إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب مناسك الحج - (باب التعريس بذي الحليفة) إلى (باب غسل المحرم)

شرح سنن النسائي - كتاب مناسك الحج - (باب التعريس بذي الحليفة) إلى (باب غسل المحرم)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رخّص شرعنا الحكيم للحائض ومثلها النفساء إن أرادت الحج أو العمرة أن تغتسل وتعمل ما يعمله الحاج إلا المسجد فلا تدخله حتى تتطهر، هذا وللمحرم أن يغتسل عند إحرامه أو بعده، ولكن لا يدلك شعره بشدة حتى لا يتساقط منه شيء.

    1.   

    التعريس بذي الحليفة

    شرح حديث: (بات رسول الله بذي الحليفة ببيداء وصلى في مسجدها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التعريس بذي الحليفة.

    أخبرنا عيسى بن إبراهيم بن مثرود عن ابن وهب أخبرني يونس قال: ابن شهاب قال: عبيد الله بن عبد الله بن عمر: إن أباه قال: (بات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذي الحليفة ببيداء، وصلى في مسجدها)].

    يقول النسائي رحمه الله: التعريس بذي الحليفة، أي: المبيت بها عند السفر للحج، هذا هو التعريس، أي: المبيت بها.

    قوله: [(بات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذي الحليفة ببيداء، وصلى في مسجدها)].

    وأورد النسائي حديث ابن عمر قال: [(بات)]، هذا هو المقصود بالتعريس، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة بعدما صلى الظهر أربعاً، ثم خرج منها بعد صلاة الظهر، ووصل إلى ذي الحليفة قبل العصر، وصلى بها العصر ركعتين، وكذلك صلى المغرب، والعشاء، والفجر، وصلى الظهر، ثم أحرم، وسافر إلى مكة صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته فيها، أي: في ذي الحليفة خمس صلوات، يعني: أقام فيها يوماً وليلة، فقد بات، وجلس بعض النهار الذي يليها، وبعض النهار الذي قبلها، والسر في ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام حج هذه الحجة التي هي حجة الوداع، فلما علم الناس بسفره للحج توافدوا إلى المدينة، وجاءوا ليصحبوه صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى الحج؛ ليأخذوا أعمال الحج منه عليه الصلاة والسلام، فكان أن توافدوا إلى المدينة، فكان خروجه إلى ذي الحليفة، وبقاؤه فيها تلك الليلة وبعض اليوم الذي قبلها، وبعض اليوم الذي بعدها، حتى يتوافد الناس، ويحصل خروج الناس معه، ويجتمعون في هذا المكان، فيصحبوه من أول رحلته، ومن حين دخوله في النسك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، يأخذون منه أعمال الحج منذ الإحرام، ومنذ الدخول في النسك، فكان هذا هو السر في كونه عليه الصلاة والسلام جلس في ذي الحليفة يوماً وليلة؛ بخلاف لو خرج عليه الصلاة والسلام من المدينة، ثم سار، واستمر في السير، فإنه لا يحصل الالتقاء به عليه الصلاة والسلام، وكون الناس يجتمعون معه في الميقات، ويعرفون كيف دخل في الإحرام، وكيف أهل، وماذا قال، فكان في بقائه في ذلك الموطن يوماً وليلة فوائد منها: الرفق بالناس، ومنها اجتماع الناس، ومنها أنهم جميعاً يتمكنون من معرفة أفعاله عليه الصلاة والسلام في حجته، منذ بدايتها الذي هو الإحرام من الميقات إلى نهايتها.

