إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب النكاح
  6. شرح سنن النسائي - كتاب النكاح - (باب الشهادة في الرضاع) إلى (باب التزويج على سور من القرآن)

شرح سنن النسائي - كتاب النكاح - (باب الشهادة في الرضاع) إلى (باب التزويج على سور من القرآن)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أنواع الأنكحة المحرمة: الشغار، ونكاح ما نكح الآباء، ونكاح المحصنات من النساء، فأما الشغار فهو: أن يزوج الرجل موليته على أن يزوجه الآخر موليته، سواء كان هناك صداق أو لم يكن هناك صداق، وأما نكاح ما نكح الآباء فهو محرم تحريماً مؤبداً، سواء دخل بها أو لم يدخل بها؛ فتحرم بمجرد العقد، وأما المحصنات من النساء وهن ذوات الأزواج، فهنَّ حرام على غير أزواجهن حرمة مؤقتة.

    1.   

    الشهادة في الرضاع

    شرح حديث عقبة بن الحارث في الشهادة في الرضاع

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الشهادة في الرضاع.

    أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل عن أيوب عن ابن أبي مليكة حدثني عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث وسمعته من عقبة ولكني لحديث عبيد أحفظ، قال: (تزوجت امرأةً فجاءتنا امرأةٌ سوداء فقالت: إني قد أرضعتكما، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرته، فقلت: إني تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتني امرأة سوداء فقالت: إني قد أرضعتكما، فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه فقلت: إنها كاذبة، قال: وكيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، دعها عنك)].

    يقول النسائي رحمه الله: الشهادة في الرضاع. يعني: الإخبار عن حصول الرضاع، وذلك ممن يعتمد قوله لأهليته، وعدالته، فإنه يعول على تلك الشهادة.

    وقد أورد النسائي حديث عقبة بن الحارث، رضي الله تعالى عنه: أنه تزوج امرأةً، فجاءت امرأة سوداء وقالت: إني قد أرضعتكما، أي: هو ومن تزوجها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره بتركها، ثم أعرض عنه فذهب إليه ولقيه من الجانب الآخر وقال: إنها كاذبة، (وكيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك)، الرسول صلى الله عليه وسلم، لما جاءه أمره بتركها، ثم إنه قال له: إنها كاذبة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك)، يعني: دع عنك هذه المرأة التي تزوجتها؛ لأنه وجد مانع يمنع من الزواج وهو الرضاع، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

    وهذا إذا كان الشاهد عدلاً مأموناً، ويكون الرضاع قد وصل إلى الحد الذي يحصل به التحريم، فإذا كانت الشهادة على الرضاع بأنها دون الحد دون الخمس، وأنها رضعة أو رضعتين، أو ثلاث، أو أربع، فإنه لا يؤثر؛ لأن الحد الأدنى هو الخمس، فما زاد عليها يكون به التحريم، وما نقص عنها لا يحصل به تحريم، ثم أيضاً كون الشاهد موثوقاً، ومأموناً، فإذا حصل هذا، وهذا، فإنه يحصل التحريم بذلك الرضاع، ولا يجوز الزواج، ولا الاستمرار على ذلك الزواج الذي ثبت أنه حصل الرضاع الذي يقتضي عدم زواج هذين المرتضعين، زواج الرجل بتلك المرأة التي رضع معها من ثدي واحد، ومن لبن واحد.

    وفيه أيضاً دلالة على أنه يكفي في ذلك شهادة المرأة الواحدة في ذلك، وأنه لا يحتاج إلى عدد أكثر من الواحد، فإذا حصلت الشهادة ممن هو محل لها، وفيه الأهلية لها، لا سيما في هذه الأمور التي غالباً ما تكون من النساء، والتي يطلع عليها النساء، وهي مسائل الرضاع، فإن ذلك يكون كافياً، ومعتبراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بشهادة هذه المرأة، وأمره بأن يدعها، وأن يتركها، وقد أخذ بعض أهل العلم بظاهر هذا الحديث وقالوا: إنه لا يجوز الزواج ممن تكون كذلك، ولا الاستمرار في الزواج إذا ثبت أن الرضاع قد حصل، وجمهور أهل العلم قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أرشده إلى ما هو الأحوط، وإلى ما هو الأولى، لكن الذي يظهر من الحديث أن القضية ليست فيها إرشاد إلى الأحوط، وإلى الأولى، بل هو إرشاد إلى أن ذلك لا يجوز، وأنه لا يسوغ؛ لأن الرضاع قد وجد، والرضاع يحصل به التحريم كما يحصل التحريم بالنسب، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

    تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن الحارث في الشهادة في الرضاع

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].

    هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

    [أخبرنا إسماعيل].

    هو ابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أيوب].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن أبي مليكة].

    هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي مليكة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني عبيد بن أبي مريم].

    مقبول، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن عقبة].

    وهو عقبة بن الحارث صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    والحديث رواه ابن أبي مليكة بإسناد عالٍ، وإسناد نازل، الإسناد العالي هو أنه سمعه من عقبة بدون واسطة، وسمعه منه بواسطة، ولكنه لحديث الواسطة أحفظ منه للإسناد العالي، ولهذا أورد الإسناد عن عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث، وأخبر أنه سمعه من عقبة، ولكنه لحديث عبيد أحفظ، ولهذا أورده بالإسناد النازل، وذكر عبيد بن أبي مريم، ووجود عبيد بن أبي مريم، وهو مقبول، ويحتاج إلى متابعة، لا يؤثر؛ لأن الحديث ثابت بدونه؛ لأن ابن أبي مليكة يرويه عن عقبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، ويرويه بواسطة.

    فإذاً وجود الواسطة التي فيها كلام لا يؤثر على ثبوت الحديث؛ لأنه موجود عنده بدون هذه الواسطة، ولكنه ذكر الإسناد النازل الذي فيه عبيد بن أبي مريم؛ لأنه أحفظ، وإن كان حافظاً لهذا، ولهذا، إلا أنه أحفظ لهذا، أي: الحديث الذي أخذه بالإسناد النازل أحفظ منه للحديث الذي أخذه بالإسناد العالي، فإذاً الحديث أصله، ومقتضاه، ومؤداه ثابت، بدون عبيد بن أبي مريم، فإنه بإسناد عالٍ، وإسناد نازل.

    1.   

    نكاح ما نكح الآباء

    شرح حديث البراء في نكاح ما نكح الآباء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نكاح ما نكح الآباء.

    أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا أبو نعيم حدثنا الحسن بن صالح عن السدي عن عدي بن ثابت عن البراء رضي الله عنه أنه قال: (لقيت خالي ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟ قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجلٍ تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله)].

    أورد النسائي هذه الترجمة: نكاح ما نكح الآباء، يعني: أنه حرام، وأنه لا يجوز، وهذا بإجماع، وقد جاء به القرآن، وجاءت به السنة، والله عز وجل يقول: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22]، فجاء تحريمه بنص القرآن، فمنكوحة الأب ولو كان مجرد العقد، فإنها تحرم على الابن على التأبيد، بمجرد العقد عليها، وإن لم يدخل بها، فإنها تحرم على ولد الرجل الذي عقد عليها على التأبيد، ليست القضية قضية كونه دخل أو ما دخل، وإنما مجرد العقد، فهذا الحكم جاء بنص القرآن.

    وقد أورد النسائي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: أنه لقي خاله، ومعه الراية، فعرف أنه أمير للجماعة الذين هو فيهم؛ لأن معه الراية يعني أنه هو الأمير، فسأله: أين تذهب؟ قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم، أرسلني إلى فلان نكح امرأة أبيه، وأمرني أضرب عنقه أو أقتله، شك من الراوي هل قال: أضرب عنقه أو قال: أقتله؟ والنتيجة واحدة، وإنما الكلام في أي اللفظين قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل قال: يضرب عنقه، أو قال: أنه يقتله؟ والنتيجة واحدة، ولكنه إشارة إلى عدم الجزم بأي اللفظين من الراوي، الراوي شك في أي اللفظين قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكان من عادة أهل الجاهلية أنهم ينكحون منكوحة الأب، ويعتبرون ذلك إرثاً يرثونه من مورثهم، فجاء الإسلام، وأبطل هذا، ومنع منه ومن أخذ به واستحله فإنه يكون مرتداً، ويقتل على الردة؛ لأنه أنكر شيئاً معلوماً جاء القرآن، وجاء الحديث في ثبوته، ألا وهو تحريم نكاح ما نكح الآباء، فإذاً يقتل على الردة، فالمسلم الذي يستحل منكوحة الأب، ويتزوجها وهو يعلم، فإنه يكون مرتداً، ويقتل على الردة.

