إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب مناسك الحج - (باب قصر الخطبة بعرفة) إلى (باب كيف السير من عرفة)

شرح سنن النسائي - كتاب مناسك الحج - (باب قصر الخطبة بعرفة) إلى (باب كيف السير من عرفة)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، وله وقت محدد إذا انتهى فات الوقوف، ويسن فيه أن يقصر الإمام الخطبة ويعجل الصلاة، وأن يجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر، ويسن كذلك رفع اليدين بالدعاء، والمشي بسكينة عند الدفع من عرفة ومزدلفة إلا لحاجة.

    1.   

    قصر الخطبة بعرفة

    شرح حديث ابن عمر في قصرة الخطبة بعرفة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قصر الخطبة بعرفة.

    أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء إلى الحجاج بن يوسف: (يوم عرفة حين زالت الشمس وأنا معه، فقال: الرواح إن كنت تريد السنة، فقال: هذه الساعة؟ قال: نعم. قال سالم: فقلت للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب اليوم السنة فاقصر الخطبة وعجل الصلاة، فقال عبد الله بن عمر: صدق)].

    عقد النسائي هذه الترجمة وهي: قصر الخطبة يوم عرفة. يسن في يوم عرفة أن يخطب الإمام أو نائب الإمام بالناس، ويصلي بهم الظهر والعصر جمعاً وقصراً في أول وقت الظهر، والنبي صلى الله عليه وسلم قد خطب الناس بنمرة، والآن المسجد بنمرة، وفيه الصلاة وفيه الخطبة، لكن ليس ذلك بلازم للحجاج بأن يأتوا إلى المسجد ويصلوا فيه، وإنما ينزلون في عرفة وفي أي مكان تيسر له من عرفة ويصلون في أماكنهم، ومن تيسر له أن يأتي إلى المسجد ويصلي فذلك حسن، وإلا فإن الأمر في ذلك واسع، وليس الحضور إلى المسجد متعيناً ومطلوباً.

    والسنة أن تكون الخطبة قصيرة، وأن تعجل الصلاة في أول وقتها، وبعد الخطبة يكون الأذان، ثم تصلى الظهر ركعتين، ثم بعدها العصر ركعتين بأذان واحد وإقامتين، ويكون ذلك في أول الوقت حتى يتسع للناس وقت الوقوف؛ لأن الوقوف يبدأ بالصلاة وقد جاء في بعض الروايات المتقدمة: (أن اقصر الخطبة وعجل الوقوف)؛ لأن الوقوف يكون بعد الانتهاء من الصلاة، ثم أيضاً إذا قصرت الخطبة وجاءت الصلاة بعدها، فإن ذلك يكون فيه تعجيل للصلاة، وحصول الوقت بعدها، أي: وقت الوقوف، وإذا أطيلت الخطبة وجاءت الصلاة بعدها، طال أو قصر وقت الوقوف، فالسنة كما جاء في هذا الحديث: قصر الخطبة، وتقديم الصلاة.

    أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد مر هذا الحديث، وهو أن الحجاج لما كان أميراً على الحج في زمن عبد الملك بن مروان، وقد أمره بأن يسير وفقاً لما يوجهه به عبد الله بن عمر، جاء إليه بعدما زالت الشمس وقال: الرواح إن كنت تريد السنة، ولما مشوا قال سالم بن عبد الله بن عمر: (إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فاقصر الخطبة وعجل الصلاة)، وهذا الحديث فيه شاهد للترجمة وهي تقصير الخطبة.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في قصر الخطبة بعرفة

    قوله: [أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح].

    وهو: أحمد بن عمرو بن السرح المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [حدثنا ابن وهب].

    وهو: عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن مالك].

    وهو: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب].

    وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سالم].

    وهو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، على أحد الأقوال في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن عمر].

    هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الجمع بين الظهر والعصر بعرفة

    شرح حديث: (كان رسول الله يصلي الصلاة لوقتها إلا بجمع وعرفات)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجمع بين الظهر والعصر بعرفة.

    أخبرنا إسماعيل بن مسعود عن خالد عن شعبة عن سليمان عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الصلاة لوقتها إلا بجمعٍ وعرفات)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، السنة أن يجمع بينهما، وأن يكون ذلك في أول وقت الظهر؛ لأنه بذلك يبدأ الوقوف إلى غروب الشمس، من حين الفراغ من صلاة الظهر والعصر جمعاً وقصراً في أول وقت الظهر يكون الوقوف إلى غروب الشمس، فيبقى الحجاج في ذلك اليوم بعد الصلاة داعيين، مهللين، ذاكرين الله عز وجل، سائلين الله عز وجل من خيري الدنيا والآخرة إلى أن تغرب الشمس، ثم بعد ذلك ينصرفون متجهين إلى مزدلفة.

