إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - (باب اليد العليا) إلى (باب إذا تصدق وهو محتاج إليه، هل يرد عليه)

شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - (باب اليد العليا) إلى (باب إذا تصدق وهو محتاج إليه، هل يرد عليه)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اليد العليا خير من السفلى، والعليا هي المنفقة وهي يد المعطي، وقد وضح الشرع أن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن تصدق بشيء وهو محتاج إليه فإنه يرد عليه؛ لأنه أولى بالصدقة من غيره.

    1.   

    اليد العليا

    شرح حديث: (... واليد العليا خير من اليد السفلى)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ اليد العليا

    أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري أخبرني سعيد وعروة سمعا حكيم بن حزام رضي الله عنه يقول: (سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى ) ].

    يقول النسائي رحمه الله: اليد العليا، أي: المقصود من ذلك هو بيان أن هناك معطياً ومعطى، متصدقاً ومتصدقاً عليه، ومحسناً ومحسناً إليه، فيد المعطي هي العليا، ويد المعطى هي السفلى، والعلو والسفول فيهما حقيقي ومعنوي، يعني: حسي ومعنوي، فهو من حيث الحسي يد المعطي فوق، ويد المعطى تحت؛ لأنه يمد يده، فذاك يضع فيها، من علو إلى سفل، فيد المعطي عالية، ويد المعطى دونها وأنزل منها وتحتها، ومن حيث المعنى: أن يد المعطي يد إحسان ويد رفعة، ويد المعطى هي دونها، لا سيما إذا كان هناك سؤال وإلحاح في السؤال، فإن فيه ذلة، ومهانة، يعني: فهناك علو حسي وعلو معنوي، وهناك سفول حسي وسفول معنوي.

    أورد النسائي حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه: (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم قال: إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى) وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة: (واليد العليا خير من اليد السفلى).

    حكيم بن حزام رضي الله عنه يخبر بأنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطاه، ثم سأله وأعطاه، ثم سأله وأعطاه، ثم بعد ذلك نصحه ووعظه، وبين له أن هذا المال حلوة خضرة، يعني: أنه تشتهيه النفوس وتميل إليه، لكن هناك من يأخذه بإلحاح وبمسألة وبرغبة في التزيد، وهناك من يأخذه بطيب نفس منه وبطيب نفس من المعطي، كما أن ذاك يأخذه بإشراف وبتطلع وبعدم طيب نفس من المعطي، فيكون هذا العطاء أحياناً بطيب نفس من المعطي وبطيب نفس من المعطى، بكونه ما عنده إلحاح ولا عنده سؤال وكثرة سؤال، وإنما هو مستغن ومتعفف، وإذا أعطي شيئاً وهو محتاج إليه أخذه.

    ولهذا جاء في الحديث: أن المحتاجين ينقسمون إلى قسمين: قسم سائل، وقسم غير سائل، قسم متعفف، وقسم لا يبالي بالسؤال والحصول على المال، ولهذا جاء في الحديث: ( ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي ليس عنده غنى يغنيه، ولا يفطن فيتصدق عليه )، يعني: هذا هو المسكين حقاً، وإن كان ذاك مسكين، إلا أنه مسكين سائل، ويتحصل على ما يريد عن طريق السؤال، ولكن هذا متعفف، وليس عنده ما يكفيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه.

    ( إن هذا المال حلوة خضرة )، الحلوة الخضرة، وجعله مؤنثاً؛ لأنه المال عام يشمل ما هو مذكر ويشمل ما هو مؤنث، يعني: يشمل الدنيا بكل ما فيها من الأشياء التي تعطى؛ ففيه ما هو مؤنث، وفيه ما هو مذكر، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه كونه غير ملحف، وكونه غير سائل، وبطيب نفس من المعطي كونه يعطي ونفسه مرتاحة منشرحة، غير الذي يعطي للإلحاح عليه والحياء من السائل.

    ومن أعطي بإشراف، يعني: تطلع وحرص ورغبة لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع؛ لأنه ما في بركة فيما بيده، يأكل ولا يشبع؛ لأن المقصود من الأكل كون الإنسان يسد رمقه، ويسد حاجته ويقضي نهمته، لكن إذا كان يأكل ولا يشبع يكون أكل بدون فائدة، يأكل ومع ذلك هو بحاجة إلى الأكل؛ لأنه غير مبارك في هذا الأكل.