    تراجم رجال إسناد حديث البراء في نكاح ما نكح الآباء

    قوله: [أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم].

    وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.

    [حدثنا أبو نعيم].

    هو الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو نعيم.

    [حدثنا الحسن بن صالح].

    هو الحسن بن صالح بن حي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن السدي].

    هو إسماعيل بن عبد الرحمن، وهو صدوق يهم، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عدي بن ثابت].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن البراء].

    هو البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن خاله].

    هو أبو بردة بن نيار، وحديثه أخرج له أصحاب السنن، وهو: صاحب الأضحية الذي ذبح أضحيته قبل الصلاة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال له: (شاتك شاة لحم).

    شرح حديث البراء في نكاح ما نكح الآباء من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه رضي الله عنه، قال: (أصبت عمي ومعه راية، فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلى رجلٍ نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله)].

    أورد النسائي حديث البراء بن عازب من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله: أنه يضرب عنقه ويأخذ ماله، وهذا فيه إضافة أخذ المال، وهذا على أنه فيء؛ لأن المرتد لا يورث، وإنما ماله يكون فيئاً للمسلمين، فهذا الذي فعل هذا الفعل، قتل على الردة، وأخذ ماله، والرسول صلى الله عليه وسلم، بعث إليه من يقوم بهذه المهمة، وهي القتل وأخذ المال؛ لأنه مرتد بذلك عن دين الإسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث البراء في نكاح ما نكح الآباء من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].

    هو: عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا عبد الله بن جعفر].

    هو عبد الله بن جعفر الرقي، وهو ثقة لكنه تغير بأخرة فلم يفحش اختلاطه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا عبيد الله بن عمرو]

    هو عبيد الله بن عمرو الرقي، ثقة فقيه ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن زيد].

    هو ابن أبي أنيسة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عدي بن ثابت].

    وقد مر ذكره.

    [عن يزيد بن البراء].

    صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي.

    [عن البراء بن عازب].

    وقد مر ذكره.

    [عن عمه].

    ففي التقريب فصل المبهمات يقول: البراء بن عازب عن عمه ورمز له بدال، وسين في قتل الرجل الذي نكح امرأة أبيه، وقيل: عن خاله، ورمز له تاء، وسين، وقاف، فأما عمه فلم أر من سماه، وأما خاله فجاء أنه أبو بردة بن نيار، وجاء في هذا الحديث أنه الحارث بن عمرو.

    وقد جاء في هذا الحديث أنه الحارث بن عمرو عند ابن ماجه. وفي رواية عن البراء عن أناس وهو في النسائي، وفي رواية عنه عن رهط، وهو في النسائي كذلك.

    أقول: القصة واحدة، لكن أيها أثبت وأيها أولى، ويمكن أن يكون عماً، وأن يكون خالاً يعني خالاً من جهة النسب، وعماً من جهة المصاهرة، وما إلى ذلك يحتمل، فيكون الرمز له بأربعة هو تجميع لهذه الروايات.

    لأن معناه أنه شخص واحد، وهذا ما حصل إلا في طبعة أبي الأشبال، أما محمد عوامة رمز له في عمه دال سين، وخاله رمز له بتاء سين.

    1.   

    تأويل قول الله عز وجل: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم)

    شرح حديث أبي سعيد الخدري في تأويل قوله تعالى: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [تأويل قول الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24].

    أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً فقاتلوهم، وظهروا عليهم، فأصابوا لهم سبايا لهن أزواج في المشركين، فكان المسلمون تحرجوا من غشيانهن، فأنزل الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، أي: هذا لكم حلال إذا انقضت عدتهن)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تأويل قول الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، أي: تفسير هذه الآية، والمقصود منها: أن المحصنات، أي: المزوجات ذوات الأزواج، هنّ حرام على غير أزواجهن، وهذه الحرمة كما هو معلوم مؤقتة؛ لأنها ما دامت في عصمة الرجل فهي حرام على رجل آخر؛ لأنها ذات زوج، فلا تزوج وهي ذات زوج، ولكن هذه الحرمة مؤقتة، يعني معناه: أنه لو مات عنها أو طلقها، فإنه تحل، وإنما هذا التحريم ما دام أنها في عصمة رجل، ولكن يستثنى من ذلك، أي: تحريم المحصنات المزوجات ذوات الأزواج ملك اليمين، الإنسان إذا ملك امرأةً، فإنه يكون له بضعها حلال له، ولكن بعد اعتدادها، واعتدادها إنما هو بحيضة، فإذا سبيت وهي ذات زوج، فإنها تحل للسابي، وتحل له لمن هي له من الجيش، إذا مر حيضة عليها حتى يتبين سلامة رحمها من أن يكون فيه ولد، فتعتد بحيضة واحدة.

    فإذاً قول الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:24]، معطوف على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23]، ثم قال: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23]، ثم قال: وَالْمُحْصَنَاتُ [النساء:24]، فهي من جملة المعطوفات على المحرمات في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23]، وهي مثل الجمع بين الأختين تحريم مؤقت، وليس بدائم، ما دامت الأخت في العصمة، فأختها حرام عليه، وإذا ماتت الأخت أو طلقت، وخرجت من العدة، فإن أختها تحل له، وهذا كذلك المحصنات من النساء محرمات مؤقتاً ما دمن في عصمة الأزواج، فإذا مات عنهن أزواجهن أو طلقن، وخرجن من العدة، حللن لغيرهم، ويستثنى من ذلك ملك اليمين؛ ولذلك قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، فتكون حلالاً بعد أن تمضي حيضةً واحدةً عليها يتبين سلامة رحمها من أن يكون به ولد، فهذا هو تأويل قول الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ [النساء:24].

    وكان سبب نزول الآية: أنهم تحرجوا من غشيانهن وهن ذوات أزواج، فنزلت الآية، يعني: أنهن يكن حلال لهم إذا انتهت العدة، والعدة هي حيضة واحدة في حق المسبية.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في تأويل قوله تعالى: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].

    وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [حدثنا يزيد بن زريع].

    يزيد بن زريع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سعيد].

    هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن قتادة]

    هو ابن دعامة السدوسي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي الخليل].

    هو صالح بن أبي مريم أبي الخليل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي علقمة الهاشمي].

    هو أبو علقمة الفارس المصري مولى بني هاشم، وكان قاضي إفريقيا من كبار الثالثة، وهو تابعي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبي سعيد].

    هو سعد بن مالك بن سنان، مشهور بكنيته، ونسبته، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الشغار

    شرح حديث: (أن رسول الله نهى عن الشغار)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الشغار.

    أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشغار)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الشغار، والشغار هو نكاح من الأنكحة المحرمة، وهو أن يزوج الرجل موليته على أن يزوجه الآخر موليته، يعني زواج بشرط زواج، لا يتم الزواج إلا بزواج، ومن العلماء من قال: أنه يكون مع عدم وجود الصداق، وأنه إذا وجد الصداق فإنه لا يكون شغاراً، لكن الأظهر أن التحريم مطلق، سواءً كان هناك صداق أو ليس هناك صداق، والسبب في هذا أن المرأة تزوج وقد تكون المصلحة للمزوج، وأن يراعي الإنسان مصلحته، وقد يكون هناك مهر، وقد يتساهل في أمر المهر؛ لأن المهر ليس مهماً، المهم هو التزويج.

    والتفسير الذي جاء جاء عن بعض السلف، يعني أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق، فالحديث جاء مطلق، والمحظور الذي منع منه ليس هو الخلو من الصداق، بل هو كون المرأة لا تزوج بكفئها بسبب الرغبة في مقابل هذا الزواج، وهو كون الإنسان يريد أن يتزوج امرأةً يريدها، فيزوج موليته من أجل مصلحته هو، لا من أجل مصلحتها هي، ولهذا لا يتم الزواج إلا بزواج، يعني فهذا يزوج، وهذا يزوج، لا بد من هذا، أما كون الإنسان يأتي ويخطب وله رغبة، ويقبل لأهليته، ولصلاحيته لها وكفاءته هذا قد يكون في هذا الباب ليس موجوداً، وإنما المعتبر في ذلك هو جلب المصلحة، ويترتب على ذلك إلحاق المضرة بتلك المولية التي زوجت، وقد تكون كارهة، وممتنعة، ولكنها تلزم بالزواج من أجل هذه المصلحة التي تعود على مزوجها، هذا هو الشغار.