    وكان عليه الصلاة والسلام قد قال وهو في حجه في تلك الحجة: (خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وعلى هذا: فكون الناس يذهبون إلى ذي الحليفة ويبيتون بها، ويصلون فيها الخمس الصلوات ليس هذا من السنة وليست من الأمور المشروعة المستحبة؛ لأن هذا كما هو معلوم: الفائدة منه والحكمة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم هو إمام المسلمين، وهو المعلم لهم والمبين شرع الله لهم، احتاج إلى هذا حتى يعم النفع، وتحصل الفائدة للمسلمين الذين يرافقونه في رحلته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    أما حديث ابن عمر رضي الله عنه ففيه ما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي الحليفة، وأنه بات بها، وكذلك أيضاً صلى في مسجدها، أي: صلى في مسجدها الصلوات الخمس المفروضة، حيث صلى العصر ركعتين، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الفجر، ثم الظهر، فحصل منه المبيت، وحصل منه صلاة خمسة فروض، وكان يقصر الصلاة في ذي الحليفة، وهذا يدل على أن المسافر إذا فارق بيوت بلده وعامر بلده الذي سافر منه، فإنه يقصر، ولو لم يكن بعيداً من البلد، ما دام أنه فارق، ودخل باسم السفر، وحصل له الوصف بأنه مسافر، فإن له أن يترخص برخص السفر، لكن إذا وصل البنيان وانتشر العمران، ووصل إلى ذي الحليفة، وصارت ذو الحليفة من المدينة، وقد وصل أو قريباً يصل البنيان إليها؛ لأن البنيان امتد، وإن كان متفرقاً، إلا أنه إذا وصل البنيان، فإنه لا يصلح أن يترخص في ذي الحليفة لمن أراد أن يسافر إلى المدينة، بأن يقصر الصلاة، وهو في ذلك المكان؛ لأن قصر الصلاة إذا فارق عامر البلد، فإذا وصل البنيان إلى ذي الحليفة صارت من البلد وصارت من المدينة، ولم تكن خارج المدينة، فعند ذلك لا يترخص فيها، لكن عندما يغادر الإنسان البنيان، ويكون البنيان وراءه، فإنه عند ذلك يقصر الصلاة، ويترخص برخص السفر.

    ثم إن النزول في ذي الحليفة ليس بلازم، ولو كان ذلك في وقت يسير، بل للإنسان أن ينوي الإحرام والسيارة في الطريق المزفلت عندما يحاذي المسجد دون أن ينزل إلى الوادي وإلى المسجد، يمكنه ذلك، وإن نزل وصلى في المسجد، سواءً صلى فرضاً، أو صلى ركعتين وأحرم بعدهما، فذلك حسن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض الأحاديث: أنه لما بات في ذي الحليفة قال: (أتاني الليلة آت فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)، وفي بعض الروايات: (عمرة وحجة)، فإذا فعل الإنسان ذلك، ومر بالمسجد ونزل وصلى، فإن ذلك حسن، وإن لم ينزل، فإنه ليس عليه شيء، ولا يلزمه شيء، ولا بأس باستمراره، لكن لا يتجاوز محاذاة المسجد إلا وقد أحرم، وقد نوى ولبى، ثم يستمر في سيره ملبياً.

    قوله: [(بذي الحليفة ببيداء)].

    ببيداء طبعاً المكان يقال له: بيداء.

    وقوله: [(صلى في مسجدها)].

    يعني: صلى في مسجدها عند شجرة يعني أنه يوجد مسجد عند الشجرة، وفيها بئر يقال لها: بئر علي، ولهذا يقال لها: بئر علي.

    تراجم رجال إسناد حديث: (بات رسول الله بذي الحليفة ببيداء وصلى في مسجدها)

    قوله: [أخبرنا عيسى بن إبراهيم بن مثرود].

    وعيسى بن إبراهيم بن مثرود، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [عن ابن وهب].

    وهو: عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرني يونس].

    وهو: يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [قال ابن شهاب].

    وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، وهو ثقة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار التابعين، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [قال عبيد الله بن عبد الله بن عمر].

    عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وهو ثقة، وهو شقيق سالم بن عبد الله بن عمر، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ أن أباه حدثه ].

    وهو: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، صحابي، مشهور، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فهؤلاء هم العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اشتهروا بهذا اللقب، وفي الصحابة ممن يسمى عبد الله كثير، منهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعدد كبير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمون عبد الله، لكن الذين اشتهروا بلقب العبادلة الأربعة هم هؤلاء الذين منهم: عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    شرح حديث: (أن النبي وهو في المعرس بذي الحليفة أتي فقيل له: إنك ببطحاء مباركة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبدة بن عبد الله عن سويد عن زهير عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه وهو في المعرس بذي الحليفة أتي فقيل له: إنك ببطحاء مباركة)].

    أورد النسائي: حديث ابن عمر من طريق أخرى، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان بالمعرس، أي: المكان الذي بات فيه في ذي الحليفة تلك الليلة الذي بقي فيها بعد خروجه من المدينة، وقبل انطلاقه من ذي الحليفة إلى مكة، ذلك المكان الذي هو المعرس، أي: الذي بات فيه، [(أتي)]، أي: في المنام، [(وقيل له: إنك ببطحاء مباركة)]، وجاء في بعض الروايات: (صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو عمرة وحجة)، وهذا يدلنا: على فضل هذا الوادي الذي هو وادي العقيق، وأنه وصف بأنه مبارك، وأن البطحاء مباركة.

