إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الجهاد - (تابع باب وجوب الجهاد) إلى (باب فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)

شرح سنن النسائي - كتاب الجهاد - (تابع باب وجوب الجهاد) إلى (باب فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجهاد أنواع ومراتب أفضلها من يجاهد بنفسه وماله، وله في ذلك الأجر العظيم، ومع ذلك فقد رخص في التخلف عنه لمن كان له والدان لم يأذنا له في الجهاد ولم يكن الجهاد فرض عين.

    1.   

    تابع وجوب الجهاد

    شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى تحت ترجمة: [باب وجوب الجهاد.

    أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان عن شعيب عن الزهري ح وأخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير حدثنا أبي حدثنا شعيب، عن الزهري حدثني سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة رضي الله عنه أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله)].

    فحديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا سبق أن مر من طرق عديدة، وكذلك جاء عن غير أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ويقول في هذا الحديث عليه الصلاة والسلام: [(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)]، وهنا اقتصر على الشهادة لله بالوحدانية، ولابد معها من الشهادة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة؛ لأن الشهادتين متلازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ومنذ أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينفع أحداً أن يقول: إنه مؤمن بالله دون أن يكون مؤمناً بمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، بل يجب على كل إنسي وجني من حين بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، أن يشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فليس له إلا النار، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار)، فالشهادتان متلازمتان لابد منهما، فالمقصود مما جاء في حديث أبي هريرة: أن الكافر يدخل في الإسلام بهذه الشهادة، وبقول: لا إله إلا الله، ثم يطالب بعد ذلك بالأمور التي وراءها، كما جاء ذلك مبيناً في حديث معاذ بن جبل حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أجابوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، والكافر إذا أظهر الشهادتين لله بالوحدانية ولنبيه محمد عليه الصلاة والسلام بالرسالة فإنه يعصم نفسه وماله بذلك، إلا بحق الإسلام وهو الأمور الأخرى التي لابد منها.

    قوله: [(وحسابه على الله عز وجل)]، أي: أنه إذا أظهر الشهادتين، وأظهر الإسلام، فإنه يقبل منه؛ لأن المسلمين ليس لهم إلا الظاهر، وأما البواطن فعلمها عند الله عز وجل، فلو أن هذا الذي أظهر الإسلام مبطن الكفر، أي: منافق يظهر الإيمان ويبطن الكفر، فإن حسابه على الله عز وجل، وهو الذي يعلم منه إظهار الإيمان وإبطان الكفر، ويكون في الدرك الأسفل من النار؛ لأنه من جملة الكفار؛ لأنه مؤمن ظاهراً، ولكنه كافر باطناً، فمأواه ومستقره الدرك الأسفل من النار، كما جاء ذلك في كتاب الله عز وجل.

    وذكرت أن حديث أبي هريرة هذا فيه إجمال وفيه اختصار، وأما ما جاء في حديث ابن عمر فهو أوسع، حيث قال: [(أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله عز وجل)]، وهذا الذي جاء في حديث ابن عمر متفق مع ما جاء في القرآن في سورة التوبة في آيتين: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11].

    تراجم رجال إسناد حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله...)

    قوله: [أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة].

    أحمد بن محمد بن المغيرة صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن عثمان].

    هو عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن شعيب].

    هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزهري].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ح وأخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير].

    ثم قال: ح، وهي حاء التحويل الدالة على التحول من إسناد إلى إسناد.

    عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن أبيه].

    هو عثمان الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن شعيب عن الزهري].

    وقد مر ذكرهما.

    [عن سعيد بن المسيب].

    وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    شرح حديث: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله ومحمد بن إسماعيل بن إبراهيم، قالا: حدثنا يزيد أخبرنا حماد بن سلمة حدثني حميد عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم، وأيديكم، وألسنتكم)].

    أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: [(جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم)]، وهذا الحديث فيه أنواع الجهاد الثلاثة، التي هي: الجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، الذي قال: بأيديكم هنا، والجهاد باللسان، والجهاد بالمال قدم على غيره، ويأتي كثيراً تقديم الجهاد بالمال على غيره؛ لأنه هو الذي يكون فيه تحقيق المقصود من الجهاد؛ وذلك لأن الجهاد بالمال يمكن من الجهاد بالنفس؛ لأن من يكون عنده استعداد للجهاد بنفسه لكنه ما عنده ما يركبه وما عنده ما يمكنه من الذهاب إلى الجهاد فوجود المال يمكن مثل هذا الشخص القوي ببدنه من الجهاد في سبيل الله عز وجل، ثم أيضاً الجهاد بالمال فيه شراء الأسلحة، وفيه توفير المركوب، وفيه توفير الزاد، والطعام، والمتاع اللازم للجهاد في سبيل الله، فمن أجل ذلك يأتي ذكره كثيراً في الكتاب، والسنة مقدماً على الجهاد بالنفس، وقد ذكر بعض أهل العلم أن المواضع التي جاء فيها ذكر الجهاد بالمال والنفس في القرآن، قدم في جميعها الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، إلا في موضع واحد من القرآن وهو في آية الشراء: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111]، فإنها قدمت الأنفس على الأموال، وإلا فالمواضع الأخرى التي فيها ذكر الجهاد بالمال والنفس، قدم فيها الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.

    والجهاد بالألسنة يكون ببيان عظم شأن الإسلام وفضله، وما فيه من الخير، وإقامة الحجج، والذم للكفار؛ وذلك بالشعر، كما حصل من حسان بن ثابت رضي الله عنه، فإنه كان يهجو الكفار، والرسول صلى الله عليه وسلم يأمره بذلك، ويخبر بأن هذا الذي يحصل منه لهم أشد عليهم من وقع النبل، فالجهاد يكون بالمال، ويكون بالنفس، ويكون باللسان، وهذه أقسام ثلاثة.

    وهناك قسم رابع: وهو الجهاد بالقلب أو الجهاد بالنية، ويدل له الحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب الناس إلى تبوك، فقال: (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم، حبسهم العذر)، يعني: أنهم مجاهدون بنياتهم، وبعزائمهم، وبقلوبهم، وبحرصهم، وإن كانوا غير قادرين بالأنفس، أو بالأموال، لكن عندهم الحرص، وعندهم الرغبة، وعندهم الحب الشديد للجهاد في سبيل الله، ولكنهم لا يجدون القدرة على ذلك؛ لعدم سعة المال عندهم، وعدم توفر المركوب، وما يحتاج إليه في الجهاد في سبيل الله عز وجل، هذه أنواع الجهاد الأربعة، وثلاثة منها جاءت في هذا الحديث، هذا بالنسبة لجهاد الأعداء.

    أما جهاد النفس فهذا هو أهم الجهاد، ويترتب عليه الجهاد الأعظم الذي هو قتال الكفار؛ لأن الجهاد بالنفس هو الذي يدفع إلى قتال الكفار، مجاهدة النفس وتعويدها على ما يعود عليها بالخير، والحذر من الوقوع فيما يعود عليها بالضرر وبالشر، فإذا وجد جهاد النفس الذي هو جهاد النفس الأمارة بالسوء فإن هذا هو الوسيلة وهذا هو الذي يدفع حقيقة إلى الجهاد الذي هو قتال الكفار، والذي هو الخروج في سبيل الله، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولجلبهم وسحبهم إلى الجنة بالسلاسل، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم)

    قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].

    هارون بن عبد الله هو الحمال البغدادي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    محمد بن إسماعيل].

    هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور أبوه: بـابن علية، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وهذا الرجل أبوه ثقة، إمام، من أئمة أهل السنة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وله أخ سيئ وهو: إبراهيم بن إسماعيل الذي قال عنه الذهبي في الميزان: جهمي هالك، وهو الذي يعرف بالشذوذ في مسائل فقهية، عندما يأتي في بعض المسائل الفقهية: وخالف فيها الأصم، وابن علية، يعني: عندما يأتي ذكر ابن علية في مسائل الفقه الشاذة فالمراد به: الجهمي المبتدع الذي هو إبراهيم، ومن المسائل التي جاء فيها ذكره مسألة الإجارة، يقول: الإجارة حرام لا تجوز، وقالوا: إنه خالف فيها ابن علية، والأصم، ابن علية هذا الذي هو: إبراهيم، والأصم الذي هو: أبو بكر بن كيسان المعتزلي، وهو غير الأصم الذي هو شيخ الحاكم: محمد بن يعقوب الأصم الذي هو ثقة، لكن الذي يأتي ذكره في المسائل الفقهية التي يشذ فيها، فالمراد به: أبو بكر بن كيسان الأصم.

