إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الزكاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - (تابع باب أي الصدقة أفضل) إلى (باب القليل في الصدقة)

شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - (تابع باب أي الصدقة أفضل) إلى (باب القليل في الصدقة)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الشرع الحكيم أفضلية الصدقة، وذم البخل فيها، ونبه على ترك الإحصاء في الصدقة، ورغب في الشيء اليسير فيها، وأن المسلم لا يحتقرها مهما قلت؛ لأنها تقيه من النار، كما أنه ينتفع بها السائل، وأن من لم يجد شيئاً يعطيه السائل فليرده بكلمة طيبة.

    1.   

    تابع بيان أي الصدقة أفضل

    شرح حديث: (إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت أنه قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدث عن أبي مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ( إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة ) ].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب أي الصدقة أفضل وأورد عندها عدة أحاديث مضى بعضها، وحديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه هذا هو أحدها، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة)، أي: أن الإنسان إذا أنفق على أهله النفقة الواجبة وهو يحتسبها، يعني: يرجو أجرها وثوابها عند الله عز وجل، فهي صدقة، له أجرها، وقيد ذلك بالاحتساب؛ لأن الإنسان قد ينفق وهو كاره غير راغب، وقد يمتنع من الإنفاق، فيرفع إلى الحاكم فيفرض عليه مقداراً الذي هو النفقة الواجبة، فإنه يكون حصل تأدية الواجب، لكنه لا يحصل الثواب والأجر؛ لأنه لم يحتسب الأجر عند الله عز وجل، فهو مثل الذي يمتنع من الصدقة، أو من إخراج الزكاة، ثم تؤخذ منه قهراً، فإنه لا يحصل له أجراً عليها، ولكنه يسقط عنه الواجب، الذي أوجبه الله عز وجل عليه من وجوب الزكاة.

    فكذلك هنا: النفقة على من تجب النفقة عليه، يعني: على أهله، على زوجته وأولاده، هي واجبة عليه، وإذا أدى الواجب وهو يحتسب الأجر والثواب عند الله، فإنه يؤجر على ذلك، وأما إذا كان ما يفكر في الأجر والثواب، وإنما يعطي هذه النفقة الواجبة، أو يمنعها ولكنه أجبر عليها، فإن هذا لا يحصل الأجر، ولا يحصل الثواب على هذه النفقة؛ لكونه لم يحصل منه الاحتساب.

    ولهذا فإن كثيراً من الناس يحصل منهم الإنفاق على أهليهم، ومع ذلك لا يدور في خلدهم، ولا يقع في بالهم احتساب الأجر والثواب عند الله سبحانه وتعالى، وإنما يعتبرون ذلك شيئاً قد حصل، وأنه شيء لازم، ولكن لا يفكرون بأجر ولا بثواب، وهنا جاء الحديث بأنه إذا احتسبها فإنها تكون له صدقة، يعني: أنه يؤجر عليها، ويكون متصدقاً ويكون محسناً، ومن المعلوم أن الصدقة تكون من الإنسان على نفسه، يعني: حيث يحتسب الأجر والثواب، ولهذا الذي قال: عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، يعني: أنت أولى الناس بالانتفاع به، والإنسان عليه أن يقوم بمن يعول، وبمن تلزمه مؤنته، ويحتسب الأجر عند الله عز وجل في ذلك، وقد جاء في الحديث: (أن كل سلامى من الناس عليه صدقة)، وفي آخر الحديث يقول: وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: (أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟).

    فالإنسان عندما ينوي العفاف، والتخلص من الشر، والابتعاد منه، فإنه يؤجر على ذلك، كما أنه لو وضع النطفة في الحرام يأثم، فإذا وضعها في الحلال يؤجر، ولكن كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

    وأورد النسائي هذا الحديث تحت هذه الترجمة التي هي: أي الصدقة أفضل؟ للإشارة إلى أن الإنفاق على الأقارب، ومن تجب النفقة عليه، أن ذلك واجب، وإذا احتسبه كان له صدقة، فيكون ذلك من قبيل ما هو أهم وأفضل من غيره، وكذلك إذا أنفق على من يعول، وأعطى بعد ذلك القريب المحتاج، فإن ذلك صدقة وصلة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة)

    قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].

    هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [حدثنا محمد].

    هو محمد بن جعفر الملقب غندر البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وإذا جاء محمد غير منسوب يروي عنه محمد بن بشار ، أو محمد بن المثنى ، وهو يروي عن شعبة فالمراد به غندر، محمد بن جعفر.

    [ حدثنا شعبة ].

    هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عدي بن ثابت ].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري ].

    صحابي صغير، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي مسعود ]

    عقبة بن عمرو الأنصاري ، مشهور بكنيته أبو مسعود، واسمه عقبة بن عمرو الأنصاري، وهو صحابي جليل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت من قبل أنه قد يكون هناك تصحيف بينه وبين ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود اشتهر بنسبته إلى أبيه مسعود، فيقال له: ابن مسعود، وهو عبد الله بن مسعود، ولكن كثيراً ما يأتي ابن مسعود بدون تسميته، وهذا كثيراً ما يأتي بكنيته دون تسميته أبي مسعود، ولهذا يأتي في بعض الأحيان التصحيف بين ابن مسعود وأبي مسعود ، فحديث أبي مسعود في: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء.. )، صحف في بعض النسخ يعني: في بلوغ المرام، أو شرح سبل السلام، فقيل: عن ابن مسعود: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، وذلك للتقارب بين ابن وأبي، فيحصل التصحيف؛ لأن هذا مشهور بنسبته، وهذا مشهور بكنيته.

    شرح حديث: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها ...)

    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أنه قال: أعتق رجل من بني عذرة عبداً له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ( ألك مال غيره؟ قال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدفعها إليه، ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا، يقول: بين يديك وعن يمينك وعن شمالك ) ].

    ثم أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وفيه: أن رجلاً من بني عذرة أعتق عبداً له عن دبر، يعني معناه: جعل عتقه بعد وفاته، أي: كتب بأنني إذا مت، فعبدي حر، هذا يسمى المدبر، ويقال للعتق بعد الموت: العتق عن دبر، ويقال للعبد الذي جعل عتقه بعد وفاة سيده يقال له: مدبر؛ لأنه علق عتقه على الوفاة، والموت دبر الحياة، أي: بعد الحياة، فقيل له: مدبر، وقيل للفعل: التدبير، يعني: تعليق العتق على الموت، وجعل العتق يكون بعد الموت هذا تدبير، ولهذا قال: أعتق عبده عن دبر، يعني: كتب بأنه يكون عتيقاً إذا مات؛ لأن الموت دبر الحياة فقيل: عن دبر.

    فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألك مال غيره؟ فقال: لا، ما عندي مال غيره، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقره على هذا العمل، فباعه، وقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم، فأعطاه إياها، أي: الرسول صلى الله عليه وسلم دفعها إليه، وقال: خذها وتصدق بها على نفسك، فإن فضل فتصدق به على أهلك، فإن فضل فتصدق به على قرابتك، فإن فضل فهكذا وهكذا وهكذا، يعني: أعطه لمن شئت، وأنفقه في سبيل الله، يعني: أشار إلى أمامه وإلى يمينه وشماله، يعني: بالإنفاق والإخراج في سبيل الله عز وجل، فأرشده عليه الصلاة والسلام إلى أن يحسن إلى نفسه أولاً حتى لا يحتاج إلى الناس، وقال: تصدق به على نفسك، أو أبدأ بنفسك وتصدق عليها، ونفقة الإنسان على نفسه إذا احتسبها هي صدقة، وكذلك نفقته على أهله صدقة، وعلى أقاربه صدقة، وإن كانت نفقة واجبة.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى البدء بالأهم فالأهم، والأولى فالأولى، فيبدأ بنفسه، ثم بأهله الذين تجب عليه نفقتهم، ثم قرابته الذين لا تجب عليه نفقتهم، ثم بعد ذلك يعطيه ويصرفه حيث شاء في وجوه الخير، وهو ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وأمامه وشماله، يعني: ينفق في سبيل الله، وفي وجوه الخير، يعني: بعد أن يبدأ بمن يكون الأولى.

