه فرح شديد ما رأوا مثله إلا فرحته يوم أسلم رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ هذا الفرح لأنه وافق الصواب في اجتهاده، ووافق الحق الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الحديث بيان أن الذي شهد عدد جماعة من أشجع، ولكن الذي سمي منهم في بعض الأسانيد: معقل بن سنان الأشجعي، وكما هو معلوم الجهالة في الصحابة لا تؤثر، ولكن قد علم واحد من هؤلاء الذين هم من أشجع، وهو: معقل بن سنان رضي الله تعالى عنه.

    ومثل هذه الكلمة التي قالوها عن عبد الله بن مسعود في فرحه فرحاً شديد، وأن ما هناك أعظم منه إلا فرحه بالإسلام، ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه، كما في صحيح البخاري: أنه لما جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله، متى الساعة؟ قال عليه الصلاة والسلام: وماذا أعددت لها؟ قال: أعددت لها حب الله ورسوله، قال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب)، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: فو الله ما فرحنا بشيء بعد الإسلام أشد منا فرحاً بهذا الحديث، فو الله ما فرحنا بشيء بعد الإسلام، يعني: بعد فرحنا بإسلامنا، وخروجنا من الظلمات إلى النور، ودخولنا في هذا الدين الحنيف الذي هو أعظم نعمة، وأجل نعمة، ما فرحنا بشيء بعد فرحنا بالإسلام أشد منا فرحاً بهذا الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء مع من أحب)، قال أنس: فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر، وأرجو من الله أن يلحقني بهم بحبي إياهم وإن لم أعمل مثل أعمالهم.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في إباحة التزوج بغير صداق مسمى من طريق خامسة

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].

    هو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي .

    [ حدثنا علي بن مسهر ].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن داود بن أبي هند ].

    وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن الشعبي ].

    هو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن علقمة ].

    هو علقمة بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن مسعود ].

    هو عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أشجع].

    وقد مر في بعض الطرق تسمية واحد منهم، وهو: معقل بن سنان الأشجعي رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم زواج الأخ من جهة الأب بالأخت من جهة الأم

    السؤال: هل يصح زواج أخ من أب بأخته من أمه؟

    الجواب: سبق أني سئلت في هذا الدرس عن رجل أخوه من أبيه يريد أن يتزوج أخته من أمه، وقلت: أن هذا لا بأس به؛ لأن أخته من أم أجنبية عن أخيه من أبيه من النسب وهذا لا بأس به، وكذلك من الرضاع إذا وجد لا بأس به؛ لأن كل واحد أجنبي من الآخر، يعني إنسان ولد لأبيه، ثم أبوه تزوج وصار له ولد من المرأة الثانية، فصار أخاً لأبيه، ثم أمه كانت متزوجة من قبل ولها بنت، ثم تزوجها أبوه وولدت له، فصار له أخ من الأب، وأخ من الأم، وأخت من الأم، فأخوه من أبيه له أن يتزوج أخته من أمه؛ لأن أخاه من أبيه أجنبي عن أخته من أمه، فمثل هذا جائز، وليس فيه أن الإنسان يتزوج أخته من أمه من الرضاع؛ لأن هذه مسألة أخرى، ولا يتزوج الإنسان أخته من أمه من الرضاع؛ لأنه يحرم الرضاع ما يحرم من النسب.

    وإنما المقصود الذي جاء ذكره في السؤال، والذي سئلت عنه وأجبت عليه: أن رجلاً له أخ من أبيه، وله أخت من أمه، وأراد أن يتزوج أخوه من أبيه أخته من أمه، هل أخوه من أبيه محرم لأخته من أمه؟ أبداً أجنبي منها؛ لأن هذه بنت رجل كان زوجاً لأمه من قبل، وهذا الولد لأبيه من امرأة كانت من قبل، وكان هذا الشخص عقب ما تزوج بهذه المرأة التي لها بنت، فولد له ولد صار ذلك الولد أخ للبنت من الأم، وأخ للولد من الأب، فيجوز لأخيه من أبيه أن يتزوج أخته من أمه، وكذلك لو كان بالنسبة للرضاع؛ لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ومثل هذا لا يحرم من النسب فلا يحرم مثله في الرضاع، لكن الأخت من الأم من الرضاع ما أحد يقول: إنها حلال، وأنه يجوز للإنسان أن يتزوجها؛ لأنها أخته، لكن المسألة ليست في هذه، المسألة ينبغي أن تفهم كما ذكر: أخوه من أبيه يتزوج أخته من أمه، وليس هو يتزوج أخته من أمه من الرضاع.

    المراد بالتكبير

    السؤال: ما هو التكبير؟

    الجواب: هو أن يقول: الله أكبر، هكذا مثل ما يكبر في الصلاة، مثل ما يفعل بعض الناس إذا كانوا في الصفا والمروة يقول: الله أكبر الله أكبر، ويشير إلى الكعبة، هذا خطأ والصحيح أن يقول: الله أكبر الله أكبر، ويأتي بالذكر والدعاء، لكنه رافعاً يديه بدون تكبير، وبدون إشارة إلى الكعبة، وإنما بالرفع الله أكبر ومثل ما حصل لـأبي بكر رضي الله عنه لما كان في الصلاة، والرسول صلى الله عليه وسلم جاء ودخل هذا وأشار إليه بأن يبقى، فرفع يديه وقال: الحمد لله، ثم تأخر وقال: (ما كان لـابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم). فرفع اليدين ما يلزم أن يكون للدعاء، بل يكون أيضاً مع التكبير ومع الحمد.