إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب النكاح - (باب التزويج على الإسلام) إلى (باب القسط في الأصدقة)

شرح سنن النسائي - كتاب النكاح - (باب التزويج على الإسلام) إلى (باب القسط في الأصدقة)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، وممن استحضر هذا المعنى في نفسه أم سليم عندما تقدم لها أبو طلحة، حيث قالت له: إنك كافر وإني مسلمة ولا يصلح أن يتزوج كافر بمسلمة، فأسلم فزوجت به. ويجوز تزوج الجارية بعد إعتاقها، ومن فعل ذلك فله أجران، وقد أمر الله تعالى الناس بالقسط في اليتامى، فلا ينقصها عن مهر مثيلاتها، بل يعطيها كما يعطي مثلها. وينبغي للناس أن لا يغالوا في المهور؛ تحقيقاً للمصالح، ودفعاً للمضار، وتأسياً بالنبي القدوة صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    التزويج على الإسلام

    شرح حديث أنس في زواج أبي طلحة بأم سليم على الإسلام

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التزويج على الإسلام.

    أخبرنا قتيبة حدثنا محمد بن موسى عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (تزوج أبو طلحة أم سليم رضي الله عنهما، فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم فكان صداق ما بينهما)].

    يقول النسائي رحمه الله: التزويج على الإسلام، المقصود من هذه الترجمة: أن الإسلام وهو أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على المسلمين، فقد حصل التزويج عليه من بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو ابن أم سليم زوجة أبي طلحة التي حصل زواجها على الإسلام، [وأنها أسلمت قبل أبي طلحة، فخطبها] وهو كافر، فطلبت منه أن يسلم وأن يتزوجها، قال: [فكان صداق ما بينهما]، أي: الإسلام، هو صداق ما بينهما.

    ومن العلماء من قال: إن هذا هو السبب الذي دفع إلى الزواج، وأنه لا يعني: أنه لا يدفع لها شيئاً، لكن هذا الباعث، وهذا هو الذي جعلها ترغبه في الإسلام من أجل أن يحصل الزواج بها، فكان سبباً مباركاً لـأبي طلحة رضي الله عنه، أن دخل في الإسلام، وتزوج بـأم سليم أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    ومن المعلوم أن الإسلام نعمة عظيمة لمن أسلم، وأم سليم رضي الله تعالى عنها، ما حصل لها شيء يخصها، أو شيء تتموله من كونه أسلم، اللهم إلا كونها تسببت في إسلامه ورغبته في الإسلام، ودخل في الإسلام وتزوجها، وكان كفئاً لها؛ لأنهما صارا مسلمين، وقال أنس: (فكان صداق ما بينهما الإسلام).

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في زواج أبي طلحة بأم سليم على الإسلام

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا محمد بن موسى].

    وهو محمد بن موسى الفطري، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة].

    هو: عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي.

    [عن أنس].

    هو: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد تشرف بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم عشرة سنوات منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل وهو يخدمه، وكان لهذه الملازمة الأثر الكبير في حفظ الكثير من السنن، وتحمل الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان من أكثر الصحابة حديثاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    ثم أيضاً من أسباب ذلك كونه عُمِّر وطالت حياته، ومن المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يتحملون ما يتحملون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتحمل بعضهم من بعض ما يكون عند الآخرين، وما كان من هذا القبيل فهو من قبيل مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة كلها حجة؛ لأنهم إنما يأخذون عن الصحابة، والصحابة كلهم عدول بتعديل الله عز وجل، وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم.

    حديث أنس في زواج أبي طلحة بأم سليم على الإسلام من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن النضر بن مساور أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (خطب أبو طلحة أم سليم رضي الله عنهما، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجلٌ كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري ولا أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها، قال ثابت: فما سمعت بامرأةٍ قط كانت أكرم مهراً من أم سليم الإسلام، فدخل بها فولدت له)].

    أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله.

    قوله: [أخبرنا محمد بن النضر بن مساور].

    هو: محمد بن النضر بن مساور، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [أخبرنا جعفر بن سليمان].

    صدوق يتشيع، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن ثابت].

    هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    وقد مر ذكره.

