إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب النكاح - (باب نكاح الأبكار) إلى (باب الحسب)

شرح سنن النسائي - كتاب النكاح - (باب نكاح الأبكار) إلى (باب الحسب)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الزواج سنة الأنبياء، وفطرة البشر الأسوياء، فيستحب لكل من أراده تقديم نكاح الأبكار لبركتهن وحداثتهن، كما يستحب أيضاً التماثل والتقارب في السن بين الرجل والمرأة؛ لأنه أدعى للألفة والمودة بينهما.

    1.   

    نكاح الأبكار

    شرح حديث جابر في نكاح الأبكار

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب نكاح الأبكار.

    أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن عمرو عن جابر رضي الله عنه أنه قال: (تزوجت، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أتزوجت يا جابر ؟ قلت: نعم. قال: بكراً أم ثيباً؟ فقلت: ثيباً. قال: فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك)].

    يقول النسائي رحمه الله: نكاح الأبكار، المقصود من هذه الترجمة بيان أنه ينبغي للإنسان إذا تمكن أن ينكح بكراً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد من تزوج الثيب أن يتزوج بكراً، قد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه [(أن النبي عليه الصلاة والسلام سأله: هل تزوجت؟ فقال: نعم. قال: بكراً أم ثيباً؟ فقال: بل ثيباً، قال: هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك )].

    أي هلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشد جابراً رضي الله عنه إلى أنه كان الأولى له أن يتزوج بكراً؛ لأن البكر التمتع بها يختلف عن غيرها، ثم أيضاً البكر قلبها صافٍ ولم تتعلق بأحد وخالية الذهن، بخلاف الثيب، فإنها قد يكون قلبها تعلق بالزوج السابق، وهذا ليس موجوداً في البكر.

    وفي هذا دليل على نكاح الكبير الصغيرة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد جابراً أن يتزوج صغيرة بكراً، وقوله: [(هلا بكراً)]، أي هلا تزوجت بكراً، وهذا مما حذف فيه الفعل؛ والفاعل لأن بكراً مفعول حذف فعله وفاعله؛ لأن الفعل والفاعل تزوجت بكراً، وقد فهم من السياق والمعنى واضحٌ لا لبس فيه وحيثما علم فهو جائز؛ لأنه هنا قد علم الفعل والفاعل من سياق الكلام، ويشبه هذا ما مر بنا قريباً حيث حذفت كان واسمها (التمس ولو خاتماً من حديد)، يعني ولو كان الملتمس خاتماً من حديد، فحذفت كان وحذف اسمها معها، وبقي خبرها؛ لأن السياق فيه ما يدل عليه، فهذا من هذا القبيل (فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك). وجابر رضي الله تعالى عنه وأرضاه إنما اختار الثيب؛ لأنه كان له أخوات وأراد أن يستفيد منها لرعاية أخواته، وللاستفادة منها في هذه الحالة وهذه المصلحة آثر مصلحة أخواته على مصلحته، واستفادة أخواته على استفادته هو رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر في نكاح الأبكار

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قريةٌ من قرى بلخ، وهو ثقةٌ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن حماد].

    هو ابن زيد البصري، وهو ثقةٌ، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وإذا جاء حماد غير منسوب ويروي عنه قتيبة فالمراد به: حماد بن زيد.

    [عن عمرو].

    هو ابن دينار المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن جابر].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأن النسائي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، الذي هو قتيبة، وحماد بن زيد، وعمرو بن دينار، وجابر بن عبد الله الأنصاري، فهذا من أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ وليس عنده ثلاثيات بل أعلى ما عنده الرباعيات، وأنزل ما عنده العشاريات التي يكون فيها عشرة أشخاص بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر بنا أحاديثٌ قال عنها: إن هذا أطول إسناد، وهو حديثٌ في فضل ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ))[الأخلاص:1]، فيه بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام عشرة أشخاص، وأطول إسنادٍ عنده العشاري وأعلى إسنادٍ عنده هو الرباعي، وهذا الذي معنا من أعلى الأسانيد عنده.