    وليس للإنسان أن يذهب إلى هذه البطحاء ويصلي فيها الآن، إلا إذا كان حاجاً، أو معتمراً، فإنه يقصدها ويصلي فيها، أما كونه يذهب إليها ويقصدها للصلاة فيها، فهذا لا يشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل ذلك، ما كان يذهب إليها، ويصلي فيها، من أجل أنها وصفت بأنها مباركة، وإنما من أراد الحج، أو العمرة، فله أن يمر بها، وأن ينزل بها، وأن يصلي فيها إذا أراد، وإن لم يفعل، فإن ذلك ليس بلازم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي وهو في المعرس بذي الحليفة أتي فقيل له: إنك ببطحاء مباركة)

    قوله: [أخبرنا عبدة بن عبد الله].

    وهو: عبدة بن عبد الله الصفار، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن.

    [عن سويد].

    وهو: سويد بن عمرو الكلبي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن زهير].

    وزهير بن معاوية، وهو: أبو خيثمة الجعفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن موسى بن عقبة].

    هو: موسى بن عقبة المدني، وهو ثقة، فقيه، هو صاحب (المغازي)، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد مر بنا قريباً ذكر أخوين له، وهما: محمد، وإبراهيم، وهم ثلاثة إخوة أولاد عقبة: موسى بن عقبة ومحمد بن عقبة وإبراهيم بن عقبة، وموسى بن عقبة هو المشهور؛ ولهذا يقولون عند ترجمة كل واحد منهم: أخو موسى، أي: موسى بن عقبة المشهور، فهم ثلاثة إخوة من رواة الأحاديث، وموسى بن عقبة يأتي كثيراً في الروايات، وأما أخواه محمد، وإبراهيم فقد مر ذكرهما قريباً في بعض الأحاديث.

    [عن سالم بن عبد الله].

    وهو: سالم بن عبد الله بن عمر، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع، وعبيد الله الذي مر في الإسناد السابق أخو سالم، وشقيقه، وحديث سالم أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن عمر].

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (أن رسول الله أناخ بالبطحاء الذي بذي الحليفة وصلى بها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة ، والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أناخ بالبطحاء الذي بذي الحليفة، وصلى بها)].

    أورد حديث: ابن عمر من طريق أخرى، وفيه ما تقدم إلا أنه مختصر، [(أنه أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، وصلى بها)]، والرواية السابقة فيها أنه بات، وهذه مجملة وتلك مفصلة التي مرت مفصلة؛ لأن تلك ذكرت أنه بات، وهنا أنه أناخ بها وصلى، وبيان ذلك: أنه مكث فيها يوم وليلة، وصلى فيها خمسة أوقات.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله أناخ بالبطحاء الذي بذي الحليفة وصلى بها)

    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].

    وهو: محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    الحارث بن مسكين].

    الحارث بن مسكين أيضاً شيخ النسائي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [قراءة عليه وأنا أسمع].

    ما نص على أن (اللفظ له)، فيحتمل أن يكون اللفظ له، وأن يكون للشيخ الأول، ولكنه كثيراً عندما يذكر الحارث بن مسكين، يذكره مع شيخ قبله، وينص على أن أخذ عنه قراءة عليه، وأن اللفظ له، لكن هذه الرواية ليس فيها التنصيص على أن اللفظ له، وإن كان كثيراً ما يأتي في الروايات التي يقرن فيها بين شيخه الحارث بن مسكين وشيخ آخر يقول: قراءة عليه واللفظ له.

    [عن ابن القاسم].

    وهو: عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل والنسائي.

    [حدثني مالك].

    وهو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، فهو إمام من أئمة أهل السنة معروف بالحديث، ومعروف بالفقه رحمة الله عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، بل إن الإسناد الذي يكون فيه مالك عن نافع عن ابن عمر هو أصح الأسانيد عند البخاري على الإطلاق.

    [عن نافع].

    نافع، وهو: مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عمر].

    وابن عمر، وقد مر ذكره.

    1.   

    البيداء

    شرح حديث: (أن الرسول صلى الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء فأهل بالحج والعمرة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [البيداء.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا النضر وهو: ابن شميل حدثنا أشعث وهو: ابن عبد الملك

    عن الحسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر بالبيداء، ثم ركب وصعد جبل البيداء، فأهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر)].

