إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - (باب مسألة الرجل في أمر لابد منه) إلى (باب مولى القوم منهم)

شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - (باب مسألة الرجل في أمر لابد منه) إلى (باب مولى القوم منهم)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المسألة فعل مذموم إلا في حالات منها: سؤال السلطان، أو في أمر لا بد منه وهي حالة الاضطرار، ومن أعطي مالاً من غير مسألة فليأخذه ولينتفع به، ولا يحل لآل بيت النبي صلى لله عليه وسلم أخذ الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس.

    1.   

    مسألة الرجل في أمر لا بد منه

    شرح حديث: (المسألة كد ... إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لابد منه)

    قال المصنف رحمه الله: [ مسألة الرجل في أمر لا بد له منه.

    أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الملك عن زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لا بد منه ) ].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: سؤال الرجل في أمر لا بد منه، وأورد فيه حديث سمرة بن جندب من طريق أخرى، وهو مشتمل على ما اشتمل عليه الذي قبله؛ لأن فيه استثناء سؤال السلطان، وأن يسأل الرجل في أمر لا بد منه. وسؤال السلطان أورد النسائي تحته الحديث من طريق، وأعاده بهذه التراجم من طريق أخرى؛ لأنه يتعلق بالسؤال في أمر لا بد منه، يعني: مضطراً إلى السؤال، أو أمراً لا بد له منه؛ لأنه ليس أمامه إلا ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث: (المسألة كد ... إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لابد منه)

    قوله: [ أخبرنا محمود بن غيلان ].

    هو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود .

    [ حدثنا وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان ].

    هو الثوري ، وقد مر ذكره، وإذا جاء وكيع يروي عن سفيان وهو غير منسوب، فالمراد به الثوري؛ لأن وكيعاً مكثر من الرواية عن سفيان الثوري، ومقل من الرواية عن سفيان بن عيينة، فإذا جاء سفيان مبهم يحمل على من أكثر عنه، لا سيما وكيع وسفيان الثوري من بلد واحد، فسفيان بن عيينة من بلد آخر؛ لأن سفيان الثوري ووكيعاً كوفيان، وأما سفيان بن عيينة فهو مكي، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان في بلد فإنه يكون على صلة بالعالم الذي في بلده، يستوعب حديثه، ويكثر من الحديث عنه، بخلاف الذي يكون في بلد آخر فإنه لا يتمكن من الرواية إلا إذا رحل رحلة علمية في وقت من الأوقات، أو ذهب لحج أو عمرة؛ لأن سفيان بن عيينة بمكة، فإذا ذهب لحج، أو عمرة، أو في رحلة علمية فيروي عن سفيان بن عيينة ، لكن عندما يهمل الرجل الذي هو الشيخ يحمل على من يكون الراوي مكثراً عنه دون حمله على من يكون مقلاً عنه، وسفيان الثوري مر بنا ذكره، وهو ثقة، ثبت، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث.

    [ عن عبد الملك عن زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب ].

    عبد الملك بن عمير وزيد بن عقبة وسمرة بن جندب قد مر ذكر هؤلاء الثلاثة في الإسناد الذي قبل هذا.

    شرح حديث: (إن هذا المال خضرة حلوة ... واليد العليا خير من اليد السفلى)

    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار عن سفيان عن الزهري أخبرني عروة عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أنه قال: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى) ].

    أورد النسائي حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، وقد مر ذكره من طرق متعددة فيما مضى، وهو أن حكيماً رضي الله عنه جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله، ثم جاء وسأله وأعطاه، ثم سأله وأعطاه، ثم بعد هذا التكرار قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له].

    يعني: بطيب نفس، ويحتمل أن يكون من الشخص السائل؛ أي: بأن يكون ما عنده إلحاف، ولا عنده شدة سؤال، وهو محتاج، فهذا بورك له فيه، وإذا كان بإشراف، وبتطلع، وبتعلق النفس، وباشتغالها بالتحصيل، فإنه يكون كالذي يأكل ولا يشبع. ويحتمل أن يكون طيب النفس من المسؤول، كما سبق أن مر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعطيته وأنا كاره لم يبارك له فيه )؛ لأنه قد يعطي من أجل دفع الإنسان لكثرة إلحاحه، وكثرة إشغاله وإتعابه في السؤال.

    ثم قال: [واليد العليا خير من اليد السفلى]، وقد مر ذكر ذلك في أبواب سابقة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن هذا المال خضرة حلوة ... واليد العليا خير من اليد السفلى)

    قوله: [ أخبرنا عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار ].