    [عن يزيد].

    هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن حماد بن سلمة].

    هو حماد بن سلمة البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن حميد].

    هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقالوا في ترجمته: إنه مات فجأة في الصلاة، أي: مات وهو يصلي.

    [عن أنس].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال وامرأة واحدة، رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    الجهاد بالكتابة من جنس الجهاد باللسان

    ومن يكتب ضد المشركين ويبين ما هم فيه هذا كما هو معلوم من جنس الجهاد باللسان؛ لأن الكتابة هي مثل القول، بل قد تكون أبلغ من القول، أو أعظم نفعاً من القول، من جهة بقائها واستمرارها، بخلاف القول فإنه يذهب بذهاب قائله، ولكنه يمكن أن يؤخذ عنه ويتناقل، لكن كتابة العلم وبيان محاجة الكفار، وكذلك بيان فضل الإسلام، وكذلك بيان محاسنه، وذم الكفار وهجوهم، وما إلى ذلك من جنس اللسان، لا يقال: إنه من جنس الجهاد باليد الذي هو قتال الكفار وملاقاة الكفار، بل هو من جنس الجهاد باللسان، وهو مثل القول، ولهذا الإنسان لو كتب طلاق زوجته بيده ولم يتلفظ فإنها تطلق بكتابته ذلك؛ لأن الكتابة مثل القول.

    1.   

    التشديد في ترك الجهاد

    شرح حديث: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة نفاق)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التشديد في ترك الجهاد.

    أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم حدثنا سلمة بن سليمان أخبرنا ابن المبارك حدثنا وهيب يعني: ابن الورد أخبرني عمر بن محمد بن المنكدر عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة نفاق)].

    أورد النسائي: التشديد في ترك الجهاد، يعني: ما فيه من التشديد ومن الخطورة، وأنه جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتحذير من ذلك، وببيان خطورة من حصل منه ترك الجهاد، وأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة نفاق)]، قوله: [(ولم يغز)]، يعني: حصل منهم مباشرة الغزو، [(ولم يحدث نفسه بالغزو)]، يعني: ما فكر ولا اهتم، فإنه يموت على شعبة من النافق؛ ذلك أن المنافقين شأنهم أنهم يحبون الحياة ولا يحبون الجهاد؛ لأن فيه إزهاق النفوس، وهم على حالة سيئة، وليس أمامهم إذا ماتوا إلا النار، والعياذ بالله، ولهذا فهم يفرحون بالحياة ويحبونها، ويكرهون الموت؛ لأنه ليس لهم من وراء الموت إلا ما يسوءهم، والعياذ بالله.