    أورد هذه الترجمة وهي: ذكر البيداء، وقد ورد ذكر البيداء في الأحاديث السابقة، إلا أن النسائي رحمه الله على طريقته في ذكر الأحاديث يأتي بها وبطرقها، وألفاظها، ويأتي بتراجم تكون هذه الأحاديث مشتملة على ما يدل على تلك التراجم، فهو ذكر البيداء، وأورد حديث: أنس الذي فيه ذكرها، وإن كان ورد ذكرها في الأحاديث السابقة عن ابن عمر، إلا أنه أتى به في هذه الترجمة، وأتى بالحديث الذي فيه ذكر البيداء، والمراد بها: تلك الأرض، التي هي ذو الحليفة، وأتى بتلك الأرض المتصلة بها عندما ينطلق، فإنه يمشي في البيداء، ويسير في البيداء.

    قوله: [(صلى الظهر بالبيداء)].

    والمقصود بذلك: بذي الحليفة؛ لأنه صلى بها الظهر، أي: عند إرادة المغادرة الذي هو في النهاية، وأما الصلاة التي صلاها في الأول هي العصر من اليوم الذي قبله؛ لأنه صلى الظهر في المدينة أربعاً، صلى بالناس في هذا المسجد أربعاً، ثم ذهب، ولما وصل إلى ذي الحليفة قبل العصر، وجاء وقت العصر صلى به العصر ركعتين يقصر، ثم بعد أن جاءت الصلاة الخامسة وهي: الظهر، صلى بها وهو يقصر، ثم أحرم بعدها، ثم أهلّ بعد هذه الصلاة، أي: صلاة الظهر.

    قوله: [(ثم ركب وصعد جبل البيداء)].

    لا أدري ما المراد بجبل البيداء؟ إلا أن يكون مكاناً مرتفعاً بعدما يظهر من الوادي، ويمشي في الأماكن المرتفعة، إذا كان يراد بها هذا.

    قوله: [(فأهلّ بالحج والعمرة حين صلى الظهر)].

    يعني: أنه نوى الإحرام بالحج والعمرة، ودخل في النسك بعدما صلى الظهر، ثم جاء في بعض الروايات: (أنه بعدما كان في البيداء، وبعدما سار أنه أهلّ)، ولا تنافي بينها؛ لأنه لبى بالحج والعمرة بعد صلاة الظهر، وبعد ذلك كان يلبي عليه الصلاة، وكل ذكر ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداية وبعد ذلك، ولكن الذي حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الدخول في النسك، إنما كان بعد الصلاة، عندما ركب دابته، ولبى صلوات الله وسلامه وبركاته.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن الرسول صلى الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء فأهل بالحج والعمرة ...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    وهو: ابن مخلد بن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي: من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وهذا الوصف حصل لعدد قليل من المحدثين، منهم: إسحاق هذا، ومنهم: سفيان الثوري، ومنهم: شعبة بن الحجاج، ومنهم: البخاري، ومنهم: الدارقطني، ومنهم آخرون، وهو لقب رفيع من أعلى صيغ التعديل، كونه يقال عن الشخص: أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.

    [حدثنا النضر بن شميل].

    وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا أشعث وهو: ابن عبد الملك].

    وهو: أشعث بن عبد الملك الحمراني، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن الحسن].

    وهو: الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    هو: أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، خدمه عشر سنوات منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وهو يخدمه، وكان من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذين يأتي ذكرهم كثيراً، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء السبعة يأتي ذكرهم كثيراً في الأحاديث، وهم المشهورون والمعروفون بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    1.   

    الغسل للإهلال

    شرح حديث أسماء بنت عميس في الغسل للإهلال

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الغسل للإهلال.

    أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها: (أنها ولدت محمد بن أبي بكر الصديق بالبيداء، فذكر أبو بكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: مرها فلتغتسل، ثم لتهل)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الغسل للإهلال، يعني: كونه قبل أن يهل، وقبل أن يدخل في النسك يغتسل، فهو سنة، ومستحب من مستحبات الإحرام.

    ومن المستحبات التي تكون بين يدي الإحرام: أن الإنسان يغتسل ويتهيأ للإحرام حتى يكون نظيفاً، وكانوا فيما مضى يمكثون مدداً طويلة في الإحرام، فالاغتسال قبل ذلك فيه فائدة كبيرة، وهو سنة، سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً بعد الإحرام.

