إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب مناسك الحج - (باب فضل الحج) إلى (فضل المتابعة بين الحج والعمرة)

شرح سنن النسائي - كتاب مناسك الحج - (باب فضل الحج) إلى (فضل المتابعة بين الحج والعمرة)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • افترض الله عز وجل الحج على من استطاع إليه سبيلاً، ورتب على فعله الفضل العظيم، وجعله جهاد الكبار والضعفاء والنساء، والحج يعتبر من أعظم المكفرات للذنوب، فمن حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، والمتابعة بين الحج والعمرة من أسباب نفي الفقر.

    1.   

    فضل الحج

    شرح حديث أبي هريرة في مرتبة الحج المبرور من فضائل الأعمال

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل الحج.

    أخبرنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (سأل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله؟ قال: ثم ماذا؟ قال: ثم الحج المبرور)].

    يقول النسائي رحمه الله: [فضل الحج]، وهذه الترجمة مثل الترجمة السابقة التي قبلها، إلا أن تلك مقيدة بالحج المبرور، وهنا غير مقيدة، ومؤداهما واحد، وموضوعهما واحد، ولعل النسائي رحمه الله عقد الترجمة السابقة وقال: فضل الحج المبرور، وأتى ببعض الأحاديث التي وردت منصوصاً فيها على فضل الحج المبرور، من أجل أن ينوع الأبواب، وأن يأتي ببعض الأبواب مشتملة على ما ورد في بعض الأحاديث من تقييد الحج الذي ذكر فضله بأنه مبرور، وإن كانت الترجمة الأخيرة التي فيها فضل الحج بإطلاق، وليس فيها ذكر القيد، فيها بعض الأحاديث التي وردت بوصف الحج بأنه مبرور، كما في هذا الحديث الأول من أحاديث هذا الباب، وهو أن من خير الأعمال بعد الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله الحج المبرور، وأحاديث أخرى ستأتي فيها بيان فضل الحج، ولكن ليس فيها ذكر القيد بأنه مبرور، فلعل النسائي رحمه الله أراد أن يأتي بترجمة تشتمل على ما ورد في لفظ الحديث من وصفه بأنه مبرور، وبيان فضله، وهو بهذا الوصف، وما جاء مما فيه فضل الحج وهو مطلق، وقد أورد النسائي أول هذه الأحاديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام، سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: إيمانٌ بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهادٌ في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌ مبرور)، فهذه الأعمال الثلاثة، وهذه الأمور الثلاثة بين عليه الصلاة والسلام أنها أفضل الأعمال، وأن بعضها مقدم على بعض، فذكر الإيمان بالله عز وجل الذي هو الأساس، وهو يكون بالاعتقاد والعمل، وهو عمل القلب، وهو مقدم على غيره؛ لأنه هو الأساس وغيره تابع له، ثم يليه الجهاد في سبيل الله الذي فيه نشر هذا الدين، ودعوة الناس إلى الدخول في دين الله، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتخليصهم من الكفر الذي يكون سبباً في خلودهم في النار، وبقائهم فيها أبد الآباد، فالجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله عز وجل؛ لأن فيه تكثير أمة محمد عليه الصلاة والسلام أمة الإجابة، وإلا فأمة الدعوة هم كل إنسي وجني من حين بعثته صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، والكفار هم من أمة محمد أمة الدعوة، ولكن إذا خرجوا من الكفر ودخلوا في هذا الدين، وآمنوا بالله ورسوله، صاروا من أمة الإجابة، أي: الذين استجابوا للدعوة إلى الحق والهدى، وحصل لهم التوفيق من الله عز وجل، فصاروا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، أمة الإجابة، وفيه كما جاء في بعض الأحاديث: كونهم يقادون إلى الجنة بالسلاسل، يعني: أنهم يجاهدون في سبيل الله.