    ومحل الشاهد من ذكر التشديد في قوله: [(لم يحدث نفسه بالغزو)]، أنه يموت على شعبة من النفاق، إذا ما حدثته نفسه، بأن يكون عنده في قلبه الرغبة الصادقة لحصول القتال، والرغبة فيه، وأن يكون مع المجاهدين الذين يغزون في سبيل الله، ويقاتلون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، من لم يحصل منه الغزو، ولا تحديث النفس بالغزو، فإنه يموت على شعبة من النفاق، أي: قطعة منه، أو جزء منه؛ لأن هذا شأن المنافقين الذين لا تحدثهم أنفسهم بالجهاد ولا يريدون الجهاد؛ لما يترتب عليه من حصول القتل، وما يترتب عليه ما قد يحصل من ضرر؛ لأنهم لا يريد الآخرة، وإنما يريدون الدنيا، أي: المنافقين، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة تخلفهم عن صلاة الجماعة، قال عليه الصلاة والسلام: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً)، هذا ثواب الآخرة، والنتائج المترتبة عليه في الدار الآخرة، وهمهم الدنيا، قال في آخر الحديث: (والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)، لو كان اللحم يوزع في المسجد، وكان بسيطاً، لبادر إلى الإتيان إلى المسجد؛ ليأخذ نصيبه من اللحم، (والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً)، وهو العظم عليه لحم، (أو مرماتين حسنتين)، ظلفين بينهما لحم، أو ضلعين بينهما لحم، معناه: أنه شيء بسيط، وشيء ليس بذي شأن، ولكن همهم الدنيا، وذكر في أول الحديث أنهم لا تهمهم الآخرة، حيث قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً)، هذا بيان عظم ما يترتب على ذلك في الدار الآخرة، ثم بين همهم وما يريدونه، وهو الدنيا، ولو كانت الدنيا بسيطة، أو الذي يحصلون منها شيئاً يسيراً، إنهم لا يتأخرون عنه ليحصلوا نصيبهم منه، حيث قال: (والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)، يعني: يأتي لصلاة العشاء من أجل أن يحصل نصيبه من اللحم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة نفاق)

    قوله: [أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم].

    عبدة بن عبد الرحيم، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والنسائي.

    [عن سلمة بن سليمان].

    هو سلمة بن سليمان المروزي، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.

    [عن ابن المبارك].

    هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن وهيب يعني: ابن الورد].

    وهيب بن الورد ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبارة (يعني: ابن الورد) الذي قالها من دون تلميذه، ومن دون ابن المبارك وابن المبارك قال: وهيب فقط، ولم يزد عليها، ولكن من هو دون ابن المبارك قال: (يعني: ابن الورد)، وكلمة (يعني): فعل مضارع، فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى عبد الله بن المبارك، فقائلها من دون عبد الله بن المبارك، إما سلمة بن سليمان، أو عبدة بن عبد الرحيم، أو النسائي، أو من دون النسائي، وهذه إحدى الصيغتين اللتين يأتي بهما ذكر ما يضاف إلى ما يذكره التلميذ من أجل تمييزه وإظهاره، اللفظ الثاني: هو ابن فلان، أو هو ابن الورد، يعني: كثيراً ما يأتي (هو)، وأحياناً يأتي (يعني) كما هنا.

    [عن عمر بن محمد بن المنكدر].

    عمر بن محمد بن المنكدر ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وهو مذكور هنا في النسخة، أصل الكتاب عمرو، وفي تعليق في إحدى النسخ عمر، والصواب: هو ما في الحاشية وليس ما في الأصل؛ لأن النسخة التي فيها عمر هي الصواب.

    [عن سمي].

    هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي صالح].

    هو أبو صالح ذكوان السمان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكره.

    1.   

    الرخصة في التخلف عن السرية

    شرح حديث أبي هريرة في الرخصة في التخلف عن السرية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في التخلف عن السرية.

    أخبرنا أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان عن ابن عفير عن الليث عن ابن مسافر عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله عز وجل، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الرخصة في التخلف عن السرية، السرية هي قطعة من الجيش، يعني: في حدود أربعمائة شخص، هذه يقال لها: سرية، وقد ترسل مستقلة ابتداء، وإن لم تكن قطعة من جيش، ويطلق عليها هذا الاسم الذي هو السرية، وهي أقل من الجيش، والجيش أعم وأوسع، وهي أخص وأقل، والترجمة: الرخصة في التخلف عن السرية، والمقصود من ذلك: أنه عند الحاجة أو عند أمر يقتضي ذلك تكون هذه الرخصة، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، الذي بين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم شأن الجهاد في سبيل الله، وحرصه على أن يخرج في كل سرية، وأن لا يتخلف عن أي سرية، ولكن الذي يمنعه من ذلك كون رجال من أصحابه يشق عليهم أن يتخلفوا عنه، وهو لا يجد ما يحملهم عليه، ما عنده مركوبات ورواحل يتمكن من تحقيق مرادهم في أن يذهبوا معه، فهو عليه الصلاة والسلام أخبر عن السبب الذي يمنعه من الخروج في أي سرية، وهي: وجود جماعة من أصحابه يشق عليهم التخلف عنه، ولا يجد هو ما يحقق به رغبتهم؛ لكونه لا يجد ما يحملهم عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولولا هذا ما تخلف عن أي سرية، وهذا فيه بيان عظم شأن الجهاد في سبيل الله، وحرص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على الجهاد، وأنه يترك الشيء من أجل الرفق بأمته، أو من أجل مراعاة أحوال بعض أمته صلى الله عليه وسلم؛ لأن تخلفه إنما هو بسببهم.