    وهذان الحديثان من رباعيات النسائي؛ لأنها من أعلى ما يكون عند النسائي؛ لأن الإسناد الأول فيه أربعة بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: قتيبة، ومحمد بن موسى الفطري، وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وأنس بن مالك، وهذا الإسناد فيه محمد بن النضر بن مساور عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، فهؤلاء أربعة، والذي في الإسناد الذي قبله أربعة، وهما من أعلى الأسانيد عند النسائي. إذاً أعلى ما عنده الرباعيات، وليس عنده شيء من الثلاثيات، ومثله من أصحاب الكتب الإمام مسلم، فأعلى ما عنده الرباعيات، وكذلك أبو داود أعلى ما عنده الرباعيات، أما البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، وكلها بإسناد واحد، وذلك الإسناد ضعيف.

    1.   

    التزويج على العتق

    شرح حديث أنس في عتق النبي لصفية وجعله مهراً لها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التزويج على العتق.

    أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة وعبد العزيز يعني ابن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه، (ح)، وأخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن ثابت وشعيب عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعتق صفية رضي الله عنها وجعله صداقها)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: التزويج على العتق، يعني: أن يكون عتقه لأمته صداقاً لها، بأن يعتقها، ويتزوجها، ومهرها هو المنة عليها بالحرية، والخروج من الرق، ومن المعلوم أنها ما دامت الأمة مملوكةً فهي مال، ويمكن أن يبيعها، ويأخذ ثمنها، ويمكن أن يكاتبها، وتعمل حتى تأتي له بالمقدار الذي كاتبها عليه، فإذا لم يطلب منها مثل هذا المال، ولم يبعها ويأخذ ذلك المال في مقابل عينها، فإذا أراد أن يعتقها، ويجعل ذلك العتق صداقاً لها، فهذا هو المقصود بالتزويج على العتق، أي: أن يكون العتق صداقاً.

    وقد أورد النسائي حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج صفية وجعل عتقها صداقها)، فدل هذا على أن العتق يكون صداقاً للأمة لمن أراد أن يتزوجها؛ لأنها بهذا خرجت من كونها أمةً ليس لها حق في القسم، إلى كونها حرةً، وواحدةً من الزوجات، ولها حق في القسم، فتغيرت حالها من الرق إلى الحرية، ومن كونها لا قسم لها إلى كونها زوجةً يقسم لها، ولها حقوق الزوجات، ومن المعلوم أن الأمة لها قيمة، وهي تباع، وتشترى وتكاتب، فبدلاً من أن يعمل هذه الأمور، ويتحصل على المال ببيعها، وينتهي ذلك بظفره بمال، جعل هذا الذي سيأخذه لو أراد أن يأخذه، جعل ذلك عتقاً لها، وجعل ذلك العتق صداقاً لها، هذا هو الذي جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن العلماء من قال: إن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كونه يعتق، ويتزوج، والمهر هو العتق، ومنهم من يقول: إنه ليس بخاص به عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه نعمة، وتلك النعمة نعمة الحرية، وكان بيعها، ويمكن أن يكون بالمال، ويمكن أن تكاتب على نفسها، وتجمع المال ثم تأتي به، وتحصل الحرية بذلك، فيكون مثل هذا صداقاً، ولا يكون خاصاً بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل من أعتق أمته، وتزوجها وجعل عتقها صداقها، فله قدوة برسول الله عليه الصلاة والسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في عتق النبي لصفية وجعله مهراً لها

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    قتيبة، قد مر ذكره.

    [حدثنا أبو عوانة].

    هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. ومشهور بكنيته أبو عوانة، وهو متقدم؛ لأنه في طبقة شيوخ، وشيوخ أصحاب الكتب الستة، ومثله ممن اشتهر بهذه الكنية أبو عوانة الإسفراييني الذي له المستخرج على صحيح مسلم، فهو أيضاً مشهور بهذه الكنية وهي أبو عوانة.

    [عن قتادة].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    عبد العزيز يعني ابن صهيب].

    وعبد العزيز يعني: ابن صهيب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وكلمة (يعني ابن صهيب) يعني هذه الكلمة الذي قالها من دون التلميذ، وهو أبو عوانة قالها: إما قتيبة، أو النسائي، أو من دون النسائي.

    وإذاً فكلمة يعني: هذه فعل مضارع فاعله ضمير مستتر يرجع إلى أبي عوانة الذي هو التلميذ، والذي قال كلمة يعني هو من دون أبي عوانة. فإذاً كلمة يعني لها قائل ولها فاعل، فقائلها من دون تلميذ عبد العزيز بن صهيب وهو أبو عوانة، وأما الضمير المستتر الذي هو فاعل يعني فهو يرجع إلى أبي عوانة.