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( واليد العليا خير من السفلى )، ثم إن الوصف بالعلو والوصف بالسفول كاف لمعرفة تفضيل اليد العليا عن اليد السفلى؛ لأنه ما دام يد وصفت بأنها عليا، ويد وصفت بأنها سفلى، فإن ذلك كافي في معرفة الفضل؛ لأنه لا يمكن أن تكون السفلى أفضل من العليا، وإنما العليا أفضل من السفلى، ولكن جاء التنصيص على الخيرية زيادة في الفضل، وزيادة في الخيرية، وزيادة في التميز، وإلا فإن مجرد الوصف بالعلو دال على الفضل وعلى التميز، ولكنه ذكر ونص على أنها خير، يعني: للتأكيد، وبيان أن كون الإنسان يكون معطياً، وأن يكون شأنه أن يكون معطياً هو الذي ينبغي أن يكون عليه، لا أن يكون سائلاً وملتمساً.

    والموظف الذي يتطلع إلى قرب انتهاء الشهر ويطمع في راتبه فهذا ليس سائلاً، هذا له حق، وله أجر، وكونه ينتظر وصول حقه، أو يتحرى وصول حقه، أو يتطلع إلى وصول حقه هذا لا يقال: إنه سائل؛ لأن هذا ما فيه سؤال ولا فيه إعطاء؛ لأن هذا حق، له أمد ينتهي إليه، ويحل له في ذلك الوقت، ويستحقه في ذلك الوقت، فهذا ليس من هذا القبيل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... واليد العليا خير من اليد السفلى)

    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان عن الزهري ].

    سفيان، هو سفيان بن عيينة الهلالي المكي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وإذا جاء قتيبة يروي عن سفيان فالمراد به ابن عيينة وهو مهمل، وكذلك إذا جاء سفيان يروي عن الزهري فالمراد به ابن عيينة؛ لأن ابن عيينة هو المعروف بالرواية عن الزهري، وأما سفيان الثوري فإنه كما قال الحافظ ابن حجر : لا يروي عنه الزهري إلا بواسطة، وأما سفيان بن عيينة فروى عنه كثيراً، مع أن ابن عيينة متأخر عن الثوري، الثوري توفي 161هـ، وابن عيينة توفي فوق المائة والتسعين، لكنه عمر وعاش، وأدرك الزهري الذي مات سنة 124هـ أو سنة 125هـ وعاش بعده عمر طويل، يعني: فوق الستين سنة، يعني: عاش بعده، من 125هـ إلى فوق التسعين ومائة، لكن لكون الزهري في المدينة وابن عيينة بمكة، والاتصال بين مكة والمدينة سهل ميسور، بخلاف الثوري فإنه كان في العراق في الكوفة، كان كوفياً، ولم يحصل له اللقاء، اللهم إلا أن يتم ذلك بحج أو عمرة، لكن الذي ذكر الحافظ ابن حجر أنه لا يروي عنه إلا بواسطة، أي: سفيان الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة.

    وعلى هذا إذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري، أو يروي عنه قتيبة فهو ابن عيينة؛ لأن قتيبة عمر تسعين سنة، ولد سنة مائة وخمسين ومات مائتين وأربعين، والثوري مات سنة 161هـ، يعني معناه: مات وعمر قتيبة أحد عشر سنة، يعني: فهو لم يروِ عنه، وكذلك ابن عيينة لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، فإذاً إذا جاء قتيبة يروي عن سفيان فهو ابن عيينة، وإذا جاء سفيان يروي عن الزهري، فالمراد به ابن عيينة.

    أما الزهري فهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة، فقيه من صغار التابعين، مكثر من الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني سعيد وعروة ].

    هو سعيد بن المسيب، وهو ثقة، فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وعروة بن الزبير بن العوام، من فقهاء المدينة السبعة في عهد التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، فهذان الاثنان سعيد وعروة كل منهما من الفقهاء السبعة باتفاق؛ لأن الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين سبعة هم: سعيد وعروة هذان الاثنان في هذا الإسناد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسليمان بن يسار ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال، قيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.

    الحاصل: أن هذين اللذين في هذين الإسناد يرويان عن حكيم بن حزام، وهما من الفقهاء السبعة على ما هو متفق عليه في عدهم من الفقهاء السبعة الذين كانوا في المدينة في عصر التابعين وغلب عليهم هذا اللقب، فإذا جاء في بعض المسائل يقال: وقال بها الفقهاء السبعة، قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، فهؤلاء هم الفقهاء السبعة، ولا يذكرون أسمائهم، ويكتفون باشتهارهم بهذا اللقب، فيعمونهم ويقولون: قال بها الفقهاء السبعة.

