إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الزكاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - (باب الصدقة من غلول) إلى (باب جهد المقل)

شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - (باب الصدقة من غلول) إلى (باب جهد المقل)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصدقة أجر عظيم، بل هي من أفضل العبادات، فينبغي الإكثار منها، وأن ينتقي الإنسان أطيب ما يملك ليتصدق به؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

    1.   

    الصدقة من غلول

    شرح حديث: (إن الله عز وجل لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصدقة من غلول.

    أخبرنا الحسين بن محمد الذارع حدثنا يزيد وهو ابن زريع حدثنا شعبة أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا بشر وهو ابن المفضل حدثنا شعبة واللفظ لـبشر عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله عز وجل لا يقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول )].

    يقول النسائي رحمه الله: باب الصدقة من غلول، الغلول يطلق على ما يغل من الغنيمة، وما يؤخذ من الغنيمة قبل قسمتها من بعض الناس الذين يكونون في الجهاد، ويطلق على ما هو أعم من ذلك، وهو الخيانة، وقد جاء في الحديث ما يدل على العموم، يعني: في عدم القبول في الصدقة غير الطيبة، غير هذا الحديث الذي فيه التنصيص على الغلول، وهو ما جاء عن أبي هريرة في صحيح مسلم: ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً )، فهذا عام، يعني: أن الصدقة تكون من مال حلال، وتكون من مال طيب، وإذا كانت من مال حرام فهي لا يقبلها الله عز وجل؛ لأن أخذ الإنسان لها من الحرام، يؤاخذ عليه الإنسان، ويعاقب عليه الإنسان، وإخراجها تصدقاً لا يقبله الله عز وجل؛ لأنها خبيثة، وهي مال خبيث غير طيب، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً.

    وقد أورد النسائي حديث أسامة بن عمير، والد أبي المليح، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا يقبل الله صلاةً بغير طهور، ولا صدقة من غلول )، فإن الصلاة التي يؤديها الإنسان على غير وضوء، وعلى غير طهارة فإنها غير مقبولة؛ لأنه اختل شرط من شروطها، بل هو أعظم شروطها، وهو الطهارة، وكذلك قوله: ( ولا صدقة من غلول )، لا يقبلها الله عز وجل؛ لأنها مال حرام، ليس حلالاً للإنسان، بل دخوله عليه حرام، فتصرفه فيه لا ينفعه عند الله عز وجل، ( لا يقبل الله صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول ).

    وقد عرفنا أن الحديث الذي جاء عن أبي هريرة يشمل الغلول وغيره، والغلول إذا فسر بالخيانة -وهي أعم من الغلول من الغنيمة- فإنه يشمل الغلول من الغنيمة وغيرها مما هو خيانة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله عز وجل لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول)

    قوله: [ أخبرنا الحسين بن محمد الذارع ].

    صدوق، أخرج له الترمذي ، والنسائي.

    [ حدثنا يزيد وهو ابن زريع ].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة هو ابن زريع، هذه التي زادها النسائي أو من دون النسائي؛ لأن تلميذ الحسين بن محمد الذارع لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، بل يسميه وينسبه كما يريد، ولكن التلميذ إذا ذكر لفظاً معيناً فإن من وراءه يلتزم بهذا التعيين وبهذا التحديد، وإذا أراد أن يأتي بما يوضح المراد فإنه يأتي بكلمة هو، أو بكلمة يعني، التي تدل على أنها من دون التلميذ من أجل تبيين هذا المهمل الذي لم ينسبه التلميذ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، يزيد بن زريع.

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا إسماعيل بن مسعود ].

    هذا إسناد آخر للنسائي ، لكن ليس فيه ح التحويل كالعادة والمتبع، فهي غير موجودة، وكلمة قال هذه، الذي قالها من دون النسائي؛ لأن (قال) مثل كلمة (يعني) فيما يتعلق بالتوضيح، يعني: ابن فلان، أي: أن قائل كلمة قال هو من دون النسائي، وفاعل كلمة قال هو النسائي، ففاعلها الذي قال حدثنا إسماعيل بن مسعود هو النسائي، الذي فعل ذلك، لكن الذي قال كلمة قال هو من دون النسائي، وقد جاء هذا الإسناد بدون التحويل، لكن واضح فـإسماعيل بن مسعود من مشايخه، والإسناد يلتقي عند شعبة.

    وإسماعيل بن مسعود ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا بشر].

    يروي عن بشر ، وهو ابن المفضل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    وشعبة ، هو ملتقى الإسنادين.

    [ قال: واللفظ لـبشر ].

    قال: واللفظ لـبشر، أي: أنه للطريق الثانية، وليس للطريق الأولى، بل للطريق الثانية التي فيها شيخ شيخه بشر بن المفضل ، فاللفظ لـابن المفضل الذي تلقاه عنه تلميذه إسماعيل بن مسعود.

    [ عن قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي المليح ].

    هو ابن أسامة بن عمير، واختلف في اسمه على أقوال، وهو مشهور بكنيته أبي المليح ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    هو أسامة بن عمير، وهو صحابي له حديث واحد كما في التقريب، وقد أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.

    شرح حديث: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن سعيد بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله عز وجل إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن عز وجل بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه، أو فصيله) ].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة : إذا تصدق الإنسان من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وهذا أشمل من الحديث الذي قبله، وهو مثل ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم : ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً )، وقال في آخره: ثم ذكر ( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له ).