    [عن أنس].

    رضي الله تعالى عنه، وهذا رباعي أيضاً، وذكر عبد العزيز وقتادة، لا يعني: أنهما في الإسناد يروي بعضهم عن بعض، بل هما في طبقة واحدة، فالحديث رباعي؛ لأن أبا عوانة يروي عن شيخين هما: قتادة، وعبد العزيز بن صهيب، إذاً هو رباعي، وكون فيه شيخان لـأبي عوانة لا يعني أن يكون خماسياً؛ لأن الاثنين في طبقة واحدة، وهما بمثابة الراوي الواحد، ليس بعضهم يروي عن بعض. إذاً الحديث رباعي مثل الحديثين الذي قبله.

    [قال: (ح)، وأخبرنا قتيبة].

    ثم قال: (ح)، وهذه (ح) تحويل من إسناد إلى إسناد. قتيبة مر ذكره.

    [حدثنا حماد].

    هو حماد بن زيد، إذا جاء حماد غير منسوب يروي عنه قتيبة فالمراد به: حماد بن زيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ثابت].

    وقد مر ذكره.

    شعيب].

    هو شعيب بن الحبحاب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن أنس].

    وهذا مثل الإسناد الذي قبله، الإسناد الذي قبله خمسة، ولكن اثنين في طبقة، وهذا مثله خمسة، ولكن اثنين في طبقة، بمعنى: أن الحديث رباعي بالإسنادين الأول والثاني، الذي قبل (ح) التحويل، والذي بعد (ح) التحويل هو رباعي.

    حديث أنس في عتق النبي لصفية وجعله مهراً لها من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان، (ح) وأخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن يونس عن ابن الحبحاب عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (أعتق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صفية وجعل عتقها مهرها)، واللفظ لـمحمد].

    أورد النسائي حديث أنس من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم، (أعتق النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي وجعل عتقها صداقها)، (أعتقها وجعل عتقها صداقها).

    قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].

    محمد بن رافع هو: النيسابوري القشيري، وهو مثل الإمام مسلم رحمة الله عليهما في النسبة إلى البلد، والنسبة إلى القبيلة، فهو قشيري قبيلةً كما أن مسلم قشيري قبيلةً، وكذلك هو نيسابوري، ومسلم نيسابوري، وقد أكثر عنه من الرواية، وإنما هو من هذه القبيلة أصلاً، يعبروا عنه فيقولون: من أنفسهم، وإذا كان ليس من القبيلة، بل هو مولى قالوا: مولاهم، مثل ما قالوا في البخاري: الجعفي مولاهم، فهو منسوب إلى الجعفيين ولاءً، وأما مسلم منسوب إلى القشيريين أصالةً، ونسباً، فهو منهم أصلاً، ومحمد بن رافع هذا هو الذي روى عنه الإمام مسلم الأحاديث التي انتقاها من صحيفة همام بن منبه، فإنها كلها بإسناده عن شيخه محمد بن رافع، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، كلها بإسناد واحد، وشيخه فيها كلها محمد بن رافع النيسابوري القشيري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [حدثنا يحيى بن آدم].

    هو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [(ح) وأخبرنا عمرو بن منصور].

    ثم أتى بـ (ح) التحويل فقال: أخبرنا عمرو بن منصور، وهو النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا أبو نعيم].

    هو الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    هو سفيان الثوري، وهو ثقة، ثبت، أمير المؤمنين في الحديث، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن يونس].

    هو يونس بن عبيد العبدي ثم المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن الحبحاب].

    وهو الذي مر ذكره.

    [شعيب].

    مر في الإسناد الأول الذي قبل هذا شعيب، وهنا قال: ابن الحبحاب ولم يذكر اسمه، وقد مر ذكره، وأنه أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن أنس].

    هو أنس بن مالك، وقد مر ذكره.

    1.   

    عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها

    شرح حديث أبي موسى في عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها.

    أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أبي زائدة حدثني صالح بن صالح عن عامر عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثةٌ يؤتون أجرهم مرتين: رجل كانت له أمة فأدبها فأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها، وعبدٌ يؤدي حق الله، وحق مواليه، ومؤمن أهل الكتاب)].