    وقيل له: شغار قيل: هو من الشغور وهو الخلو، ويقال: شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه يبول، قالوا: وكأنه لا يتم زواج هذه إلا بهذه، بأن لا ترفع رجل هذه إلا برفع رجل هذه، فيكون هذا مقابل هذا، وعلى هذا فأقول: بأن الشغار هو تزويج مشروط بتزويج، هذا هو الشغار، سواءً كان هناك صداق، أو ليس هناك صداق، لكن لو أن واحداً خطب، وأعطي، ثم خطب منه، وأعطاه، ولكن ليس فيه كلام على الاشتراط على أن لا زواج إلا بزواج، هذا رغب، وأعطي، وهذا رغب، وأعطي، وليس فيه شيء حول الاشتراط، والكل صالح، وأهل، فمثل هذا لا يقال: شغار، الشغار هو ما كان الزواج مشروطاً زواج بزواج، لا يزوج إلا إذا زوج، لا يزوج موليته إلا إذا زوجه ذلك الآخر موليته.

    وقد أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن الشغار).

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله نهى عن الشغار)

    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].

    هو عبيد الله بن سعيد السرخسي اليشكري، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.

    [حدثنا يحيى].

    هو القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيد الله].

    هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العمري المصغر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرني نافع].

    نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عمر].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث عمران بن حصين: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا بشر حدثنا حميد عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب نهبةً فليس منا)].

    أورد النسائي حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب نهبةً فليس منا).

    قوله: [(لا جلب ولا جنب)]، فسر الجلب بأنه يكون في الصدقة، والزكاة، ويكون في السباق، فهو في الصدقة بأن يكون المصدق الذي يبعث لأخذ الصدقات، يكون في جهة وفي مكان، ثم يرسل إلى أصحاب الأموال بأن يسوقوا أغنامهم، وإبلهم، وأبقارهم إليه ليزكيها، وهذا فيه ظلم لهم، وإلحاق الضرر بهم، كونهم ينتقلون بأغنامهم إلى جهته هو، إلى جهة المصدق، ويدفعون إليه الزكاة، يعني هذا منع منه، بل العامل يذهب إليهم على مياههم، وأماكنهم، حتى لا يلحق بهم ضرر في انتقالهم إليه، بل هو ينتقل إليهم لا ينتقلوا إليه، بل هو ينتقل إليهم، ويذهب إليهم، ويأخذ الزكاة منهم على مياههم وفي أماكنهم، وفسر الجلب في السباق بأن يصيح أو يكلف من يصيح على فرسه حتى تشتد في العدو.

    والجنب في الزكاة يعني: مثل الجلب في الزكاة، إلا أنه يكون في جانب بعيد، ويطلب من أصحاب الأموال أن يذهبوا إليه، والجنب في السباق أن يكون هناك ناقة أخرى تسير مع ناقته، بحيث إذا تعب أو فترت ناقة التي ركب عليها ينتقل إلى الناقة الثانية، فكل هذا يدخل تحت كلمة: (لا جلب، ولا جنب).

    قوله: [(ولا شغار)]، وهذا هو محل الشاهد، وهو الزواج المشروط بزواج، (لا شغار في الإسلام)، (ومن انتهب نهبة)، أخذ مالاً أو اختلسه، (فليس منا)، وهذا فيه تحذير، ووعيد شديد، وأنه ليس على طريقتنا، وليس على منهجنا الذي هو الإبقاء على الحقوق لأصحابها، وعدم التعرض لها بأخذ أو تضييع، فليس هذا من هدي الإسلام، وليس هذا من طريقة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فهو يدل على أن فيه وعيداً شديداً في حق من انتهب النهبة، أي: أخذ المال الذي لا يستحقه على سبيل الاختلاس، أو غيره، أو نحو ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث عمران بن حصين: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام...)

    قوله: [حدثنا حميد بن مسعدة].