    ثم عقب الجهاد بالحج المبرور، وذلك لأن فيه جهاد النفس، وفيه تعب ونصب، وفيه شبه من الجهاد في سبيل الله من حيث أن هذا يكون فيه سفر، وهذا يكون فيه سفر، فالجهاد في سبيل الله يكون فيه سفر، وفيه انتقال إلى بلاد الكفار لجهادهم، ودعوتهم إلى الدخول في الدين، وإذا لم يدخلوا فيقاتلون، فالحج فيه جهاد للنفس، وفيه إتعاب للجسد، وفيه مشقة، وفيه ترك للوطن، وذهاب إلى البيت العتيق لأداء ذلك النسك، الذي هو حج بيت الله الحرام، ووصف بأنه مبرور، والمبرور كما ذكرت في الماضي هو: الحج الذي أتي به وفقاً لما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخالياً من الإثم والمعاصي، ويكون صاحبه بعده خيراً منه قبله، بمعنى: أن الحج يحدث تحولاً في حال الإنسان من سيئ إلى حسن، ومن حسن إلى أحسن، فإذا وجدت هذه العلامة في الإنسان بعد الحج، وأدرك الإنسان من نفسه أنه تحول من المعصية إلى الطاعة، ومن السيئ إلى الحسن، ومن الحسن إلى الأحسن، فهذه هي علامة بر الحج، وكون حجه مبروراً لكونه استفاد، ولكون حاله تبدلت، وتغيرت، وتحولت من حال حسنة إلى حال أحسن منها، أو من حال سيئة إلى حال حسنة.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في مرتبة الحج من فضائل الأعمال

    قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].

    وهو القشيري النيسابوري، وهو ثقة، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وقد أكثر عنه الإمام مسلم في صحيحه، وهو متفق معه -أي: مسلم متفق مع شيخه محمد بن رافع- في كونه نيسابورياً، وفي كونه قشيرياً، فهو مثله في القبيلة، وكذلك في الوطن، فهو قشيري النسب، فكل منهما قشيري النسب، وكل منهما نيسابوري الموطن.

    وصحيفة همام بن منبه التي تبلغ مائة وأربعين حديثاً أوردها الإمام أحمد في مسنده كاملة في ضمن مسند أبي هريرة، وكلها بإسناد واحد، ويفرق بين كل حديث وحديث بأن يقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يأتي في أول الإسناد: حدثنا فلان حدثنا فلان عن أبي هريرة، وأول الصحيفة: نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ثم بعد كل حديث يقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، مائة وأربعين مرة؛ لأنها مائة وأربعون حديثاً بإسناد واحد، الإمام البخاري رحمه الله انتقى منها أحاديث وأوردها في الصحيح، ومسلم انتقى منها أحاديث وأوردها في الصحيح، وترك أحاديث منها، وهذا من أوضح الأدلة على أن البخاري، ومسلم ما استوعبا الصحيح، ولا قصدا استيعابه؛ لأنهما رويا جميعاً من الصحيفة ولم يأخذا كل ما فيها، كل الأحاديث التي فيها ما أورداها في صحيحيهما، فلو كانا التزما إخراج الصحيح لرووا هذه الصحيفة كلها من أولها إلى آخرها؛ لأنهم أخذوا بعضها، وتركوا بعضها، فهذا من أوضح الأدلة على أن الشيخين ما قصدا في تأليف الصحيحين استيعاب الأحاديث الصحيحة، ولم يلتزما، ولهذا فإن الحاكم كونه يستدرك عليهما أحاديث لا وجه لهذا الاستدراك؛ لأنهما لم يلتزما حتى يستدرك عليهما؛ لأنه لا يستدرك إلا على من قال: إنه التزم، فهذا يستدرك عليه فيقال: فاته كذا، وفاته كذا، وفاته كذا، أما من لم يلتزم فلا وجه للاستدراك عليه.

    وقد روى مسلم رحمه الله الأحاديث الكثيرة التي رواها من صحيفة همام بهذا الإسناد، عن شيخه محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، ليس كله وإنما أوله، لكن كلها من طريق شيخه محمد بن رافع، الذي قلت: إنه أكثر عنه في صحيحه، وهو متفق معه في النسب وفي الموطن.

    [حدثنا عبد الرزاق].

    وهو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، حافظ، مصنف، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ووصف بالتشيع، ولكن تشيعه لا يؤثر؛ لأن بعض السلف، وبعض المحدثين وصفوا بالتشيع.