    [سمعنا حكيم بن حزام].

    صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور من المعمرين، قيل: إنه عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين سنة في الإسلام، وعمره 120 سنة، وقالوا: ومثله حسان بن ثابت فإنه كان كذلك، وحديث حكيم بن حزام أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    أيتهما اليد العليا

    شرح حديث: (يد المعطي العليا...)

    قال المصنف رحمه الله: [باب أيتهما اليد العليا

    أخبرنا يوسف بن عيسى حدثنا الفضل بن موسى حدثنا يزيد وهو ابن زياد بن أبي الجعد عن جامع بن شداد عن طارق المحاربي رضي الله عنه أنه قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر يخطب الناس، وهو يقول: ( يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك ) مختصر ].

    أورد النسائي حديث طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله تعالى عنه، والترجمة يقول النسائي: أيتهما العليا، يعني: أي اليدين هي العليا، والمقصود أنها يد المعطي؛ لأنه جاء في الحديث بأن يد المعطي هي العليا، واليد السفلى هي يد السائل الآخذ المعطى.

    أورد النسائي حديث طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله تعالى عنه أنه قال: (قدمنا المدينة وإذا الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، وهو يقول: يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك) .

    والرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: (يد المعطي العليا) أرشد إلى أن المعطي عليه أن يبدأ بمن يعول، وأن يكون إحسانه أولى الناس به أقاربه، يعني: في العطية والإحسان، فأولى الناس به أقاربه؛ لأنها صدقة وصلة، يعني: كون الإنسان ينفق على قريبه هي صدقة وصلة رحم، وفيها جمع بين أمرين، وجمع بين فائدتين ومصلحتين، وهما: الإحسان، وأن يكون على القريب صدقة.

    الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يد المعطي العليا)، وهذا هو المقصود بالترجمة، حيث فسر الرسول صلى الله عليه وسلم اليد العليا بأنها يد المعطي، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن يد المعطي عالية أرشد من أحق الناس بالإعطاء، ومن أحق الناس بأن يبذل له المال، فقال: ( أمك وأباك، وأختك وأخاك )، يعني: أعطي، أو أبدأ بهؤلاء، أعط أمك وأباك، وأختك وأخاك؛ فهم أقرب الناس إلى الإنسان.

    ومن المعلوم أن أبناء الإنسان كذلك هم من أقرب الناس إليه، ونفقتهم متعينة عليه وواجبة عليه، لكن لعله ذكر هؤلاء على سبيل التمثيل للأقارب، وأن الإنسان قد يكون معطياً وليس له أولاد، ولم يتزوج، ولكن عنده المال، فيكون له الأب والأم، والأخ والأخت، وإلا فإن الأولاد هم أحق الناس ببر الإنسان، ثم إن الزكاة الواجبة ليس للإنسان أن يعطيها لأبيه، ولا لأمه، ولا لأبنائه؛ لأن نفقتهم واجبة عليه إذا كانوا محتاجين، فلا يعطيهم من الزكاة، وإنما يعطيهم من ماله الذي هو غير الزكاة، والنفقة واجبة عليه، وكذلك يحسن إليه من غير النفقة، يحسن إليهم من ماله وليس من الزكاة، الزكاة لا تعطى للأصول ولا للفروع، لا يعطيها الإنسان لأصوله ولا لفروعه؛ لأن النفقة واجبة عليه إذا كانوا في حاجة للنفقة، فالزكاة لا تعطى لمن تجب النفقة له.