    فأصحاب الكتب الستة، ثلاثةٌ منهم أعلى ما يكون عندهم الثلاثيات، وثلاثةٌ منهم أعلى ما يكون عندهم الرباعيات، فالذين عندهم الثلاثيات البخاري، والترمذي، وابن ماجه، فـالبخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثية، بين البخاري فيها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص، صحابي، وتابعي، وتابع تابعي، والترمذي عنده حديثٌ واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية ولكنها كلها بإسنادٍ واحد، وذلك الإسناد إسناد ضعيف، أما الباقون وهم مسلم، وأبو داود، والنسائي فهؤلاء أعلى ما يكون عندهم الرباعيات، وهذا الذي معنا هو من أمثلة الأسانيد العالية عند الإمام النسائي رحمة الله عليه.

    وأما الإمام أحمد ففي مسنده أكثر من ثلاثمائة حديث كلها ثلاثية وقد جمعها السفاريني وشرحها في كتابٍ مطبوع.

    حديث جابر في نكاح الأبكار من طريق أخرى

    تراجم رجال إسناد جابر في نكاح الأبكار من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا الحسن بن قزعة].

    وهو صدوق، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن سفيان].

    هو ابن حبيب، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن ابن جريج].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عطاء]

    هو ابن أبي رباح المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن جابر].

    وقد مر ذكره.

    1.   

    تزوج المرأة مثلها في السن

    شرح حديث بريدة بن الحصيب في تزوج المرأة مثلها في السن

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تزوج المرأة مثلها في السن.

    أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (خطب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فاطمة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنها صغيرة، فخطبها علي فزوجها منه)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي تزوج المرأة مثلها في السن، يعني من يكون مثلها في السن أو يكون مقارباً لها، والترجمة السابقة التي في حديث جابر فيها الدلالة على تزوج الكبير الصغيرة؛ لأن جابراً كان كبيراً وأرشده إلى أن يتزوج بكراً، وقال له: (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك)، ثم عقب هذه الترجمة بهذه الترجمة وهي تزوج المرأة مثلها في السن، يعني الرجل الذي يكون مثلها في السن، أو مقارباً لها في السن، وأورد فيه حديث بريدة بن حصيب رضي الله عنه [(أن أبا بكر وعمر خطبا فاطمة رضي الله تعالى عنها، فقال عليه الصلاة والسلام: إنها صغيرة، فخطبها علي فزوجه؟)].

    قوله: [(فخطبها علي فزوجها منه)].

    ومحل الشاهد منه كون علي لما خطبها زوجها منه وأنه ليس بكبير فزوجها منه عليه الصلاة والسلام وهذا محل الشاهد للترجمة، وفي الحديث: [(أن أبا بكر، وعمر خطباها وقال: إنها صغيرة)] فيحتمل أن يكون قد مضى على خطبتهما وقت وأنها كانت صغيرة، ويحتمل أنها لم يمض عليها وقت ولكنه رغب أن يكون لها من يكون مقارباً لها في السن، وقد تزوجها ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي نشأ في حجره ومعه صلى الله عليه وسلم، فكان في زواجه منها ما يدل على الترجمة التي عقدها.

    وخطبة أبي بكر، وعمر لـفاطمة رضي الله تعالى عنها دليل على الحرص من هؤلاء الصحبة الكرام على مصاهرة الرسول صلى الله عليه وسلم والقرب منه، وأن يكون لهم نصيبٌ من نسله وذريته صلى الله عليه وسلم، ولكن الذي حصل أن الخلفاء الراشدين الأربعة كلهم أصهارٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فـأبو بكر، وعمر تزوج منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعثمان، وعلي تزوجا من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـعثمان تزوج اثنتين رقية، ثم أم كلثوم بعد وفاتها، ولهذا يقال له: ذو النورين ؛ لتزوجه ابنتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي تزوج فاطمة رضي الله تعالى عن الجميع، فهؤلاء الخلفاء الراشدون الهادون المهديون كلهم لهم قرابة ولهم صلة وثيقة برسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث المصاهرة.

    تراجم رجال إسناد حديث بريدة بن الحصيب في تزوج المرأة مثلها في السن

    قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث].

    هو الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن الفضل بن موسى].

    هو الفضل بن موسى المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الحسين بن واقد].

    هو الحسين بن واقد المروزي، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الله بن بريدة].