    وإيراد الحديث هذا في الباب الذي هو: أي الصدقة أفضل، للإشارة إلى أن الإنسان ينفع نفسه، ويعف نفسه، وينفع من يعول، ثم بعد ذلك يكون أولى الناس ببره أقربائه، والصدقة عليهم: صدقة وصلة، جمعت بين خصلتين، وبين حالتين محمودتين، وهما صلة الأرحام، والتصدق، ثم بعد ذلك يصرفه في وجوه الخير.

    أورد النسائي الحديث تحت: أي الصدقة أفضل؟ للإشارة إلى أن أفضل ما يصرف الإنسان ماله على نفسه، ثم على أهله، ثم على قرابته، ثم على من وراءهم، من إعطاء الناس، ومن الصرف في وجوه الخير والبر، سواء أعطاه لمساكين ومحتاجين، أو في وجوه الخير كبناء المساجد وغير ذلك ، أو في سبيل الله بالمعنى العام، وهو: ما يشمل وجوه الخير والبر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها ...)

    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الليث ].

    هو ابن سعد المصري ، ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الزبير ].

    هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن جابر بن عبد الله الأنصاري].

    صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم، وعن الصحابة أجمعين.

    وهذا الحديث من رباعيات النسائي، وهي من أعلى الأسانيد عنده؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات التي يكون فيها بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أربعة أشخاص، وأطول الأسانيد وأنزل الأسانيد عنده العشاري، الذي يكون بين النسائي فيه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشرة أشخاص، وقد سبق أن مر بنا في فضل: قل هو الله أحد حديث عند النسائي فيه بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام عشرة أشخاص، وقال: إن هذا أطول إسناد، أي: العشاري.

    والبخاري أنزل ما يكون عنده التساعي؛ لأن عنده حديث فيه تسعة أشخاص، وقال الحافظ ابن حجر يقال: إن هذا أنزل إسناد، وأطول إسناد عند البخاري، وأما أعلى ما يكون عند البخاري فهو ثلاثة، وأصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم أعلى ما عندهم الثلاثيات، وثلاثة أعلى ما عندهم الرباعيات، فالذين أعلى ما عندهم الثلاثيات البخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، بإسناد واحد ضعيف، وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى ما عندهم الرباعيات، وليس عندهم ثلاثيات.

    1.   

    صدقة البخيل

    شرح حديث: (إن مثل المنفق المتصدق والبخيل كمثل رجلين عليهما جبتان أو جنتان من حديد ...)

    قال المصنف رحمه الله: [ صدقة البخيل.

    أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاوس أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه، ثم قال: حدثناه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن مثل المنفق المتصدق والبخيل، كمثل رجلين عليهما جبتان أو جنتان من حديد من لدن ثديهما إلى تراقيهما، فإذا أراد المنفق أن ينفق اتسعت عليه الدرع، أو مرت حتى تجن بنانه، وتعفو أثره، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت ولزمت كل حلقة موضعها، حتى إذا أخذته بترقوته أو برقبته، يقول أبو هريرة: أشهد أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوسعها فلا تتسع، قال طاوس : سمعت أبا هريرة يشير بيده، وهو يوسعها ولا تتوسع )].

    ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: صدقة البخيل، ومعلوم أن البخيل لا يتصدق، ولكن المقصود من هنا أنه عندما يريد أن يتصدق، أو عندما يحاول أن يتصدق لا يفعل؛ لأن البخل والشح يحول بينه وبين ذلك؛ لأن نفسه تقول له: إنه يؤدي بك إلى الفقر، وقلة المال ونقصه، فلا يتصدق، وإذا أراد أن يحاول أن يتصدق، عنده ما يمنعه وهو الشح الذي في قلبه؛ لأنه بخيل، بخيل النفس، بخيل اليد، فلا يمد يده بإعطاء الخير، وبالصدقة.

    والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب مثلاً للبخيل والمتصدق، قال: كمثل رجلين عليهما جبتان أو جنتان، وهو شك من الراوي، ولكن الصحيح جنتان؛ لأنه جاء تفسيرها فيما بعد بأنها جنة وليست جبة؛ لأن الجبة: كساء يكون على الإنسان، وهو من الصوف.. من القطن، والجنتان هما: ما يكون من الحديد الذي يتترس به، ويكون وقاية في الجهاد من سهام الأعداء، ولهذا جاء في التفسير أنها تتقلص، وكل حلقة تمسك بالأخرى، فلا يسهل نزولها، واتساعها، بل ترتفع حتى تصل إلى رقبته أو ترقوته، فتصير يديه كالمغلولتين، ما يستطيع أن يخرج، ولا يستطيع أن ينفق.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم، ضرب مثلاً برجلين عليهما جنتان من الثدي إلى الترقوة، فكان المنفق عندما يريد أن ينفق تتسع، يعني: مثله كمثل هذا الذي عليه الجنة التي اتسعت ونزلت حتى كانت سابغة، وحتى غطت أصابعه، وأعفت أثره، بمعنى أنه صار لباسه سابق، يعني: جنة على جسده كله، فمثله مثل هذه الجنة التي تتسع وتكون سابغة، فكذلك صدقته فإنه يبذل ويعطي، ويكون خروجها سهل، كسهولة هذه الجنة التي تنزل حتى تكون سابغة.

    وأما البخيل فهو الذي عليه هذه الجنة يريد أن يتصدق فترتفع حتى تلتصق بترقوته، فهو يريد أن ينزلها ولا تنزل، والرسول صلى الله عليه وسلم يضرب المثل بكونه يحرك كذا يريد أن تتسع فلا تتسع، يعني: يشير بيده، يريد أن ينزلها وهي لا تنزل؛ لأنها صعدت، وكذلك أبو هريرة أو طاوس الذي كان أيضاً يفعل.

    [ قال طاوس : سمعت أبا هريرة يشير بيده ] يعني: يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: يشير إلى أنه يريد أن ينزلها وهي صاعدة ومرتفعة، فيكون كالمغلول اليدين.

    والله تعالى أرشد إلى أن الإنفاق يكون بالوسط، لا يكون بالتقتير والبخل، ولا بالإسراف والتبذير، ولكن يكون بين ذلك، ولذلك يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67]، ويقول: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29]، مغلولة إلى عنقك يعني معناه: مشدودة، ما يستطيع أن ينزلها من أجل يأخذ شيئاً؛ لأنها كالذي غلت إلى العنق وربطت بالعنق، فلا تستطيع أن تنزل وتتناول شيئاً وتعطيه، ولا تبسطها كل البسط، يعني: بأن يكون هناك تبذير، ويكون هناك إسراف، ولكن يكون هناك وسط، كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67].

    الحاصل: أن البخيل لا يتصدق، وإذا أراد أن يتصدق عنده في قلبه ما يمنعه من الصدقة، وإن تصدق فهو يتصدق بالشيء التافه، أو بالشيء الرديء أو ما إلى ذلك.

    وأما المنفق المتصدق فيبسط يده، وينفق في وجوه الخير، وفي وجوه البر.

    وهذان مثلان ضربهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الأمثال التي يضربها لتوضيح المعنوي بصورة الشيء المحسوس.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن مثل المنفق المتصدق والبخيل كمثل رجلين عليهما جبتان أو جنتان من حديد ...)

    قوله: [ أخبرنا محمد بن منصور ].

    هو الجواز المكي ، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي.

    [ حدثنا سفيان ].

    هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج ].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن بن مسلم بن يناق المكي ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    [ عن طاوس ].

    هو طاوس بن كيسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت أبا هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً.

    ثم قال بعد ذلك: وحدثناه.. يقول ابن جريج: [وحدثناه أبو الزناد]، هو عبد الله بن ذكوان المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج]

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه] وقد مر ذكره في الطريق الأولى.

    حديث: (إن مثل المنفق المتصدق والبخيل مثل رجلين عليهما جنتان من حديد ...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ( مثل البخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جنتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما، فكلما هم المتصدق بصدقة اتسعت عليه حتى تعفي أثره، وكلما هم البخيل بصدقة تقبضت كل حلقة إلى صاحبتها، وتقلصت عليه، وانضمت يداه إلى تراقيه، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: فيجتهد أن يوسعها فلا تتسع ) ].

    ثم أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم، يعني: ضرب المثلين للبخيل والمتصدق، وأن ذاك تنزل، وذاك ترتفع، حتى ترتفع يداه إلى تراقيه فتكون كالمغلولة، أو يكون مغلول اليدين لا يستطيع أن ينفق لكونه مغلولاً، والحديث هو مثل الذي قبله.

    قوله: [ أخبرنا أحمد بن سليمان ].

    هو: أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [ عن عفان ].

    هو عفان بن مسلم الصفار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا وهيب ].

    هو وهيب بن خالد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الله بن طاوس ].

    هو عبد الله بن طاوس بن كيسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبيه عن أبي هريرة ].

    وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.

    1.   

    الإحصاء في الصدقة

    شرح حديث: (يا عائشة! لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك)

    قال المصنف رحمه الله: [ الإحصاء في الصدقة.

    أخبرني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب حدثنا الليث حدثنا خالد عن ابن أبي هلال عن أمية بن هند عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله عنه أنه قال: ( كنا يوماً في المسجد جلوساً، ونفر من المهاجرين والأنصار، فأرسلنا رجلاً إلى عائشة ليستأذن، فدخلنا عليها، قالت: دخل عليّ سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمرت له بشيء، ثم دعوت به، فنظرت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما تريدين أن لا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك؟ قلت: نعم، قال: مهلاً يا عائشة، لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك )].

    ثم أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الإحصاء في الصدقة، وهي التدقيق فيها، وكون الإنسان يخرج الشيء وهو يعلم حصره، ويعلم عدده، بحيث يكون محصياً.

    والحديث يدل على أن المتصدق يأخذ الشيء ويعطيه دون أن يعد، أي: لا يكون شأنه أن يحصي ما يخرج منه، ويعده، وهذا هو الأولى؛ لأن البذل بدون عد يدل على عدم الحرص، وأما إذا كان هناك إحصاء، وهناك تدقيق، فإنه يكون فيه حرص، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى عدم الإحصاء في الصدقة، وأن الإنسان ينفق دون أن يكون مدققاً وعاداً، أو أن يكون عنده شيء من الحرص بمعرفة ما يخرج منه، بل يأخذ مما أعطاه الله عز وجل، ويعطي دون أن يروح يعرف مقدار ما سيخرجه، هذا هو المقصود بالإحصاء.

    وقد أورد النسائي حديث عائشة ، وذلك أنها جاءها سائل وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت بأن يعطى شيئاً، فأخذ الذي أراد أن يعطي، فطلبته وأخذته ونظرت فيه لتعرف قدره، يعني: هذا الذي أخذه، هذا الذي سيعطيه للفقير السائل، طلبته ودعته حتى أخذته ونظرت أيش مقداره، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: ( أتحبين أن لا يدخل عليك شيء ولا يخرج إلا بعلمك؟ قالت: نعم، قال: لا تحصي فيحصي الله عليك )، يعني: فأنت أعطي بدون عد وبدون حساب، والله عز وجل يعطيك بدون حساب وبدون إحصاء، والجزاء من جنس العمل، فمن أنفق جوداً وكرماً وإحساناً، وبذلاً وسخاء، فالله تعالى يجود عليه ويعطيه بغير حساب، ومن قتر أو أحصى فإنه يعطى كما أعطى، يعني: أحصى فيحصى عليه، وإذا بذل بدون إحصاء، فكذلك يبذل له بدون إحصاء.