    وهنا قال يعني: مثل تلك الجملة التي جاءت في حديث أبي هريرة : ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً )، قال هنا: (ولا يقبل الله إلا الطيب)، إذا تصدق العبد من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وكلمة: ولا يقبل الله إلا الطيب، يعني: يفيد أن الذي يقبله الله عز وجل هو ما كان من حلال، وليس ما يكون من حرام، أخذها الرحمن بيمينه فيربيها، وإن كانت تمرة، أي: وإن كان شيئاً قليلاً مثل تمرة واحدة، فيربيها.

    [ فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل ].

    فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، يعني: هذه التي بهذا الحجم، وبهذه الصورة التي هي تمرة واحدة تعظم وتكبر عند الله عز وجل حتى تكون مثل الجبل، وهذا مثل ما جاء في الحديث الذي سبق أن مر بنا: أن سبحان الله والحمد لله تملأ الميزان، يعني: لكون الله عز وجل يجعلها على تلك الهيئة التي هي بهذا الحجم، وبهذه الضخامة، فتنمو وتربو حتى تكون مثل الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، والفلو هو ابن الفرس، يعني: إذا رباه الإنسان ونماه شيئاً فشيئاً، فإنه ينمو ويكبر، وكان قبل ذلك صغيراً، ثم بعد ذلك يكون كبيراً، (أو فصيله)، يعني: ولد الناقة أو غيره، يربى وينمى حتى يكبر، فذكر (أو) إما للشك، أو أنها للتنويع، إما للشك، يعني: بأن الذي جاء في الحديث فلوه أو فصيله، لكن شك الراوي، هل قال هذه الكلمة، أو قال هذه الكلمة، أو قال الاثنتين معاً، ولكن أو هنا للتنويع، فيكون المعنى كما يربي صاحب الفلو فلوه، وكما يربي صاحب الفصيل فصيله، وعلى ذلك ما تكون من قبيل الشك، بل تكون من قبيل التنويع.

    والحديث فيه ذكر اليمين، وصفة اليدين لله عز وجل، ووصف يده باليمين، وأخذ الله عز وجل لها، وكذلك وصفه باليد كما يليق بكماله وجلاله، يوصف الله عز وجل كما يليق بكماله وجلاله، ولكن لا يكيف، ولا يبحث عن الكيفية وعن الكنه، وإنما يثبت المعنى ويفوض الكنه والكيفية إلى الله سبحانه وتعالى، فيد الله عز وجل كنهها لا يعلمها إلا هو، وأخذها لا يعلم كنهه وكيفيته إلا هو سبحانه وتعالى، ولا يلزم أو ينقدح في الذهن تشبيه أو تمثيل، وأن ما يضاف إلى الله عز وجل مما جاء في الأحاديث يتصور أن يكون مشابهاً للخلق؛ لأنه لا يعقل إلا ما يشاهده الناس، ليس الأمر كذلك، بل ما يضاف إلى الباري يليق به سبحانه وتعالى، ولا يشبهه شيء من خلقه، وما يضاف إلى المخلوقين يليق بهم، ولا تشبه صفات الخالق صفات المخلوق، ولا صفات المخلوق صفات الخالق، بل الأمر كما قال الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    فأثبت السمع والبصر ونفى المشابهة، لكن معنى السمع معلوم، ومعنى البصر معلوم، والكيفية التي عليها سمع الله وبصره هي التي لا يعلمها الناس، ولهذا قال الإمام مالك بن أنس في الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. الاستواء معلوم؛ لأن الناس خوطبوا بكلام يفهمونه، ولكن الكيفية التي هو عليها لا يعلمها إلا الله عز وجل، والاستواء معناه: الارتفاع والعلو، استوى على العرش ارتفع عليه، وعلا عليه، لكن كيف استوى؟ هذا هو الذي يمسك عنه السلف، فيفوضون الكيف، ولا يفوضون المعنى؛ لأنهم خوطبوا بكلام يفهمون معناه، وأما قضية التفويض بالمعنى فهذه طريقة المبتدعة الذين يطلق عليهم المؤولة المفوضة، وأنهم السلف، فالسلف سلف الأمة، الصحابة ومن تبعهم ليسوا مفوضة للمعاني، ولكنهم مفوضة للكيفية، على حد قول الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، يعني: السؤال عن الكيفية؛ لأنه قال: كيف استوى؟ قال: ما معنى استوى، وإلا كان يبين أنه الارتفاع والعلو، لكن هو سأل الإمام عن الكيفية، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.