    الخلاف في التفضيل بين علي وعثمان

    لكنه من قبيل التشيع الذي لا يضر ولا يؤثر، وهو: تقديم علي على عثمان في الفضل فقط، وهي مسألة خلافية بين أهل السنة، جمهور أهل السنة، بل هو كالاتفاق من حيث الكثرة على أن عثمان أفضل من علي، وهو مقدم عليه في الفضل كما أنه مقدم عليه الخلافة، ولا خلاف بين أهل السنة في أنه أولى منه الخلافة؛ لأن الصحابة اتفقوا على تقديمه في الخلافة، فالذي يعترض على كونه أولى منه في الخلافة، معناه: أنه يعارض الصحابة ويخالفهم، وكفى بذلك ضلالاً أن يكون الصحابة في اتجاه وهو في اتجاه آخر، لكن مسألة الفضل، وكون علي أفضل من عثمان، قال به بعض أهل العلم، ومنهم: عبد الرزاق، ومنهم: عبد الرحمن بن أبي حاتم، ومنهم: الأعمش، ومنهم: ابن جرير، وجماعة قليلون وصفوا بالتشيع، وتشيعهم من هذا القبيل، وهو لا يؤثر، وقد ذكر ابن تيمية رحمة الله عليه في آخر العقيدة الواسطية، أن مسألة تقديم علي على عثمان بالفضل لا يضلل بها، ولا يبدع بها، وإن كان جمهور أهل السنة على خلاف هذا القول، لكن لا يضلل من قال بذلك، ولا يبدع، وإنما الذي يضلل ويبدع من قال: إنه أولى منه بالخلافة؛ لأن هذا فيه اعتراض على فعل الصحابة، وعلى تقديمهم عثمان عليه في الخلافة.

    وقد ذكر المسألتين، وأن مسألة الخلافة هي التي يبدع فيها، ومسألة الفضل لا يبدع فيها، وعلى القول بتقديم علي فتقديم عثمان عليه من باب تقديم المفضول على الفاضل، وتقديم المفضول على الفاضل سائغ؛ لأنه قد يكون في المفضول في بعض النواحي ما يكون سبباً في تقديمه من جهة الولاية، والسياسة، والفطنة، واليقظة، وما إلى ذلك، فهذا من حيث كون الفاضل يقدم على المفضول، وأنه سائغ، وأن الأصلح هو الذي يقدم، وليس معنى هذا أن علياً فيه صفات ليست في عثمان، فـعثمان رضي الله عنه كما عرفنا عند أهل السنة مقدم في الخلافة، وهذه لا خلاف فيها بين أهل السنة، وجمهورهم والغالبية العظمى منهم على أنه مقدم أيضاً في الفضل، لكن الذين قالوا: بأن علياً أفضل، فتقديم عثمان بالخلافة عندهم من تقديم المفضول على الفاضل، فلا يؤثر مثل هذا، وقد ذكر هذا الذهبي في الميزان عندما ترجم لـعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وهو إمام ابن إمام، وثقة ابن ثقة، ومعروف، وكانوا يقولون عندما يذكر بعض الأشخاص، ويبين فضلهم: يعد من الأبدال، وقد قيل في عبد الرحمن بن أبي حاتم: يعد من الأبدال، الذين كان وجودهم في زمان فيه حفظ للدين، وقيام بالدين، ونشر للحق، وإظهار له، وقد أورد الذهبي في ميزان الاعتدال ترجمته، وكانت طريقته، - أي: الذهبي - أنه لا يذكر في الميزان من يكون ضعيفاً بالفعل فقط، وإنما يذكر الضعيف، ويذكر من تكلم فيه بجرح وإن كان غير مؤثر ليدافع عنه، وليرد ذلك الجرح الذي قيل فيه، هذه طريقة الحافظ الذهبي رحمة الله عليه، فلما أورد ترجمة ابن أبي حاتم في الميزان، قال: أورده أبو الفضل السليماني في كتابه الضعفاء، فبئس ما صنع، أي: بئس ما صنع أبو الفضل السليماني بذكره ابن أبي حاتم في كتاب الضعفاء، قال: وإنما أورده من أجل ما نسب إليه من التشيع، ثم قال: إن التشيع الذي نسب إليه لا يؤثر؛ لأنه يتعلق بتقديم علي على عثمان في الفضل، قال: وهي مسألة قال جماعة من أهل السنة بها، منهم فلان وفلان وعد جماعة، منهم: عبد الرزاق، وغيره من الذي معنا في الإسناد، وذلك لا يؤثر.