    ثم بين عليه الصلاة والسلام بصورة أعظم وبصورة أوضح عظم شأن الجهاد في سبيل الله، وهو ما بينه من أنه يود أن يجاهد في سبيل الله فيقتل، ثم يحيا فيقتل، ثم يحيا فيقتل عدة مرات لما في الجهاد من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، والخير الكثير، والنفع العميم في الدخول في دين الله عز وجل، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فهو يدل على فضل الجهاد، وعلى فضل الشهادة في سبيل الله، وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ود أن يكون كذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في الرخصة في التخلف عن السرية

    قوله: [أخبرنا أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان].

    هو أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [عن ابن عفير].

    هو سعيد بن كثير بن عفير المصري، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود في القدر، والنسائي.

    [عن الليث].

    هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن مسافر].

    هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود في المراسيل، والترمذي، والنسائي.

    [عن ابن شهاب].

    وقد مر ذكره.

    [عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، على أحد الأقوال الثلاثة في السابع.

    سعيد].

    هو سعيد بن المسيب، وقد مر ذكره.

    [عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكره.

    1.   

    فضل المجاهدين على القاعدين

    شرح حديث زيد بن ثابت في فضل المجاهدين على القاعدين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل المجاهدين على القاعدين.

    أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع حدثنا بشر يعني ابن المفضل أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سهل بن سعد رضي الله عنهما أنه قال: (رأيت مروان بن الحكم جالساً فجئت حتى جلست إليه، فحدثنا أن زيد بن ثابت رضي الله عنه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنزل عليه: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:95]، فجاء ابن أم مكتوم وهو يملها علي، فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت؟ فأنزل الله عز وجل وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى ظننت أن سترض فخذي ثم سري عنه غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95])، قال أبو عبد الرحمن: عبد الرحمن بن إسحاق هذا ليس به بأس، وعبد الرحمن بن إسحاق يروي عنه علي بن مسهر وأبو معاوية وعبد الواحد بن زياد عن النعمان بن سعد ليس بثقة].