    فقضية الكيفية لا يبحث عنها، ولا عن كنهها، ولا يتصور أن ما يضاف إلى الله عز وجل يكون مشابهاً لما يضاف إلى غيره؛ لأن الله تعالى أثبت السمع والبصر ونفى المشابهة، ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين المشبهة والمعطلة؛ لأن المشبهة عندهم إثبات وعندهم تشبيه، وأهل التعطيل عندهم تنزيه، وتعطيل، وأهل السنة والجماعة عندهم إثبات، وتنزيه؛ لأن المعطلة عندهم تنزيه وتعطيل، وأهل السنة يثبتون التنزيه، ويتركون التعطيل، والمشبهة عندهم إثبات وتشبيه، وأهل السنة يأخذون بالإثبات، ويتركون التشبيه، فعندهم إثبات مع تنزيه، فكونهم مثبتة خالفوا المعطلة؛ لأن المعطلة ما يثبتون، وكونهم منزهة خالفوا المعطلة، خالفوا المشبهة الذين يثبتون ويشبهون؛ لأن عند أهل السنة إثبات مع التنزيه، وليس إثباتاً مع التشبيه، فكونهم مثبتة خالفوا المعطلة، وكونهم مع كونهم مثبتة منزهة خالفوا المثبتة المشبهة، فصار أهل السنة والجماعة وسطاً بين التعطيل والتشبيه، عندهم إثبات مع تنزيه، وكونهم أثبتوا فارقوا المعطلة الذين ما أثبتوا، وكونهم نزهوا مع الإثبات خالفوا المشبهة الذين أثبتوا على وفق التشبيه.

    ولهذا جاء عن الإمام أحمد رحمة الله عليه أنه قال: التشبيه أن تقول: يده كيدي، ووجهه كوجهي، أو يد كيد، ووجه كوجه، وأما أن تثبت الصفة على ما يليق بالله فهذا ليس تشبيهاً، ولهذا كانت المعطلة يئول أمرهم إلى أن ينفوا المعبود، ولا يكون له وجود؛ لأنه لا يعقل أن يوجد ذات مجردة عن الصفات، ولهذا المشبهة أو المعطلة يصفون المثبتة بأنهم مشبهة؛ لأن الإثبات عندهم لا يتصور إلا مع التشبيه، فمن يثبت الصفات يقولون عنه: مشبه، ولهذا المبتدعة المعطلة يصفون أهل السنة بأنهم مشبهة في باب الصفات؛ لأنهم مثبتة، وهم ليسوا مشبهة؛ لأنهم ما أثبتوا مع التشبيه، بل أثبتوا مع التنزيه على ما يليق بكمال الله عز وجل جل جلاله وعظمته.

    ولهذا الحافظ أبو عمر بن عبد البر، الإمام المغربي في زمانه المتوفى سنة 463هـ، قال في كتابه (التمهيد): إن الذين يعطلون الصفات، صفات الباري، يصفون المثبتة لها بأنهم مشبهة، ثم يقول ابن عبد البر راداً عليهم، أو مبيناً أنهم هم الذين وقعوا في الأمر المحرم، قال: وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، وهم، أي: المعطلة، عند المثبتة نافون للمعبود، يعني: أنه لا وجود لمعبودهم، ولهذا يقول بعض العلماء: إن المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، وأما المثبت على ما يليق بالله عز وجل فهو يعبد الله عز وجل المتصف بصفات الجلال والكمال على ما يليق بكماله وجلاله، فالذين يثبتون الصفات مع التشبيه الله عز وجل ليس كما يقولون، تعالى وتنزه، والذين ينفون الصفات عن الله يئول أمرهم إلى نفي وجود الله؛ لأنه لا يعقل أن توجد ذات مجردة من جميع الصفات.

    ولهذا لما ذكر الذهبي رحمة الله عليه في كتابه (العلو) كلام ابن عبد البر، علق عليه بقوله: قلت: صدق والله، يعني: ابن عبد البر، صدق والله، ثم ذكر كلاماً عن حماد بن زيد، وحماد بن زيد من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، توفي في أواخر القرن الثاني الهجري، هو من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، وشيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة.

    قال الذهبي : قلت: صدق والله، أي: ابن عبد البر في قوله: إن المعطلة نافون المعبود، قال: فإن الجهمية مثلهم، كما قال حماد بن زيد، إن جماعة قالوا: في دارنا نخلة، فقيل لهم: ألها خوص؟ قالوا: لا، ألها عسب؟ قالوا: لا، ألها ساق؟ قالوا: لا. وكل صفة من صفات النخل يسألونهم عنها يقولون: لا، ما تتصف هذه النخلة بهذه الصفات، قيل: إذاً ما في داركم نخلة، إذاً النتيجة ليس في داركم نخلة، ما دام النخلة لا توصف بأن لها ساقاً، ولا عسباً، ولا ليفاً، ولا خوصاً، ولا كذا وكل صفات النخل منفي عنها إذاً لا وجود للنخلة في دارهم، فكذلك الذي ينفي الصفات عن الله، ويقول: ليس بكذا وليس بكذا وليس بكذا، النتيجة أنه يكون معدوماً، وأنه عدم، ولهذا أهل السنة والجماعة توسطوا بين المشبهة والمعطلة، المشبهة الذين يعبدون الصنم، والمعطلة الذين معبودهم عدم، بل هم كما قال بعض أهل العلم يعني: في مذهبهم وأنهم متوسطون بين هؤلاء وهؤلاء، كاللبن الخالص السائغ للشاربين، الذي يخرج من بين فرث ودم؛ لأن المشبهة عندهم إثبات وتشبيه، والإثبات حق والتشبيه باطل، وأهل السنة عندهم الإثبات بدون التشبيه، والإثبات حق، والتشبيه باطل، والمعطلة عندهم تنزيه وعندهم تعطيل، والتنزيه حق والتعطيل باطل، فجمع أهل السنة بين الحسنيين التي هي الإثبات مع التنزيه، وتخلوا من الإساءتين التي هي التعطيل والتمثيل والتشبيه؛ إساءة المعطلة في التعطيل، وإساءة المشبهة بالتشبيه، فصار أهل السنة والجماعة وسطاً بين هؤلاء وهؤلاء، أثبتوا مع التنزيه، فليسوا معطلة، وليسوا مشبهة.