    وقد أورد النسائي حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام (كان يصلي الصلاة لوقتها إلا بجمعٍ وعرفات) ]. المقصود من هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في حجته في مكة وفي منى يصلي كل صلاة في وقتها مقصورة وبدون جمع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما وصل إلى مكة في اليوم الرابع من شهر ذي الحجة، وأقام أربعة أيام بالأبطح يصلي كل صلاة في وقتها قصراً بدون جمع، وكذلك لما ذهب إلى منى في اليوم الثامن صلى بها الظهر وحده ركعتين، ثم العصر في وقتها ركعتين، ثم المغرب في وقتها ثلاث ركعات، ثم الفجر في وقتها ركعتين، ولما ذهب إلى عرفة صلى الظهر والعصر جمعاً وقصراً في أول وقت الظهر، فلم يفرقهما مثل ما فعل في مكة، وفي منى، وصلى كل صلاة في وقتها، بل جمع بينهما جمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر، وكذلك في مزدلفة صلى المغرب والعشاء جمعاً وقصراً للعشاء، ثم لما رجع إلى منى ومكث فيها يوم العيد، ويوم إحدى عشر، واثنا عشر، وثلاثة عشر، أربعة أيام وهو في منى، وهو يصلي كل صلاة في وقتها مقصورةً وبدون جمع، وهذا هو معنى قول ابن مسعود : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصلاة لوقتها إلا في عرفة ومزدلفة فقد كان يجمع بين الصلاتين).

    وهذا يدلنا على أن السنة للإنسان في حجه أن يقصر ويصلي الصلاة في وقتها ولا يجمع إلا في عرفة ومزدلفة، فإنه يستحب له أن يجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر بعرفة، ويجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة إذا وصل إليها، سواءً كان ذلك في وقت المغرب أو في وقت العشاء، لكن إذا كان الإنسان في الطريق وانتصف الليل، وهو ما وصل إلى مزدلفة، فلا يؤخر الصلاة عن وقتها، بل ينزل ويصليها في الطريق؛ لأن الصلاة لا تؤخر عن وقتها، الوقت الاختياري لها نصف الليل، ولها وقت آخر اضطراري وهو إلى طلوع الفجر التي هي العشاء، وعلى هذا فإن السنة للحجاج أن يكونوا في حجهم في منى وكذلك في مكة إذا كانوا ما صلوا مع الجماعة، فإنهم يقصرون ولا يجمعون إذا كان الإنسان مدة إقامته في مكة أربعة أيام فأقل، أما إن أقام بها مدةً طويلة تزيد على أربعة أيام فإنه يتم ولا يقصر، بل عليه أن يصليها تامة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى مكة كان يصلي الصلاة مقصورة أربعة أيام فقط، كان مقيماً، فدل هذا على أن هذه المدة هي التي يمكن للإنسان المقيم في بلد أن يقصر فيها، وإذا زادت إقامته على أربعة أيام فإن عليه الإتمام، وليس له أن يقصر؛ لأنه في حكم المقيمين، وكذلك في منى قبل عرفة وبعد مزدلفة يصلي كل صلاة في وقتها بدون جمع، أما في عرفة فيجمع ويقصر، وفي مزدلفة يجمع ويقصر العشاء.

    وأما بالنسبة للسفر، فكان عليه الصلاة والسلام من هديه أنه إذا كان جاداً به السير واصل، ثم ينزل ويصلي الصلاتين في وقت الثانية، وإذا كان مقيماً في منزل وقبل أن يرتحل، فإنه يأتي ويقدم الصلاة المتأخرة ويصليها مع الأولى، فيقدم العصر مع الظهر، ويقدم المغرب مع العشاء، أو يؤخر الظهر مع العصر، أو يؤخر المغرب مع العشاء.

    مداخلة: هل الحاج إذا كان من أهل مكة يقصر الصلاة بمنى وعرفة؟

    الشيخ: نعم، أهل مكة في عرفة وفي منى، حكمهم حكم الحجاج إذا كانوا حجاجاً، أما إذا كان الواحد منهم غير حاج فليس له ذلك، إذا كان في منى وهو ليس بحاج، أو كان في عرفة وهو ليس بحاج فليس له القصر، وأما إذا كانوا حجاجاً فإن حكمهم حكم الحجاج.

    مداخلة: تسمية مزدلفة بجمع؟

    الشيخ: مزدلفة يقال لها: جمع، ويقال لها: المزدلفة، ويقال لها: المشعر الحرام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي الصلاة لوقتها إلا بجمع وعرفات)

    قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].

    وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن خالد].

    وهو: خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن شعبة].

    وهو: شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سليمان].

    وهو: سليمان بن مهران الكاهلي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمارة بن عمير].

    وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الرحمن بن يزيد].

    وهو: عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أخو الأسود بن يزيد بن قيس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن مسعود].

    رضي الله تعالى عنهما، صحابي مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    رفع اليدين في الدعاء بعرفة

    شرح حديث أسامة بن زيد: (كنت رديف النبي بعرفات فرفع يديه يدعو...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [رفع اليدين في الدعاء بعرفة.

    أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن هشيم حدثنا عبد الملك عن عطاء قال أسامة بن زيد رضي الله عنهما: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: رفع اليدين في الدعاء بعرفة. رفع اليدين في الدعاء له أحوال، منها ما جاءت السنة بأن اليدين ترفع فيه، مثل يوم عرفة، وعلى الصفا والمروة ترفع فيه الأيدي، والأشياء التي وردت السنة بأنها ما ترفع الأيدي بها فلا ترفع بها، مثل بعد الصلاة المكتوبة، فالإنسان لا يرفع يديه بالدعاء بعد الصلاة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بالناس الصلوات الخمس، وما عرف عنه أنه رفع يديه بعد الصلاة في الدعاء، فدل هذا على أنها لا ترفع الأيدي؛ لأنه لو كانت ترفع الأيدي لفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليبين للناس أنها ترفع فيه الأيدي، وكونه عليه الصلاة والسلام يصلي بالناس دائماً، وهو إمامهم عليه الصلاة والسلام ولا يرفع اليدين بعد الصلاة، دل على أنها لا ترفع، وكذلك في خطبة الجمعة لا ترفع الأيدي في الدعاء، لا الإمام ولا المأمومين إلا إذا استسقى في خطبة الجمعة، فقد جاء فيه رفع اليدين، فالذي جاء في رفع اليدين مثل الذي معنا في هذا الحديث في عرفة، ومثل على الصفا والمروة ترفع فيه الأيدي، والذي ما جاء أنها ترفع مثل الخطبة يوم الجمعة، ومثل بعد الصلوات المكتوبة فلا ترفع فيها الأيدي، وما عدا ذلك من الأمور المطلقة، مثل صلاة النوافل وما إلى ذلك فالأمر في ذلك واسع، إن رفع يديه له ذلك، وإن لم يرفعهما له ذلك، وعلى هذا ففيها تفصيل، رفع اليدين فيه مواضع وردت السنة بأنها ترفع الأيدي، ومواضع ما وردت السنة بأنها ترفع، ومواضع مطلقة، فهذه الأمر فيها واسع، للإنسان أن يرفع، وله ألا يرفع.