    هو عبد الله بن بريدة بن حصيب الأسلمي وهو مروزيٌ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    هو بريدة بن حصيب الأسلمي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الإسناد كل رجاله مروزيون ينسبون إلى مروز إلا بريدة بن الحصيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تزوج المولى العربية

    شرح حديث فاطمة بنت قيس في تزوج المولى العربية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تزوج المولى العربية.

    أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: (أن عبد الله بن عمرو بن عثمان طلق وهو غلامٌ شابٌ في إمارة مروان ابنة سعيد بن زيد وأمها بنت قيس ألبتة، فأرسلت إليها خالتها فاطمة بنت قيس رضي الله عنها تأمرها بالانتقال من بيت عبد الله بن عمرو، وسمع بذلك مروان فأرسل إلى ابنة سعيد فأمرها أن ترجع إلى مسكنها، وسألها ما حملها على الانتقال من قبل أن تعتد في مسكنها حتى تنقضي عدتها؟ فأرسلت إليه تخبره أن خالتها أمرتها بذلك، فزعمت فاطمة بنت قيس أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص فلما أمّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب على اليمن خرج معه وأرسل إليها بتطليقة هي بقية طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقتها، فأرسلت إلى الحارث وعياش تسألهما الذي أمر لها به زوجها، فقالا: والله ما لها عندنا نفقة إلا أن تكون حاملاً وما لها أن تكون في مسكننا إلا بإذننا، فزعمت أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فصدقهما، قالت فاطمة: فأين انتقل يا رسول الله؟! قال: انتقلي عند ابن أم مكتوم الأعمى الذي سماه الله عز وجل في كتابه، قالت فاطمة: فاعتددت عنده، وكان رجلاً قد ذهب بصره فكنت أضع ثيابي عنده، حتى أنكحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد، فأنكر ذلك عليها مروان وقال: لم أسمع هذا الحديث من أحدٍ قبلك وسآخذ بالقضية التي وجدنا الناس عليها)، مختصر].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تزوج المولى العربية، يعني: أن ذلك سائغ، وجاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن الكفاءة في الدين، والله تعالى يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، فهذا هو المعتبر، أن الكفاءة إنما تكون في الدين، ولا تكون في أمورٍ أخرى، وقد جاء عن كثير من الفقهاء اعتبار التكافؤ من حيث الأنساب والقبائل، والنسائي رحمه الله أورد الترجمة لبيان أن تزوج المولى بالعربية سائغ؛ لأن المعتبر هو التقوى، والمعتبر هو الكفاءة في الدين، هذا هو المعتبر والمعول عليه في ذلك، وقد أورد النسائي حديث فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها الذي فيه:

    [(أن عبد الله بن عمرو بن عثمان طلق وهو غلامٌ شابٌ في إمارة مروان ابنة سعيد بن زيد -وأمها بنت قيس- ألبتة، فأرسلت إليها خالتها فاطمة بنت قيس تأمرها بالانتقال من بيت عبد الله بن عمرو، وسمع بذلك مروان، فأرسل إلى ابنة سعيد فأمرها أن ترجع إلى مسكنها، وسألها: ما حملها على الانتقال من قبل أن تعتد في مسكنها حتى تنقضي عدتها؟ فأرسلت إليه تخبره: أن خالتها أمرتها بذلك، فزعمت فاطمة بنت قيس أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص، فلما أمّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب على اليمن، خرج معه وأرسل إليها بتطليقةٍ هي بقية طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقتها، فأرسلت زعمت إلى الحارث وعياش تسألهما الذي أمر لها به زوجها، فقالا: والله مالها عندنا نفقة إلا أن تكون حاملاً، ومالها أن تكون في مسكننا إلا بإذننا، فزعمت أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له، فصدقهما، قالت فاطمة: فأين أنتقل يا رسول الله؟ قال: انتقلي عند ابن أم مكتوم الأعمى الذي سماه الله عز وجل في كتابه، قالت فاطمة: فاعتددت عنده، وكان رجلاً قد ذهب بصره، فكنت أضع ثيابي عنده، حتى أنكحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد، فأنكر ذلك عليها مروان، وقال: لم أسمع هذا الحديث من أحدٍ قبلك، وسآخذ بالقضية التي وجدنا الناس عليها)].