    ومن المعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يفكر في الكيفية، وأنه يأتي في ذهنه أنه لا بد أن تكون الكيفية على ما هو مشاهد بالنسبة للمخلوقين، فالله تعالى أعظم وأجل من أن يشابهه أحد من خلقه، ثم من المعلوم أنه لا يلزم أن يكون هناك تصور المشابهة، وأن الإنسان لا يعقل لو أثبتنا لله عز وجل، وأنه يأخذ بها الصدقة، وأنه يكون كما هو مشاهد ومعاين بالنسبة للمخلوقين، لا، بل ما يضاف إلى الله عز وجل هو كما يليق به، ولهذا لا يلزم أن يقال: الله عز وجل هو الكبير المتعال، والسماوات والأرضون في قبضته كالخردلة في كف واحد منا، كما يقول ابن عباس: السماوات والأرضون كالخردلة كلها، ليست بشيء أمام عظمة الله، فإذا كان الأمر كذلك فكل شيء في قبضته، وكل شيء في يده سبحانه وتعالى، ويشبه ذلك ما جاء في قوله في الحديث الآخر: ( قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ).

    يعني: لا يلزم أن تكون فيه حلول، وأن الله تعالى حال في المخلوقات، وأن السماوات والأراضين كلها في قبضته كالخردلة، فلا يلزم أن يكون هناك يعني: حلول واختلاط، كما قال الله عز وجل: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [البقرة:164]، قيل: إنه بين السماوات والأرض، لكن لا يلزم أن يكون فيه اختلاط وأنه مخالط لها؛ لأنه بينها، فكذلك قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، ما يلزم أن يكون هناك اختلاط، أو يكون هناك مماسة، أو يكون هناك كذا، بل الأمر كما يليق بالله سبحانه وتعالى.

    فالحاصل: أن هذه الأحاديث لا يجوز أن يعمل فكره فيها، وأن يبحث عن كيفية، أو يفكر عن كيفية، بل عليه أن يسلك طريقة السلف الذين يثبتون لله عز وجل ما أثبت لنفسه، وأثبته له رسوله على وجه يليق بكماله وجلاله دون تفكير في تأويل أو تعطيل، أو تشبيه أو تمثيل، بل على حد قول الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    تراجم رجال إسناد حديث: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب ...)

    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].

    هو ابن سعيد بن طريف البغلاني ، ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الليث ].

    هو ابن سعد المصري، ثقة، فقيه، إمام مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن أبي سعيد ].

    هو المقبري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن يسار ].

    هو سعيد بن يسار أبو الحباب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أنه سمع أبا هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.

    1.   

    جهد المقل

    شرح حديث: (... قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [جهد المقل.

    قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الحكم ، عن حجاج ، قال ابن جريج: أخبرني عثمان بن أبي سليمان ، عن علي الأزدي ، عن عبيد بن عمير ، عن عبد الله بن حبشي الخثعمي رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة، قيل: فأي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت، قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر ما حرم الله عز وجل، قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه، قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه، وعقر جواده ) ].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي جهد المقل، يعني: تصدق المقل بجهده وبقدر طاقته، وعلى قدر حاله، هذا هو المقصود بالمقل، يعني: الذي لم يوسع الله عليه بالمال، ولكن عنده غنى النفس مع قلة ما عنده، وكونه غني النفس فإنه يجود بشيء مما في يده على قدر طاقته وعلى قدر حاله، وأجره عظيم عند الله عز وجل؛ لأنه أنفق ما قدر عليه، وما أمكنه إخراجه إياه على قدر طاقته، وعلى قدر حاله، هذا هو المقصود بجهد المقل، يعني: قدر طاقته، وما يقدر عليه مما أقدره الله عليه، كما قال الله عز وجل: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

    هذا هو المقصود بالترجمة، وقد أورد حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل أسئلة، قال: (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة).

    يعني: هذه الثلاثة هي خير الأعمال، قد جاءت في هذا الحديث وجاءت في حديث آخر، وجاءت مرتبة، حيث سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور، فهذه الأمور الثلاثة التي جاءت -يعني: في هذا الحديث-، جاءت أيضاً مرتبة بثم، وبعضها وراء بعض، وأولها الإيمان بالله عز وجل، ثم الجهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور، فهذه الأمور الثلاثة جاءت في حديث آخر، ومرتبة بثم، على أن كل واحد أفضل من الذي يليه، وخير من الذي يليه، فهذا هو خير العمل، وأفضل العمل، الإيمان الذي هو الأساس، وبعد ذلك الجهاد في سبيل الله الذي هو الدعوة إلى الله عز وجل، والعمل على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإدخالهم في هذا الدين الحنيف الذي بعث الله به رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ثم الحج المبرور، الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لما قالت إحدى أمهات المؤمنين: (نرى أفضل العمل الجهاد أفلا نجاهد؟ قال: لكن جهاد لا قتال فيه الحج المبرور)، وهذا جوابه عليه الصلاة والسلام عن خير العمل.