    أورد النسائي حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما: أنه كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، وكان رافعاً يديه يدعو، فسقط خطام ناقته، فمد إحدى يديه لتناوله، وجعل اليد الأخرى مرفوعة، يعني ما ترك اليدين كلهن نازلة، وإنما أنزل التي لها الحاجة، والأخرى بقيت مرفوعة، فدل هذا على أن الإنسان إذا رفع يديه في الدعاء، ثم صار له حاجة استعمال إحدى يديه لأمر احتيج إليه، فإن اليد الأخرى تكون مرفوعة، فلا ينزل الثانية أو يترك رفع اليدين نهائياً؛ النبي عليه الصلاة والسلام كان رافعاً يديه، ولما سقط خطام الناقة، واحتاج إلى أن يستعمل إحدى يديه لرفعه، بقيت الأخرى مرفوعة، فدل هذا على أن إحدى اليدين عندما يحتاج الإنسان الذي رفع يديه للدعاء، إلى استعمال يده في أمر ما هو بحاجة إليه أن تبقى اليد الأخرى مرفوعة.

    تراجم رجال إسناد حديث أسامة بن زيد: (كنت رديف النبي بعرفات فرفع يديه يدعو...)

    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].

    وهو: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [عن هشيم].

    وهو: هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة، كثير التدليس والإرسال الخفي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا عبد الملك].

    وهو: عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    وسبق أن مر إسناد مثل هذا الإسناد عبد الملك عن عطاء، وقلت: إنه ابن جريج، وهو ليس ابن جريج، بل هو هذا الذي معنا هنا وهو عبد الملك بن أبي سليمان، فيصحح هناك بأنه عبد الملك بن أبي سليمان، ويشطب على ما قيل: إنه ابن جريج.

    [عن عطاء].

    وهو: عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أسامة بن زيد].

    هو: أسامة بن زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حبه وابن حبه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث عائشة في الدفع من عرفات

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو معاوية حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كانت قريش تقف بالمزدلفة، ويسمون الحمس، وسائر العرب تقف بعرفة، فأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقف بعرفة، ثم يدفع منها، فأنزل الله عز وجل: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199])].

    أورد النسائي هذا الحديث، وهو لا يتضح دخوله في الترجمة؛ لأن الترجمة في رفع اليدين في الدعاء، والحديث ليس فيه ذكر رفع اليدين في الدعاء، وإنما فيه أن قريشاً كانت تقف بالمزدلفة، وغيرهم من الناس يقفون بعرفة، ويقولون: إنهم هم الحمس، ويقولون: إنهم أهل الحرم، فلا يخرجون عن الحرم، ويكون وقوفهم بالحرم بمزدلفة؛ لأن مزدلفة من الحرم، وعرفة من الحل، فكانوا يقفون بالحرم ويقولون: نحن أهل الحرم فلا نتجاوز الحرم، وكان الناس يقفون بعرفة سواهم، فأمر الله نبيه أن يقف بعرفة، وأنزل الله عليه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]، أي: أنهم يقفون بعرفة ويفيضون منها، ومخالفة ما أحدثته قريش في المناسك من كونهم يقفون بالحرم ولا يقفون بعرفة، ويقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة. فالله تعالى أمر نبيه بأن يقف بعرفة، وأنزل عليه الآية: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]، أي: أنهم يقفون بعرفة ثم يفيضون منها حيث أفاض الناس، وهذا هو الذي كان في ملة إبراهيم وفي الشرائع السابقة، أن الوقوف بعرفة وأن هذا ميراث إبراهيم كما سيأتي في الحديث، يعني أنهم على مناسك كان عليها إبراهيم الخليل، وكان وقوفه بعرفة، وليس بالمزدلفة، وإنما هذا شيء أحدثته قريش، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون وقوفه في عرفة، وليس في مزدلفة كما كانت تفعل قريش.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الدفع من عرفات

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    وهو: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه.

    [أخبرنا أبي معاوية].

    وهو: محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا هشام].

    وهو: هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    وهو: عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه، أحد فقهاء السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    هي: عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وقد حفظ الله تعالى بها الشيء الكثير من سنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم سبعة، ستة رجال وامرأة واحدة، وهذه المرأة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    شرح حديث جبير بن مطعم: (أضللت بعيراً لي فذهبت أطلبه بعرفة يوم عرفة فرأيت النبي واقفاً...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (أضللت بعيراً لي فذهبت أطلبه بعرفة يوم عرفة، فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقفاً، فقلت: ما شأن هذا؟ إنما هذا من الحمس)].