    الحاصل: الرسول صلى الله عليه وسلم، أرشدها أن لا تفعل مثل هذا الفعل، بل تخرج مما أعطاها الله عز وجل دون أن تنظر فيه، أو تحصيه، ولكن المهم الأمر بالإعطاء، وأن يكون بدون حساب وتدقيق.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يا عائشة! لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك)

    قوله: [ أخبرني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ].

    ثقة، أخرج له النسائي وحده.

    [ عن شعيب ].

    هو شعيب بن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [ حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن خالد ].

    هو خالد بن يزيد الجمحي المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن أبي هلال ].

    هو سعيد بن أبي هلال المصري ، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أمية بن هند ].

    مقبول، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه.

    [ عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ].

    وهو معدود في الصحابة، وله رؤية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق ، التي أنزل الله تعالى براءتها مما رميت به من الإفك في آيات تتلى في سورة النور، وهي من أوعية السنة وحفظتها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    حديث أسماء بنت أبي بكر: (لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا محمد بن آدم عن عبدة عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: ( لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك )].

    ثم أورد النسائي حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها مثل ما قال لعائشة لأختها، لا تحصي فيحصي الله عليك، وهو مثل الذي قبله في الجملة الأخيرة التي قالها رسول الله عليه الصلاة والسلام لعائشة .

    قوله: [ أخبرنا محمد بن آدم ].

    هو محمد بن آدم الجهني، وهو صدوق، أخرج له أبو داود ، والنسائي.

    [ عن عبدة ].

    هو عبدة بن سليمان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن فاطمة ].

    هي فاطمة بنت المنذر بن الزبير، وهي زوجة هشام بن عروة، يروي عن زوجته، وهي ثقة، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة.

    وهي تروي عن جدتها أسماء بنت أبي بكر؛ لأنها فاطمة بنت المنذر بن الزبير، جدها الزبير، وجدتها أسماء بنت أبي بكر؛ لأن أسماء بنت أبي بكر هي زوجة الزبير، فهذا الحديث فيه رواية الزوج عن زوجته، وهو هشام بن عروة يروي عن زوجته فاطمة بنت المنذر ، يعني: ابنة عمه؛ لأنه هشام بن عروة بن الزبير يروي عن بنت عمه، زوجته التي هي فاطمة بنت المنذر بن الزبير ، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير تروي عن جدتها أسماء بنت أبي بكر الصديق.

    و أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها وأرضاها حديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث أسماء بنت أبي بكر: (ارضخي ما استطعت ولا توكي فيوكي الله عليك ...)

    قال المصنف رحمه الله: [أخبرنا الحسن بن محمد عن حجاج قال: قال ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، أنها جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: ( يا نبي الله: ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير ، فهل علي جناح في أن أرضخ مما يدخل عليّ؟ فقال: ارضخي ما استطعت، ولا توكي فيوكي الله عز وجل عليك ) ].

    ثم أورد النسائي حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وأنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (إنني ليس عندي شيء إلا ما يدخله الزبير في بيتي، فهل عليّ جناح أن أرضخ)، يعني: أن تتصدق؛ لأن الرضخ هو: الإعطاء، العطية القليلة، قال: الرسول صلى الله عليه وسلم: (أرضخي ما استطعت، ولا توكي فيوكي الله عليك)، أي: أعطي ما استطعت، وفسر ما أذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترضخ منه، بأن يكون أعطاها إياه على أنه نفقة لها تخصها، وتملكها، فهي تعطي مما ملكها إياه الزبير بن العوام، ومعنى هذا: فإنها تعطي كيف شاءت من الذي يخصها، وإذا كان المال للزبير ، وهو ليس نفقة لها، فإنها تعطي إذا كان هناك أذن صريح أو مفهوم مما يتعارف الناس عليه، يعني: في كون المرأة تنفق من الطعام الذي في بيت زوجها، والذي وضعه للنفقة على أهله وعلى أهل بيته، فإذا كان متعارفاً أن الفقير إذا جاء يعطى من المال، فإنه يعطى بناء على هذا الإذن المفهوم.