    أورد النسائي عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها، يعني: كونه يحصل منه العتق، ثم يحصل منه التزوج بها، يعني: أنه يحسن إليها بعتقها، ويحسن إليها بأن يتزوجها، في هذه الترجمة يخطبها، وتقبله ويتزوجها، أما الترجمة التي قبلها، فإن العتق هو الصداق، ويتزوجها بناءً على ذلك، وأما هذا يعتقها ثم يتزوجها، يعني: ويدفع لها مهراً غير العتق، فيكون جمع لها بين الإحسانين: إحساناً في كونه أعتقها، وإحساناً في كونه تزوجها.

    وقد أورد النسائي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ثلاث يؤتون أجرهم مرتين: رجل كان له أمة فأدبها وأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها)، يعني: فجمع لها بين أمور ثلاثة: بين كونه أدبها وأحسن تأديبها، وعلمها وأحسن تعليمها، وكانت في ملكه وولايته، ثم أعتقها، وهذا إحسان آخر، ثم تزوجها، وهذا إحسان ثالث، فثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، أحدهم هذا الذي له أمة، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، هذه الصنف الأول من الناس هو الذي ينطبق عليه الحديث.

    قوله: [(وعبدٌ يؤدي حق الله وحق مواليه)].

    فهو يؤتي أجره مرتين؛ لكونه يحصل منه أداء حق الله فيؤجر على ذلك، ويؤدي حق مواليه فيؤجر على ذلك، فيكون له الأجر مرتين.

    (ومؤمنٌ أهل الكتاب)، الذي آمن بنبيه الذي أرسل إليه، ثم دخل في الإسلام، وآمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، فيكون قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم على دين، ومؤمن بنبي، وبعد أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن به، ودخل في دينه، فيكون بذلك يؤتى أجره مرتين.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى في عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها

    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].

    هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة.

    [حدثنا ابن أبي زائدة].

    هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني صالح بن صالح].

    هو صالح بن صالح بن حي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عامر].

    هو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي بردة بن أبي موسى].

    هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي موسى].

    هو عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (من أعتق جاريته ثم تزوجها فله أجران)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري عن أبي زبيد عبثر بن القاسم عن مطرف عن عامر عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أعتق جاريته ثم تزوجها فله أجران)].

    أورد النسائي حديث أبي موسى رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (من أعتق جاريته ثم تزوجها فله أجران)، يعني: أجر على العتق، وأجر على التزوج الذي هو إحسان إليها، فجمع لها بين أن أعتقها وأن تزوجها، فكان في ذلك هذان العملان، ويؤجر عليهما أجرين.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من أعتق جاريته ثم تزوجها فله أجران)

    قوله: [أخبرنا هناد بن السري].

    هو أبو السري الكوفي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبي زبيد عبثر بن القاسم].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن مطرف].

    هو مطرف بن طريف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عامر عن أبي بردة عن أبي موسى].

    وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.

    1.   

    القسط في الأصدقة

    شرح حديث عروة بن الزبير في القسط في الأصدقة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [القسط في الأصدقة.

    أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، وسليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير: (أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]؟ قالت: يا بن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فتشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد فيهن، فأنزل الله عز وجل: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127]، إلى قوله: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127]، قالت عائشة: والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى في الكتاب الآية الأولى التي فيها: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127]، رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن)].

    ثم أورد النسائي ترجمة القسط في الأصدقة، الأصدقة المراد بها: جمع صداق، والقسط فيها، يعني: الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة، كون الإنسان الذي يكون ولياً لليتيمة، ويريد أن يتزوجها، لا ينقصها عن مهر مثيلاتها، بل يعطيها كما يعطى مثلها، ولا يكون بسبب ولايته عليها يهضمها حقها، وينقصها، ولا يبلغ بها صداق مثيلاتها ونظائرها.