    أورد النسائي حديث جبير بن مطعم النوفلي رضي الله عنه، وهو أنه كان قبل أن يسلم، وقبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يقف بعرفة، ولا يقف بمزدلفة مثل ما تفعله قريش، وكان جبير بن مطعم لم يكن مسلماً، وإنما ذهب إلى عرفة يبحث عن بعير له، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة واقفا، فقال: ما هذا، إنما هو من الحمس، والحمس لا يقفون بعرفة، وإنما يقفون بالمزدلفة كما مر في الحديث الذي قبل هذا، يعني استغرب كونه من قريش، وقريش إنما يقفون بالمزدلفة، ولا يخرجون إلى عرفة.

    فهذا مما تحمله جبير بن مطعم رضي الله عنه، قبل إسلامه، وأيضاً وهو مثل حديث آخر كان رواه وأخبر بشيء حصل له قبل أن يسلم، قال: جاء إلى المسجد: (ورأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور، قال: فكاد قلبي أن يطير)، ثم بعد ذلك أسلم، يخبر بذلك بشيء حصل له قبل إسلامه، فهو إخباره عن هذا الذي حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل إخباره بكونه سمع منه يقرأ بالطور وكتاب مسطور، وقبل أن يسلم، فلما تلاها كاد قلبه أن يطير، يعني لما سمعه فيها من العبر، والعظات، ومن الإعجاز الذي اختص به القرآن، فهذه الحجة التي جاءت في الحديث هي حجة للنبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يهاجر.

    تراجم رجال إسناد حديث جبير بن مطعم: (أضللت بعيراً لي فذهبت أطلبه بعرفة يوم عرفة فرأيت النبي واقفاً...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].

    هو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    هو: سفيان بن عيينة، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرو بن دينار].

    وهو: عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن جبير].

    وهو: محمد بن جبير بن مطعم النوفلي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    وهو: جبير بن مطعم رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث زيد بن مربع في الوقوف بعرفة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان: أن يزيد بن شيبان رضي الله عنه قال: (كنا وقوفاً بعرفة مكاناً بعيداً من الموقف، فأتانا ابن مربع الأنصاري رضي الله عنه فقال: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليكم، يقول: كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرثٍ من إرث أبيكم إبراهيم عليه السلام)].

    أورد النسائي هذا الحديث حديث زيد بن مربع الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وليس فيه أيضاً ذكر ما يتعلق بالدعاء الذي في الترجمة رفع اليدين في الدعاء، وإنما هو يتعلق بالوقوف بعرفة، ولا علاقة له برفع اليدين في الدعاء، ويقول يزيد بن شيبان وهو صحابي صغير: أنهم كانوا بعرفة، وكانوا في مكان بعيد من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم، المكان الذي وقف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم هو بعيد منه، ولكنهم في عرفة، فجاءهم زيد بن مربع وقال: (إني رسول رسول الله إليكم يقول: كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرثٍ من إرث أبيكم إبراهيم)، يعني: أنكم وإن لم تكونوا في المكان الذي أنا فيه فأنتم بعرفة، وعرفة كلها موقف، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف)، ليس معناه الوقوف بالمكان الذي وقف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فقط، بل عرفة كلها موقف، وإنما قال ذلك تطييباً لخواطرهم، وأنهم وإن كانوا في المكان الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم في عرفة وعرفة كلها موقف، وقال: (إنكم على إرثٍ من أبيكم إبراهيم)، وهذا يفيد بأن هذا موروث عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وأن الوقوف بعرفة من المشاعر التي كان عليها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وهذا خلاف ما أحدثته قريش في المناسك، حيث كانوا يقفون بالمزدلفة، ولا يقفون بعرفة، وسائر الناس كانوا يقفون بعرفة، فهذا يفيد بأن عرفة كلها موقف، وأن هذه المشاعر هي موروثة من إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام.

    ثم ينبغي أن يعلم أن عرفة لها حدود، ولها علامات، على كل حاج أن يحرص على أن يكون داخل هذه الحدود، ولا يكون خارجها، ولا يكفي أن الإنسان يرى الجبل الذي يسمى جبل الرحمة من مكان بعيد، ويقول: أنه بعرفة، فإنه يرى من خارج عرفة، ولكن عرفة لها بنايات مرتفعة مكتوب عليها بلغات مختلفة: هنا مبتدأ عرفة، فالإنسان يحرص، ويلزمه أن يكون وقوفه داخل هذه الحدود، وداخل هذه العلامات، ولا يجوز له أن يكون خارج هذه الحدود، وخارج هذه العلامات، بل يجب عليه أن يكون داخلها.

    تراجم رجال إسناد حديث زيد بن مربع في الوقوف بعرفة

    قوله: [أخبرنا قتيبة عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان].

    مر ذكرهم.

    [عن عمرو بن عبد الله بن صفوان].

    وهو صدوق شريف، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.

    يعني كأنه من أشراف قومه؛ لأنه يطلق على الشخص الذي يكون له شرف، وله نبل، وله تميز، يقال له: شريف، يعني كما يقال: من أشراف القوم، وسادات القوم، مثل ما قالوا في قيس بن عاصم المنقري التميمي.

    [قيس بن عاصم].

    وهو: قيس بن عاصم بن سنان بن خالد المنقري، وهو صحابي مشهور بالحلم، من أهل البصرة.