    أما قص الشارب، وأخذ الأظفار، وحلق العانة، وأخذ الإبط، فهذه من الأمور التي ينبغي أن تفعل بين يدي الإحرام وقبل الإحرام؛ حتى لا يحتاج إلى شيء من ذلك في حال الإحرام، فيقع فيما لا ينبغي، وإذا كانت تلك مزالة، يكون الإنسان ليس بحاجة إليها، أو إلى أن يفكر فيها، أو أن يحصل منه الخطأ بأن يقدم عليها، فيكون قد انتهى قبل أن يدخل في الإحرام.

    لكن هذا الاستعداد فيما يتعلق بقص الأظفار، وأخذ الشعر من الإبط، والعانة، والشارب، يكون في حق من لم يكن ذلك في وقت الحج، وهو يريد أن يضحي؛ لأن من أراد أن يضحي، إذا دخلت عليه عشر ذي الحجة، ليس له أن يأخذ شيئاً من شعره، ولا من أظفاره حتى يضحي، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستثنى من ذلك النسك في حق المعتمر، فإنه يقصر رأسه، ويحلقه ولو كان يريد أن يضحي؛ لأن هذا نسك لا بد منه في العمرة، وأما هذا الذي هو استعداد، فإنه ليس لمن يريد أن يضحي، وكان ذهابه إلى مكة بعد دخول عشر ذي الحجة، أن يأخذ شيئاً من شعره، ولكن الاغتسال يغسل ولا علاقة له بأخذ الشعر، أما إذا كان لا يريد أن يضحي، فإنه يأخذ شعره وأظفاره، وكذلك إذا كان الأمر في غير ذي الحجة، يعني: في أوقات أخرى.

    ذكر حديث أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها وأرضاها وهو مختصر، أنها ولدت في ذي الحليفة ابنها: محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أبو بكر الصديق ولد له ابنه محمد، والناس في ذي الحليفة في تلك الليلة التي كانوا باتوا فيها قبل أن ينطلقوا منها للحج، فلما ولدت جاء أبو بكر وهو زوجها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال: (مرها فلتغتسل، ثم لتهل)، وهذا هو محل الشاهد: (فلتغتسل)، معناه: أن الذي يريد أن يحرم يغتسل قبل الإحرام، يعني: يستحب له أن يغتسل، وهي تغتسل وعليها دمها وفي نفاسها، وهذا الغسل إنما هو للإحرام، ومثل ذلك الحائض، فإنها تغتسل للإحرام، وما دام الدم موجوداً في الحيض والنفاس، فإنها لا تدخل المسجد وتطوف بالبيت إلا بعد أن تطهر وتغتسل كما جاء في بعض الأحاديث، وتفعل الحائض والنفساء كل ما يفعل الحجاج، إلا أنها لا تدخل المسجد، ولا تطوف فيه إلا بعد أن تطهر، فدل الحديث على استحباب الغسل من أجل الإحرام، بين يدي الإحرام.

    تراجم رجال إسناد حديث أسماء بنت عميس في الغسل للإهلال

    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].

    قد مر ذكرهما.

    [واللفظ له].

    وفي هذه الرواية قال: [واللفظ له]، على ما هو يأتي كثيراً عند النسائي، عندما يروي عن الحارث بن مسكين ويقرنه بشيخ آخر يقول: قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له.

    [عن ابن القاسم حدثنا مالك].

    وقد مر ذكرهما.

    [عن عبد الرحمن بن القاسم].

    وهو: عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو ثقة، فقيه، من فقهاء المدينة السبعة المعروفين في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أسماء بنت عميس].

    وهي: أسماء بنت عميس الخثعمية، وهي صحابية، مشهورة، تزوجها جعفر بن أبي طالب، ومات عنها في غزوة مؤتة، ثم تزوجها أبو بكر، ثم بعد أبي بكر تزوجها علي بن أبي طالب، وولدت لهؤلاء الثلاثة رضي الله تعالى عنها وعنهم، وعن الصحابة أجمعين، وحديثها أخرجه البخاري، وأصحاب السنن.

    شرح حديث أبي بكر في الغسل للإهلال

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن فضالة بن إبراهيم النسائي حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال حدثني يحيى وهو: ابن سعيد الأنصاري سمعت القاسم بن محمد يحدث عن أبيه عن أبي بكر رضي الله عنه أنه: (خرج حاجاً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع، ومعه امرأته أسماء بنت عميس الخثعمية، فلما كانوا بذي الحليفة ولدت أسماء محمد بن أبي بكر، فأتى أبو بكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمرها أن تغتسل، ثم تهل بالحج وتصنع ما يصنع الناس، إلا أنها لا تطوف بالبيت)].