    وكما قلت: شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية في آخرها قال: إن مسألة تقديم علي في الفضل لا يبدع بها ولا يضلل بها، والذين يقولون بهذا القول هم أئمة ثقات من أئمة أهل السنة، ومن حملة السنة وأوعيتها، وعبد الرزاق إمام، محدث، مصنف، فقيه، روى الحديث الكثير، ورحل إليه الإمام أحمد وأخذ عنه، ورحل إليه العلماء إلى اليمن، فهو إمام، وما نسب إليه من التشيع لا يؤثر، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    تابع تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في مرتبة الحج من فضائل الأعمال

    قوله: [أخبرنا معمر].

    وهو معمر بن راشد الأزدي البصري، ثم اليماني، وهو شيخ عبد الرزاق، وقد أكثر من الرواية عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، تابعي، صغير، مكثر من الرواية وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في خلافته أن يقوم بجمع السنة، وتدوينها، فجمعوا بتكليف من جهة ولي الأمر، وإلا فإن كتابة السنة وتدوينها كانت بجهود فردية، وحصل قبل ذلك، وبعض الصحابة كان يكتب، وبعض التابعين كان يكتب، ولكن الكتابة بتكليف من السلطان حصل في زمن عمر بن عبد العزيز، وكلف بذلك الزهري، ولهذا يقول السيوطي في الألفية:

    أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمراً له عمر

    أي: عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه.

    [عن ابن المسيب].

    وهو سعيد بن المسيب، وهو ثقة، فقيه، من خيار التابعين، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة المعروفين في عصر التابعين، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هذه هي الأقوال الثلاثة في السابع.

    وقد ذكرهم ابن القيم في أول كتابه (إعلام الموقعين)، وهو إعلام وليس أعلام؛ لأنه ليس كتاب تراجم، ولكنه إخبار المفتين، والذين يخبرون عن الله، ويبينون شرع الله، ويبينون أحكام الله، فهو إعلامهم وإخبارهم، وقد ذكر في أول الكتاب جملة من أهل الفتوى وأهل التوقيع عن الله، ببيان أحكام الله من الصحابة والتابعين، وفي مختلف البلاد، ولما جاء ذكر المدينة، وذكر الفقهاء في عصر الصحابة، ثم ذكر الفقهاء في عصر التابعين، قال: ومنهم الفقهاء السبعة، وسردهم وجعل السابع فيهم: أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وذكر بيتين من الشعر، في البيت الثاني الاشتمال على ذكر السبعة، والسابع: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال:

    إذا قيل: من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة

    فقل: هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة

    فهم سبعة أشخاص ذكروا في البيت الثاني، وسابعهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، أي: سعيد بن المسيب.

    [عن أبي هريرة].

    وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، والذين اشتهروا بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام من صحابته الكرام سبعة، وأكثرهم حديثاً أبو هريرة رضي الله تعالى عن الجميع.

    شرح حديث: (وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عيسى بن إبراهيم بن مثرود حدثنا ابن وهب عن مخرمة عن أبيه قال: سمعت سهيل بن أبي صالح قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر)].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر)، وفد الله هم الذين يسيرون، ويسافرون، ويتركون بلدانهم لهذا العمل العظيم، الذي هو الجهاد في سبيل الله، والحج، والعمرة، وقد مر في الحديث السابق أن أفضل الأعمال بعد الجهاد الحج المبرور، وفي حديث آخر أن أم المؤمنين عائشة لما قالت: (نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ قال: ولكن أحسن الجهاد وأجمله حجٌ مبرور)، وسيأتي بعد قليل، فالحج فيه السفر وفيه جهاد النفس، ثم إن هناك أسفاراً أخرى هي عبادة ويتقرب بها إلى الله عز وجل، ومن ذلك: السفر إلى مسجد المدينة، والمسجد الأقصى، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، وكذلك السفر لطلب العلم، ومعرفة الحق والهدى أيضاً كذلك، فقيل: إنه ذكر الثلاثة لأهميتها، ولكونها لا تتأدى إلا في السفر، وقيل: إن الحصر ليس على إطلاقه، وإنما هو من قبيل الإشارة إلى أفضل الأعمال التي يكون فيها السفر، وليس حصراً في الثلاثة، مثل ما جاء عن ابن عباس: (إنما الربا في النسيئة)، مع أن الربا يكون في الفضل أيضاً، ولكن المقصود الربا الذي يكون أشد وأعظم، ففيه خاصية، وفيه ميزة من حيث الخطورة والعظم، وكذلك الحديث الذي جاء: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، أي: لا اعتكاف أفضل وأتم، فلا يمنع الاعتكاف في المساجد الأخرى، فيكون ذكر الثلاثة ليس للحصر فيها، ولكن لبيان الأفضل، وبيان الأكمل، وهو الذي يسمونه الحصر الإضافي، وليس الحصر الحقيقي الذي لا يرد عليه شيء، وإنما هو الحصر النسبي أو الحصر الإضافي، وهو معلوم في البلاغة، يعني: كون الحصر ينقسم إلى قسمين: حصر حقيقي، وحصر إضافي، فهو يكون من قبيل الحصر الإضافي الذي معناه أن هناك أعمالاً أخرى توصف بهذا الوصف، ولكن نص على بعضها لتمييزه ولبيان عظمه وشأنه، فالغازي، والحاج، والمعتمر، هؤلاء الثلاثة جاء هذا الحديث في بيان فضل هذا العمل، ولهذا أورده النسائي في كتاب الحج، كما أورده في كتاب الجهاد؛ لأنه يدل على فضل الحج، ويدل على فضل الجهاد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر)