    أما بالنسبة للأخ والأخت فيمكن أن يعطوا من الزكاة، لكن لا يجعل الإنسان الزكاة وقاية لماله؛ لأن بعض الناس عليه حقوق، ثم يريد أن يتخلص من الحقوق بالزكاة، يقول: أنا إذا ما أعطيتهم من الزكاة أنا أعطيهم من مالي، لكن ما دام الزكاة خارجة خارجة فأنا أعطيهم إياها، وذلك أسلم لمالي، لا ينقص منه شيء غير الزكاة، ليس للإنسان أن يجعل الزكاة وقاية للمال؛ فالأقارب لهم حق غير الزكاة، لكن إذا قل المال والإنسان لا يستطيع أن يعطي بسبب قلة المال، فإن إعطاء من يكون قريباً كالأخ والأخت أولى في إعطائه الزكاة، أما إذا كان المال فيه سعة وكثرة فإنه لا يجعل الزكاة وقاية للمال؛ لأن الله تعالى أغناه ووسع عليه، فيعطي الزكاة لمن يستحقها، وأما أقاربه فإنه يحسن إليهم من غير الزكاة إذا كان ثرياً؛ لأنه إذا فعل ذلك يجعل الزكاة وقاية لماله، يعني: سياج ومانع لماله من النقص, والزكاة يقول: خارجة خارجة، وبدل ما أعطيها لشخص بعيد ليس له علي حق أعطيها لقريب أتخلص من حقه بالزكاة.

    ( أمك وأباك، وأختك وأخاك )، فذكر الأم أولاً، وهي أولى الناس بالبر والإحسان، وهي أولى من الأب، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم حث على إعطائها، وعلى الإحسان إليها أكثر مما يكون للأب؛ لأنه قال: ( أمك، ثم أمك، ثم أمك )، كررها في بعض الأحاديث قال: ( ثم أباك)، يعني معناه: أن حق الأم آكد من حق الأب، لا سيما والأم تختلف عن الأب، والمرأة تختلف عن الرجل؛ الرجل قد يكون عنده اكتساب، وقد يكون عنده شيء من القدرة، بخلاف الأم أو المرأة.

    ثم قال: ( وأختك وأخاك )، وقدم الأخت على الأخ؛ لأنها قد تكون في الغالب تكون أحوج من الرجل؛ لأن الرجل يكون عنده اكتساب، ويكون عنده قدرة ما لا يكون عند المرأة.

    ثم قال: ( ثم أدناك أدناك )، إذا أعطيت هؤلاء الأقارب، أعط ما يليهم من الأقارب الأدنى فالأدنى، سواء كان نسباً أو سبباً، يعني: كالرضاعة، أو كالمصاهرة، أو ما إلى ذلك من القرابة التي تكون بين الشخص وغيره بسبب من الأسباب.

    ثم قال: [مختصراً]، يعني: أنه هنا ذكر مختصراً، يعني: وهو أطول من هذا، وأتم من هذا، ولكنه ذكره النسائي باختصار، وقال في آخره: مختصر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يد المعطي العليا...)

    قوله: [أخبرنا يوسف بن عيسى ].

    ثقة، أخرج له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

    [ حدثنا الفضل بن موسى ].

    هو الفضل بن موسى المروزي، هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا يزيد وهو ابن زياد بن أبي الجعد ].

    يزيد هو ابن زياد بن أبي الجعد، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، والنسائي، وابن ماجه.

    [ عن جامع بن شداد ].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن طارق المحاربي ].

    هو طارق بن عبد الله المحاربي، وهو صحابي له حديثان أو ثلاثة، يعني: مقل من الحديث، يعني: أحاديثه في الكتب الستة حديثان أو ثلاثة، وهذا واحد منها، وخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، وأصحاب السنن الأربعة.

    1.   

    اليد السفلى

    شرح حديث: (واليد السفلى السائلة)

    قال المصنف رحمه الله: [اليد السفلى

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: ( اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة، واليد السفلى السائلة ) ].

    ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: اليد السفلى، يعني: من هي يده، فأورد حديث عبد الله بن عمر، وقد ذكر الصدقة والتعفف عن المسألة، فقال: ( اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة، واليد السفلى السائلة )، فهنا بين اليد السفلى، وأنها يد السائل المعطى الذي يضع المعطي المال أو الصدقة في يده، فمقصود النسائي من هذه الترجمة هو أنه جاء تفسير اليد السفلى بأنها يد السائل، وتفسير اليد العليا بأنها يد المعطي.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... واليد السفلى السائلة)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    قد مر ذكره.

    [عن مالك بن أنس].

    إمام دار الهجرة، وهو المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وهو كما قال الحافظ ابن حجر : رأس المتقنين، وكبير المثبتين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن نافع عن عبد الله بن عمر ].

