إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الزكاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - باب عقوبة مانع الزكاة - باب زكاة الإبل

شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - باب عقوبة مانع الزكاة - باب زكاة الإبلللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حذر الشرع من ترك الزكاة، ورتب عليه العقوبة في الدنيا والآخرة، وبين مقدار نصاب الزروع والثمار، وأوضحت الأدلة أحكام زكاة الأنعام: الإبل والبقر والغنم ونصاب كل منهما، وحكم الأوقاص فيها.

    1.   

    عقوبة مانع الزكاة

    شرح حديث: (ومن أبى فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب عقوبة مانع الزكاة.

    أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجراً فله أجرها ومن أبى فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد صلى الله عليه وسلم منها شيء ) ].

    يقول النسائي رحمه الله: باب عقوبة مانع الزكاة، يعني: عقوبته في الدنيا، وأما عقوبته في الآخرة فقد مر في بعض الأحاديث كيفية عقابه، وأنه يعذب بالمال الذي منع زكاته، بحيث إذا كان صاحب إبل يبطح لإبله بقاع قرقر فتمر عليه، وتطؤه بأخفافها إذا مر عليه أخراها رد عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وهذه من عقوبته في الدار الآخرة، وأما عقوبته في الدنيا فهي ما جاءت في هذا الحديث، من أنه تؤخذ منه الزكاة، ويؤخذ أيضاً زيادة عليها عقوبة له، فهي عقوبة دنيوية، والنسائي رحمه الله ترجم لهذه الترجمة، عقوبة مانع الزكاة، إشارة إلى ما جاء فيه من قوله: [( فإن أبى فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا )].

    والحديث أوله: [( في كل إبل سائمة في كل أربعين بنت لبون )] في كل سائمة هي التي ترعى أكثر الحول ولا يتكلف صاحبها علفها والإنفاق عليها، وإنما ترعى من الفلاة، فهذه هي السائمة، أما إذا كان يعلفها أو أكثر الحول وهو يعلفها، فإن هذه لا زكاة فيها، اللهم إلا أن تكون معدة للتجارة والبيع، فإنها تزكى زكاة عروض التجارة، لكنها لا تزكى زكاة السائمة؛ لأن الزكاة في الإبل، أو الغنم، أو البقر، يعني في غير التجارة إنما هي في كونها سائمة، يعني: ترعى أكثر الحول.

    وقوله: [(في كل أربعين)] فسره بعض العلماء أنه إذا استقرت الفريضة، بعد المائة والعشرين يكون في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، لكن هذا لا يستقيم؛ لأن استقرار الفريضة فيه أربعون وفيه خمسون، ما تستقر على أربعين فقط، ثم الذي يظهر أن المقصود من ذلك أن كل أربعين فيها بنت لبون، ولا يعني هذا أن ما كان دون الأربعين لا زكاة فيه وما فوق الأربعين إلى الثمانين لا زكاة فيه؛ لأن هذه دلالة مفهوم لكن هناك دلالة منطوق، وهي التي ستأتي في حديث أنس في كتاب أبي بكر الذي فرض فيه النبي صلى الله عليه وسلم الصدقات وبين مقاديرها، وفيه: أن ما دون الأربعين فيه زكاة من نوع الإبل ومن غير نوع الإبل، وما فوق الأربعين إلى الثمانين أيضاً، فيه زكاة من نوع الإبل، وما بعد الثمانين أيضاً كذلك فيه زكاة فلا يعني أن ما نقص عن الثمانين نقص عن الأربعين وما زاد على الأربعين، أو ما نقص على الثمانين وما زاد على الثمانين أنه لا زكاة فيه، وإنما فيه الدلالة على أن هذا المقدار فيه الزكاة لكن لا مفهوم له، لأن هذا المفهوم معارض بالمنطوق الذي هو أن الخمس من الإبل فيها شاة والعشر فيها شاتان والخمسة عشر فيها ثلاث شياه، والعشرين فيها أربع شياه والخمسة والعشرين فيها بنت مخاض، إلى خمس وثلاثين ففيها بنت لبون، تبدأ من ست وثلاثين إلى خمس وأربعين، هذا فيه بنت لبون، فالأربعون موجودة في الوسط وهي ضمن هذا المقدار، وهو يستقيم على أن في كل أربعين بنت مخاض، لكن يشكل عليه إذا بلغت مائة وعشرين، فإن مقتضى هذا الحديث أن في مائة وعشرين ثلاث بنات لبون، لكن جاء في حديث أنس الذي فيه التفصيل أن العشرين هي داخلة في الوقت، وإذا زادت واحدة على العشرين صارت مائة وواحد وعشرين، فيكون فيها ثلاث بنات لبون إلى مائة وثلاثين، فيكون فيها بنتا لبون وحقة، فإذا صارت مائة وخمسين صار فيها ثلاث حقاق، مائة وستون فيها أربع بنات لبون، وهكذا.