    قوله: [أخبرنا عيسى بن إبراهيم بن مثرود].

    وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.

    [حدثنا عبد الله بن وهب].

    وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن مخرمة].

    وهو مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [عن أبيه].

    وهو بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت سهيل بن أبي صالح].

    وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد مر قريباً، وقد أخرج له البخاري مقروناً وتعليقاً، وطريقة المزي وغيره أنهم يرمزون لمن خرج له مقروناً برمز أصحاب الكتب، وأما إذا كان تعليقاً فإنه يرمز له: بـ (خ ت)، ولا يرمز له بـ (خ)، أو إذا كان من أصحاب الكتب الستة رمز (ع)، ومثله الذي سيأتي قريباً عاصم بن أبي النجود، روايته في الصحيحين مقرونة، وقد رمز له بأنه من رجال الجماعة، والبخاري بعض الأحاديث التي جاءت عنه كان يذكرها، أو ذكرها في ترجمة باب وحديث: (الدين النصيحة)، أخرجه مسلم في صحيحه، والبخاري رحمه الله ما رواه عنه استقلالاً؛ لأنه من رواية سهيل بن أبي صالح، ولكنه أورد في ترجمته باب في كتاب الإيمان في آخره، قال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)، ثم أورد حديث جرير بن عبد الله: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ونصحٍ لكل مسلم)، فأورد الحديث في الترجمة إشارة إلى صحته، لكنه لم يذكره مسنداً؛ لأنه ليس على شرطه من حيث أنه لم يرو استقلالاً لـسهيل بن أبي صالح، وإن كان روى عنه مقروناً.

    [سمعت أبي].

    وهو أبو صالح ذكوان السمان، مشهور بكنيته، ومشهور باسمه، وكنيته أبو صالح، واسمه ذكوان، ولقبه السمان والزيات، أحياناً يلقب بـالزيات، وأحياناً يلقب بـالسمان، ولا تنافي بينهما؛ لأنه كان يجلب السمن والزيت ويبيعهما، فلقب باللقبين، فإذا قيل: السمان فهو نسبة إلى بيعه السمن، وإذا قيل: الزيات فهو نسبة إلى بيعه الزيت، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت أبا هريرة].

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث حدثنا خالد عن ابن أبي هلال عن يزيد بن عبد الله عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة)].

    ثم أورد النسائي حديث أبي هريرة أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة)، يعني: هؤلاء الذين لا يتمكنون من الجهاد، وليسوا من أهل الجهاد في سبيل الله، جهادهم الحج والعمرة، وهو مثل الحديث الذي سيأتي لما قالت عائشة: (نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: أجمل الجهاد وأحسنه: الحج والعمرة)، أو (الحج المبرور)، فهنا قال: (جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة الحج والعمرة)، هذا هو جهادهم، الذي هو سفر، وفيه جهاد للنفس، وفيه تحمل مشقة السفر، وهو دال على فضل الحج كما ترجم له المصنف، فمن فضله أنه وصف بأنه جهاد لمن لا يكون من أهل الجهاد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة)

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم].