    أورد النسائي هذه الترجمة، وهي فضل المجاهدين على القاعدين من المؤمنين، وأنهم لا يستوون، وأورد النسائي حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه الذي فيه أن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه لقي مروان بن الحكم جالساً فجاء وجلس معه وحدثه عن زيد بن ثابت: أن النبي عليه الصلاة والسلام نزل عليه لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ [النساء:95]، قبل أن تنزل غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، هذه الجملة، فكان يمليها على زيد بن ثابت الذي يكتب الوحي له صلى الله عليه وسلم، فجاء عمرو بن أم مكتوم، وهو مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لو أستطيع الجهاد لجاهدت، فأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال زيد: وكانت فخذه على فخذي فثقلت، حتى خشيت أن ترض فخذه بفخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من ثقلها، فسري عليه، وقد أنزل عليه غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، هذا القيد الذي قيد به هذه الجملة من الآية فصارت لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:95]، هي قبل ذلك نزلت بدون غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، ثم نزلت هذه الجملة بعد ذلك بعدما قال عمرو بن أم مكتوم هذا الكلام للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يلقى شدة عندما ينزل عليه القرآن، فيجد شدة عندما يوحى إليه، حتى أنه جاء في بعض الأحاديث أنه في اليوم الشاتي الشديد البرودة يتصبب عرقاً صلى الله عليه وسلم لما يلقى من الشدة، وزيد بن ثابت رضي الله عنه يصف ما حصل له من شدة في هذا الحديث، مع أن الذي أوحي إليه في هذا الحديث هو شيء قليل، وهذه الجملة (غير أولي الضرر)، يسمونها في أصول الفقه المخصص المتصل الذي هو الاستثناء، وقد جاء هذا المخصص المتصل بعد وقت، أي ليس الاستثناء متصلاً بالكلام الذي أنزل من قبل، ومن المعلوم أن الاستثناء في الكلام -هي مسألة أخرى غير مسألة التخصيص- ينفع إذا كان متصلاً أما إذا كان غير متصل فإنه لا يعتبر، مثل الاستثناء في اليمين -كون الإنسان يحلف- ما يمكنه أن يستثني بعد مدة، فلا بد أن يستثني في الحال أو إذا ذكر، لكن بعدما يمضي ساعة أو ساعتين مثل يقول: والله، ثم بعد ساعة يقول: إن شاء الله، أو بعد يوم أو بعد يومين ما ينفع هذا الاستثناء، لكن فيما يتعلق بتخصيص المتصل كما جاء في هذا الحديث، هذا اللفظ العام جاء ما يقيده -وهو متصل غير منفصل- بنزول هذه الجملة من الآية وهي قول الله عز وجل: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، وفيه كما قلت: بيان ما يلقاه النبي صلى الله عليه وسلم من الشدة عندما يوحى إليه، ولو كان في الشيء القليل الذي يوحى به إليه عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا الذي يحكيه زيد بن ثابت كان لإنزال هذا المقطع من الآية أو هذه الجملة من الآية التي فيها تقييد لما أطلق في أولها، والذي أنزل من قبل أن يقول له ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه ما قال.

    ومن المعلوم أن المقصود بالذين حصلت المفاضلة بينهم وأن المجاهدين خير منهم هم المؤمنون الذين لا يتمكنون من القتال، وأما الذين يتمكنون من القتال ويتأخرون وقد احتيج إليهم فلا مقارنة ولا موازنة بينهم وبين غيرهم، وكذلك المنافقون الذين يتخلفون، هؤلاء هم في الدرك الأسفل من النار وليسوا من المؤمنين، وإن كانوا يعتبرون من المؤمنين ومن المسلمين في الظاهر، ولكنهم في الباطن ليسوا منهم؛ لأنهم كفار.

    تراجم رجال إسناد حديث زيد بن ثابت في فضل المجاهدين على القاعدين

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع].

    ثقة، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي.

    [عن بشر يعني ابن المفضل].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الرحمن بن إسحاق].

    صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن الزهري].

    وقد مر ذكره.

    [عن سهل بن سعد].

    هو سهل بن سعد الساعدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن مروان بن الحكم].

    وهو الخليفة ونقل الحافظ عنه في التقريب عن بعض أهل العلم أنه قال: لا يتهم في الحديث، وقد خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن زيد بن ثابت].

    رضي الله تعالى عنه كاتب وحي الرسول صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    ثم النسائي بعد ذلك أشار إلى عبد الرحمن بن إسحاق الذي في الإسناد، وأنه لا بأس به، وذكر شخصاً آخر يقال له: عبد الرحمن بن إسحاق، ذكر بعض تلاميذه وشيخاً من شيوخه، وقال: ذاك ليس بثقة، وهذا أراد به التمييز بين الشخصين المشتبهين، متفقين في الاسم واسم الأب، الذي هو المؤتلف والمختلف، فبين أن هذا الذي في الإسناد صدوق وأنه لا بأس به وهي بمعنى صدوق ومعناها حجة، وأن ذاك ليس بثقة.

    شرح حديث زيد بن ثابت في فضل المجاهدين على القاعدين من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثني أبي عن صالح عن ابن شهاب، قال: حدثني سهل بن سعد، قال: (رأيت مروان جالساً في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت رضي الله عنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أملى عليه: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:95].. وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:95]، قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي، فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلاً أعمى، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وفخذه على فخذي حتى همت ترض فخذي ثم سري عنه، فأنزل الله عز وجل: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95])].

    أورد النسائي حديث زيد بن ثابت من طريق أخرى، وهو مثلما تقدم.