    وأيضاً أورد بها تحت هذه الترجمة الاعتدال، والتوسط، وعدم المغالاة في المهور، وعدم الزيادة فيها، بحيث يكون ذلك عائقاً عن الزواج الذي يترتب عليه المضرة للطرفين الذكور والإناث بسبب المغالاة، فالذكور الأزواج لا يتمكنون من إحضار المال الذي تريده النساء، والنساء يبقين بسبب ذلك بدون أزواج، فيحصل لهن مضرة بأن تفوت أو تمضي عليهن السنين دون أن يحصل أولياؤهن ما يريدون من الصداق لهن، وكذلك أيضاً يحصل لمريدي الزواج من الرجال، عدم التمكن من ذلك بسبب ذلك أو تلك المغالاة، وكونهم لا يستطيعون أن يأتوا بالشيء الذي يريده أولياء تلك المرأة التي يراد الزواج منها، هذا هو المراد بالقسط في الأصدقة.

    وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، في سبب نزول قول الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3]، وبينت رضي الله تعالى عنها، أن سبب نزولها عندما سألها عروة بن الزبير عن ذلك؟ قالت: إنها اليتيمة تكون في حجر الرجل، وهو ولي لها، يريد أن يتزوجها فلا يعطيها ما تستحقه مثيلاتها من الصداق بسبب ولايته عليها، فأمروا أن يقسطوا لهن، وأن يعطوهن ما يستحققنه من المهر، يعني: مثل مثيلاتهن، وأنهم إذا لم يفعلوا ذلك الذي هو إعطاؤهن ما يستحققن له من المهر، فالمجال مفتوح أمامهم يتزوجون من النساء ما شاءوا سواهن مثنى، وثلاث، ورباع، فهذا هو سبب نزول الآية، أي: أنهم إذا لم يقسطوا لهن في المهور والأصدقة، فيمكنهم أن يتزوجوا ما شاءوا من النساء سواهن مثنى، وثلاث، ورباع، وإن تزوجوهن فعليهم أن يقسطوا لهن.

    ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127]، وأحيل على الآية السابقة المتقدمة، وفي قوله: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127]، محتمل بأن تكون الرغبة فيهن، والرغبة عنهن، وكانوا إذا كانت الواحدة ليست بذات مال، وليست بذات جمال رغب عنها، ولا يريدها، وإذا كانت ذات جمال ومال رغب فيها، فهو محتمل للرغبة والرهبة، للرغبة فيها والرغبة عنها، يرغب فيها إذا كانت ذات مال وجمال، ولا يقسط لها، بأن يعطيها ما تستحق، وإن كانت ليست ذات مال ولا جمال رغب عنها، فأمروا بأنهم إذا أرادوا الزواج منها، وهي ذات مال وجمال، فإنهم لا ينقصونها عن مهر مثيلاتها بسبب ولايتهم عليها.

    تراجم رجال إسناد حديث عروة بن الزبير في القسط في الأصدقة

    قوله: [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى].

    هو يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.

    سليمان بن داود].

    هو سليمان بن داود المصري أيضاً أبو الربيع المصري، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.

    [عن ابن وهب].

    هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرني يونس].

    هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرني عروة].

    هو: عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أم المؤمنين عائشة].

    رضي الله تعالى عنها وأرضاها، هي: الصديقة بنت الصديق التي حفظت الكثير من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث عائشة في القسط في الأصدقة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة قال: (سألت عائشة رضي الله عنها عن ذلك فقالت: فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على اثنتي عشرة أوقية ونشٍ، وذلك خمسمائة درهم)].

    وهذا الترجمة تتعلق ببيان مقدار الصداق الذي حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي فيه عدم المغالاة، وقد أورد النسائي حديث عائشة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، أي: أعطى الصداق اثني عشرة أوقية ونشا، والنش هو: نصف الأقية عشرين درهماً، وقيل: إن النش يراد به النصف من كل شيء، وهنا فيما يتعلق بالعدد يراد به نصف أوقية، والأوقية: أربعون درهماً، والنصف عشرون، وهنا اثني عشر أوقية ونش، يعني ونصف، يكون المجموع خمسمائة درهم؛ لأن اثنا عشر من أربعين تكون أربع وثمانين، وهذه أوقية اثنا عشر أوقية، ويضاف إليها نصف أوقية وهي عشرون درهماً، يكون المجموع خمسمائة درهم، والأوقية: أربعون درهماً، اثنا عشر أوقية ونشا، الذي هو نصف أوقية، وهو عشرون درهماً.