    نافع هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    يروي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    وهذا الحديث من رباعيات النسائي التي هي أعلى الأسانيد عنده؛ لأن النسائي أعلى ما عنده الرباعيات، وهو أن يكون بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص، وهنا بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيبة ومالك ونافع وعبد الله بن عمر ، فهؤلاء الأربعة هم رجال الإسناد عند النسائي في هذا الحديث، فهو إسناد عال من أعلى الأسانيد عند النسائي، وأنزل الأسانيد عند النسائي هو ما فيه عشرة أشخاص، وهو حديث واحد في فضل قل هو الله أحد، وقد مر هنا في سنن النسائي، وقال النسائي: هذا هو أطول إسناد عنده، وهو تساعي عند الإمام أحمد، وعشاري عند النسائي، يعني: بين الإمام أحمد وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تسعة أشخاص، وبين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه عشرة أشخاص، فأنزل إسناد عنده العشاري، وأعلى إسناد عنده الرباعي، وأصحاب الكتب الستة الذين هم: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، البخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً بالتكرار، وبدون تكرار ستة عشر حديث، وكذلك الترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وعند ابن ماجه خمسة أحاديث ثلاثية كلها بإسناد واحد وهو إسناد ضعيف.

    وأما مسلم فأعلى ما عنده الرباعيات، وأبو داود أعلى ما عنده الرباعيات، والنسائي أعلى ما عنده الرباعيات، وهذا الذي معنا هو من أعلى الأسانيد عند النسائي.

    1.   

    الصدقة عن ظهر غنى

    شرح حديث: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصدقة عن ظهر غنى

    أخبرنا قتيبة حدثنا بكر عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول ) .

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الصدقة عن ظهر غنى، يعني: كون الإنسان يتصدق وهو غير محتاج إلى ما يتصدق به، يعني: يكون عن ظهر غنى، يعني: وهو غني، يعني: زائد عن حاجته وحاجة من يعوله، عنده شيء زائد، فهو يتصدق من الزائد، وتلك الصدقة يعني: هي خير الصدقة؛ لأنها تكون مع عدم احتياجه، وعدم كونه يندم؛ لأنه إذا تصدق بما عنده وهو فقير، يعني: قد يحصل منه ندم على فعله، بخلاف الغني الذي عنده ما يكفيه ويكفي من يعول، ويتصدق بما هو زائد، وبما هو فاضل، هذا هو المقصود بالصدقة عن ظهر غنى، وقد سبق أن مر في حديث جهد المقل، ( إن خير الصدقة جهد المقل )، وهو الذي ليس عنده إلا القليل، ففسر بأن جهد المقل، يعني: بأن يكون وراء ما يحتاجه من يمونه وهو مقل، ومن الناس من يكون غنياً وعنده ما يكفيه وزيادة كثيرة وراء ذلك، فهذا يقال له: غني، وهذا يقال له: مقل، هذا يقال له: مكثر، وهذا يقال له: مقل من المال، يعني: معنى هذا أن الإنسان يتصدق بعد وجود ما يكفيه.

    ثم من الناس من يتصدق وليس عنده ما يكفيه، لكن عنده غنى القلب، كما حصل لـأبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فإنه تصدق بماله كله، وعمر رضي الله عنه وأرضاه لما حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الصدقة، أراد أو فكر عمر بأنه يسبق أبا بكر هذه المرة، فجاء بنصف ماله، وأبو بكر جاء بماله كله، فإذا كان الإنسان عنده الصبر، وعنده قوة الإيمان، وقوة اليقين، وليس عنده التأثر والندم على ما يخرج منه، ثم أيضاً يروح يسأل الناس، بل عنده غنى النفس، وعنده القدرة على التحصيل، والقدرة على المال، ثم يجود بما عنده بكثير مما عنده، فهذا خير، لكن العلماء وفقوا بين جهد المقل وبين ظهر الغنى بأنه لا تنافي بينهما، وأن المقصود فيما إذا زاد عن الحاجة، يعني: عما هو ليس واجباً عليه، أما إذا كان عليه واجباً فإن الواجب مقدم على النفل، وهو مفترض عليه، والله تعالى يقول: ( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه )، فكون الإنسان ينفق على أولاده وعلى من يعول هذا واجب عليه، وكونه يتصدق على الناس الأباعد، وأقربائه محتاجون، وأولاده الذين تجب عليه نفقته يذهبون ويسألون ويتكففون هذا ما يصلح، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـسعد لما أراد أن يوصي بكثير من ماله قال: ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس )، حتى بعد وفاة الإنسان، يعني: كونه يفكر في أولاده وفي الإحسان إليهم وغناهم، وكونهم لا يحتاجون إلى الذل وإلى السؤال هذا ملاحظ في الشريعة.

    ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـسعد : ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة )، يعني: كونه عندما يوصي أنه يوصي بالثلث والثلث كثير، ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس )، فالصدقة عن ظهر غنى لا تنافي؛ لأن المقصود بعد الوجوب، لكن من الناس من يكون عنده الشيء القليل بعد أداء ما يجب، ومنهم من يكون عنده الكثير، ثم من الناس من يكون عنده القليل فيعطيه فيندم، وهذا غير محمود، والذي يكون عنده الكثير ولا يؤثر فيه ولا يحصل بسببه تأثر له هذا هو الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى )؛ لأنه ما تلحقها نفسه، ما تلحق نفسه الصدقة، أو تتعلق نفسه بها، أو يندم على حصولها.

    ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول ).

    (واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول) يعني: كون الإنسان يبدأ بمن يعول، ويعطي من يعول، ومن تلزمه نفقته هو الذي يتعين عليه أن يحسن إليه، وإلا فكونه يضر من تجب نفقته عليه، ويجعلهم يتكففون الناس، ويسألون الناس، فهذا مثل ما يقولون في المثل عند العوام: إن النخلة العوجاء تسقط في غير حوضها، يعني: تمرها إذا سقط يروح في مكان بعيد، بخلاف النخلة المستقيمة فإن الذي يتساقط يكون في حوضها، وتحت أصلها، فالذي يحسن إلى الأباعد ويترك الأقارب أو من تجب نفقته عليه يضيق عليهم هذا يأثم، يأثم بفعله هذا، بل الواجب أن يبدأ الإنسان بمن يعول؛ فهم أولى الناس ببره، وأولى الناس بإحسانه، ونفقتهم واجبة عليه، ثم أيضاً من تجب نفقته عليه كفاية، ولكن عنده شيء قليل بعد ذلك، فأولى الناس به أقاربه، ولهذا قال: ( ثم أدناك أدناك )، يعني: عندما يتصدق الإنسان يكون أولى الناس بصدقته أقاربه المحتاجون.

    تراجم رجال إسناد حديث: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى...)

    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].

    قد مر ذكره.

    [ حدثنا بكر ]

    هو ابن مضر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [ عن ابن عجلان ].

    هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم ، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن أبيه ].

    هو عجلان مولى فاطمة بنت عتبة، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، يعني: مثل ابنه.

    ابن حجر قال عنه: لا بأس، وهي بمعنى صدوق، لا بأس به وهي تعادل صدوق.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق؛ لأن السبعة المعروفين بكثرة الحديث أكثرهم أبو هريرة، وهم: أبو هريرة ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأبو سعيد الخدري ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، فهؤلاء سبعة معروفون بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    تفسير ذلك

    شرح حديث: (يا رسول الله! عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى حدثنا يحيى عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( تصدقوا، فقال رجل: يا رسول الله! عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر ) ].

    أورد النسائي تفسير ذلك، يعني: تفسير ما تقدم من الصدقة عن ظهر غنى، وهي أنها تكون بعد الكفاية، وبعد كون الإنسان عنده ما يكفيه، يعني: عنده شيئاً زائداً عن حاجته فيتصدق به، لكن كما قلنا: الصدقة على القريب الذي لا تجب نفقته هي أولى من الصدقة على الأباعد عنه والأجانب عنه اللي هم ليسوا أقرباء له؛ لأنها تكونه صدقة وصلة على القريب إذا كان القريب محتاج، تكون صدقة وصلة، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه رجل قال: عندي دينار قال: (تصدق به على نفسك)، يعني: كأنه معناه أن هذا هو الذي عنده، قال: أنت أحق به، أنفقه على نفسك، واستغن به عن غيرك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، ومن المعلوم أن الزوجة تجب نفقتها، لكن الإعطاء لأداء الواجب مع الاحتساب يؤجر عليه الإنسان، فالإنسان قد يعطي الواجب ولكنه ما يفكر في الثواب، بل من الناس من يلزم ويحكم عليه حكم بأنه ينفق على من تجب نفقته عليه، وإلا هو لا يريد أن ينفق، وإنما قد يحكم عليه حكم ويلزم بأنه يؤخذ من ماله شيء لأولاده، فهذا لا يحصل أجراً، لكن الواجب تأدى، مثل الذي أخذت منه الزكاة من غير اختياره، فإنه لا يؤجر على ذلك، لكن الوجوب سقط عنه؛ لأنه أخذ منه الواجب، لكن ما يحصل أجر؛ لأنه ما وجدت عنده النية، فكذلك الإنسان الذي ينفق على أولاده إذا احتسب ورجى الأجر والثواب فإنه يثاب على أداء الواجب، وأما إذا كان الإنسان ما يفكر في الثواب، أو من الناس من لا يريد حتى يحكم عليه، ويرفع إلى القاضي، والقاضي يحكم عليه بأنه يدفع شهرياً كذا، أو سنوياً كذا، فإنه في هذه الحالة لا يكون له أجر، لكن الوجوب تأدى، ولهذا قال: أعطه زوجتك، تصدق به على زوجتك، والزوجة نفقتها واجبة عليه، فإذاً هي أولى الناس بإحسانه، وأولى الناس بنفعه.