    تراجم رجال إسناد حديث زيد بن ثابت في فضل المجاهدين على القاعدين من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله].

    هو محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    هو إبراهيم بن سعد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.

    [عن صالح].

    هو صالح بن كيسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب عن سهل بن سعد عن مروان عن زيد بن ثابت].

    وقد مر ذكر الأربعة.

    شرح حديث البراء بن عازب في فضل المجاهدين على القاعدين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا نصر بن علي حدثنا معتمر عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر كلمة معناها، قال: ائتوني بالكتف واللوح فكتب لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:95]، وعمرو بن أم مكتوم خلفه فقال: هل لي رخصة؟ فنزلت: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95])].

    أورد النسائي حديث البراء بن عازب، وهو بمعنى حديث زيد بن ثابت؛ وأن الآية لما نزلت بدون غير أولي الضرر، قال ابن أم مكتوم ما قال، وأنزل الله عز وجل هذا القيد الذي قيد به هذا الإطلاق، وهو غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، فهو مثل الذي قبله ويبين سبب نزول هذه الجملة.

    تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب في فضل المجاهدين على القاعدين

    قوله: [أخبرنا نصر بن علي].

    هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن معتمر].

    هو معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    وهو كذلك أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي إسحاق].

    أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن البراء].

    هو البراء بن عازب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    حديث البراء بن عازب في فضل المجاهدين على القاعدين من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبيد حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه أنه قال: (لما نزلت لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:95]، جاء ابن أم مكتوم وكان أعمى فقال: يا رسول الله فكيف في وأنا أعمى؟ قال: فما برح حتى نزلت غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95])].

    أورد النسائي حديث: البراء بن عازب من طريق أخرى، وهو مثلما تقدم.

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبيد].

    محمد بن عبيد هو المحاربي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن أبي بكر بن عياش].

    ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا مسلم فأخرج له في المقدمة.

    ولا يعني إخراج مسلم في المقدمة لشخص أنه لا يكون حجة، ولعل هذا هو الذي اتفق له، وإلا فإن عبد الله بن الزبير المكي الذي هو شيخ البخاري، والذي روى عنه أول حديث في صحيح البخاري ما خرج له مسلم إلا في المقدمة، أي ما خرج له في الصحيح، فقضية عدم الإخراج للشخص في كتاب دون كتاب لا يعني النيل منه أو الحط من شأنه إذا كان ثقة.

    [عن أبي إسحاق عن البراء].

    وقد مر ذكرهما.

    1.   

    الرخصة في التخلف لمن له والدان

    شرح حديث: (... ففيهما فجاهد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في التخلف لمن له والدان.

    أخبرنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد عن سفيان وشعبة قالا: حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب الرخصة في التخلف عن الجهاد لمن له والدان، وأورد فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه: [(جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)]، والمقصود من هذا الجهاد الذي يكون فرض كفاية، هذا هو الذي يتخلف عنه من أجل الوالدين أو يحتاج إلى إذن الوالدين، أما فرض العين فهذا لا يتخلف عنه أحد، إذا هاجم العدو الناس في بلدهم على الجميع أن يدافعوا وأن يردوه، وكذلك إذا استنفر الإمام على الجميع النفير، ولكن حيث يكون فرض كفاية فإنه يرخص في التخلف لمن يكون له والدان.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... ففيهما فجاهد)

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].

    محمد بن المثنى هو الملقب الزمن العنزي أبو موسى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى بن سعيد القطان].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان].

    هو سفيان بن سعيد الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أيضاً ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، فـسفيان وشعبة هذان ممن وصفوا بأنهم من أمراء المؤمنين في الحديث.

    شعبة].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث.

    [عن حبيب بن أبي ثابت].

    ثقة، كثير التدليس والإرسال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي العباس].

    هو السائب بن فروخ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن عمرو].

    هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، صحابي ابن صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم: عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وهو أكبر ولد أبيه، وقد ذكر في ترجمته وفي ترجمة أبيه؛ أنه ولد وعمر أبيه ثلاثة عشر سنة، عبد الله بن عمرو ولد وعمر عمرو بن العاص ثلاث عشرة سنة.