    لا بأس به، وهي بمعنى صدوق، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.

    [ عن سفيان ].

    هو ابن عيينة ، وقد مر ذكره.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وإذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري فالمراد به سفيان بن عيينة؛ لأنه هو المعروف بالرواية عن الزهري، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أن الثوري لا يروي عن الزهري مباشرة، بل روايته عنه بواسطة، وعلى هذا فعندما يأتي سفيان غير منسوب يروي عن الزهري فالمراد به ابن عيينة، ولا يراد به الثوري.

    [ أخبرني عروة عن حكيم بن حزام ].

    هو عروة بن الزبير، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحكيم بن حزام صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من المعمرين، عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    شرح حديث: (إن هذا المال خضرة حلوة ... واليد العليا خير من اليد السفلى) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ مسألة الرجل في أمر لا بد منه.

    أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا مسكين بن بكير حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن حكيم بن حزام أنه قال: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف النفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى ).

    أخبرني الربيع بن سليمان بن داود حدثنا إسحاق بن بكر حدثني أبي عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام قال: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حكيم! إن هذا المال حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك، حتى أفارق الدنيا بشيء ) ].

    هذا الحديث لـحكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه من طريقين يخبر فيهما حكيم بن حزام رضي الله عنه، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله فأعطاه، ثم جاء فسأله فأعطاه، ثم جاء فسأله فأعطاه ثم قال له عليه الصلاة والسلام: [إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بسخاوة نفس، بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى]، وقال في الرواية الأخرى: [قال حكيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك حتى أفارق الدنيا بشيء] فقوله: (لا أرزأ أحداً بشيء) يعني: لا أنقصه بشيء حتى أفارق الدنيا، هذا هو المقصود من هذه الجملة، يعني: لا أنقصه بشيء حتى أفارق الدنيا، ومعناه: أنه لا يأخذ من أحد شيئاً حتى يفارق الدنيا، ولا يسأل من أحد شيئاً فينقصه ما عنده بسبب هذا السؤال الذي سأله إياه وأعطاه حتى يفارق الدنيا، أي: أن هذا التزام من حكيم بن حزام على ألا يسأل بعد أن سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم ما سمع.

    والحديث سبق أن مر من طرق أخرى، وهو أن حكيماً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، وعندما تكرر هذا السؤال وهذا الإعطاء، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: [إن هذا المال حلوة خضرة]، الإنسان الذي يريد أن يفسح لنفسه المجال وأن يتجه إلى تحصيل ذلك فهو حلوة خضرة، لكن لا يكون وصوله إلى الإنسان محموداً دائماً وأبداً، بل إذا كان وصل إلى الإنسان بسخاوة نفس فإنه يبارك له فيه ويستفيد من ذلك الذي وصل إليه.

    وإن أخذه بإشراف نفس وهو التطلع، والتعلق، والسؤال، والإلحاح، والإلحاف، وما إلى ذلك من الأشياء التي فيها تعلق النفس، وتطلع النفس، وإشراف النفس، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، أي: أنه يصل إليه المال ويكثر في يده، ولكنه لا يستغني ولا يشعر بالغنى؛ لأنه يشبه الذي يأكل ولا يشبع، يعني: كلما أكل فإنه لا يستفيد من ذلك الأكل، فهو نهم على الأكل، شديد الحرص عليه، وشهيته منفتحة دائماً وأبداً، ولكنه لا يشعر بالشبع ولا يشعر بالاستفادة من هذا الأكل الذي أكله، فكان الذي يأكل ولا يشبع مثل الرجل الذي يحرص على المال ويسأل غيره للحصول عليه، ويسعى للوصول إليه بأي طريق سواء كانت مشروعة، أو غير مشروعة.

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: [واليد العليا خير من اليد السفلى] يعني: كون الإنسان يكون معطياً خيراً من أن يكون منه سائلاً، وكون الإنسان يكون ماداً يده بأن يعطي خيراً من أن يمد يده سائلاً مستجدياً يريد الحصول على الشيء من الغير، فهذا تنبيه من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على أن يكون الإنسان معطياً وأن يكون الإنسان سخياً، وأن تكون يد الإنسان عليا بكونها تضع العطية في يد من يمد يده ومن يحتاج إلى العطاء فيكون العلو حسياً ومعنوياً، حسياً؛ لأن يد المعطي فوق يد المعطى؛ لأن هذا يمد يده رافعاً إياها، وهذا يمد يده واضعاً ما في يده في تلك الكف المبسوطة لتأخذ، فهذا يأتي من علو يعطي، وهذا يأخذ من سفل ويمد يده ويده سفل، هذا علو حسي. وعلو معنوي وهو: أن المعطي أرفع وأعلى من المعطى، فالعلو في الحديث هو علو معنوي؛ وعلو حسي، ثم إن مجرد الوصف بالعلو والسفل يدل على تفضيل العلو على السفل؛ لأن كون اليد موصوفة بأنها عليا ويد موصوفة بأنها سفلى، لا شك أن العليا خير من السفلى، ولكن جاء ذكر الخيرية وذكر التفضيل للتأكيد وبيان عظم شأن من تكون يده عالية حساً ومعنى على يد من كانت يده سافلة حساً ومعنى.