    وهذا يعني فيه: بيان صداق الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو خير الناس، وأفضل الناس، وهو الذي دفع لخير النساء أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وفي عدم المغالاة بالمهور تحقيق المصالح، ودفع المضار، المصالح التي تعود على المجتمع، وتعود على المسلمين جميعاً، وتجعل النساء يحصلن الرجال، والرجال يتمكنون من الحصول على النساء، وليست المرأة سلعة تباع وتشترى، ويغالى في مهرها، وإنما هي تحتاج إلى عفة، وإلى صيانة، وإلى ستر، وإلى المتعة الزوجية، وإذا كان الرجل أهلاً للزواج، فإنه يزوج، ولا يمنع من ذلك كونه قليل المال، وليس بكثير المال، فإن الله عز وجل يأتي بالمال، وقد سبق أن مر بنا: (ثلاثةٌ حقٌ على الله عونهم ومنهم: الناكح يريد العفاف)، والله عز وجل يقول: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32].

    (فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على اثنتي عشرة أوقيةً ونش، وذلك خمسمائة درهم).

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في القسط في الأصدقة

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن عبد العزيز بن محمد].

    هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن يزيد بن عبد الله بن الهاد].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن إبراهيم].

    هو محمد بن إبراهيم التيمي المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي سلمة].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة، فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    وقد مر ذكرها.

    شرح حديث أبي هريرة: (كان الصداق إذ كان فينا رسول الله عشرة أواق)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا داود بن قيس عن موسى بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (كان الصداق إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة أواق)].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة، وقوله: [(كان الصداق إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر أواقٍ)]، يعني: وهو أقل من الذي مر في الحديث السابق؛ لأن السابق (اثنا عشر أوقية ونصف)، وهنا [عشر أواقي]، يعني: أنها متقاربة، يعني: العشر والاثنا عشر أوقية، والرسول صلى الله عليه وسلم دفع هذا المقدار، وكان الصداق كما يقول أبو هريرة: [حيث كان فيهم النبي صلى الله عليه وسلم عشر أواق].

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (كان الصداق إذ كان فينا رسول الله عشرة أواق)

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].

    هو: محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.

    [حدثنا عبد الرحمن بن مهدي].

    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا داود بن قيس].

    ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن موسى بن يسار].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن أبي هريرة].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    شرح حديث عمر بن الخطاب: (ألا لا تغلوا صدق النساء...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر بن إياس بن مقاتل بن مشمرج بن خالد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب، وابن عون، وسلمة بن علقمة، وهشام بن حسان: دخل حديث بعضهم في بعض، عن محمد بن سيرين قال سلمة: عن ابن سيرين: نبئت عن أبي العجفاء وقال الآخرون: عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ألا لا تغلوا صدق النساء، فإنه لو كان مكرمةً في الدنيا أو تقوى عند الله عز وجل كان أولاكم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأةً من نسائه، ولا أصدقت امرأةٌ من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقيةً، وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوةٌ في نفسه، وحتى يقول: كلفت لكم علق القربة، وكنت غلاماً عربياً مولداً فلم أدر ما علق القربة، قال: وأخرى يقولونها لمن قتل في مغازيكم أو مات: قتل فلانٌ شهيداً، أو مات فلانٌ شهيداً، ولعله أن يكون قد أوقر عجز دابته، أو دف راحلته ذهباً أو ورقاً يطلب التجارة، فلا تقولوا: ذاكم، ولكن قولوا كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من قتل في سبيل الله أو مات فهو في الجنة)].

    أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال: (ألا لا تغلوا صدق النساء).

    يعني: لا تغالوا فيه، وتزيدوا فيه؛ حتى يكون ذلك عائقاً من الزواج، وحائلاً بين الأزواج وبين الزواج، وكذلك حائلاً بين البنات والزواج بسبب تلك المغالاة، فإنه لو كانت المغالاة وكثرة الصداق مكرمةً في الدنيا وتقوى عند الله عز وجل لكان أحق الناس بها نساء رسول الله.

    قوله: (فإنه لو كان مكرمةً في الدنيا أو تقوى عند الله عز وجل كان أولاكم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم).

    أي: لو كان فيه مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله عز وجل، لكان الأولى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يسبقكم إلى ذلك، وهو القدوة والأسوة عليه الصلاة والسلام، لكنه ما فعل ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ثم أخبر عمر بأنه ما زاد في مهر نسائه، ولا في مهر بناته، على اثني عشر أوقية، وهذا لا ينافي ما ذكر من أنه (فعل اثني عشر أوقية ونشا)؛ لأن ذاك كسر، يعني: فيكون ذكر العدد الذي هو بدون كسر، فلا ينافي يعني أنه زاد نشا الذي هو عشرون درهماً على اثنتي عشرة أوقيةً التي هي أربعمائة وثمانين درهماً، وإنما يعني حذف الكسر، واقتصر على ذكر العدد الكامل الذي لا كسر فيه.