    [ قيل: فأي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت ].

    قيل: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت، والقنوت هو القيام، يعني: كون الإنسان يطيل القيام، وهذا يكون في الصلاة الخاصة للإنسان مثل صلاة الليل يطيل القنوت الذي هو القيام، ويطيل القراءة، والرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الذي فيه أنه قرأ البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، يعني: ثلاث سور تبلغ خمسة أجزاء، وأتى بها في ركعة واحدة، فهذا هو طول القنوت، لكن هذا يكون فيما إذا كان الإنسان يصلي لنفسه، أما الذي يصلي بالناس، ويؤم الناس، فهذا يتوسط، ولهذا لما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم ما حصل لذلك الرجل الذي جاء وعقل بعيره، أو دوابه عند المسجد، ثم دخل وأطال معاذ الصلاة، وهم أن يتركه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أفتان أنت يا معاذ؟! إذا أم أحدكم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)، فطول القنوت الذي هو القيام مشروع، لكن في كون الإنسان يصلي وحده، أو يصلي صلاة الليل.

    [ قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل].

    وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث الطويل بهذه الترجمة: جهد المقل، يعني: صدقته على قدر طاقته؛ لأن عنده المال قليل، ولكن عنده غنى النفس، فتجده يجود بما عنده، أو بشيء مما عنده، يرجو ثواب الله عز وجل؛ لأنه وإن لم يكن عنده غنى اليد، فعنده غنى النفس، إن لم يكن عنده الغنى الظاهري فعنده الغنى الباطني، الذي هو غنى القلب وغنى النفس، والغنى في الحقيقة هو غنى النفس؛ لأن اليد تابعة للقلب، فقد يكون الإنسان غني اليد، ولكنه بخيل النفس، فلا يجود بالمال، ولا يعطي المال مع كثرته عنده، ومن الناس من يكونه غني القلب قليل ذات اليد، وإذا أعطي الشيء القليل، أو ملك الشيء القليل فإنه لا يبخل به، أو بشيء منه، فهذا هو جهد المقل؛ لأنه أنفق مع حاجته، ومع كونه ليس عنده ما يكفيه.

    [ قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر ما حرم الله عز وجل ].

    قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر ما حرم الله عز وجل، هذه الهجرة التي كون الإنسان يهجر المحرمات، ويترك المحرمات، يصبر عن المعاصي وإن كانت سهلة على النفوس، وتميل إليها النفوس؛ لأن العاقبة وخيمة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات )، فهو يصبر عن المعاصي؛ لأن عواقبها وخيمة؛ لأنها مردية، يعني: لذة عاجلة تورث حسرة وندامة يوم القيامة، فالهجرة الأفضل هي هجرة من هجر ما نهى الله ورسوله عنه، وهذا الجواب يعني: الاشتقاق من قبيل الجناس؛ لأنه يتعلق بالهجرة والهجر، يعني: أن السؤال عنه الهجرة، والجواب بالهجر، وهذا مثل الحديث: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله ورسوله عنه )، فهذا مأخوذ باشتقاق، يعني: شيء من شيء؛ لأنه سئل عن هجرة فقال: من هجر، وقال في ذاك الحديث: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله ورسوله عنه )، وهذه هي الهجرة الحقيقية التي هي هجرة المعاصي، وترك المعاصي، وترك معصية الله ورسوله، والعمل بما هو طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

    [ قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه ].

    قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه، يعني: أنه جاد بنفسه وجاد بماله، يعني: جاهد بالنفس والمال، فهو بماله يجاهد، وبنفسه يجاهد، يجاهد ببدنه، ويجاهد بما أعطاه الله عز وجل من المال، فهو يجاهد في الاثنين، فهذا هو خير الجهاد؛ لأنه بذلك نفسه وماله، بخلاف الذي يبذل نفسه ولا يبذل ماله، أو يبذل ماله ولا يبذل نفسه، هذا جمع بينهما، جاهد بنفسه وماله.

    [ قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه وعقر جواده ].

    قيل: فأي القتل أفضل؟ يعني: القتال في سبيل الله؛ لأنه قال قبل ذلك: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه.

    (من جاهد المشركين بماله ونفسه)، يعني: جاهد في سبيل الله، وقاتل الكفار لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ودخولهم في هذا الدين الحنيف، ثم قال: أي القتل أفضل؟ قال: (من أهريق دمه وعقر جواده) يعني معناه: أنه خرج بنفسه وماله، ثم ذهب جواده، وذهبت نفسه، وهذا يشبه ما جاء في الحديث، حديث: ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء )، يعني: هو حصل له القتل، وحصل ذهاب المال، فالذي أهريق دمه وعقر جواده، يعني معناه: أنه هذا هو الذي خرج بماله ونفسه، ذهب في سبيل الله، وفقد في سبيل الله.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل ...)

    قوله: [ أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الحكم ].

    ثقة، أخرج له أبو داود ، والترمذي ، والنسائي.

    [ عن حجاج ].

    هو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج ].

    هو عبد الملك بن جريج، عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، مشهور بنسبته إلى جده، وهو عبد الملك بن عبد العزيز، وهو ثقة، ويرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عثمان بن أبي سليمان ].

    ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي في الشمائل ، والنسائي ، وابن ماجه.