    ثم بعد أن سمع حكيم بن حزام رضي الله عنه وأرضاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع آلى على نفسه وحلف أن لا يرزأ أحداًبشيء حتى يفارق الدنيا، يعني لا ينقص أحداً بشيء من المال ويكون سبباً في نقص ما بيد ذلك المعطي حتى يفارق الدنيا، وذلك أخذاً وإسناداً إلى ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من أن من يأخذ بإشراف لا يبارك له فيما يعطى إياه، وأنه كالذي يأكل ولا يشبع، ومن أجل أيضاً كون النبي صلى الله عليه وسلم وصف اليد العليا بأنها خير من السفلى، واليد العليا هي المعطية واليد السفلى هي الآخذة، كما جاء ذلك مفسراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن هذا المال خضرة حلوة ... واليد العليا خير من اليد السفلى) من طريق أخرى

    قوله: [ أخبرنا أحمد بن سليمان ].

    هو أحمد بن سليمان الرهاوي ، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.

    [ حدثنا مسكين بن بكير ].

    صدوق، يخطئ، أخرج له البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي.

    [ حدثنا الأوزاعي ].

    هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي فقيه الشام، ومحدثها، ثقة، إمام،أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، فقيه، من صغار التابعين، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن المسيب ].

    هو من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حكيم بن حزام ].

    صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي جليل أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المعمرين عمر مائة وعشرين سنة، ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام، ويقال: إن مثله في ذلك حسان بن ثابت رضي الله عنه وحويطب بن عبد العزى، هؤلاء كل واحد منهم عمر مائة وعشرين سنة.

    الإسناد الثاني قال: [ أخبرني الربيع بن سليمان بن داود ].

    هو الجيزي، هناك الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي وهذا الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري وكل منهما مصري، والأول هو صاحب الشافعي الذي هو المرادي، وأما هذا فهو الربيع بن سليمان بن داود الجيزي ، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.

    [ حدثنا إسحاق بن بكر ].

    هو إسحاق بن بكر بن مضر ، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم والنسائي.

    عن أبيه بكر بن مضر وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [ عن عمرو بن الحارث ].

    هو عمرو بن الحارث المصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله ، وقد مر ذكره.

    [ عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب ].

    عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب هما ثقتان، وهما جميعاً من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وفقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع متخلف فيه، وهذان الاثنان في هذا الإسناد الراويين فيه عن حكيم بن حزام هما من فقهاء المدينة السبعة، وهما: سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير، والأربعة الباقون من الستة المتفق على عدهم هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.

    1.   

    من آتاه الله عز وجل مالاً من غير مسألة

    شرح حديث: (إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق)

    قال المصنف رحمه الله: [ من آتاه الله عز وجل مالاً من غير مسألة.

    أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن بكير عن بسر بن سعيد عن ابن الساعدي المالكي رضي الله عنه أنه قال: استعملني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة، فلما فرغت منها فأديتها إليه أمر لي بعمالة، فقلت له: إنما عملت لله عز وجل وأجري على الله عز وجل، فقال: خذ ما أعطيتك، فإني قد عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق ) ].

    أورد النسائي ترجمة من آتاه الله عز وجل مالاً من غير مسألة، أي: ماذا يصنع، أي: أنه يأخذه حيث تكون المصلحة في أخذه، وقد أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، أنه استعمل رجلاً يقال له: عبد الله بن السعدي على الصدقة ولما جاء وأدى إليه الزكوات التي قبضها من المتصدقين من أصحاب الزكوات دفعها إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه فأمر له بعمالة، يعني: مقداراً من المال يكون في مقابل عمله؛ لأن من أصناف مصارف الزكاة العاملين عليها إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التوبة:60] فهو أمر له بأن يعطى ما يقابل عمالته، وهو عمله الذي عمله في جباية الزكاة واستيرادها وأخذها وتوريدها من أصحابها إلى ولي أمر المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فاعتذر عن أخذ تلك العمالة، وقال: إنما عملت لوجه الله عز وجل وأجري على الله، يعني: أنه ما عمل ليأخذ مقابل، فقال له: خذ فإنني فعلت كما فعلت مع رسول الله صلى الله عليه واعتذر عمر رضي الله عنه. فقلت له مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق ) ].