    وقوله: [(ألا لا تغلوا صدق النساء، فإنه لو كان مكرمةً في الدنيا أو تقوى عند الله عز وجل كان أولاكم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأةً من نسائه، ولا أصدقت امرأةٌ من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقيةً، وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوةٌ في نفسه، وحتى يقول: كلفت علق القربة)].

    ثم ذكر أن المغالاة والزيادة في المهور، وأن الرجل يعني: يغلي في المهر، أو يطلب منه مهر زائد، فيقول متذمراً متألماً يعني: يكون هناك في نفسه شيء من العداوة بسبب هذا الغلاء الباهظ، وبسبب هذه الكثرة التي كلف بها حتى يقول: [كلفت لكم علق القربة]، والمقصود به: الحبل الذي تعلق به القربة، أو الذي يشد به فم القربة، إشارة إلى أنه يذكر التكاليف، والأشياء التي لزمته بسبب ذلك.

    وقوله: [(فلم أدر ما علق القربة قال: وأخرى يقولونها لمن قتل في مغازيكم أو مات: قتل فلانٌ شهيداً، أو مات فلانٌ شهيداً، ولعله أن يكون قد أوقر عجز دابته أو دف راحلته ذهباً أو ورقاً يطلب التجارة، فلا تقولوا: ذاكم، ولكن قولوا كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من قتل في سبيل الله أو مات فهو في الجنة)].

    ثم ذكر وأخرى يقولونها يعني: وهي لا تصلح ولا تليق، وهي أنه من قتل قالوا: مات فلان شهيد أو قتل شهيد، مع أنه قد يكون هذا الشخص الذي وصف بهذا الوصف بعينه قد أوقر عجز دابته أو راحلته ذهباً أو فضة، أو دف راحلته أو فضة، معناه: حملها، يعني: يطلب التجارة، إما يكون ذلك على سبيل الغلول، أو يكون على سبيل أنه قصده الدنيا، ويريد من جهاده الدنيا، وما أراد أن يكون ذلك في سبيل الله، فلا تقولوا: ذاك، بأن يقال عن الشخص المعين: بأنه مات شهيداً، ولكن قولوا يعني بالوصف: من قتل دون ماله فهو في الجنة، من قتل في سبيل الله فله الجنة، أو من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ولا يقال: فلان بشهيد؛ لأنه قد يكون هذا الشخص الذي قتل في سبيل الله قصده الدنيا، وما كان قصده الآخرة، والنبي صلى الله عليه وسلم سئل عن (الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل كذا، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).

    ومن أمثلة ذلك: قصة الرجل الذي قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه أبلى بلاءً عظيماً، وأنه حصل منه كذا وكذا، وأنه كذا وكذا، وأنه يعني.. قال الرسول: (هو في النار)، يعني: هم أثنوا عليه، وذكروه ذكراً حسناً وجميلاً، وقال: (هو في النار)، فلحقه أو راقبه بعض الصحابة حتى آل أمره إلى أن قتل نفسه، حيث جرح أو أصابه جرح، ثم ضاق ذرعاً بذلك الألم الذي حصل له، فأخذ سيفه ووضع أصله على الأرض، وجعل ذبابة سيفه على صدره، وتحامل عليه حتى مات بسبب ذلك، فرجع وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي رآه، فهذا على حسب ما يرى الناس أنه شهيد، يعني لو كانوا ما عرفوا عنه شيء؛ لأنه أبلى بلاءً عظيماً والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هو في النار)، فلا يعني: أن كل من يموت، يرجى أن يكون شهيداً، لكن لا يجزم بأن الشخص الفلاني الذي قتل في المعركة الفلانية أنه شهيد، لكن يقال: بالوصف، (من قتل في سبيل الله فهو في الجنة)، ولا يشهد لمعين بالجنة أو النار إلا إذا حصلت الشهادة من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث عمر بن الخطاب: (ألا لا تغلوا صدق النساء...)

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر بن إياس بن مقاتل بن مشمرج بن خالد].