    وهو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.

    [عن شعيب].

    وهو شعيب بن الليث بن سعد، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [عن الليث].

    وهو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا خالد].

    وهو خالد بن يزيد المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن أبي هلال].

    وهو سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن يزيد بن عبد الله].

    وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، وهو ثقة، مكثر، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن إبراهيم].

    هو محمد بن إبراهيم التيمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي سلمة].

    وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وهو أحد فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم كما أشرت إلى ذلك آنفاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكره.

    وهذا الحديث من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأن رجاله تسعة، وأطول الأسانيد عند النسائي العشاريات، الذي يكون فيه بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم عشرة أشخاص، ومن أطولها التساعيات التي منها هذا الإسناد؛ لأن بين النسائي فيه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام تسعة أشخاص، فهو إسناد طويل، وأعلى الأسانيد وأقصرها عنده الرباعيات، وقد مر بنا في فضل (قل هو الله أحد) حديث إسناده فيه عشرة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال النسائي: هذا أطول إسناد، يعني ذلك الحديث الذي فيه عشرة أشخاص بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي حدثنا الفضيل وهو ابن عياض عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه)].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة أيضاً في فضل الحج، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه)، أي: أنه يرجع لا ذنوب عليه، كما أنه عندما يولد لا ذنوب عليه، فكذلك بعد الحج، إذا حج، ولم يرفث، ولم يفسق، فإنه يرجع ولا ذنوب عليه، أي أنه يرجع خالياً من الذنوب، ومن المعلوم أنه بالنسبة للصغائر أمره واضح لا إشكال فيه، وأما بالنسبة للكبائر، فإنه إذا كان هناك توبة في الحج من جميع الذنوب، فهو يرجع كذلك، وأما إذا كان مصراً على الكبائر أو متلبساً بها وقد حج، فإنه لا يرجع كذلك، والحديث فيه التقييد بأنه لم يرفث، ولم يفسق، والرفث فسر بأنه الجماع ومقدمات الجماع، ومن المعلوم أن هذا ممنوع في الحج، ويطلق الرفث أيضاً على الفاحش من القول، ولا شك أن هذا وهذا مطلوب تركهما في الحج، وإن كان الفحش من القول مطلوب دائماً وأبداً، إلا أن الأمر يكون أعظم وأشد بالنسبة لكون الإنسان متلبساً بعبادة، مثل ما جاء في الصيام: (إذا كان صيام أحدكم فلا يرفث)؛ لأن الرفث الذي هو الفحش من القول يمنع منه الصائم ويمنع منه الحاج فقط، بل الكل يمنع منه، لكن المتلبس بعبادة عليه من المسئولية، وعليه من الحذر، واليقظة، والبعد عن المعاصي، أعظم مما يكون على غيره، وإن كان الكل مطلوب منه أن يبتعد عن المعاصي، وعن الفاحش من القول.

    قوله: (ولم يفسق).

    الفسق: هو الخروج عن الطاعة، وهو المعاصي وحصول المعصية، فالحج الذي لا رفث فيه ولا فسوق، ومعه التوبة من الذنوب والمعاصي والكبائر، يرجع صاحبه كيوم ولدته أمه، وإذا كان مصراً على المعاصي، ويفكر في المعاصي، ومتى يجد الفرصة سانحة لأن يعمل معصية، فهذا ليس له هذا الثواب الذي جاء في هذا الحديث: (من حج ولم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، وقد اشتهر في كثير من الكتب زيادة من ذنوبه أو من ذنبه: (رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، وهي لا وجود لها في الصحيحين، وكذلك في الكتب التي أشير في التعليق إلى أنه أخرجه الترمذي، وأخرجه أيضاً ابن ماجه، لا وجود لهذا القيد الذي هو من الذنوب، لكن المعنى معلوم وأنه يخرج ولا ذنب له؛ لأن الإنسان عندما يولد لم يحصل له ذنوب، فمعنى هذا أنه يكون كذلك إذا تاب توبة، ولم يرفث، ولم يفسق في حجه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه)

    قوله: [أخبرنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [حدثنا الفضيل وهو ابن عياض].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، ومثل هؤلاء أو مثل هذين محمد بن رافع الذي مر بنا قريباً، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، ومثلهم أيضاً الذي يأتي ذكره كثيراً إسحاق بن راهويه، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن منصور].