    يعني: خذ ما أعطيت، وكل وتصدق انتفع وانفع، انتفع في نفسك وانفع غيرك، (كل) يعني: ينفع الإنسان نفسه و(تصدق) ينفع غيره، وهذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا عمل عملاً يريد به وجه الله عز وجل ثم حصل له مع ذلك شيء من الدنيا، فإنه لا ينقص أجره وثوابه عند الله عز وجل ولا يبطل ولا يكون عوضاً عن الثواب، بل هذا من جملة الثواب، فيكون هذا من الثواب المعجل.

    وهذا مثل الإنسان الذي يعمل له عمل من الأعمال التي هي قربة وطاعة لله عز وجل كأن يكون الإنسان إماماً، أو مؤذناً، أو مدرساً للقرآن أو ما إلى ذلك، ثم يعطى من بيت المال شيئاً فإن هذا لا يسقط أجره وثوابه عند الله عز وجل ما دام أنه أراد الخير، وما دام أنه نوى الخير، ولكل امرئ ما نوى، فيكون هذا من الثواب المعجل الذي يجعله الله عز وجل للإنسان في الدنيا قبل الآخرة، ولا ينقص أجره عند الله عز وجل في الدار الآخرة.

    وهذا أيضاً يدل على أن الإنسان إذا عمل أو أنفق النفقات الواجبة، وهو يريد الأجر والثواب من الله عز وجل فإنه يحصل الأجر، وإن كان ذلك أمراً متحتماً عليه، وأمراً لازماً عليه، كما سبق أن مر بنا إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي صدقة. المهم في الأمر أن الإنسان يستشعر القربة، ويرجو الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، فلا يضيره بعد ذلك كونه يحصل شيئاً من الدنيا بسبب هذا العمل الذي عمله؛ لأن هذا يكون من الثواب المعجل، ولكن المهم في الأمر أن يكون الإنسان عنده القصد الحسن، والنية الطيبة، وإرادة وجه الله عز وجل والدار الآخرة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق)

    قوله: [أخبرنا قتيبة ].

    هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ،ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري ، ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بكير ].

    هو بكير بن عبد الله بن الأشج المصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بسر بن سعيد ].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن الساعدي المالكي ].

    هو ابن الساعدي المالكي وهذا في رواية ليس الساعدي ، وفي رواية غيره: السعدي ، كما سيأتي في الروايات وكما جاء عند غير النسائي أيضاً، وجاء تسميته أيضاً في بعض الروايات عبد الله بن السعدي، وهو صحابي، أخرج له البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي.

    [ عن عمر ].

    هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين صاحب المناقب الجمة، والفضائل العظيمة، والمناقب الحميدة، الذي فتح الله تعالى في مدة خلافته الفتوح، وقضي على الدولتين العظميين في ذلك الزمان؛ دولة فارس والروم، وأنفقت كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله على يد الفاروق، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    شرح حديث: (ما آتاك الله عز وجل من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه فتموله ...)

    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى أخبرني عبد الله بن السعدي رضي الله عنه أنه قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الشام، فقال: ألم أخبر أنك تعمل على عمل من أعمال المسلمين فتعطى عليه عمالة فلا تقبلها؟ قال: أجل، إن لي أفراساً وأعبداً وأنا بخير، وأريد أن يكون عملي صدقة على المسلمين، فقال عمر رضي الله عنه: إني أردت الذي أردت وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني المال فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، وإنه أعطاني مرة مالاً فقلت له: أعطه من هو أحوج إليه مني، فقال: ( ما آتاك الله عز وجل من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه فتموله، أو تصدق به وما لا فلا تتبعه نفسك ) ].

    أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله في قصة عبد الله السعدي ، وأنه قدم من الشام وقال له عمر: ألم أخبر أنك تقوم بالعمل على الصدقة، وأنك لا تأخذ عمالة؟ قال: أجل، إن لي أفراساً وأعبداً وأنا بخير، يعني: أغناني الله عز وجل عندي أفراس -جمع فرس- وعندي أعبد -جمع عبد- وأنا بخير، فأردت أن يكون عملي صدقة على المسلمين، يعني: ما يكون لي يبقى في بيت المال؛ لأن الصدقات كما هو معلوم تصرف في مصارفها، وإذا تركها العامل عليها فإنها تعطى للمصارف الباقية، أو تصرف في المصارف الباقية وهم الفقراء، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، هذه المصارف الأخرى التي غير العاملين عليها، فـعمر رضي الله عنه وأرضاه أرشده إلى أنه حصل بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم مثلما حصل بينه وبين عمر، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له وقد أعطاه: أعطه من هو أحوج مني، فقال: (ما أعطيت من هذا المال فخذه وتموله) أي: اتخذه مالاً لك، وما لا فلا تتبعه نفسك، يعني: وما لا يكون كذلك أو ما لا يحصل لك بهذه الطريق فلا تتبعه نفسك، فهو مثل الذي قبله إذا كان بإشراف فإنه يكون مذموماً، وإذا كان بغير إشراف وحصل بسخاوة نفس كما جاء في حديث حكيم بن حزام المتقدم فإنه يكون محموداً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ما آتاك الله عز وجل من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه فتموله ...)

    قوله: [أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي ].

    ثقة، أخرج له الترمذي ، والنسائي.

    [ حدثنا سفيان ].

    هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    يروي عن الزهري وقد مر ذكره، وسفيان هنا غير منسوب، وإذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري فهو ابن عيينة وليس الثوري؛ لأن سفيان بن عيينة هو المعروف بالرواية عن الزهري وأما سفيان الثوري فقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، فمتى جاء سفيان غير منسوب مهمل يروي عن الزهري فالمراد به ابن عيينة الهلالي المكي ، وليس سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي.

    [ عن السائب بن يزيد ].

    صحابي صغير، قال: حج بي أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن سبع سنين، يعني: أنه حج به أهله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وعمره إذ ذاك سبع سنوات، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حويطب بن عبد العزى ].

    وهو أيضاً صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخرج حديثه البخاري، ومسلم ، والنسائي.

    وحويطب بن عبد العزى هذا هو الذي ذكرت عند ذكر حكيم بن حزام أنه عمر مائة وعشرين سنة كـحكيم بن حزام، ومثلهم أيضاً حسان بن ثابت، كل منهم عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وحديثه كما قلت: أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

    [أخبرني ابن السعدي] قد مر ذكره.

    [عن عمر].

    قد مر ذكره، وهذا الإسناد فيه أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض؛ السائب بن يزيد وهو صحابي يروي عن حويطب بن عبد العزى وهو صحابي، وحويطب بن عبد العزى يروي عن عبد الله بن السعدي وهو صحابي، وعبد الله بن السعدي يروي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

    حديث: (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن السائب بن يزيد أن حويطب بن عبد العزى أخبره أن عبد الله بن السعدي رضي الله عنه أخبره أنه قدم على عمر بن الخطاب في خلافته فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالاً فإذا أعطيت العمالة رددتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر رضي الله عنه: فما تريد إلى ذلك؟ فقلت: لي أفراس وأعبد وأنا بخير، وأريد أن يكون عملي صدقة على المسلمين، فقال له عمر: فلا تفعل، فإني كنت أردت مثل الذي أردت، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خذه فتموله أو تصدق به، ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك ) ].

    أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم.

    قوله: [ أخبرنا كثير بن عبيد ].

    هو كثير بن عبيد الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه.

    [حدثنا محمد بن حرب الحمصي ].

    ثقة أيضاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزبيدي ].

    هو محمد بن الوليد الحمصي الزبيدي ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    [ عن الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى عن عبد الله السعدي عن عمر رضي الله عنه].

    هؤلاء الخمسة الزهري والسائب بن يزيد وحويطب بن عبد العزى وعبد الله السعدي وعمر قد مر ذكرهم، وهذا مثل الذي قبله، فيه أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي بعضهم عن بعض.

    حديث: (... فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ...) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا عمرو بن منصور وإسحاق بن منصور عن الحكم بن نافع أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني السائب بن يزيد أن حويطب بن عبد العزى أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في خلافته، فقال عمر: ألم أخبر أنك تلي من أعمال الناس أعمالاً فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ قال فقلت: بلى، قال: فما تريد إلى ذلك؟ فقلت: إن لي أفراساً وأعبداً وأنا بخير، وأريد أن يكون عملي صدقة على المسلمين، فقال عمر: فلا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خذه فتموله وتصدق به، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك ) ].

    أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم.

    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور وإسحاق بن منصور ].

    عمرو بن منصور هو النسائي وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه النسائي وحده.

    وإسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.

    [ عن الحكم بن نافع ].

    هو الحكم بن نافع أبو اليمان مشهور بكنيته، ويأتي ذكره بالكنية أحياناً، وهو أبو اليمان ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا شعيب ].

    هو شعيب بن أبي حمزة ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    عن الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب عن عبد الله السعدي عن عمر قد مر ذكرهم.

    شرح حديث: (وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه) من طريق رابعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا الحكم بن نافع أخبرنا شعيب عن الزهري أنه قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عهما أنه قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً فقلت له: أعطه أفقر إليه مني، فقال: خذه فتموله وتصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك ) ].

    أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولكن من طريق ابنه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو مثل ما تقدم في حديث عبد الله بن السعدي عن عمر، يعني: كون الرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أنه يأخذ ما أعطي من غير إشراف ويتموله وإنما لا يحصله بهذه الطريق بأن يتبعه نفسه فهو مثل ما تقدم، إلا أن ذاك عن عبد الله بن السعدي عن عمر وهذا عن عبد الله بن عمر عن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    تراجم رجال إسناد حديث: (وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه) من طريق رابعة

    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور عن الحكم بن نافع عن شعيب عن الزهري عن سالم بن عبد الله ].

    هذا الإسناد والأربعة الذين تقدموا والذين هم في أول الإسناد مر ذكرهم في الإسناد السابق، وبقي ممن لم يسبق ذكره سالم بن عبد الله وأبوه عبد الله.

    فـسالم هو ابن عبد الله بن عمر وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة للسابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة وأبوه عبد الله بن عمر صحابي جليل أحد العبادلة الأربعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    1.   

    استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة

    شرح حديث: (إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة.

    أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو عن ابن وهب حدثنا يونس عن ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث قال لـعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن العباس بن عبد المطلب: ائتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولا له: استعملنا يا رسول الله على الصدقات، فأتى علي بن أبي طالب ونحن على تلك الحال، فقال لهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستعمل منكم أحداً على الصدقة، قال عبد المطلب: فانطلقت أنا والفضل حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لنا: ( إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد صلى الله عليه وسلم ) ].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، يعني: هل يستعملون أو لا يستعملون، وأورد النسائي الحديث الدال على عدم استعمالهم على الصدقة فهم لا يعطون من الصدقة، ولا يستعملون على جمع الصدقة، وأخذ أعمالهم أو أخذ ما يستحقون في مقابل ذلك، فهم لا يستعملون ولا يأخذون شيئاً؛ لأنهم لم يأتوا متبرعين وإنما جاءوا ليحصلوا شيئاً، وكانوا أرادوا أن يتزوجوا فأرادوا أن يحصلوا شيئاً؛ الذي هو عبد المطلب والفضل بن العباس، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وهي لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ) فالترجمة مطلقة، والحديث الذي أورده النسائي فيها يدل على عدم استعمالهم في الصدقة، وأنه لا يحل لهم الأخذ من الصدقة، لا عن طريق كونهم متصدقاً عليهم، ولا عن طريق كونهم عاملين، أما لو عملوا بدون مقابل فإن هذا ليس فيه إشكال، وإنما المحذور هو كونهم يأخذون من الصدقة، ويأكلون من الصدقة، أما لو عملوا بدون مقابل فلا محذور في ذلك.

    ولكن الحديث كما جاء في بعض الروايات أنهم أرادوا أن يتزوجوا فأرادوا أن يستعملهم النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة حتى يجمعوا شيئاً من المال يتزوجوا به، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم أن الصدقة إنما هي أوساخ الناس؛ لأنها تطهير لأموال الناس وطهرة لأموال الناس فلم يأت في الشرع أن آل محمد يأخذون منها، وذلك لأنهم يأخذون من الفيء الذي بين الله عز وجل مصارفه في القرآن، وقد قال بعض أهل العلم: إن آل محمد إذا لم يحصل لهم شيء عن طريق ما أغنوا به عن الصدقة وهو إعطاؤهم من الفيء، فإنه يجوز أن يعطوا من الصدقة إذا كانوا محتاجين إلى ذلك ومفتقرين إلى ذلك حيث لا يحصل لهم العطاء الذي يغنيهم عن الصدقة، أما إذا حصل لهم العطاء الذي يغنيهم عن الصدقة فالأمر كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لهم، جاء عنه أنه يقول: إنهم إذا لم يحصلوا أو يحصل لهم الشيء عن طريق الفيء، وعن طريق ما يعطونه من الخمس، فإنهم يحل أو يجوز أن يأخذوا من الصدقة حيث كانوا مضطرين إليها ومحتاجين إليها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو ].