    إذاً: فيشكل على هذا الإطلاق الذي في الحديث رقمه (120) الذي هو المضاعفة الثالثة للأربعين؛ لأن الأربعين فيها بنت لبون، الثمانين فيها بنتا لبون، لأن من ست وسبعين إلى تسعين هذا بنتا لبون، يعني: معناه رقم ثمانين فيه بنتا لبون مطابق لهذا الحديث، لكن رقم مائة وعشرين بمقتضى هذا الحديث يكون فيه ثلاث بنات لبون، لكن حديث أنس الذي فيه التفصيل ذكر أن المائة والعشرين هي تابعة للواحد والتسعين، يعني: فيها حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة يكون في كل أربعين بنت لبون، وكل خمسين حقة، يعني: إذا زادت واحدة تبدأ ثلاث بنات لبون، أما مائة وأربعون، ومائتان، ومائتان وأربعون، ومائتان وثمانون، وثلاثمائة وعشرون، هذه كلها تمضي على قوله: [في كل أربعين بنت لبون].

    أما قوله: [(لا يفرق إبل عن حسابها)] تحتمل شيئين أنها لا يفرق بين الصغير والكبير، والسمين والهزيل، والسليم والمعيب، بل كلها تحسب، ولكن يؤخذ الوسط لا من الجيد ولا من الرديء، تؤخذ الزكاة من الوسط من أوساط المال، لا من أجود المال ولا من أردأ المال ولكن من أوسط المال، فهي لا تفرق إبل عن حسابها، بمعنى على أحد التفسيرين أنه لا يفرق بين السمان والهزال، والصغار والكبار، لكن هذا الكلام فيما يتعلق بالصغار فيما إذا كان النصاب الأول موجود؛ لأن النصاب الأول لابد من وجوده وحولان الحول عليه.

    أما النصاب الثاني فلا يلزم أن يحول عليه الحول؛ لأن الفرع تبع للأصل، ونتاج السائمة تابع لأصلها، كما أن ربح التجارة تابع لرأس المال، الربح تابع لرأس المال، يذكر رأس المال والربح مع بعض، لكن المهم أن يحول الحول على أقل نصاب، مثلاً من الإبل خمس، من الغنم أربعين، من البقر ثلاثين، فإذا كان الإنسان عنده تسع وثلاثين من الغنم ما فيها شيء؛ لأن النصاب ما وجد، ولو مضى عليها حول لأنه ما وجد النصاب الذي يحول عليه الحول، لكن لو كان عنده أربعون موجودة وتناسلت وتنامت في خلال العام، وفي أثناء العام حتى بلغت مائة وواحد وعشرين مثلاً من الغنم، في آخر الحول بلغت مائة وواحد وعشرين فيكون فيها شاتان؛ لأن الذي حصل النمو وحصلت الزيادة بسبب النماء هو محسوب تبع الأصل، فلو أن إنساناً عنده مائة وعشرون وقبل أن يحول الحول بيوم ولدت واحدة من المائة والعشرين سخلة فتعد السخلة في المائة والعشرين، ولكن لا تؤخذ السخلة ولا الجيد بل تؤخذ من الوسط، هذا بالنسبة للنصاب الثاني وما وراءه، أما النصاب الأول لا يحسب الحول ولا يبدأ الحول إلا من تمامها أربعين، لو كان عنده تسع وثلاثون، هذه لا زكاة فيها ولو حال عليها أعوام إذا ما تنامت وزادت على أربعين، أو وصلت الأربعين فإنه لا زكاة فيها، لأنه ما وجد النصاب ولا زكاة في المال حتى يبلغ النصاب ولا يكون فيه حتى يحول عليه الحول، هذا معنى.