    ثم قال: (عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر)، يعني: إذا كثر عندك المال فابدأ بمن تعول، وبعد ذلك أعط، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث الذي مر: ( ثم أدناك أدناك )، يعني: أنهم أولى من غيره، أولى من غيره ببرك وإحسانك.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يا رسول الله! عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك...)

    قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى ].

    عمرو بن علي الفلاس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، ومحمد بن المثنى كذلك شيخ لأصحاب الكتب الستة، أخرجوا له وهو شيخ لهم، فهذان شيخان لأصحاب الكتب الستة: عمرو بن علي الفلاس ومحمد بن المثنى العنزي.

    [ حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عجلان ].

    وقد مر ذكره.

    [ عن سعيد عن أبي هريرة ].

    سعيد هو سعيد بن أبي سعيد، وقد ذكر المزي هذا الحديث تحت هذه الترجمة في تحفة الأشراف.

    ونص على أنه سعيد بن أبي سعيد المقبري، فهو ليس سعيد بن المسيب، بل هو كما ذكر عن المزي رحمة الله عليه سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وسعيد بن المسيب وسعيد المقبري يرويان عن أبي هريرة.

    1.   

    إذا تصدق وهو محتاج إليه هل يرد عليه

    شرح حديث أبي سعيد في الرجل يتصدق وهو محتاج إليه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب إذا تصدق وهو محتاج إليه هل يرد عليه؟

    أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا ابن عجلان عن عياض عن أبي سعيد رضي الله عنه: ( أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، فقال: صل ركعتين، ثم جاء الجمعة الثانية والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، فقال: صل ركعتين، ثم جاء الجمعة الثالثة، فقال: صل ركعتين، ثم قال: تصدقوا، فتصدقوا فأعطاه ثوبين، ثم قال: تصدقوا، فطرح أحد ثوبيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألم تروا إلى هذا إنه دخل المسجد بهيئة بذة، فرجوت أن تفطنوا له فتتصدقوا عليه فلم تفعلوا، فقلت: تصدقوا فتصدقتم، فأعطيته ثوبين، ثم قلت: تصدقوا، فطرح أحد ثوبيه، خذ ثوبك، وانتهره ) ].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: [باب إذا تصدق وهو محتاج إليه هل يرد عليه ].

    تصدق وهو محتاج إليه، أي: إلى من تصدق به، هل يرد عليه؟ يعني: لا يمكن من الصدقة، وإنما يرد عليه ما تصدق به، أورد النسائي هذه الترجمة، وأورد تحتها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له: صل ركعتين، ثم إنه دخل الجمعة الثانية، والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له: صل ركعتين، ثم في الجمعة الثالثة دخل والرسول يخطب، فقال له: صل ركعتين، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تصدقوا، وقال: إن هذا جاء بهيئة بذة، يعني: بثياب رثة، ويظهر عليه الفقر والحاجة، فقلت: لعلكم تفطنون إليه، يعني: فتتصدقون عليه، فلم تفعلوا، فقال لهم: تصدقوا، فتصدقوا وطرحوا ثياباً، فأعطاه الرسول ثوبين من هذه الثياب التي تصدق بها، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: تصدقوا، فطرح أحد ثوبيه اللذان أعطاه إياهما، فالرسول رده إليه وانتهره، يعني: أن يعود إلى ذلك؛ لأنه ما دام هو محتاج، فهو أولى من غيره).