    وإذاً: هو يحتمل هذا الذي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنها تعطي مما يخصها مما أعطاها إياه الزبير على أنه يخصها وهو نفقة لها، أو مما أدخله الزبير ليكون نفقة لأهل البيت، ويكون المال للزبير ، ولكن هناك إذن إما صريح أو مفهوم، مما تعارف الناس عليه في الغالب من أن صاحب البيت يسامح ويأذن بأن يعطى السائل شيئاً يسيراً مما في البيت، ثم قال: (ولا توكي فيوكي الله عليك)، والإيكا هو: ربط الشيء بالحزام، يعني: إما ربط السقاء، أو ربط الصرة، أو ربط الشيء الذي يحتفظ به، يعني معناه: أنك إذا ربطتي ومنعتي، فإنه كذلك تعاملين، والجزاء من جنس العمل، يوكي الله عليك، فكما أوكيتي لتمنعي، فالله تعالى يمنعك من أن يعطيك العطاء الواسع، ولكن إذا أعطت وبذلت، فإن الله تعالى يعطيها ويبذل لها، وإذا قترت وضيقت وأوكت وحفظت الوكاء، ولم تفتحه لتنفق منه، فالله تعالى يجازيها بالمثل؛ لأن الجزاء من جنس العمل.

    تراجم رجال إسناد حديث أسماء بنت أبي بكر: (ارضخي ولا توكي فيوكي الله عليك ...)

    قوله: [أخبرنا الحسن بن محمد الزعفراني]، وهو ثقة، أخرج له البخاري ، وأصحاب السنن.

    [ عن حجاج ].

    هو حجاج بن محمد المصيصي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج ].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز، وقد مر ذكره.

    [ عن ابن أبي مليكة ].

    هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عباد بن عبد الله بن الزبير ].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    يروي عن جدته أسماء بنت أبي بكر، وقد مر ذكرها.

    1.   

    القليل في الصدقة

    شرح حديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)

    قال المصنف رحمه الله: [ القليل في الصدقة.

    أخبرنا نصر بن علي عن خالد قال: حدثنا شعبة عن المحل عن عدي بن حاتم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) ].

    ثم أورد النسائي: القليل في الصدقة، يعني: الصدقة القليلة، يعني: على حسب قدرة الإنسان، إذا ما استطاع الإنسان أن يعطي الكثير، فإنه يعطي القليل، قد عرفنا فيما مضى فضل جهد المقل، وأن خير الصدقة جهد المقل، يعني: كون الإنسان ينفق على قدر حاله، وعلى قدر ما أعطاه الله عز وجل، لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

    فالمقصود بالقليل من الصدقة، يعني: أنه لا يتهاون بإخراج الصدقة ولو كانت قليلة، وإذا كان الإنسان موسعاً عليه، فليوسع في الصدقة، وإذا كان مضيقاً عليه فلينفق مما آتاه الله على قدر حاجته، ولو كان شيئاً يسيراً، ولا يحقر القليل، ولو كان تمرة واحدة، أو نصف تمرة.