    والمعنى الثاني: [(لا تفرق إبل عن حسابها)] يعني: أنه لا يفرق بين المجتمع خشية الصدقة كما سيأتي في حديث أنس ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، يعني: فيما يتعلق بالخليطين؛ لأن الخلطة تصير المالين كالمال الواحد، ولو كان هذا لشخص وهذا لشخص، والخلطة قد تكون تكثر فيها الزكاة وقد تقل فيها الزكاة مع الخلطة، تكون الزكاة قليلة بسبب الخلطة وتكون كثيرة بسبب الخلطة، فمثلاً: إذا كان واحد عنده أربعون شاة والثاني أربعون شاة والثالث أربعون شاة، وخلطوها وحال عليها الحول ما فيها إلا شاة واحدة، وهي مائة وعشرون؛ لأنه مال واحد، لكن لو كان كل واحد على حدة هذا أربعون وهذا أربعون وهذا أربعون وهذه ترعى على حدة، وهذه ترعى على حدة تصير فيها ثلاث شياه، لأن كل واحد عنده نصاب، وكذلك هذه تنقص بالخلطة تنقص الصدقة، بدل ما يكون فيها ثلاث لو كانت متفرقة يكون فيها واحدة.

    وقد يكون العكس بأن يكون واحد عنده عشرون وواحد عنده عشرون، ثم خلطوها وحال عليها الحول فيها شاة، ولو كان كل واحد عشرينه على حدة ما صار فيها زكاة، لأنها ما بلغت النصاب، فالخلطة تصير المالين كالمال الواحد، وقد تكثر معها الزكاة، وقد تقل معها الزكاة، قد يكون الأحظ للفقراء، وقد يكون غير الأحظ للفقراء، يكون الأحظ فيما إذا كان الجمع يفيد الزيادة، ويكون غيره إذا كان الجمع يفيد النقص، مثلما ذكرت في المثال الذي هو مائة وعشرون وكل واحد له أربعون، فإنه لا يكون فيها إلا شاة واحدة، وتؤخذ من واحد، والاثنان الآخران يرجعان بقسطهما، أو يرجع صاحب الشاه على الاثنين بقسطهما الذي عليهما؛ لأنه تقوم الشاة ثلاثة أثلاث قيمتها فيسقط عن الذي أخرجت ثلث ثم يبقى ثلثا القيمة يأخذه من صاحب الثمانين صاحب الأربعين وصاحب الأربعين، يتراجعا بينهما بالسوية كما سيأتي في الحديث الذي بعد هذا.

    [(فمن أداها مؤتجراً بها فله الأجر)] يعني: من أداها طالباً الأجر وطيبة بها نفسه فإنه يحصل أجرها، ومن أبى عن أدائها أخذت وشطر ماله إما نصفه، وإما بعضه بالإضافة إلى الزكاة التي تستحق على المال، وهذا هو المقصود من الترجمة للنسائي في قوله: عقوبة مانع الزكاة، أي: عقوبته الدنيوية، أنه يؤاخذ إذا رأى الإمام ذلك بأن يأخذ منه إما النصف، أو يأخذ منه بعض المال زيادة على ذلك.

    بعض العلماء يقول: إن الرواية [(شطر ماله)] يعني: يجعل شطرين جيد ورديء، ثم يتخير المصدق من الجيد، وهذا أيضاً فيه عقوبة؛ لأن الحق هو للوسط، فإذا أخذ من الجيد معناه أخذ شيء زائداً عن الحق، إلا أن في هذا يكون العقوبة قليلة، وفي الذي مر تكون العقوبة أشد وأعظم، ثم هذا يدل على أنه لا أجر له؛ لأنه ما نوى، وإنما أخذت قهراً عليه، وما وجدت النية لكن يسقط عنه الفرض، ويسقط عنه الإثم؛ لأنه أدى ما عليه، لكن كونه يحصل الأجر ما يحصل أجر، لأنه ما نوى، قالوا: وتكفي نية الإمام، يعني: كونه أخذ منه الزكاة قهراً، ونوى أنها زكاة وإن لم ينوي ذلك الذي هو ممانع وغير مواقف، فيكون سقط عنه الواجب ويكون حصلت تأدية الواجب لكن بغير طواعية وبغير رضا.

    ثم قال في آخر الحديث: [( لا يحل لآل محمد منها شيء )] يعني: لا يحل من هذا الذي أخذ سواء كان الأصل أو الذي أخذ عقوبة لا يحل لآل محمد منها شيء؛ لأن هذا تبع الزكاة، ويضاف إلى الزكاة، والزكاة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد عليه الصلاة والسلام، كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها هذا الحديث، لا يحل لآل محمد منها شيء.