    [ عن علي الأزدي ].

    هو علي بن عبد الله الأزدي، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له مسلم ، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن عبيد بن عمير ].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن حبشي الخثعمي ].

    صحابي له حديث واحد هو هذا الحديث، أخرج له أبو داود، والنسائي، يعني: له هذا الحديث الواحد في الكتب الستة عند أبي داود، والنسائي.

    الحديث قال فيه: (إيمان لا شك فيه)، يعني: أنه إيمان يعني: معه كمال اليقين، ولا شك فيه، ولا خلل فيه، هذا هو المقصود بالشك، أو نفي الشك، لكن ينبغي أن يعلم أن ما يفعله المبتدعة وبعض المبتدعة أنهم يصفون أهل السنة والجماعة بأنهم شكاك، ويقصدون بذلك الاستثناء في الإيمان، بأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فيصفون من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وهي مشهورة عن السلف يقولون: إنهم شكاك، وهي لا تأتي للشك، وإنما تأتي للبعد عن التزكية؛ لأن الإيمان هو كمال، فالإنسان يقول عندما يسأل: أنت مؤمن؟ يقول: أرجو، أو يقول: إن شاء الله، يعني: ليس إن شاء الله شك هل هو مؤمن، أو غير مؤمن؟ وإنما ابتعاداً عن تزكية النفس، وأنه يرجو أن يكون كذلك، أي: أنه عند من هو متصف بالكمال؛ لأن الإيمان أكمل من الإسلام، ولهذا جاء في القرآن الكريم: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]، فالإيمان أكمل من الإسلام، وكذلك حديث سعد بن أبي وقاص عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم جماعة، وفيهم رجل هو في رأي سعد بن أبي وقاص أنه خيرهم وأزكاهم فأعطاهم ولم يعطه، فقال: يا رسول الله! أعطيت القوم وفيهم فلان، وهو مؤمن، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( أو مسلم )، يعني: يلقنه إلى أن يقول: مسلم؛ لأن مسلم هي الحد الأدنى لما فيه تزكية، لكن المؤمن شيء وراء ذلك، ولذلك مراتب الدين: إسلام وإيمان وإحسان، وكل واحدة أكمل من التي قبلها.

    فالإحسان أكمل الدرجات، والإيمان هو الذي يليه، وأقل الدرجات هو الإسلام، ولهذا لا يستثنون في الإسلام، إذا قيل: مسلم، لا يقول: إن شاء الله، وإنما يقول: مسلم، أنا من المسلمين؛ لأن هذا هو الحد الأدنى الذي إذا نفي عن الإنسان ما بقي عنده شيء، لكن الذي عنده الإسلام، أو هو من أهل الإسلام، ثم يسأل عن وصف كامل، ولا يزكي نفسه، ويقول: إنه من أهل الكمال، ولكن يقول: أرجو، أو إن شاء الله.

    فالحاصل أن بعض المبتدعة يصفون أهل السنة والجماعة بأنهم مشبهة؛ لأنهم يثبتون الصفات، مثل ما قال ابن عبد البر : إن المعطلة يصفون المثبتة بأنهم مشبهة، وكذلك أيضاً يصفونهم بأنهم شكاك؛ لأنهم يستثنون في الإيمان يقولون: إن شاء الله.

    فإذاً: لا شك أن المقصود بالإيمان الذي هو إيمان مع يقين وصدق، وليس المقصود من ذلك ما يضيفه بعض المبتدعة إلى أهل السنة بأنهم شكاك في الإيمان؛ لا يجزمون بإيمانهم، بل يقول واحد منهم: أنا مؤمن إن شاء الله.

    شرح حديث: (سبق درهم مائة ألف درهم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة ، قال: حدثنا الليث ، عن ابن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد والقعقاع ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( سبق درهم مائة ألف درهم، قالوا: وكيف؟ قال: كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم، فتصدق بها )].

    أورد النسائي هذا الحديث الذي يدل على ما ترجم له، وهو جهد المقل، يعني: كون الإنسان مقلاً، ويعطيه الله شيئاً قليلاً، ومع ذلك لغنى نفسه يجود، ولا يقول: والله أنا ما عندي شيء أتصدق به، أعطاه الله شيئاً قليلاً، ولكنه لغنى نفسه ما بخل بشيء مما أعطاه الله من ذلك القليل، فهو يتصدق على قدر حاله.

    أورد النسائي حديث أبي هريرة ، قال: سبق درهم مائة ألف درهم، قالوا: كيف يا رسول الله؟! قال: رجلان، رجل عنده درهمان فتصدق بواحد منهما، ورجل عمد إلى عرض ماله، عنده الأموال الطائلة، والمقادير الهائلة، فجاء إلى الأكداس من الأموال، ووضع يده في هذا وأخذ له مائة ألف من ألوف الألوف والملايين، فهذا يعني: أخرج شيئاً قليلاً، وعنده الشيء الكثير، وهذا أخرج نصف ماله؛ لأن كل ماله درهمان، فأخرج نصف ماله، وهذا أخرج جزءاً يسيراً من ماله؛ لأن هذا أخرج مائة ألف، ولكن عنده الملايين التي ما لها حد، يعني: جاء وأخذ من عرض ماله، يعني: من جانب ماله، زاوية من الزوايا للأكداس الهائلة، أخذ يعني شيئاً يعتبر قليلاً مما أعطاه الله عز وجل، وذاك أعطاه الله درهمين، فجاد بواحد منهما، فهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم الذي فسر به كلامه عليه الصلاة والسلام: ( سبق درهم مائة درهم )؛ لأن هذا أخرج نصف ماله، وهذا يمكن أخرج واحداً بالمائة من ماله؛ لأنه عمد إلى عرض ماله، أكداس هائلة، يعني: مخزن مملوء بالنقود والدراهم، فجاء ومد يده وتناول رزمة من رزم كثيرة، فهذا أخرج شيئاً قليلاً من ماله مع أن عنده الشيء الكثير، لا يحس بفقده لكثرة المال، وأما هذا أخرج نصف ماله، هذا هو جهد المقل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (سبق درهم مائة ألف درهم ...)