    [عن يزيد بن شيبان].

    وهو صحابي صغير، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.

    [عن ابن مربع].

    وهو زيد بن مربع، وهو صحابي، وهو رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أولئك الناس، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.

    شرح حديث: (عرفة كلها موقف)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا جعفر بن محمد حدثني أبي قال: أتينا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فسألناه عن حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فحدثنا: أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (عرفة كلها موقف)].

    أورد النسائي حديث جابر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عرفة كلها موقف)، وهو يوضح الحديث الذي قبله؛ لأن الحديث الذي قبله، الناس الذين كانوا في مكان بعيد من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم، وأرسل إليهم: (كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرثٍ من إرث أبيكم إبراهيم)، هذا الحديث يوضحه؛ لأنه قال: (عرفة كلها موقف)، وأولئك كانوا في عرفة، لكن أراد أن يطيب خواطرهم حتى لا يرون أنهم لما كانوا بعيدين من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم، أن هناك شيء من النقص عليهم، فقال: (إنكم على إرث، وكونوا على مشاعركم)، وهذا الحديث يقول: (عرفة كلها موقف).

    تراجم رجال إسناد حديث: (عرفة كلها موقف)

    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].

    مر ذكره.

    [حدثنا يحيى بن سعيد].

    وهو يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا جعفر بن محمد حدثني أبي].

    وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الملقب الصادق، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وهو إمام من أئمة أهل السنة، وكذلك أبوه محمد بن علي بن الحسين، أيضاً ثقة، مشهور، وإمام من أئمة أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وجعفر وأبوه محمد إمامان من أئمة أهل السنة يحبونهم ويتولونهم، وطريقتهم أن من كان من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أصحابه، هم يحبونه لصحبته، ولقرابته، ومن كان منهم فليس من الصحابة، ولكنه من المؤمنين المتقين، فهم يحبونه لتقواه، ولقربه من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا شأن هذين الإمامين وهما: جعفر، وأبوه محمد، فإنهما من المؤمنين، وهما من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، فيحبون لإيمانهم وتقواهم ولقرابتهم من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    [أتينا جابر بن عبد الله].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري، رضي الله تعالى عنهما، صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    فرض الوقوف بعرفة

    شرح حديث: (الحج عرفة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فرض الوقوف بعرفة.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا وكيع حدثنا سفيان عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر رضي الله عنه أنه قال: (شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتاه ناسٌ فسألوه عن الحج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه)].

    أورد النسائي فرض الوقوف بعرفة، والأحاديث التي تقدمت بعد الحديث الأول الذي هو يتعلق بالدعاء وهي ألصق بهذا الباب؛ لأنها كلها تتعلق بالوقوف بعرفة، فهي ألصق بهذا الباب الذي بعدها؛ لأن الترجمة هي رفع اليدين بالدعاء بعرفة، وليس فيه حديث يتعلق بهذا إلا حديث واحد، والأحاديث التي بعده هي تتعلق بهذا الباب؛ لأنها تتعلق بالوقوف بعرفة، فهي ألصق بهذا الباب، وليست لها علاقة في الباب الذي وضعت فيه.

    والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به، له أمد محدد إذا انتهى فات الوقوف، ولا يمكن للإنسان أن يحج في ذلك العام الذي جاء حاجاً فيه، إذا خرج وقت الوقوف، وقد جاء إنسان حاجاً، وطلع الفجر يوم العيد ليلة النحر، وهو لم يصل إلى عرفة، فإنه ليس له حج في ذلك العام؛ لأنه قد فات وقت الوقوف، فهو ركن له وقت محدد لا يصح الوقوف قبله، ولا يصح الوقوف بعده، بل ينتهي بطلوع الفجر ليلة العيد، لكن من جاء في النهار إلى عرفة ينصرف منها إذا غربت الشمس، ويذهب إلى مزدلفة، ومن جاء متأخراً، فإنه يذهب إلى عرفة في الليل، ويمكث فيها قليلاً ولو لحظة، ولو شيء يسير، ما دام أنه دخلها في وقت الوقوف، وبذلك يكون أدرك الحج، وإذا طلع الفجر وهو لم يصل إلى عرفة، فإنه فاته الحج، ولكنه يتحلل بعمرة ويطوف، ويسعى، ويقصر.

    أورد النسائي حديث عبد الرحمن بن يعمر رضي الله تعالى عنه قال: (شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتاه ناسٌ فسألوه عن الحج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه).

    سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج؟ فقال: (الحج عرفة)، يعني: أعظم أعمال الحج، أو أهم أعمال الحج، أو معظم أعمال الحج تكون يعني يوم عرفة، بمعنى أن يوم الوقوف في عرفة ركن لا بد منه، وأيضاً يترتب عليه أنه إذا فات فات الحج، بخلاف بقية الأركان فإنها لا تفوت، مثل الطواف والسعي، فلو نسي الإنسان وخرج من مكة وهو لم يطف ولم يسع، يمكنه أن يرجع، ويطوف، ويسعى، لكن إذا طلعت فجر يوم العيد ليلة النحر فمن لم يصل إلى عرفة قبل ذلك الوقت فاته الوقوف، فإذاً أهم أعمال الحج، وأعظم أعمال الحج التي لها وقت محدد، والتي إذا فاتت فات الحج هي عرفة، وهذا ليس معنى ذلك أن الحج كله عرفة، بل عرفة وغير عرفة، لكن هذا ليبين أهمية الوقوف بعرفة، وهذا مثل: (الدين النصيحة)، يعني: أن شأنها في الدين عظيم، فكذلك عرفة شأنها في الحج عظيم، ولها وقت محدد يفوت الحج بفواته، وغيره من الأركان لا يفوت، بل يمكن تداركه فالطواف والسعي يمكن تداركه ولو بعد مدة طويلة، لكن هذا خلاص ما دام أنه طلع الفجر، وهو ما وصل إلى عرفة فلا مجال للحج في هذه السنة.