    وقد ذكر أو المشهور عند العلماء أن هذا المنع لآل محمد لكونهم يعطون من الفيء، وقد ذهب بعض أهل العلم ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه إذا لم يحصل لهم من ذلك الشيء الذي كانوا يعطون منه، فإن لهم أن يأخذوا من الزكاة؛ لأن الذي كان عوضاً عن هذا لا وجود له فيجوز أن يعطوا من الزكاة، هكذا قال بعض أهل العلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ومن أبى فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا ...)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]

    هو الفلاس ، المحدث، الناقد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [حدثنا يحيى]

    هو يحيى بن سعيد القطان وهو ثقة، ثبت، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، كتلميذه الفلاس ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا بهز بن حكيم بن معاوية القشيري]

    صدوق خرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبيه حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري] وهو صدوق أيضاً، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن جده معاوية بن حيدة] صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن الأربعة، أي: أن هؤلاء الثلاثة الجد والابن والحفيد كلهم خرج لهم البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.

    1.   

    زكاة الإبل

    شرح حديث: (... ولا فيما دون خمس ذود صدقة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب زكاة الإبل.

    أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عمرو بن يحيى ح وأخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار عن عبد الرحمن عن سفيان وشعبة ومالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أواق صدقة ) ].

    هذا الحديث باب زكاة الإبل يعني: مقدارها، وهذا الحديث الذي أورده النسائي وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فيه بيان مقادير الأنصبة فيما يتعلق بالإبل، وفيما يتعلق بالفضة، وفيما يتعلق بالحبوب والثمار، الزرع والثمر، ثمر الزرع وتمر النخل مثلاً، هذا الحديث فيه بيان هذه الأنصبة، والذي إذا بلغه زكى، وإذا نقص عنه لا يزكي، قال: [( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )] يعني: زكاة، وهنا إطلاق الصدقة على الزكاة، وقد مر بنا أن الصدقة تأتي للمفروضة، والصدقة تأتي للمفروضة والتطوع، وبعض العلماء يقول: إن الصدقة لا تطلق على المفروضة، لكن هذا مردود لوجود الآيات والأحاديث الدالة على إطلاق الصدقة على الزكاة، وعلى هذا فالصدقة تطلق على الزكاة المفروضة، وعلى الصدقة المستحبة، تطلق على الفرض والتطوع يقال لها: صدقة، وأما الزكاة فهي تطلق على المفروضة.

    [(فليس فيما دون الخمسة أوسق)]، والأوسق: جمع وسق، والوسق: ستون صاعاً، فيكون خمسة في ستين بثلاثمائة صاع هذا هو النصاب، فإذا كانت الحبوب أو الثمار عندما أثمرت بلغت هذا المقدار وزيادة، فيه زكاة، أما إذا نقصت عن ثلاثمائة صاع التي هي خمسة أوسق لا زكاة فيها، ولهذا قال: [(ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)]، ومعنى هذا الخمسة فما فوقها فيه صدقة، لكن دونها لا زكاة فيه، معناه النصاب ثلاثمائة صاع فإذا بلغه الحب أو التمر فإنه يزكى، وأما مقدار الزكاة سيأتي في أبواب مقدار زكاة الحبوب، لكن هنا الحديث أورده النسائي من أجل الإبل: [( ليس فيما دون خمس ذود صدقة )]؛ لأنه يتعلق بزكاة الإبل، لكنه أيضاً يدل على زكاة الفضة وعلى زكاة الحبوب والثمار أيضاً.

    و[( ليس فيما دون خمس ذود صدقة )] الذود المقصود به: خمس من الإبل، سواء كانت ذكوراً خلصاً، أو إناثاً خلصاً، أو ذكوراً وإناثاً، فإنه إذا ملك الإنسان خمساً وحال عليه الحول يكون فيها زكاة، وهذا أقل نصاب، وهو زكاته من غير نوعه التي هي شاة؛ لأن إخراج من نوعه هي مضرة للأغنياء، وكونه ما يجعل فيه زكاة يكون فيه مضرة على الفقراء، فما فرض من نوعها والعدد قليل؛ لأنه يضر الأغنياء، وما أسقط الزكاة نهائياً؛ لأن هذا فيه عدم فائدة للفقراء، فشرعت على وجه ليس فيه مضرة للغني وفيه فائدة للفقير، ومعنى هذا أن ما نقص عن خمس لا زكاة فيه، فلو أن إنسان عنده أربع من الإبل، يملكها ومضى عليها حول ويملكها لا زكاة فيها، لأن النصاب ما وجد، لقوله صلى الله عليه وسلم: [( ليس فيما دون خمس ذود صدقة )] يعني: معناه: إذا نقص عن الخمس ما فيه زكاة، ولو حال عليه الحول؛ لأنه ما وجد النصاب، لكن إذا وجد النصاب وحال الحول ففيه زكاة والزكاة من غير النوع من نوع آخر من نوع الغنم التي هي أخف من الإبل، وعرفنا الحكمة في فرضها من غير نوعها، مراعاة لمصلحة الفقراء وعدم الإضرار بالأغنياء.