    النسائي كثيراً ما يذكر هذا الشيخ بعلي بن حجر فقط، وهنا ذكره، وأطال في ذكر نسبه، وكما ذكرت سابقاً: أن التلميذ يذكر شيخه كما يريد، يطول في نسبه يقصر، لكن غيره لا يزيد على ما وجده من كلام التلميذ، وإذا أراد أن يزيد يقول: هو فلان أو يعني ابن فلان، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

    [حدثنا إسماعيل بن إبراهيم].

    هو ابن عليه، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أيوب].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    ابن عون].

    هو عبد الله بن عون، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    سلمة بن علقمة].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    هشام بن حسان].

    هو هشام بن حسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    هؤلاء الأربعة يروون عن محمد بن سيرين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [قال سلمة عن ابن سيرين: نبئت عن أبي العجفاء، وقال الآخرون: عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء].

    ثم ذكر أن هؤلاء الأربعة الذين رووا عن ابن سيرين، سلمة منهم ابن علقمة: أن ابن سيرين قال: نبئت عن أبي العجفاء، ومعنى هذا أن فيه واسطة بينه وبينه ولم يسمها، وهذا يقدح في الحديث؛ لأن فيه جهالة الواسطة، لكن غيره يعني ذكر الاتصال حيث قال: عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء، ومعناه: أنه ما فيه واسطة، وهذا في حق من يكون غير معروفاً بالتدليس، أما من يكون معروفاً بالتدليس، فروايته بالعنعنة تحتمل الانقطاع، وتحتمل أن يكون هناك واسطة، وإذاً هناك فرق بين رواية سلمة بن علقمة؛ لأن فيها التنصيص على أن هناك واسطة وهي محذوفة، حيث قال: نبئت عن أبي العجفاء، يقول محمد بن سيرين: نبئت عن أبي العجفاء، أما غيره فيقولون: عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء، وأبو العجفاء هو البصري السلمي، وهو مقبول، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.

    [عن عمر رضي الله عنه].

    هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما سلكت فجاً يا عمر إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث أم حبيبة: (أن رسول الله تزوجها وهي بأرض الحبشة... وكان مهر نسائه أربعمائة درهم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا العباس بن محمد الدوري حدثنا علي بن الحسن بن شقيق أخبرنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أم حبيبة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها وهي بأرض الحبشة، زوجها النجاشي وأمهرها أربعة آلاف، وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، ولم يبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء، وكان مهر نسائه أربعمائة درهم)].

    ثم أورد النسائي حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها، وهي: أنها كانت بأرض الحبشة، وأن النجاشي أمهرها أربعة آلاف درهم، وهذا لا ينافي ما تقدم من أن المهور التي دفعها رسول صلى الله عليه وسلم أنها قليلة؛ لأن هذا من فعل النجاشي، وهو الذي قام بذلك، والرسول ما أرسل إليها شيئاً، وإنما هذا عمل عمله النجاشي حيث أعطاها هذا المقدار مهراً لها لزواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينافي ما تقدم من أنه كان يزوجهن على هذا المقدار الذي هو أربعمائة وثمانين، ويضاف إليها نش الذي هو عشرون، فيصير خمسمائة، وهنا قال: أربعمائة درهم، وهناك قال: أربعمائة وثمانين، ويضاف إليها النش الذي هو عشرون، فيحتمل أن يكون مثلاً أن فيه اختصاراً، وأنه حذف ما زاد على الأربعمائة، وأن هذا الأدنى داخل في الأعلى، أو أن بعض نسائه حصل كذا، وبعض نسائه حصل كذا، والحاصل: أنها في حدود هذا المقدار القليل، وما حصل من الأربعة الآلاف التي هي أم حبيبة، هذا ليس من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل هو فعل النجاشي ملك الحبشة.

    تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة: (أن رسول الله تزوجها وهي بأرض الحبشة... وكان مهر نسائه أربعمائة درهم)

    قوله: [أخبرنا العباس بن محمد الدوري].

    هو: العباس بن محمد الدوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا علي بن الحسن بن شقيق].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرنا عبد الله بن المبارك].

    هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن معمر].

    هو معمر بن راشد الأزدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزهري عن عروة].

    وقد مر ذكرهما.

    [عن أم حبيبة].

    أم حبيبة، وهي: رملة بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.