    هذا الحديث بطوله أورده النسائي من أجل هذه الجملة التي جاءت في آخره، وأنها بقيت عنده حتى أنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وهو مولى، وهي عربية، فهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، وأما الحديث فهو يشتمل على أمور متعددة.

    قوله: [(أن عبد الله بن عمرو بن عثمان طلق وهو غلامٌ شابٌ في إمارة مروان ابنة سعيد بن زيد -وأمها بنت قيس- البتة)].

    نعم طلقها طلاقاً بائناً، وأمرتها خالتها فاطمة بنت قيس أن تخرج من بيته، ولم يعلم بذلك مروان، وكان أميراً على المدينة، فسألها: لماذا خرجت؟ فقالت: إن خالتها أشارت عليها بذلك، فقال: ارجعي.

    قوله: [(وسمع بذلك مروان فأرسل إلى ابنة سعيد، فأمرها أن ترجع إلى مسكنها، وسألها: ما حملها على الانتقال من قبل أن تعتد في مسكنها حتى تنقضي عدتها؟ فأرسلت إليه تخبره: أن خالتها أمرتها بذلك، فزعمت فاطمة بنت قيس أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص)].

    المقصود من ذلك أن خالتها أشارت أو ذكرت لها أن تخرج؛ لأنها بائن ليس لها نفقة ولا سكنى، فأرادت منها أن تنتقل عن مسكنه، والعلماء اختلفوا في هذه المسألة، وحديث فاطمة بنت قيس يدل على أنه لا سكنى ولا نفقة، ومروان بن الحكم الذي رأى الناس عليه أنه يكون لها السكنى، وقد جاء أن مروان رجع عن هذا الذي كان يقول به إلى ما جاء في حديث فاطمة بنت قيس الذي ذكره النسائي هنا.

    قوله: [(فزعمت فاطمة بنت قيس أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص)].

    يعني: أرادت فاطمة أن تبين الدليل الذي تستند إليه في كونها طلبت من ابنة أختها أن تخرج من بيت زوجها الذي طلقها البتة، وأخبرت بأنها كانت عند أبي عمرو بن حفص، وأنه ذهب مع علي لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فطلقها تطليقةً هي بقية طلاقها، معناه: طلقها قبل ذلك اثنتين، وبقيت الثالثة التي تبين بها، وتكون بها بائناً، فطلقها هذه الطلقة، وهي بقية ما لها من الطلقات، فأوصى لها بنفقة، ولكن الذين أوصاهما قالوا: إنه لا نفقة لها، وحتى السكنى ليس لها إلا بإذنهما، فذكرت أنها ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقهما، يعني: أقرهما على ما قالا، وصدقهما على أنه ليس لها نفقة ولا سكنى، فقالت: أين أنتقل؟ قال: انتقلي إلى ابن أم مكتوم، فإنه أعمى، وقد وصفه الله عز وجل بهذا الوصف في قوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2]، هذا هو مقصودها الذي سماه الله عز وجل في كتابه، يعني: سماه أعمى.

    قوله: [(قالت فاطمة: فاعتددت عنده، وكان رجلاً قد ذهب بصره، فكنت أضع ثيابي عنده، حتى أنكحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..)].

    معناه: كانت عنده، وكانت تضع ثيابها عنده، معناه: أنها لا تحتجب منه؛ لأنه أعمى لا يبصر، وهذا إذا كان العمى محققاً، وليس فيه شيءٍ من الإبصار مطلقاً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)، فإذا كان البصر غير موجود أصلاً، ولا يمكن معه الرؤية، فإنه يمكن عدم الاحتجاب من الأعمى الذي ليس عنده شيءٍ من النور، وليس عنده شيءٌ من الإبصار مطلقاً، أما إذا كان عنده شيءٍ ولو كان يسيراً، وأنه يمكن أن يرى ولو في بعض الأحيان، فهذا لا يجوز، ويجب الاحتجاب منه؛ فالاستئذان جعل من أجل البصر، فيستأذن الإنسان حتى لا يطلع على العورات، يعني: من حيث المشاهدة والمعاينة، فقولها: [(فكنت أضع ثيابي عنده)]، وكان أعمى لا يبصرها، يعني يوضحه قوله: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر).

    قوله: [(حتى أنكحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد، فأنكر ذلك عليها مروان)].