    ثقة، أخرج حديثه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه.

    [ عن ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا يونس ].

    يونس هو ابن يزيد الأيلي ثم المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ].

    ابن شهاب قد مر ذكره، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب.

    وذكر أن له رؤية، وقيل: أجمعوا على توثيقه إذا لم يكن له رؤية، فهو إذا كان صحابياً وله رؤية فيكفيه شرفاً أن يكون صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فإنه قد أجمع على توثيقه ولا قدح فيه ولا كلام فيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب.

    [ عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ].

    هو عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب صحابي، أخرج حديثه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي، وهذا اسمه عبد المطلب، وهذا مما يستدل به على أن التسمية بعبد المطلب جائزة، وقد جاء عن ابن حزم في كتابه: مراتب الإجماع أنه قال: أجمعوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب، يعني: أن عبد المطلب جاء ما يدل على جواز التسمية به، والدليل على الجواز أن عبد المطلب هذا لم يغير اسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن نوفل هذا الصحابي ولم يغير اسمه، مع أنه غير أسماء أشخاص كانوا معبدين لغير الله لما أسلموا، ولهذا قالوا: إن التعبيد بعبد المطلب جائز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقر من كان مسمى بهذا الاسم وهو عبد المطلب.

    أما أبوه عبد المطلب فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهذا في النسب، يعني: وإنما الكلام في الشيء الذي يمكن أن يغير وهو أنه من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو موجود ويسمى بهذا الاسم، وليس شخصاً قد مضى وتقادم عهده، ولكنه شخص موجود من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يغير اسمه، ولهذا قال ابن حزم: أجمعوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب، ومن العلماء من يمنع أيضاً التسمية بعبد المطلب ولا يستثني شيئاً، لكن كون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يغير اسم هذا الرجل الصحابي الذي معنا في الإسناد وهو عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قالوا: هذا إقرار من الرسول صلى الله عليه وسلم، وإبقاؤه على تسميته، وعدم تغييره يدل على جواز التسمية بهذا الاسم الذي هو عبد المطلب.

    الإسناد ينتهي عند هذا، أما الباقون الذين جاء ذكرهم في الإسناد فما لهم علاقة بالحديث؛ لأن عبد المطلب ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه الفضل بن العباس وقال لهم الرسول ما قال، وهو حدث بهذا الحديث الذي هو عبد المطلب ، ورواه عنه عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.

    أبوه ربيعة طلب منه أي: من ابنه عبد المطلب أن يذهب والفضل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبان منه أن يوليهما على جباية الزكاة ليحصلا شيئاً يتزوجا به، فذهبا وقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال، والحديث من مسند عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكروا في الإسناد معه الذي هو أبو عبد المطلب والفضل بن العباس هؤلاء جاء ذكرهم ليس في الرواية وليس في الإسناد ولكن القصة دارت بينهم، والمحاورة حصلت بينهم، ولكن التحمل حصل من عبد المطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاه، أو حمله، أو حدث به عبد الله بن الحارث بن نوفل.

    1.   

    ابن أخت القوم منهم

    شرح حديث: (ابن أخت القوم من أنفسهم ...)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ابن أخت القوم منهم.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا شعبة قال: قلت لـأبي إياس معاوية بن قرة: أسمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابن أخت القوم من أنفسهم؟) قال: نعم ].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ابن أخت القوم منهم، لما ذكر آل محمد، وأنه لا تحل لهم الصدقة ذكر أن من كان منهم من أولاد إناثهم؛ لأن أولاد الذكور أمرهم واضح، لكن الذي يحتاج إلى إيضاح وبيان هو أولاد الإناث؛ لأن أولاد الإناث يكون آباؤهم من قبائل أخرى غير آل محمد عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ابن أخت القوم منهم، يعني: أن المرأة التي هي من آل البيت ولدها أيضاً يكون من آل البيت تبعاً لها، فلا تحل له الصدقة كما لا تحل لأمه، وهذا هو المقصود من الترجمة: ابن أخت القوم منهم، يعني: أنه منسوب إليهم، وهم يدخلون في نسبه لكن من جهة الأم، وأما من حيث النسب فهم للآباء، ولا شك في دخول أبناء الرجال من آل البيت، ولكن أبناء الإناث الذين آباؤهم من قبائل أخرى جاء الحديث دالاً على دخولهم، وأن ابن أخت القوم منهم، ولو كان أبوه أجنبياً من تلك القبيلة يعني: كما يقول الشاعر:

    بنونا بنو أبنائنا وبناتنا أبناؤهن أبناء الرجال الأباعد

    بنونا بنو أبنائنا؛ لأن الإنسان في سلسلة النسب فلان بن فلان بن فلان، لكن ابن البنت ينسب إلى أبيه في قبيلة أخرى.