    حميد بن مسعدة، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن بشر].

    هو بشر بن المفضل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن حميد].

    هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الحسن].

    هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمران بن حصين].

    هو عمران بن حصين أبو نجيد صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    حديث أنس: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن محمد بن علي حدثنا محمد بن كثير عن الفزاري عن حميد عن أنس رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام)، قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ فاحش، والصواب حديث بشر].

    أورد النسائي حديث أنس رضي الله تعالى عنه، وهو مثل الذي قبله فيما يتعلق بالأمور الثلاثة التي هي: (لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام)، والحديث الذي قبله، وفيه النهبة إضافة إليه، فهو مثل ما تقدم قبله.

    قوله: [أخبرنا علي بن محمد بن علي].

    هو علي بن محمد بن علي المصيصي، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.

    [حدثنا محمد بن كثير].

    هو المصيصي، وهو صدوق، كثير الغلط، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن الفزاري].

    هو إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن حميد عن أنس].

    وقد مر ذكرهما.

    قال أبو عبد الرحمن: [هذا خطأ فاحش، والصواب حديث بشر].

    يعني إن حديث بشر الذي تقدم، وهو عن عمران بن حصين أن هذا هو الصواب.

    1.   

    تفسير الشغار

    شرح حديث ابن عمر في تفسير الشغار

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [تفسير الشغار.

    أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معن حدثنا مالك عن نافع، (ح)، والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم قال مالك: حدثني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشغار. والشغار أن يزوج الرجل الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته وليس بينهما صداق)].

    أورد النسائي تفسير الشغار، يعني ذكر ما جاء في تفسيره عن بعض السلف، وقد أورد فيه حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الشغار، ثم قال: والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوج الآخر ابنته ولا صداق بينهما)، فمعناه: أن فيه شرط التزويج وليس فيه مهر، يعني مشتمل على شيئين: أن يكون هناك اشتراط تزويج، وألا مهر بينهما، ولا صداق بينهما، وهذا اللفظ مدرج، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو تفسير الشغار، وإنما هو من كلام نافع، يعني: هو مدرج من كلام نافع يفسر فيه الشغار، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

    والمدرج هو: أن يذكر مع الحديث شيء ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، دون أن يكون هناك شيء يميز أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أما لو جاء تمييزاً، وأنه قال فلان كذا، اتضح الأمر أنه لا إدراج، وإنما الإدراج يكون فيما إذا ضم كلام غير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كلام الرسول، وأوهم أنه كله كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، هذا هو المدرج، وأما إذا نص على صاحب الكلام الذي هو ليس كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه لا إدراج، وهنا اللفظ مدرج؛ لأنه قال: (نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشغار)، والشغار كذا وكذا، يعني كأن الرسول صلى الله عليه وسلم، هو الذي فسر الشغار، لكن هذا التفسير ليس للنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو لـنافع أحد رواة الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في تفسير الشغار

    قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].

    هو هارون بن عبد الله الحمال البغدادي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا معن].

    هو معن بن عيسى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا مالك].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة

    نافع عن ابن عمر].

    وقد مر ذكرهما.

    [(ح) والحارث بن مسكين قراءةً].

    قال: (ح) الحارث بن مسكين شيخ النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [عن ابن القاسم].

    هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، وحديثه أخرجه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.

    [عن مالك حدثني نافع عن ابن عمر].

    قد مر ذكرهم.

    شرح حديث أبي هريرة في تفسير الشغار

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إبراهيم وعبد الرحمن بن محمد بن سلام قالا: حدثنا إسحاق الأزرق عن عبيد الله عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن الشغار)، قال عبيد الله: والشغار كان الرجل يزوج ابنته على أن يزوجه أخته].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن الشغار)، قال عبيد الله -يعني أحد رواة الحديث-: والشغار: أن يزوج الرجل أخته على أن يزوجه الآخر ابنته، وما ذكر الصداق فيما بينهما، يعني معناه: أن مجرد الاشتراط، وأن يكون التزويج مشروط بتزويج، هذا هو الشغار، وهذا هو الأوضح، والأظهر في تفسير الشغار؛ لأنه كما عرفنا يمكن أن يوجد الصداق، ولكن لا يلاحظ مصلحة المولية، وإنما يلاحظ الإنسان الذي هو الولي مصلحته بأن يشترط أن يزوج موليته على أنه يتزوج في مقابل هذه التي هو وليها، فيكون زواجه ما جاء رغبة، وإنما جاء رغبة فيمن يريد أن يزوجها، فتكون تلك المرأة التي زوج إياها، والتي قد لا يكون كفؤاً لها، لكن بسبب الحصول على موليته قد يتغاضى ويتنازل ويزوج، هذا فيما إذا كان بعض الناس ينظر إلى مصلحته ولا ينظر إلى مصلحة غيره.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في تفسير الشغار