    ثم إن هذا الحديث فيه بيان أن الإنسان إذا دخل المسجد والإمام يخطب فإن عليه أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين، لا يجلس إلا وقد صلى تحية المسجد، وأن تكون ركعتين ما يزيد عليها؛ لأن الزيادة على ركعتين فيها تشاغل عن الخطبة، ولكن يصلي ركعتين فقط التي هي تحية المسجد، ثم إن الأمر بالصلاة ركعتين لا علاقة له بالرغبة في الصدقة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم ما قال له يقوم يصلي ركعتين من أجل الناس يرونه، فلا يعني ذلك أنه إن لم يكن محتاجا يأتي ويجلس بدون ما يصلي ركعتين، لا، الرسول صلى الله عليه وسلم شرع للناس أن الإنسان إذا دخل المسجد والإمام يخطب يصلي ركعتين، ويتجوز فيهما جاء في الحديث في الصحيحين: (لما جاء رجل ودخل المسجد فقال له: أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: صل ركعتين وتجوز فيهما)، يعني: يخففهما.

    فالحديث بعض الفقهاء يقول: إن الإنسان إذا دخل المسجد لا يصلي ركعتين إذا جاء، وإنما يجلس، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما أمر الشخص حتى يراه الناس ويتصدقوا عليه، الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمره، ما قال: إنني أمرته بالصلاة حتى يتصدقوا عليه، وإنما قال: صبرت ثلاث جمع وهو يأتي وأنتم تنظرون إليه، ومع ذلك ما أحد أعطاه وتغيرت ثيابه، بل ثيابه هي هي، ما حصل له شيئاً تتغير به ثيابه، ما رأيتكم أعطيتموه شيئاً؛ لأنه لو أعطي شيئاً للبس الثياب التي هي أحسن من هذه، فلما رآه ثلاث جمع والناس ما أعطوه شيئاً قال: تصدقوا، فإذاً: لا علاقة بقوله: صل ركعتين بالصدقة، وأن الإنسان إذا دخل المسجد لا يصلي ركعتين، بل يأتي ويجلس، بل جاء في الحديث المطلق الذي جاء في البخاري ومسلم: (أنه دخل وجلس، فقال: أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين، وتجوز فيهما)، قال له: (صل ركعتين وتجوز فيهما)، وقال: (أصليت ركعتين؟) لأنه يمكن أنه صلى في مكان متأخر ثم جاء يتخطى رقاب الناس، فظن أنه ما صلى أو صلى في مكان آخر، فقال له: أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين.

    فإذاً: لا علاقة لصلاة الركعتين بالحاجة أو الصدقة أو ما إلى ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره بأن يصلي؛ لأنه جاء وجلس ولم يصل الركعتين والإمام يخطب، فتبين لنا بهذا أن الإنسان عليه أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، ولا يكون الحكم منوطاً أن الرسول أراد أن يتصدق عليه كما قاله بعض الفقهاء، بل السنة أن الإنسان إذا جاء يصلي ركعتين ويخففهما حتى لا يفوته شيئاً كثير من الخطبة، بل يصلي تحية المسجد ويسمع الخطبة.

    فإذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم رآه ثلاث مرات يأتي للجمعة، وثيابه رثة وسيئة، وما رآه تغيرت حاله، فما تصدق عليه، فحثهم على الصدقة فقاموا وتصدقوا، فالرسول أعطاه ثوبين مما تصدق به، فلما أمر بالصدقة طرح أحد ثوبيه، طبعاً هو محتاج، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ألم تروا إلى هذا جاء بثياب بذة، وظننت أن تفطنوا له فتتصدقوا عليه فلم تفعلوا، فأمرت بالصدقة، فأعطيته ثوبين مما تصدق به، ثم أمرت بالصدقة فطرح أحد ثوبيه، خذ ثوبك، وانتهره، يعني: أن يعود إلى مثل هذا؛ لأن هذا الإنسان هو أولى من غيره، فما دام محتاجاً فهو أولى من غيره، ولهذا مر في الحديث مثل الذي قال: عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، يعني: أنت أولى الناس به إذا كان ما عندك إلا هو، أنفق به على نفسك حتى لا تحتاج، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك... الحديث الذي مر بنا قريباً.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد في الرجل يتصدق وهو محتاج إليه

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا ابن عجلان ].

    وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.

    [ عن عياض ].

    هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سعيد ].

    هو أبو سعيد الخدري، وهو سعد بن مالك بن سنان الخدري ، مشهور بكنيته أبي سعيد، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.