    قوله: [(من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه)].

    من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع -يعني التي هي ليلة العيد- فإنه تم حجه، والمقصود بـ (تم حجه)، يعني: تم الحج الذي يمكن أن يفوت، لكن هناك أشياء باقية لا بد منها في الحج، وهي الطواف، والسعي، لا بد منه، ولا يقال: انتهى الحج، لكن (تم الحج)، أي: قارب التمام، أو تم الشيء الذي هو محدد، ولو فات الحج، فالمعنى أنه حصل ذلك الشيء الذي يفوت إذا فات، فيفوت الحج إذا فات وقته، أي: وقت الوقوف، فبين عليه الصلاة والسلام، أن من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع التي الناس كانوا فيها بمزدلفة، فإنه يكون أدرك الحج وتم حجه، بمعنى أنه أدرك الحج في تلك السنة، لكن بقي عليه أمور منها ما هو ركن، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، فالطواف، والسعي أركان، ومزدلفة المبيت بها، وكذلك بمنى ورمي الجمار، وطواف الوداع، وأعمال أخرى هي واجبات، وهناك أمور مستحبات.

    وقوله: (وتم حجه)، إما قارب التمام؛ لأنه بقي عليه من الأركان الطواف والسعي، أو أنه (تم حجه)، أي: حصل الشيء الذي به لا يفوت عليه الحج؛ لأنه لو فاته الوقوف وطلع الفجر، وهو ما وصل إلى عرفة فليس فيه مجال للحج هذه السنة ذهب وانتهى.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الحج عرفة...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    إسحاق بن إبراهيم، مر ذكره.

    [أنبأنا وكيع].

    وهو: وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    وهو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن بكير بن عطاء].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الرحمن بن يعمر].

    وهو صحابي صغير، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.

    شرح حديث الفضل بن عباس: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن حاتم حدثنا حبان أخبرنا عبد الله عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس رضي الله عنهم وأرضاهم أنه قال: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عرفات وردفه أسامة بن زيد رضي الله عنهما، فجالت به الناقة وهو رافع يديه لا تجاوزان رأسه، فما زال يسير على هينته حتى انتهى إلى جمع)].

    أورد النسائي حديث الفضل بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أفاض من عرفة، يعني ذكره في الوقوف بعرفة، أو فرض الوقوف بعرفة؛ لأنه كان في عرفة فأفاض منها؛ لأن الإفاضة من الشيء تستلزم وجود ذلك الشيء، أفاض من عرفة، يعني أنه كان بعرفة.

    قوله: [(وردفه أسامة بن زيد)].

    (وردفه)، يعني: أردف أسامة بن زيد على راحلته التي هو عليها صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (فجالت به الناقة وهو رافعٌ يديه لا تجاوزان رأسه).

    (فجالت به الناقة)، يعني: تحركت أو مالت، (وهو رافعٌ يديه لا تجاوزان رأسه)، معناه: ماسك خطامها، حتى لا تسرع، وحتى لا يحصل منها إقدام وسرعة، يعني كبح جماحها في كون رافع خطامها، حتى أن رأسها يقرب من الرحل، كما جاء ذلك مبيناً في الروايات الأخرى، (لا تجاوزان رأسه)، معناه: أنه ما ينزلها؛ لأنه لو نزلها تمكنت الناقة من أنها تسرع، ولكنه إذا كبحها، وجرها بخطامها، ورفعها بخطامها، فإنها بذلك لا تتمكن من السير، وكان عليه الصلاة والسلام، يسير على مهل ويشير للناس: (السكينة السكينة)، كما سيأتي في الأحاديث: (السكينة السكينة فليس البر بالإيضاع)، ليس البر هو الإسراع.

    تراجم رجال إسناد حديث الفضل بن عباس: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات..)

    قوله: [أخبرنا محمد بن حاتم].

    وهو: محمد بن حاتم بن نعيم المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا حبان].

    وهو: حبان بن موسى المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

    [أخبرنا عبد الله].

    وهو: عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس].

    وقد مر ذكرهم.

    [عن الفضل بن عباس].

    هو: الفضل بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأكبر من أولاد العباس؛ لأنه يكنى بـأبي الفضل، ولبابة بنت الحارث الهلالية تكنى به يقال لها: أم الفضل، وهو أكبر أولاد العباس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث أسامة بن زيد: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد حدثنا أبي حدثنا حماد عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس: أن أسامة بن زيد رضي الله عنهم قال: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عرفة وأنا رديفه، فجعل يكبح راحلته حتى أن ذفراها ليكاد يصيب قادمة الرحل، وهو يقول: يا أيها الناس، عليكم بالسكينة والوقار، فإن البر ليس في إيضاع الإبل)].