    قوله: [أخبرنا محمد بن إبراهيم].

    محمد بن إبراهيم، هنا قال: محمد بن إبراهيم، ومن شيوخ النسائي: محمد بن إبراهيم بن صدران، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، لكن الذي في تحفة الأشراف محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الذي هو ابن علية، المشهور أبوه ابن علية، فيكون منسوباً إلى جده، وهذا خلاف ما يفعله النسائي في نسبة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، فإنه يذكر أباه، ويذكر جده، وقد يذكر اسمه، واسم أبيه فقط، فيقول: محمد بن إسماعيل، أي: ابن علية، وهنا قال: محمد بن إبراهيم، وفي تحفة الأشراف قال: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم.

    فقد يكون هنا سقط والتصويب من التحفة، والذي يبدو أنه هو هذا، لكن أنا أقول: محمد بن إبراهيم من شيوخ النسائي بهذا الاسم الذي هي الاسم والنسبة محمد بن إبراهيم بن صدران، وفي تحفة الأشراف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، فيمكن أن يكون فيه سقط الاسم اسم الأب، أو أنه نسب إلى جده، وهذا خلاف ما هو معروف عن النسائي، فيحتمل أن يكون هناك سقوط، والمزي في تحفة الأشراف قال: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، وعلى هذا فالذي يظهر أنه مثل ما قال المزي في تحفة الأشراف أنه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده. وأما ذاك الذي هو: محمد بن إبراهيم بن صدران، وهو صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي، لكن هو هذا كما نص عليه المزي في تحفة الأشراف الذي هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المشهور أبوه بـابن علية، وإسماعيل بن إبراهيم مر بنا ذكره قريباً، لعله في أول حديث الشهادة في النكاح، فذاك أبوه إسماعيل بن إبراهيم بن علية، وهذا ابنه.

    عبد الرحمن بن محمد بن سلام].

    وهو: لا بأس به، وهو بمعنى صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي.

    [حدثنا إسحاق الأزرق].

    هو إسحاق بن يوسف الأزرق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيد الله].

    هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العمري المصغر، وقد مر ذكره، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي الزناد].

    هو عبد الله بن ذكوان المدني، وأبو الزناد لقب على صيغة الكنية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الأعرج].

    هو عبد الرحمن بن هرمز المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والأعرج لقب.

    [عن أبي هريرة].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    التزويج على سورٍ من القرآن

    شرح حديث: (... ملكتكها بما معك من القرآن)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التزويج على سور من القرآن.

    أخبرنا قتيبة حدثنا يعقوب عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنهما: (أن امرأةً جاءت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب نفسي لك، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: أي رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، قال: هل عندك من شيء؟ فقال: لا، والله ما وجدت شيئاً، فقال: انظر ولو خاتماً من حديد، فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري، قال سهل: ماله رداء، فلها نصفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء، فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مولياً، فأمر به فدعي، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، عددها، فقال: هل تقرؤهن عن ظهر قلب؟ قال: نعم، قال: ملكتكها بما معك من القرآن)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: التزويج على سور من القرآن، يعني: على تعليم سور من القرآن تكون مهراً لتلك المرأة التي ما استطاع أن يحصل مالاً، وهذا فيه دليل على أنه يجوز مثل ذلك إذا عدم المهر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمره بأن يبحث عن مال، ولم يجد، وطلب منه أن يلتمس ولو خاتماً من حديد فلم يجد، ثم إنه لما ذهب مولياً دعاه وسأله: ماذا يحفظ من القرآن فأخبره عن سور يحفظها، وقال: إني أحفظها عن ظهر قلب، وقال: (ملكتكها بما معك من القرآن)، يعني: على أن يعلمها، وأن ينفعها بهذا الذي عنده بأن يعلمها إياه، فتكون تلك المنفعة هي التي حصل عليها التزويج، وهي بمنزلة المهر، فلما لم يجد المال يعني يكون مهراً انتقل إلى المنفعة التي تكون مهراً، وهي كونه يجلس لها، ويعلمها هذه السور التي زوجه الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه المرأة على ما معه من القرآن، يعني على أن يعلمها إياه، فتكون تلك المنفعة قامت مقام المهر الذي لم يستطع الحصول حتى ولا على خاتم من حديد، وهو يدل على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، من قلة ذات اليد، وأن الواحد منهم لا يكون عنده إلا إزار يواري عورته.