    وهذا محل الشاهد، أنكحها أسامة بن زيد، فأنكر عليها ذلك مروان، يعني: أنكر عليها قضية كونه لا نفقة ولا سكنى، والخروج من مسكن الزوج، وعدم الاعتداد في مسكنه، أنكر مروان عليها ذلك، ولهذا أرشد ابنة أختها أن ترجع إلى بيت زوجها الذي طلقها، وأن تعتد في بيته، وأن لها السكنى، وكان يرى أن لها السكنى، وقد قال بهذا كثيرٌ من أهل العلم، وذكر أن مروان رجع عن قوله هذا إلى ما جاء في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها.

    قوله: [(وقال: لم أسمع هذا الحديث من أحدٍ قبلك، وسآخذ بالقضية التي وجدنا الناس عليها)].

    ومن المعلوم: أن رواية الحديث من شخص واحد، سواء كان رجلاً أو امرأة، فإنه معتبر وحجة عند العلماء، ولعل مروان خاف أن يكون قد حصل لها وهم أو ما إلى ذلك، ولكنه في الآخر رجع إلى ما جاء عنها من أنه لا سكنى لها ولا نفقة، أي: المطلقة طلاقاً بائناً.

    تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت قيس في تزوج المولى العربية

    قوله: [أخبرنا كثير بن عبيد].

    هو كثير بن عبيد الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن محمد بن حرب].

    هو محمد بن حرب الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزبيدي].

    هو محمد بن الوليد الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    [عن الزهري].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، مكثر من الرواية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة].

    هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن فاطمة].

    هي فاطمة بنت قيس، وهي صحابية، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (أن أبا حذيفة بن عتبة تبنى سالماً وأنكحه ابنة أخيه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمران بن بكار بن راشد حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممن شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- تبنى سالماً، وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وهو مولىً لامرأةٍ من الأنصار، كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس ابنه، فورث من ميراثه، حتى أنزل الله عز وجل في ذلك: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [الأحزاب:5]، فمن لم يعلم له أب كان مولىً وأخاً في الدين)، مختصر].

    أورد النسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: [أن أبا حذيفة تبنى سالماً].

    سالم هو مولى لامرأة من الأنصار أنكحه ابنة أخيه، وهي عربية، وهذا محل الشاهد من إيراد الحديث للترجمة، وهو تزوج المولى العربية؛ لأن العبرة هو المكافئة في الدين.

    قوله: [(كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيداً)].

    كانوا من قبل يتبنى الرجل الواحد فينسب إليه، ويرث منه، حتى نزل القرآن فنسخ ذلك ومنع منه، وأمر بأن يدعوا لآبائهم، ولا يدعون لمن تبناهم، وإذا لم يعلم له أب فهو أخٌ في الدين ومولى، ولكن لا يقال له: ابن فلان، وإنما يقال له: مولى آل فلان؛ فالبنوة مقصورة على النسب، والانتساب إنما هو للنسب، وليس من أجل التبني؛ لأن التبني نسخ وانتهى، ولم يبق له اعتبار.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن أبا حذيفة بن عتبة تبنى سالماً وأنكحه ابنة أخيه ...)

    قوله: [أخبرنا عمران بن بكار بن راشد].

    وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن أبي اليمان].

    هو الحكم بن نافع الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن شعيب].

    هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزهري].

    وقد مر ذكره.

    [عن عروة بن الزبير].

    هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    هي عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، وهي الصحابية التي روت الحديث الكثير عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث عائشة وأم سلمة في زواج المولى بالعربية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن نصر حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال قال يحيى يعني ابن سعيد: وأخبرني ابن شهاب حدثني عروة بن الزبير وابن عبد الله بن ربيعة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم رضي الله عنهما: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممن شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- تبنى سالماً وهو مولىً لامرأةٍ من الأنصار، كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة، وأنكح أبو حذيفة بن عتبة سالماً ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكانت هند بنت الوليد بن عتبة من المهاجرات الأول، وهي يومئذٍ من أفضل أيامى قريش، فلما أنزل الله عز وجل في زيد بن حارثة: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:5]، رد كل أحد ينتمي من أولئك إلى أبيه، فإن لم يكن يعلم أبوه رد إلى مواليه)].