    ولكن من حيث النسب ومن حيث الانتساب، فهو ينسب إلى تلك القبيلة من جهة أمه، يعني: من جهة الأمومة، وآباؤه من جهة أمه، وآباؤه من جهة أبيه، لكن كونه من نسل واحدة من آل البيت، فإنه يكون حكمه حكمها، بخلاف أبيه الذي هو ليس من آل البيت، فهو يتبع أمه في كونه منسوباً إلى آل البيت، فهو داخل في نسب الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة أمه، أو ظفر بالانتساب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة أمه، ولهذا أورد النسائي هذا الحديث.

    وقوله: [ شعبة يقول: قلت لـأبي إياس معاوية بن قرة: أسمعت أنس بن مالك يقول ].

    يقول شعبة بن الحجاج لـأبي إياس معاوية بن قرة: (أسمعت أنس بن مالك يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ابن أخت القوم منهم؟ قال: نعم)، فكلمة: (قال: نعم) هذه جواب من معاوية بن قرة لـشعبة بن الحجاج جاءت في آخر الحديث، وهذه الطريقة عند المحدثين أنه إذا سئل: أحدثكم فلان بكذا سواء قال: نعم، أو ما قال: نعم، يعني: ما دام أنه سكت سواء أقر أو قال نعم أو سكت ولم ينكر، قالوا: فإنه يكون متصلاً، ويكون الحديث قائم الإسناد ولو لم يقل نعم، وقد جاء في بعض الأحاديث في صحيح مسلم، وفي غيره ذكر نعم وذكره بدون نعم، ولهذا فإذا جاء مثل هذه الصيغة فإن الحديث متصلاً إذا لم ينكر ولم يقل: لا لم أسمع، بل سكت أو قال: نعم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ابن أخت القوم من أنفسهم ...)

    قال: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].

    هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي ، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [ حدثنا وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن معاوية بن قرة ].

    هو معاوية بن قرة أبو إياس ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد فيه اثنان وصف كل منهما بأنه أمير المؤمنين في الحديث؛ وهما: إسحاق بن راهويه ، وشعبة بن الحجاج.

    حديث: (ابن أخت القوم منهم) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا وكيع حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ابن أخت القوم منهم ) ].

    أورد النسائي حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم.

    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا وكيع حدثنا شعبة عن قتادة ].

    الثلاثة الأولون وهم إسحاق بن إبراهيم ، ووكيع ، وشعبة مر ذكرهم في الإسناد السابق.

    وأما قتادة فهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    قد مر ذكره.

    1.   

    باب مولى القوم منهم

    شرح حديث: (... وإن مولى القوم منهم)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب مولى القوم منهم.

    أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا شعبة حدثنا الحكم عن ابن أبي رافع عن أبيه رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فأراد أبو رافع أن يتبعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الصدقة لا تحل لنا وإن مولى القوم منهم ) ].

    أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: مولى القوم منهم، يعني: من يكون مولاً لقوم أي: عتيقاً لقوم فإنه يكون منهم، ويكون حكمه حكمهم من حيث أنه لا تحل له الصدقة، كما لا تحل لآل محمد فلا تحل لمولى آل محمد، وكذلك الذي تقدم: (ابن أخت القوم منهم)، يعني: هو تبع لهم لا تحل له الصدقة، ومولى القوم منهم فإنه لا تحل له الصدقة، وقد أورد النسائي حديث أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فأراد أبو رافع أن يتبعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم منهم] يعني: وأنت مولى لنا فأنت منا، يعني: فلا تحل لك الصدقة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... وإن مولى القوم منهم)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ].

    هو الفلاس ، وهو ثقة، ناقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [ حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان ، ثقة، ناقد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة حدثنا الحكم ].

    شعبة قد مر ذكره، والحكم بن عتيبة الكندي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن أبي رافع ].

    هو عبيد الله بن أبي رافع، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه هو أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.