    أورد النسائي حديث: أبي بكر رضي الله عنه، والأول أيضاً هو حديث أبي بكر؛ لأن أسماء رضي الله عنها وأرضاها إنما علم حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر، وهي علمت ذلك من أبي بكر، وهو الذي أمر أبو بكر أن يأمرها، فهي مأمورة، والآمر لها أبو بكر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فالحديث الأول عن أسماء، وأسماء تروي ذلك عن أبي بكر؛ لأنه الذي باشر وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وهنا الحديث عن أبي بكر رضي الله عنه، ويرويه عنه ابنه محمد المولود في ذي الحليفة، وفيه: أن أسماء لما ولدت محمد بن أبي بكر، جاء أبو بكر وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    قوله: [(فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأمرها أن تغتسل، ثم تهل بالحج وتصنع ما يصنع الناس)].

    وهذا فيه زيادة إيضاح غير ما تقدم من الاغتسال والإهلال، وأنها تصنع ما يصنع الحجاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، وتغتسل.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي بكر في الغسل للإهلال

    قوله: [أخبرنا أحمد بن فضالة].

    وهو: أحمد بن فضالة بن إبراهيم النسائي، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا خالد بن مخلد].

    وهو: خالد بن مخلد القطواني، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود، فإنه خرج له في مسند مالك، ولم يخرج له في السنن.

    [حدثنا سليمان بن بلال].

    وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني يحيى وهو: ابن سعيد الأنصاري].

    وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت القاسم بن محمد].

    وقد مر ذكره.

    [يحدث عن أبيه].

    وهو: محمد بن أبي بكر، له رؤية؛ لأنه أدرك من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أشهراً؛ وولد في ذي الحليفة في آخر ذي القعدة، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول من السنة التالية؛ لأن ذلك في حجة الوداع، والرسول صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم لم يحج إلا حجة واحدة، يعني له رؤية، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه.

    [عن أبي بكر].

    وهو: عبد الله بن عثمان، وهو: مشهور بكنيته أبي بكر، وأبوه مشهور بكنيته أبي قحافة، واسم أبي بكر: عبد الله، واسم أبي قحافة عثمان، فهو: عبد الله بن عثمان، ولكن الاشتهار إنما هو بالكنية وباللقب الذي هو الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

    فضائل ومناقب أبي بكر الصديق

    وأبو بكر الصديق رضي الله عنه هو أفضل الصحابة على الإطلاق، وخير من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم، ورضي الله تعالى عن أبي بكر وعن الصحابة أجمعين.

    فهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبه الذي لازمه، وأول من أسلم، ولازمه من حين بعث، فهو ملازم له في مكة ثلاثة عشر عاماً، ولما أذن له في الهجرة هاجر معه وصحبه في الطريق، وأنزل الله تعالى في هذه الصحبة قرآناً يتلى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التوبة:40]، وقد سماه الله صاحب رسول الله، وجاء في الحديث: (أن أبا بكر

    رضي الله عنه لما رأى الكفار الذين ذهبوا يبحثوا عنهم، وصلوا إلى باب الغار ورأوا أقدامهم، قال أبو بكر

    : لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لأبصرنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر

    ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما
    )، فصرفهم الله عنهما بعد أن وصلوا إليهما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أقدامهم، ولو نظروا في الغار لرأوا الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فهو صاحبه والملازم له في هذا السفر.

    ثم لازمه في المدينة عشر سنوات، وكان يسافر معه في رحلاته وفي غزواته، وبعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة ليحج بالناس، وليكون قدوة للناس، وإماماً للناس في تلك الحجة التي يقال لها: حجة الصديق، وهي في السنة التاسعة، ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه المسلمون خليفة لرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا عندما يخاطبونه يلقبونه بهذا اللقب: يا خليفة رسول الله؛ لأنه هو الذي خلفه في الأمر من بعده، وقام في الأمر من بعده رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم ولي الخلافة من بعده وكان يقال له: خليفة رسول الله، ومكث في الخلافة سنتين وأشهراً، حصل فيها أنه اتجه إلى إرجاع المرتدين الذين ارتدوا إلى هذا الدين، وأن يبقى الناس على دينهم، فكان من جهوده العظيمة وأعماله المبرورة أن قام بهذه المهمة العظيمة بشجاعة وصلابة وقوة، وهو المعروف في رفقه ولينه، بل كان عمر رضي الله عنه وأرضاه يفاوضه لما أراد أن يقاتل الذين منعوا الزكاة، مع أن عمر هو المعروف بالقوة وبالشدة، ولكن أبا بكر في هذا الموقف كان بعكسه، فهو شديد في جنب الله، وفي أمر الله، وفيما يتعلق بدين الله عز وجل، فكان عمر يراجعه ويقول: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وقال: لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، وكان منه رضي الله عنه وأرضاه أن قام بهذه المهمة، ورجع الناس إلى دين الله.