    وفي هذا الحديث أنه قال: (هذا إزاري)، يعني: لها نصفه، يعني يملكها نصفه، قال: (وماذا تصنع به؟)؛ لأنه إن استفاد منه ما استفاد منه غيره، وإن استفاد منه غيره ما استفاد منه؛ ولهذا قال: ليس معه رداء مجرد إزار، يعني شيء توارى به العورة، وهو يدل على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، من قلة ذات اليد، وهم خير الناس، وأفضل الناس رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ويدل على التزويج بمثل هذا المهر الذي هو المنفعة التي قامت مقام المال، حيث لم يجد المال، ولا الشيء اليسير التافه من المال الذي هو خاتماً من حديد.

    فهذه المرأة جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت: جئت أهب نفسي لك، وهذا يدل على ما كان عليه بعض الصحابيات من الحرص على القرب من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الواحدة تأتي، وتهب نفسها؛ لأنها تريد أن تظفر بهذا الشرف، وبهذا الفضل الذي هو كونها تكون في عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي هو خير الناس عليه الصلاة والسلام، ولتكون من أمهات المؤمنين اللاتي لهن منزلة، ولهن اتصال بالرسول صلى الله عليه وسلم يمكنهن من تلقي السنن، ونقلها إلى الناس، والرسول صلى الله عليه وسلم لما عرضت عليه نفسها.

    قوله: (صعد النظر إليها وصوبه).

    أي: نظر إليها من فوق حتى نظر إلى أعلاها، وإلى أسفلها، يعني: رآها بأكملها، صعد حتى يرى أعلاها، وصوبه حتى يرى رجليها، ثم إنه سكت ولم يجبها بشيء، وكأنه صلى الله عليه وسلم ما له رغبة فيها، ومن أجل ذلك ما ردها، ولكنه سكت، فقام رجل من الحاضرين، وتكلم بأدب وقال: إن لم تكن لك حاجة فيها يا رسول الله زوجنيها، إن لم تكن لك حاجة، هكذا قدم بهذا التقديم: إن لم تكن لك حاجة فزوجنيها، وكأنه فهم أنه لا حاجة له فيها، ومن أجل ذلك سكت، فالرسول صلى الله عليه وسلم، طلب منه هل يجد مالاً؟ فقال: لا، قال: ابحث ولو خاتماً من حديد، فقال: ولا خاتماً من حديد، ثم جلس وأطال المجلس، ثم انصرف هذا الرجل، ولما ولى دعاه النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله عما يحفظ من سور القرآن؟ فأخبره بأنه يحفظ سورة كذا وكذا، فقال: (عن ظهر قلب، ثم قال: ملكتكها بما معك من القرآن)، يعني: على أن يعلمها، وليس معنى ذلك أنه زوجها إياه لكونه حامل للقرآن، ولكونه عنده شيء من القرآن، فإن هذا لا منفعة للمرأة فيه، وإنما المنفعة لها أن تعلم القرآن، وأن تحصل هذه المنفعة، فزوجه الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، وهذا هو محل الشاهد التزويج على سور من القرآن.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... ملكتكها بما معك من القرآن)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا يعقوب].

    هو يعقوب بن عبد الرحمن القاري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن أبي حازم].

    هو سلمة بن دينار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن سهل بن سعد].

    هو سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه، وكنيته أبو العباس، ويقال: إنه ليس في الصحابة من يكنى أبي العباس إلا هو وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكل واحد منهما كنيته أبو العباس.