    أورد النسائي حديث عائشة، وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما، وهو يدل على ما دل عليه الذي قبله، وهو مثل الذي قبله من جهة زواج المولى بالعربية، وهو مثل الذي قبله من جهة أن سالماً مولى أبي حذيفة زوجه مولاه ابنة أخيه، وهذا هو محل الشاهد، وهو نفس الذي تقدم في الحديث الذي قبل هذا.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة وأم سلمة في زواج المولى بالعربية

    قوله: [أخبرنا محمد بن نصر].

    هو محمد بن نصر المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن أيوب بن سليمان بن بلال].

    وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن أبي بكر بن أبي أويس].

    هو عبد الحميد بن عبد الله، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن سليمان بن بلال].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى يعني ابن سعيد].

    هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير، وابن عبد الله بن ربيعة].

    وقد مر ذكر الاثنين، ابن شهاب، وعروة بن الزبير. وابن عبد الله بن ربيعة ذكر الحافظ ابن حجر أنه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله وأما أبو عائذ الله فمجهول، وقال عنه: إنه مقبول، وذكر أنه أخرج له مسلم، وأبو داود في المراسيل، والنسائي. كما أخرج له ابن ماجه.

    وكونه مقبولاً ما يؤثر؛ لأن العمدة على عروة بن الزبير وهو الثقة الفقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة، وابن عبد الله بن ربيعة إضافة وزيادة، هناك قال يحيى بن سعيد: (وأخبرني الزهري)، كلمة (وأخبرني) يقولون: فيها الإشارة إلى إسنادٍ قبله، حذفه وأتى بالمعطوف عليه الذي هو محل الشاهد، وهذا يأتي في الأسانيد إشارةً إلى أن هناك إسنادٌ قبله لا يتعلق بالموضوع، فحذف وأبقي المعطوف عليه الذي هو الإسناد المعطوف عليه، وجاءت واو العطف حتى يتبين أنها جاءت على وضعها، وعلى لفظ الراوي، وفيها إشارةٌ إلى المعطوف عليه الذي حذف، والذي لا علاقة له في الموضوع، ولكن هذا إبقاء للفظ على ما هو عليه، وإشارةً إلى أن هذا الذي ذكره قد حذف شيءٌ قبله لا تعلق له بالموضوع.

    [عن عائشة وأم سلمة].

    عائشة، مر ذكرها، وأم سلمة هي هند بنت أبي أمية، وهي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الحسب

    شرح حديث: (إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحسب.

    أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبو تميلة عن حسين بن واقد عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الحسب، والمقصود به الشيء الذي يدفع الناس إلى التقارب وإلى المصاهرة هو المال، فهو الذي يعولون عليه، وهو الذي يحرصون على صاحبه؛ لأنهم حريصون على المال، فيحرصون على من كان عنده المال، والحسب الذي هو الشرف، وعلو الرفعة والمنزلة، إذا وجد معه الإيمان والتقى والصلاح، هذا شيءٍ مطلوب، وأما إذا كان يتعلق بأمورٍ دنيوية، مع غض النظر عن الأمور المعتبرة في الشرع، فإن هذا ليس بشيء، وهذا هو الذي أشار إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: [(إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال)]، فهذا هو المعتبر عند أهل الدنيا، يعني: يميلون إلى من عنده المال، وليس هذا معتبراً في الشرع، بل المعتبر أن المرأة إذا كانت ذات حسب ونسب، وذات سمعةً طيبة مع الإيمان والتقوى، فهذا خيرٌ إلى خير، وشيءٌ طيب إلى شيءٍ طيب، أما إذا كان هذا الحسب يتعلق بمطامع، ويتعلق بدنيا، فإن هذا مذموم، وهذا شأن أهل الدنيا، وأحساب أهل الدنيا إنما هي من هذا القبيل، كما دل عليه هذا الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال)

    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].

    هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة، وبدون واسطة.

    [عن أبي تميلة].

    هو يحيى بن واضح، وهو ثقة، أخرج له أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن حسين بن واقد].

    قد مر ذكره.

    [عن ابن بريدة عن أبيه].

    هو عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وقد مر ذكرهم.