    ثم جهز الجيوش للجهاد في سبيل الله عز وجل، وقام بجمع القرآن الجمع الأول الذي لما مات كثير من الصحابة في بعض الغزوات الذين هم حملة القرآن وحفظة القرآن، أشار عليه عمر بأن يجمع القرآن فجمعه في صحف، إلا أنه لم يجمع جمعة واحدة مستقرة، كالذي حصل من عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ولكن جمعت تلك الصحف وحفظت، حتى جاء زمن عثمان بن عفان، فجمع الجمع النهائي الذي هو موجود بأيدينا الآن.

    ولما توفي أبو بكر رضي الله عنه دفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بعث يكون معه في الجنة، فـأبو بكر رضي الله عنه ملازم للرسول صلى الله عليه وسلم ملازمة ما حصلت لأحد من الناس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله تعالى ذو الفضل العظيم، ولهذا، فإن محبة هذا الرجل العظيم، ومحبة سائر الصحابة هي علامة الإيمان، ودليل الإيمان، وبغضه وبغض الصحابة علامة الخذلان، وعلامة البعد عن الحق والهدى، هذا شأنه، وهذه حاله، ملازمة تامة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومجاورة بعد الموت، ومرافقة في الجنة بعد البعث، كل هذه الأمور حصلت لـأبي بكر.

    وقد جاء في حقه أحاديث كثيرة تدل على فضله وعلو قدره، ومن أعظم مناقبه، بل هي أعظم مناقبه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر

    خليلاً)؛ لأن اتخاذ الخليل ما وجد، ولكن لو وجد لكان الذي يستحقه أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، هو الذي يستحق هذه الميزة، وهذه المنزلة، وهذا شيء يسير مما يتعلق بهذا الرجل العظيم، أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي هو خير الأمة وأفضلها، ولم يمش على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين أفضل منه؛ لأن أمة محمد عليه الصلاة والسلام هي خير الأمم، وخير أمة محمد، أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخير أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    1.   

    غسل المحرم

    شرح حديث اختلاف ابن عباس والمسور بن مخرمة في غسل المحرم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [غسل المحرم.

    أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن زيد بن أسلم عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة رضي الله عنهم: (أنهما اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل رأسه، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما أسأله عن ذلك، فوجدته يغتسل بين قرني البئر وهو مستتر بثوب، فسلمت عليه، وقلت: أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا رأسه، ثم قال لإنسان: يصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: غسل المحرم، المقصود منها: كونه يغتسل وهو محرم، يعني: وفي حال إحرامه يغتسل، أما الترجمة السابقة التي مرت هي عند الإحرام، يعني: قبل الإحرام استعداداً له الذي هو غسل أسماء بنت عميس، قال: (مرها فلتغتسل، ثم لتهل)، يعني: أنها تغتسل قبل الإحرام، ثم تدخل في الإحرام، وأما الترجمة هذه إنما هي للغسل بعد الإحرام، كون الإنسان محرم يغتسل وهو في حال إحرامه.

    أورد النسائي حديث: أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه الذي فيه: أن عبد الله بن حنين قال: إن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا في غسل المحرم، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسله، وابن عباس يبدو أنه يعلم أن أبا أيوب الأنصاري عنده سنة في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأرسل ابن عباس عبد الله بن حنين إلى أبي أيوب يسأله: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟ وفي هذا السؤال إشارة إلى أن الغسل معروف، ولكن المقصود من ذلك: كيفية غسل الرأس وهو محرم.

    ومن المعلوم: أن الإنسان يغسل رأسه عندما يريد أن يغتسل؛ لأنه في الوضوء ما يغسل الرأس بل يمسح، ولكنه يغسل عند الاغتسال؛ لأن فرضه في الوضوء المسح وليس الغسل، وإنما الغسل يكون عند الاغتسال، وكان يستر بثوب، فوضع يده على الثوب وطأطأه حتى يعني يبدو رأسه، وكان عنده أحد يصب عليه، فأمره يصب فصب على رأسه.