    أورد النسائي حديث أسامة بن زيد، وهو مثل ما جاء عن الفضل بن عباس الذي قبل هذا، كان أسامة رديف النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يكبح راحلته، حتى إن ذفراها يمس قادمة الرحل، يعني: الرحل الذي يركب عليه الراكب، وفيه أعواد في الأمام، وأعواد في الخلف، حتى أن رأسها أو ذفراها وهو جانب الأذن، يكاد يصل إلى قادمة الرحل؛ لكونه يردها حتى لا تسرع، والذفرة مؤنث وتثنيتها ذفريان، فهي هنا ذفراها، المقصود به واحد مؤنثة الألف للتأنيث، ليس هذه مثنى ويكون مرفوع بالألف؛ لأن المثنى ينصب بالياء، يعني: كأن ذفريها لو كان المقصود ذفر، ولكن المفرد ذفرا مؤنث الألف للتأنيث وليس ذفر، وهو مؤنث الألف للتأنيث، يكاد يصل قادمة الرحل، يعني: أن رأسها يكاد يعني ما كان متصلاً بالأذنين من الرأس، يكاد يصل إلى قادمة الرحل، وهي العود الذي في مقدمة الرحل.

    ويقول: (السكينة والوقار، فإن البر ليس بإيضاع الإبل)، البر ليس بالإسراع؛ لأن الإيضاع هو الإسراع، ومنه قول الله عز وجل: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التوبة:47]، أي: أسرعوا، فالإيضاع هو الإسراع ليس البر بالإيضاع والإسراع، وإنما المطلوب هو السكينة والهدوء حتى لا يضر أحد بأحد.

    تراجم رجال إسناد حديث أسامة بن زيد: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة..)

    قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد].

    وهو: إبراهيم بن يونس بن محمد البغدادي، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا أبي].

    وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا حماد].

    وهو: حماد بن سلمة، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن قيس بن سعد].

    هو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن عطاء عن ابن عباس عن أسامة بن زيد].

    وقد مر ذكرهم.

    1.   

    الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة

    شرح حديث ابن عباس في الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة.

    أخبرنا محمد بن علي بن حرب حدثنا محرز بن الوضاح عن إسماعيل يعني ابن أمية عن أبي غطفان بن طريف أنه حدثه: أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (لما دفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، شنق ناقته حتى أن رأسها ليمس واسطة رحله، وهو يقول للناس: السكينة السكينة عشية عرفة)].

    أورد النسائي الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة. أورد فيه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم شنق (ناقته حتى أن رأسها ليمس واسطة رحله).

    شنق راحلته حتى إن رأسها، يعني: جرها في الخطام حتى أن رأسها ليمس وسط رحله، لأن الرحل يكون من الجوانب، ووسطه الذي يكون ينحدر منه على الجانب أطرافه، يعني: يكاد يمس وسط رحله، وهو مثل الحديث الذي قبله: (حتى أن ذفراها يكاد قادمة الرحل)، معناه: رأسها يصل إلى مقدمة الرحل، فما جاء في حديث ابن عباس هو مثل ما جاء في حديث أسامة بن زيد الذي قبل هذا، (وهو يقول للناس: السكينة السكينة عشية عرفة)، يعني: وهم منصرفون إلى مزدلفة.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفات

    قوله: [أخبرنا محمد بن علي بن حرب].

    هو: محمد بن علي بن حرب، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا محرز بن الوضاح].

    وهو مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن إسماعيل يعني ابن أمية].

    وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي غطفان بن طريف].

    هو: ابن طريف، وهو قيل: اسمه سعد، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن ابن عباس].

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (أن رسول الله قال في عشية عرفة: ... عليكم السكينة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس عن الفضل بن عباس رضي الله عنهم -وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم السكينة، وهو كافٌ ناقته، حتى إذا دخل محسراً -وهو من منى- قال: عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يلبي حتى رمى الجمرة)].

    أورد النسائي حديث الفضل بن عباس، وكان رديف النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رديفه من مزدلفة إلى منى، وأما من عرفات إلى مزدلفة فهو أسامة بن زيد، كما مر في الأحاديث، ولهذا الفضل بن عباس، ذكر أن هذا الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، كان عشية عرفة وغداة مزدلفة، يعني معناه يحكي عما حصل له وشاهده لكونه رديف النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصباح، وكذلك ما حصل في الوقت الذي لم يكن هو الرديف، ولكن الرديف هو أسامة بن زيد، ولهذا قال: (عشية عرفة وغداة مزدلفة)، وكان رديف غداة مزدلفة ليس عشية عرفة، الذي كان رديف عشية عرفة هو أسامة بن زيد كما مر في الأحاديث عن الفضل بن عباس نفسه حيث قال: (أن أسامة كان ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وأيضاً فقوله: (كنت رديف)، أي: في الذهاب من مزدلفة إلى منى، وقد أخبر بأنه كان يأمر الناس بالسكينة في انصرافه عشية عرفة وغداة مزدلفة، يعني من منصرفه من عرفة، في أول الليل، ومن منصرفه من مزدلفة إلى منى في الصباح، بعدما أصبح وأسفر جداً قبل طلوع الشمس انصرف متجهاً إلى منى، وكان رديفه الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنه.

    قوله: (وهو كافٌ ناقته)، يعني: مثل ما تقدم، يعني كافها عن السير، وذلك بمسك خطامها حتى يقرب رأسها من الرحل الذي عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لئلا تتمكن من الإسراع.

    قوله: (حتى إذا دخل محسراً وهو من منى قال: عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به).