    وهو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي حازم].

    وهو سلمان الأشجعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (... أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن حبيب وهو ابن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة أنها قالت: أخبرتني أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (قلت: يا رسول الله، ألا نخرج فنجاهد معك، فإني لا أرى عملاً في القرآن أفضل من الجهاد؟ قال: لا، ولكن أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور)].

    أورد النسائي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها سألت الرسول صلى الله عليه وسلم، وقالت: (ألا نجاهد معك فإنني لم أر في القرآن عملاً أفضل من الجهاد؟ قال: لا، ولكن أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور).

    ذكر الحافظ ابن حجر: أنه جاء (لكنّ) وجاء (لكن)، يعني في أكثر الروايات (لكنّ)، وفي بعضها (لكن) حرف استدراك، لكن أفضل الجهاد كذا وكذا، والحديث دال على فضل الحج، وهو مثل الحديث الذي مر: (جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة)، فهنا لما سألته، وطلبت منه أن تجاهد، وأن النساء يجاهدن، قال: (لا)، يعني: لسن من أهل الجهاد في سبيل الله، وإنما هو للرجال، ولكن لهن الحج المبرور، أو حج بيت الله الحرام هو الجهاد في حقهن كما جاء في هذا الحديث، وكما في الحديث السابق، والحديث دال على فضل الجهاد كما ترجم له المصنف.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [أخبرنا جرير].

    وهو جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن حبيب].

    وهو ابن أبي عمرة، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في الناسخ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن عائشة بنت طلحة].

    هي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمية، أبوها أحد العشرة المبشرين بالجنة طلحة بن عبيد الله، وهي تابعية، ثقة، قيل: إنها كانت فائقة الجمال، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرتني أم المؤمنين عائشة].

    أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي الصحابية الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي واحدة من سبعة أشخاص من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وصفوا بكثرة الحديث، ستة رجال وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    أي: عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    1.   

    فضل العمرة

    شرح حديث: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل العمرة.

    أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة، وقد مر ذكره في بيان فضل الحج المبرور، ولكنه أورده هنا من أجل العمرة وبيان فضلها، فقال: فضل العمرة، وهو دال على فضل الحج، وعلى فضل العمرة، وذلك في قوله: (العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما)، يعني معناه: أن العمرة إذا جاءت بعدها العمرة، فهي تكفر ما بينها وبين العمرة السابقة، وهو دال على فضل العمرة، ودال على تكرار العمرة، وعلى أن العمرة تكرر، لكن التكرار الذي جاء الترغيب فيه هو كون الإنسان يسافر إلى مكة من أجل العمرة، وليس الذي يكون في مكة، ثم يتردد بين الكعبة والتنعيم، ويأتي في اليوم بعشر عمر، أو خمس عمر، أو أكثر أو أقل، فإن هذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا رغب فيه، ولكن المقصود كون الإنسان يذهب إلى مكة، ولهذا جاء عن بعض سلف هذه الأمة أنهم يفضلون حج الإفراد، قالوا: حتى يأتي الإنسان مرة أخرى للعمرة، وحتى يحصل التكرر للسفر إلى مكة؛ لأن الإنسان إذا حج متمتعاً أتى بالحج مع العمرة في سفرة واحدة، لكن إذا أتى مفرداً، فإنه يأتي أيضاً بسفرة أخرى للعمرة، وهذا قاله بعض سلف هذه الأمة، ولكن لا شك أن التمتع أفضل، وفيه الجمع بين العمرة والحج في سفر واحد، وإذاً فالعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، وهو دال على فضل العمرة، وعلى فضل الإكثار من العمرة وذلك بالسفر إلى مكة من أجل أداءها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)

    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].

    وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن مالك].

    وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سمي].

    وهو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي صالح عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكرهما قريباً.

    1.   

    فضل المتابعة بين الحج والعمرة

    شرح حديث ابن عباس: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل المتابعة بين الحج والعمرة.