    قوله: [(حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر)].

    وهذا يدل على اغتسال المحرم، وعلى أنه يغسل رأسه ويحركه، ويقبل فيه ويدبر، كالحال في غير الإحرام، كون الإنسان يغسل ويحرك رأسه، لكن لا يفعل الحركة الشديدة التي يترتب عليها إسقاط شعر، ولو سقط شعر بهذه الحال وبهذه المناسبة، لا شيء على الإنسان، ولكن لا ينبغي له أن يحرك تحريكاً شديداً، فـأبو أيوب رضي الله عنه لما أراه هذا العمل، قال: (هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل)، وهذا هو الذي فيه إضافته إلى رسول الله، فالذي يروي ذلك عن رسول الله ويرفعه إنما هو عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.

    والحديث يدل على وجود الاختلاف بين الصحابة، وأنهم يجتهدون في المسائل التي لا نص فيها، وأن بعضهم يكون عنده علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحتج به، وبعضهم قد يكون بنى ذلك على اجتهاد، ولعل المسور بن مخرمة قال: إنه لا يغسل رأسه؛ لما علم من أن الرأس في حال الإحرام لا يتعرض لشعره، وأنه قد يكون غسله فيه إسقاط شيء من الشعر، لكن لما كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة في ذلك، فإن الرجوع لا بد وأن يكون إليها.

    وفيه: أنه عند الاختلاف يرجع إلى الفصل عند من يكون عنده سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، والرد إلى الله والرد إلى كتابه وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته وإلى السنة بعد وفاته، وابن عباس أرسل عبد الله بن حنين إلى أبي أيوب ليبين ما عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فذهب عبد الله بن حنين إليه ووجده يغتسل ويستر بثوب، وهو يدل على أن الإنسان عندما يغتسل يكون مستتراً.

    وأيضاً سلم عليه وخاطبه، وهذا يدل على أن الإنسان الذي يغتسل له أن يخاطب، وأن يسلم، وأن يُسلم عليه ويرد السلام إذا كان الإنسان يغتسل، أما إذا كان الإنسان في بيت خلاء وفي قضاء الحاجة، فإنه لا يسلم عليه، ولا يُسلم، ولا يتكلم، ولا يذكر الله عز وجل، وهو في مكان قضاء الحاجة، لكن أماكن الاغتسال وكون الإنسان يغتسل، لا بأس بذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم تكلم وهو يغتسل كما في حديث أم هانئ عام الفتح لما ذهبت إليه ووجدته يغتسل، فقال: (مرحباً بـأم هانئ)، فخاطبته وكلمته، فدل على أن الذي يغتسل له أن يخاطب، وأن يتكلم، وأن يسلم عليه، ويرد السلام، وهذا الذي حصل من أبي أيوب هو حصل من رسول الله عليه الصلاة والسلام مع أم هانئ رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    وفيه أيضاً: الدلالة على ما ترجم له من حصول غسل الرأس، وأن المحرم له أن يغتسل، ويغسل رأسه، ولكن لا يغسله يدلكه دلكاً شديداً يؤدي إلى سقوط الشعر، وإن حصل شيء بسبب ذلك، فإنه لا شيء عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث اختلاف ابن عباس والمسور بن مخرمة في غسل المحرم

    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].

    وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن مالك].

    مالك، وقد مر ذكره.

    [عن زيد بن أسلم].

    هو: زيد بن أسلم المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين].

    إبراهيم بن عبد الله بن حنين، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    وهو كذلك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة].

    عن أبي أيوب في الحقيقة أن عبد الله بن حنين هو الذي ذهب إلى أبي أيوب، وهو الذي سمع منه، ولكن هؤلاء أو خلافهما هو السبب في كون ابن عباس أرسله، إذاً: فالمرفوع هو من رواية عبد الله بن حنين عن أبي أيوب؛ لأنه الذي ذهب وسمع كلام أبي أيوب، وهو الذي يروي عن أبي أيوب، ولكن هذا حكى اختلافهما، وأنه حصل منهما خلاف، وأنه أرسله عبد الله بن عباس، وسمع عبد الله بن حنين من أبي أيوب ما رفعه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، والكيفية التي كان يغسل بها رأسه وهو يغتسل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    ابن عباس].

    هو أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    المسور بن مخرمة].

    وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    أبو أيوب الأنصاري].

    وهو صحابي، استشهد بالقسطنطينية، وكان ممن غزاها ومات هناك، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.