    (حتى إذا دخل محسراً وهو من منى)، محسر هو: وادي في طرف منى من جهة مزدلفة، وقيل: إنه بين مزدلفة ومنى، وهذا الحديث يقول: [ (وهو من منى) ]، يعني: وادي محسر هو من منى، والرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث أسرع لما مر به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأرشدهم إلى حصى الجمار، وأنه مثل حصى الخذف الذي يخذف به، وهو حصى أكبر من الحمص قليلاً، فيرمى به بهذا المقدار، ولا يجوز الزيادة على ذلك؛ لأن هذا من الغلو؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام، لما لقط له الفضل بن عباس، وهو منصرف من مزدلفة إلى الجمرة، لقط له سبع حصيات، فجعل يقلبهن بيده والناس يرون، فقال: (وهو مثل حصى الخذف)، فقال بمثل هذا: (فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين).

    قوله: (فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلبي حتى رمى الجمرة)، معناه: أن التلبية للحاج تستمر إلى حين الوصول إلى جمرة العقبة ورميها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله قال في عشية عرفة: ...عليكم بالسكينة ...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث].

    قتيبة، مر ذكره.

    [عن الليث].

    هو: الليث بن سعد، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي الزبير].

    هو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي معبد مولى ابن عباس].

    واسمه نافذ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عباس عن الفضل بن عباس].

    وقد مر ذكرهم.

    شرح حديث جابر في الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أنه قال: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمرة بمثل حصى الخذف)].

    ثم أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.

    قوله: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة)، يعني: من عرفة، ومن مزدلفة، فكل منهما أفاض وعليه السكينة وأمر بالسكينة، فهو عليه الصلاة والسلام عليه السكينة، يعني: يسير سيراً خفيفاً بهدوء وليس بسرعة، ولهذا يمسك خطام ناقته حتى يصل رأسها إلى رحله، ويأمرهم بالسكينة ويقول: (ليس البر بالإيضاع).

    قوله: (وأوضع في وادي محسر).

    يعني: أسرع لما جاء وادي محسر؛ لأنه مكان حصل فيه العذاب لأهل الفيل، وكان عليه الصلاة والسلام، يسرع إذا مر بأمكنة العذاب، كما أسرع لما ذهب إلى تبوك، فلما مر بديار ثمود، أسرع فيها حتى تجاوزها، وكذلك هنا أوضع وأسرع لما جاء على وادي محسر، وهو المكان الذي حصل فيه رد أهل الفيل، وأرسل عليهم طيراً أبابيل.

    (وأمرهم أن يرموا الجمرة بمثل حصى الخذف)].

    تراجم رجال إسناد حديث جابر في الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة

    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].

    عمرو بن منصور هنا قال: محمد بن منصور، من شيوخ النسائي، ومحمد بن منصور اثنان: محمد بن منصور الطوسي، ومحمد بن منصور الجواز المكي، وليس فيهم أحد يروي عن أبي نعيم، كما في تهذيب الكمال، لكن الذي يروي عن أبي نعيم، ويأتي عند النسائي في مواضع عديدة، ومنها موضع سيأتي قريباً هو: عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وأيضاً جاء في تحفة الأشراف عمرو بن منصور، لما ذكر الحديث في تحفة الأشراف قال: عمرو بن منصور ما قال: محمد بن منصور، فهو عمرو بن منصور النسائي، وليس محمد بن منصور.

    [حدثنا أبي نعيم].

    وهو: الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    وهو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وقد مر ذكره.

    [عن أبي الزبير عن جابر].

    وقد مر ذكرهم.

    شرح حديث جابر في الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني أبو داود حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أفاض من عرفة، وجعل يقول: السكينة عباد الله، يقول بيده هكذا، وأشار أيوب بباطن كفه إلى السماء)].

    أورد النسائي حديث جابر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفة، وجعل يقول: السكينة عباد الله، يقول بيده هكذا، وأشار أيوب بباطن كفه إلى السماء).

    قوله: [(وأشار أيوب بباطن كفه إلى السماء)].

    معناه: أنها السكينة السكينة، يعني: يجمع بين كونه يقول: السكينة، وبين كونه أيضاً يشير الإشارة التي تدل على السكينة، وهي عدم الإسراع.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر في الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة من طريق أخرى

    قوله: [أخبرني أبو داود].

    وهو: سليمان بن سيف الحراني، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا سليمان بن حرب].

    وهو: سليمان بن حرب، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا حماد بن زيد].

    حماد بن زيد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أيوب].

    هو: أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي الزبير عن جابر].

    وقد مر ذكرهم.

    1.   

    كيف السير من عرفة

    شرح حديث أسامة بن زيد في كيفية السير من عرفة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف السير من عرفة.

    أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن هشام عن أبيه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: (أنه سئل عن مسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوةً نص، والنص فوق العنق)].

    أورد النسائي كيف يسير إذا أفاض من عرفة، يعني: أنه يسير بالسكينة، ولكنه إذا وجد فرجة ومتسعاً فإنه يسرع حتى يقطع الطريق، والمقصود من السكينة عدم إيذاء الناس، فيمشي مشياً خفيفاً، وإذا كان فيه زحام وفيه مضرة، إذا فكان يسير العنق، وهو السير الخفيف، فإذا وجد فرجة متسع نص، يعني: زاد في السرعة.

    تراجم رجال إسناد حديث أسامة بن زيد في كيفية السير من عرفة

    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].

    مر ذكره.

    [حدثنا يحيى].

    وهو: يحيى بن سعيد القطان، وقد مر ذكره.

    [عن هشام عن أبيه عن أسامة بن زيد].

    وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.