    قوله:[ أخبرنا قتيبة حدثنا الليث ].

    وقد مر ذكرهما.

    [ عن ابن عجلان ].

    هو محمد بن عجلان المدني ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن سعيد بن أبي سعيد والقعقاع ].

    سعيد بن أبي سعيد ، وهو المقبري، وقد مر، والقعقاع هو ابن حكيم، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن أبي هريرة ].

    وقد مر ذكره.

    حديث: (سبق درهم مائة ألف...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( سبق درهم مائة ألف، قالوا: يا رسول الله! وكيف؟ قال رجل له درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدق به، ورجل له مال كثير، فأخذ من عرض ماله مائة ألف فتصدق بها )].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله.

    قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].

    هو عبيد الله بن سعيد السرخسي اليشكري ، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.

    [ حدثنا صفوان بن عيسى ].

    ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم ، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم ].

    ابن عجلان ، قد مر ذكره.

    وزيد بن أسلم ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي صالح ].

    هو ذكوان السمان أو الزيات، يعني: اسمه ذكوان، ولقبه الزيات والسمان؛ لأنه قيل له: السمان ؛ لأنه كان يجلب السمن، ويقال: الزيات؛ لأنه يجلب الزيت، فيقال له: الزيات ويقال له: السمان، كل منهما صحيح، لا تنافي بينهما؛ لأنه يبيع السمن، ويبيع الزيت، واسمه ذكوان، وكنيته أبو صالح، وهو مشهور بكنيته، وهو يروي كثيراً عن أبي هريرة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    عن [ أبي هريرة ].

    أبو هريرة وقد مر ذكره.

    شرح حديث أبي مسعود: (كان رسول الله يأمرنا بالصدقة فما يجد أحدنا شيئاً يتصدق به ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين عن منصور عن شقيق عن أبي مسعود رضي الله عنه أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا بالصدقة فما يجد أحدنا شيئاً يتصدق به حتى ينطلق إلى السوق، فيحمل على ظهره، فيجيء بالمد، فيعطيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إني لأعرف اليوم رجلاً له مائة ألف ما كان له يومئذ درهم )].

    أورد النسائي حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحثهم على الصدقة، ويأمرهم بالصدقة، فما كان الواحد منهم عنده شيء يستطيع أن يتصدق به، فيعمد إلى السوق ليحمل على ظهره، يعني: بضائع ويأخذ عليها أجراً، حتى يكون عنده شيء يتصدق به، فيأتي بالمد، يعني: الذي هو ربع الصاع، يعني: من الشيء الذي تصدق به، يعني: جهد المقل، يعني: شيء قليل، يعني: أولاً ما كان عنده شيء، ثم ذهب ليؤجر نفسه ويحمل على ظهره البضائع، ليحصل عليها أجراً، فيتصدق بالشيء القليل مما يحصله بهذا العمل.

    ثم قال: [إني لأعرف اليوم رجلاً له مائة ألف ما كان له يومئذ درهم].

    يعني: في الوقت الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصدقة وحثهم عليها، وما كان الواحد عنده شيء، ما كان عنده ولا درهم واحد وإنما يذهب يؤجر نفسه، ثم إن الله تعالى أغناهم، فصار هذا الرجل الذي يعرفه عنده مائة ألف، وهذا الرجل غير مسمى، ويحتمل أن يكون يعرفه، ويحتمل أن يكون نفسه؛ لأن بعضهم كان يكني عن نفسه، يعني: بدلاً من أن يسمي نفسه يعني: يقول: قال رجل، أو فعل رجل، أو جاء رجل، أو قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون نفس الشخص، فيحتمل أن يكون هو، ويعرف نفسه أنه ما كان عنده ذلك المقدار، ثم صار عنده، ويحتمل أن يكون غيره، كل هذا محتمل.

    الحاصل: أنهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، كان الواحد منهم ما يكون عنده شيء، ثم يذهب إلى السوق، ويعمل هذا العمل الشاق المضني، وهو كونه يحمل على ظهره المتاع، ويأخذ عليه أجرة، ويحصل شيئاً قليلاً يتصدق منه بالمد الذي هو ربع الصاع؛ لأن الصاع أربعة أمداد.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود: (كان رسول الله يأمرنا بالصدقة فما يجد أحدنا شيئاً يتصدق به ...)

    قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث ].

    الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [حدثنا الفضل بن موسى المروزي].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الفضل بن موسى ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسين ].