    أخبرنا أبو داود حدثنا أبو عتاب حدثنا عزرة بن ثابت عن عمرو بن دينار أنه قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: [فضل المتابعة بين الحج والعمرة]، يعني: كون الإنسان يعتمر عمرة قبل الحج، ويحج، ثم يأتي بعمرة بعد ذلك، والمقصود أنه يسافر إلى مكة، وليس المقصود أنه بعد الحج يذهب للتنعيم ويأتي بعمرة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما فعل هذا ولا أرشد إليه، ولا رغب فيه، وإنما أرشد عائشة رضي الله عنها لظرف خاص حصل لها، ولم يفعل ذلك أخوها الذي ذهب معها، وهو عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الذين كانوا جالسين في الأبطح ينتظرون عائشة، ما قال: اذهبوا وأتوا بعمرة ما دام أنكم جالسون، فدل هذا على أن العمرة المشروعة المستحبة التي يؤتى بها، هي التي يقصد البيت من أجلها، ويذهب الإنسان ويسافر من أجلها، هذه هي العمرة المشروعة، فالمتابعة بين الحج والعمرة، أما كون الإنسان يأتي بالعمرة ثم يأتي بالحج، ويأتي بعد الحج مباشرة بعمرة وهكذا، فهذا ليس بثابت في السنة.

    أورد النسائي حديث ابن عباس: (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد)، فهو دال على فضل المتابعة بينهما، وعلى فضل الحج والإكثار منه، وكذلك العمرة والإكثار منها، والمتابعة بينهما، وأنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، ولعله ذكر الفقر ونفي الفقر؛ لأن الحديث يترتب عليه سفر ويحتاج إلى نفقة، والإنسان قد تحدثه نفسه بألا يذهب؛ لأنه ينقص ماله أو يكون فيه إنفاق، فأرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنهما ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد، وهو أنه عندما يحمى على الحديد بالنار، ويضرب بالمرزبة التي يضرب بها، يخرج رديئه ويبقى جيده، يخرج رديء الحديد ويبقى جيده.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ...)

    قوله: [أخبرنا أبو داود].

    وهو سليمان بن سيف الحراني، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.

    [حدثنا أبو عتاب].

    وهو سهل بن حماد، وهو صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة. وهو مشهور بكنيته أبو عتاب.

    [عن عزرة بن ثابت].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود فأخرج له في كتاب القدر، ولم يخرج له في السنن. وهو يشبه محمد بن عبد الأعلى الذي يأتي ذكره كثيراً، إلا أن البخاري ما خرج له، وإنما خرج له مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن عمرو بن دينار].

    وهو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ابن عباس].

    وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، هؤلاء هم العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذين اشتهروا بهذا اللقب، وإن كان من يسمى عبد الله كثير، لكن هؤلاء اشتهروا بهذا اللقب؛ لأنهم من صغار الصحابة، وأدركهم من لم يدرك كبار الصحابة.

    شرح حديث ابن مسعود: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب حدثنا سليمان بن حيان أبو خالد عن عمرو بن قيس عن عاصم عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة)].

    أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو مثل حديث ابن عباس المتقدم، إلا أن فيه بالإضافة إلى نفي خبث الحديد خبث الذهب والفضة، وفيه أيضاً: (وليس للحج المبرور ثواب عند الله دون الجنة)، يعني: سوى الجنة، فهو مثل حديث ابن عباس المتقدم من جهة فضل المتابعة بين الحج والعمرة، وأنهما ينفيان الذنوب والفقر.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب].

    وهو ثقة، أخرج له الترمذي، والنسائي.

    [حدثنا سليمان بن حيان أبو خالد].

    وهو سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر، وهو صدوق، يخطئ، أخرج له أصحاب الكتب.

    [عن عمرو بن قيس].

    وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عاصم].

    وهو عاصم بن بهدلة بن أبي النجود، وهو صدوق له أوهام، وحديثه في الصحيحين مقرون، ورمز له بأنه خرج له أصحاب الكتب الستة، وكما قلت: طريقة أصحاب الكتب أنهم يرمزون لمن خرج لهم مقروناً بأنهم من رجال الكتب، وإن كان لا يعتبر من شرط الشيخين؛ لأنه لم يرو له استقلالاً، وإنما روى له مقروناً بغيره.

    [عن شقيق].

    وهو شقيق بن سلمة أبو وائل، مشهور باسمه، ومشهور بكنيته، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله].

    وهو عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.