    1.   

    الرخصة في التخلف لمن له والدة

    شرح حديث معاوية بن جاهمة في الرخصة في التخلف عن الجهاد لمن له والدة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في التخلف لمن له والدة.

    أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني محمد بن طلحة وهو ابن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه طلحة عن معاوية بن جاهمة السلمي: (أن جاهمة رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها، فإن الجنة تحت رجليها)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الرخصة في التخلف لمن له والدة، وأورد فيه حديث: معاوية بن جاهمة السلمي رضي الله تعالى عنه، الذي فيه: أن أباه جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه.

    قوله: [(أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك)].

    أي: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد والغزو، فقال عليه الصلاة والسلام: [(فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها، فإن الجنة تحت رجليها)]، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى التخلف من أجل ملازمتها، والبقاء معها، وأرشده إلى أن الجنة تحت رجليها، يعني: كونه يخدمها، ويقوم بما يلزم لها، فإن ذلك يوصله إلى الجنة، وينتهي به إلى الجنة.

    تراجم رجال إسناد حديث معاوية بن جاهمة في الرخصة في التخلف عن الجهاد لمن له والدة

    قوله: [أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق].

    عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن حجاج].

    هو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن جريج].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن طلحة، وهو ابن عبد الله بن عبد الرحمن ].

    هو محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه.

    [عن أبيه].

    هو طلحة بن عبد الله بن أبي بكر، وهو مقبول، أخرج حديثه أبو داود في القدر، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن معاوية بن جاهمة السلمي].

    صحابي، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه.

    1.   

    فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله

    شرح حديث أبي سعيد الخدري في فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله.

    أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: من جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، قال: ثم من يا رسول الله، قال: ثم مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله، ويدع الناس من شره)].

    أورد النسائي هذه الترجمة: فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله. أورد فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: [(أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: من جاهد بنفسه وماله في سبيل الله)]، فقول هذا الرجل: (أي الناس أفضل؟) يدل على فضل الصحابة، وعلى حرصهم على الخير، وسؤالهم عن أفضل الأعمال، وأفضل الرجال؛ ليصيروا إلى ذلك، وليعملوا تلك الأعمال، وليبادروا إلى تلك الأعمال التي فيها التنافس، وفيها التميز، وهذه الأسئلة التي تحصل من الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الناس، وعن أفضل الأعمال تدل على فضلهم، ونبلهم، وحرصهم على معرفة درجات الخير ودرجات الأعمال وتفاوتها، حتى يأخذوا بالأفضل فالأفضل رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر السائل أن من جاهد بنفسه وماله في سبيل الله فهذا هو خير الناس وأفضل الناس، يعني: بذل النفس والنفيس الذي هو المال في سبيل الله، وهداية الخلق، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. ثم قال: [(ثم من يا رسول الله، قال: ثم مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله، ويدع الناس من شره)]، يعني: أنه معتزل للناس في شعب من الشعاب، أي: في واد من الأودية، في فلاة من الأرض يعبد الله ويتقيه، ويسلم الناس من شره، وقد جاء في الحديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، المسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده، فهو يكون في عزلة، وقد اختلف: أيهما أولى العزلة أو الخلطة؟ وأحسن ما يقال: أن الخلطة إذا كان يترتب عليها مصلحة وفائدة فهي أولى من العزلة؛ لأن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، ويترتب على خلطته بهم الخير الكثير فهو أولى من العزلة، وإذا خشي الإنسان على نفسه، وعلى دينه ولم يحصل منه فائدة، فعند ذلك تكون العزلة خير.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله

    قوله: [أخبرنا كثير بن عبيد].

    ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن بقية].

    هو بقية بن الوليد، وهو صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن الزبيدي].

    هو محمد بن الوليد الزبيدي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    [عن الزهري].

    وقد مر ذكره.

    [عن عطاء بن يزيد].

    هو عطاء بن يزيد الليثي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي سعيد الخدري].

    هو سعد بن مالك بن سنان، مشهور بكنيته، ونسبته، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.