    هو الحسين بن واقد، وهو ثقة، له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم ، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن منصور ].

    هو ابن المعتمر الكوفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شقيق ].

    هو شقيق بن سلمة أبو وائل الكوفي، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي مسعود ].

    هو عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه، صحابي مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته: أبي مسعود، مثل شهرة أبي سعيد الخدري بكنيته، هذا أيضاً مشهور بكنيته، وابن مسعود رضي الله عنه مشهور بنسبته إلى أبيه، يعني: كثيراً ما يأتي عن ابن مسعود، وهنا يأتي عن أبي مسعود، ولهذا يأتي في بعض الأحيان حصول التصحيف بين أبي مسعود وابن مسعود، مثل ما جاء في حديث أبي مسعود هذا، الحديث المشهور في صحيح مسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، فإنه يأتي في بعض الكتب عن ابن مسعود، تصحيف بين أبي وابن، فحديث: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، أظنه ببلوغ المرام، أو في سبل السلام، يعني: جاء بلفظ عن ابن مسعود، وهو أبو مسعود، ولكن للتقارب بين أبي وابن يأتي التصحيف، ولكون ابن مسعود هو المشهور، وأبو مسعود يعني: لا يأتي ذكره مثلما يأتي ابن مسعود، فيحصل التصحيف بين كلمة ابن وأبي، وهو عقبة بن عمرو الأنصاري، وقريب منه في الاسم عقبة بن عامر، هذا عقبة بن عمرو، وذاك عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب.

    عقبة بن عمرو الأنصاري أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأيضاً مما قالوه عنه: أيضاً البدري، ويقولون: إنه لم يشهد بدراً، ولكنه سكنها، فنسبته إليها نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن.

    شرح حديث أبي مسعود: ( لما أمرنا رسول الله بالصدقة فتصدق أبو عقيل بنصف صاع ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا بشر بن خالد ، قال: حدثنا غندر ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي وائل ، عن أبي مسعود رضي الله عنه أنه قال: ( لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصدقة، فتصدق أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بشيء أكثر منه، فقال المنافقون: إن الله عز وجل لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [التوبة:79] )].

    أورد النسائي حديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه من طريق أخرى، وفيه أن الرسول لما حث على الصدقة تصدق رجل يقال له: أبو عقيل بنصف صاع، وتصدق آخر بشيء أكثر منه، ولكن المنافقين لا يسلم منهم لا من تصدق بالقليل الذي هو على قدر طاقته، ولا من تصدق بالكثير، فهم يلمزون هؤلاء وهؤلاء، فقالوا عن الذي تصدق بنصف صاع: إن الله لغني عن صدقة هذا، يعني: نصف صاع، هذا شيء يسير قليل، الله غني عنه، ما يسوى بهذه الصدقة، والذي تصدق بالكثير أيضاً ما سلم فهم، بل قالوا: هذا مرائي، الذي تصدق بالقيل قالوا عنه: الله غني عنه، هذه صدقة قليلة تافهة ما هي بشيء، والذي تصدق بالكثير قالوا عنه: إنه مرائي.

    فالحديث جاء من أجل أن هذا تصدق بنصف صاع، يعني معناه: الذي قدر عليه، وذاك تصدق بشيء كثير، والمنافقون ما سلم منهم لا الذي تصدق بالقليل الذي هو قدر جهده جهد المقل، ولا الذي تصدق بالكثير، فقالوا عن الذي تصدق بالقليل: إن صدقته تافهة والله غني عنها، وقالوا عن الذي تصدق بالكثير: إنه مرائي، فهم يلمزون المطوعين المؤمنين في الصدقات.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود: ( لما أمرنا رسول الله بالصدقة فتصدق أبو عقيل بنصف صاع ...)

    قوله: [ أخبرنا بشر بن خالد ].

    ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي .

    [ حدثنا غندر ].

    هو محمد بن جعفر البصري، لقبه غندر، يأتي باسمه أحياناً محمد بن جعفر، ويأتي بلقبه غندر، وألقاب المحدثين فائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما لو جاء في رواية عن محمد بن جعفر، ثم جاءت رواية أخرى غندر، فالذي ما يعرف أن محمد بن جعفر يلقب بـغندر ، يظن أن هذا شخص وهذا شخص، مع أن هذا هو هذا، وهذا هو هذا، إلا أن هذا اسمه وهذا لقبه، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شعبة عن سليمان ].

    شعبة ، وقد مر ذكره.

    وسليمان هو الأعمش، سليمان بن مهران الكاهلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ويأتي باسمه كما هنا، ويأتي بلقبه كثيراً الأعمش، وفي الإسناد الأول منصور ، وفي الإسناد الثاني سليمان ، وهما قرينان.

    [ عن أبي وائل ].

    هو شقيق الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا؛ لأن هنا مر في الإسناد الأول شقيق بن سلمة، وجاء في هذا الإسناد أبو وائل، فجاء هناك باسمه، وجاء هنا بكنيته، ومعرفة الكنى أيضاً فائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، لأن من لا يعرف أن شقيق بن سلمة كنيته أبو وائل، يظن أنه إذا جاء في إسناد شقيق بن سلمة، وجاء في إسناد آخر أبو وائل أن هذا شخص وهذا شخص.

    [عن أبي مسعود ].

    وقد مر ذكره.