    وقد أورد النسائي حديث عدي بن حاتم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اتقوا النار ولو بشق تمرة )، أي: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية تقيكم منها بالصدقة، ولو كان المتصدق به شق تمرة، أي: نصف تمرة، إذا ما وجد شيئاً أكثر منها، فلا يستهين بها الإنسان؛ لأنها تنفع الفقير المحتاج الذي هو شديد الحاجة، ويكون في ذلك وقاية وسلامة من النار، ولو كانت الصدقة قليلة، ما دام أن الإنسان هذا هو الذي يقدر عليه، ( اتقوا النار ولو بشق تمرة )، فالحديث دليل على أن الصدقة تكون سبباً في الخلاص من النار، والسلامة من عذاب النار، ( اتقوا النار )، أي: بالصدقة، (ولو بشق تمرة)، أي: ولو كان المتصدق به نصف تمرة.

    ومما يدل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم، لما جاء إلى النساء يوم العيد ووعظهن قال: ( تصدقن يا معشر النساء فإنكن أكثر حطب جهنم )، يعني: الصدقة تخلصكن من عذاب النار، وتكون سبباً في سلامتكن من عذاب النار، ( اتقوا النار ولو بشق تمرة )، يعني: ولو كان المتصدق به شيئاً قليلاً يساوي شق تمرة، التي هي نصف تمرة.

    وجاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أنها جاءت امرأة ومعها ابنتان، فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار ).

    تراجم رجال إسناد حديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)

    قوله: [ أخبرنا نصر بن علي ].

    هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن خالد ].

    هو خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شعبة عن المحل ].

    شعبة ، قد مر ذكره، عن المحل بن خليفة، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [ عن عدي بن حاتم ].

    هو عدي بن حاتم الطائي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا خالد قال: حدثنا شعبة : أن عمرو بن مرة حدثهم عن خيثمة عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه قال: ( ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النار، فأشاح بوجهه وتعوذ منها، ذكر شعبة : أنه فعله ثلاث مرات، ثم قال: اتقوا النار ولو بشق التمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة ) ].

    ثم أورد النسائي حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر النار فأشاح بوجهه، يعني: مال أو صرف وجهه، أي: كأن النار أمامه، وذلك لهولها وعظم شأنها، وتعوذ. قال: أشاح وتعوذ منها، قال شعبة : ثلاث مرات، يعني: أنه يذكرها ثم يشيح بوجهه ثلاثاً، ثم قال: ( اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد بكلمة طيبة )، الإنسان إذا سئل وكان عنده ما يعطيه فليعطي، ولو كان شيئاً قليلاً، وإذا كان ما هناك عنده شيء، ولا يستطيع أن يعطي، فليصرف السائل بكلمة حسنة، وبكلمة طيبة، ( فمن لم يجد فبكلمة طيبة )، يعني: إما يصرفه بها، أو يساعده بها عند من يحتاج، أو يدله على من يحقق له رغبته، أو يرشده إلى من ينفعه.

    الحاصل: أنه إذا ما استطاع أن يعطيه، فليجبه بكلمة طيبة؛ لأن الكلمة الطيبة صدقة، كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( والكلمة الطيبة صدقة )، فهي صدقة من الإنسان على نفسه وعلى غيره، على نفسه إذ تكلم بكلام طيب، وعلى غيره إذ أدخل عليه السرور بمخاطبته بالكلام الطيب.

    تراجم رجال إسناد حديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) من طريق أخرى

    قوله: [ أخبرنا إسماعيل بن مسعود ].

    هو إسماعيل بن مسعود أبو مسعود البصري، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [ عن خالد عن شعبة ].

    وقد مر ذكرهما.

    [ أن عمرو بن مرة حدثهم ].

    هو عمرو بن مرة الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    وقوله: أنه حدثهم، يعني: كأنه حدث شعبة ومعه غيره، يعني: أن عمرو بن مرة حدث شعبة ومعه غيره، ولعل هذا هو السبب الذي جعل النسائي يقول: قال شعبة : ثلاث مرات، يعني معناه: أن هذا في رواية شعبة، وأما رواية الآخرين الذين شاركوه، فليس فيها ذكر الثلاث مرات.

    [ عن خيثمة ].

    هو خيثمة بن عبد الرحمن، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عدي بن حاتم ].

    وقد مر ذكره.