    [( وليس فيما دون خمس أواق صدقة )] والمراد بالأواقي وهي: زكاة الفضة، والأوقية أربعون درهماً، يعني: مائتا درهم هذا هو النصاب، وما نقص عنه فإنه لا زكاة فيه، إذا نقص عن مائتي درهم التي هي خمس أواق؛ لأن الأوقية أربعون درهماً، خمسة في أربعين تصير مائتين، فالنصاب هو مائتا درهم، فإذا نقص عن هذا المقدار ليس فيه زكاة؛ لأنه ليس فيما دون خمس أواق صدقة، فإذا بلغت خمس أواق وزادت، صار فيها صدقة إذا حال الحول.

    إذاً: عرفنا أن هذا الحديث دل على زكاة الإبل، وما لا زكاة فيه لأنه دون النصاب، وما يبدأ وجوب الزكاة فيه؛ لأنه يبلغ النصاب وهو الخمس، لكن بعد الخمس فيه تفاصيل لمقدار ما يخرج، لكن هنا بيان الحد الأدنى الذي هو النصاب والذي إذا نقص عنه لا زكاة، وإذا بلغه وزاد وجبت الزكاة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... ولا فيما دون خمس ذود صدقة ...)

    قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].

    هو عبيد الله بن سعيد السرخسي اليشكري ، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج حديثه البخاري ومسلم والنسائي.

    [حدثنا سفيان].

    وهو ابن عيينة الهلالي المكي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا عمرو بن يحيى بن عمارة المازني المدني الأنصاري] ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    ثم أتى بحاء التحويل فقال: ح الدالة على التحول من إسناد إلى إسناد، يعني أن النسائي يذكر إسناداً آخر يبدأ من شيخ آخر له، فقال: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشارمحمد بن المثنى العنزي المكنى بـأبي موسى والملقب الزمن وهو بصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، ومثله محمد بن بشار الملقب بندار، فإنه بصري، وشيخ لأصحاب الكتب الستة، والاثنان ماتا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات سنة مائتين واثنين وخمسين، ولهذا قال عنهم ابن حجر: وكانا كفرسي رهان يعني: معناه أنهما متقاربان متفقان في الشيوخ والتلاميذ، ومن أهل البصرة، وكل منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة، ولهذا قال: كفرسي رهان، التي كل واحد يريد أن يغلب فيكون متساويين في الغالب بعد أن كل واحد يريد الغلب والسبق، كانا كفرسي رهان يعني: متماثلين.

    [عن عبد الرحمن]، فهذان الاثنان محمد بن المثنى ومحمد بن بشار يرويان عن عبد الرحمن وهو ابن مهدي، عبد الرحمن بن مهدي البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان] هو ابن عيينة الذي مر، وقد مر ذكره، والفرق بين الإسنادين أن الأول أعلى والثاني أنزل؛ لأن الأول بين النسائي وبين عمرو بن يحيى شخصان، وهنا بين النسائي وبين عمرو بن يحيى ثلاثة، طبعاً اثنان في درجة واحدة وهم محمد بن بشار ومحمد بن المثنى لا يحسبون على أساس أنهم طبقات لأنهما من طبقة واحدة، محمد بن المثنى ومحمد بن بشار طبقة وعبد الرحمن بن مهدي شيخهما طبقة، وسفيان بن عيينة طبقة ثالثة، فصار الإسناد الأول أعلى من الإسناد الثاني، فالإسناد الأول عالي بالنسبة للإسناد الثاني؛ لأن بين النسائي وبين عمرو بن يحيى في الإسناد الأول واسطتان، وبين النسائي وبين عمرو بن يحيى في الإسناد الثاني ثلاث وسائط، ثلاثة أشخاص، شخصان منهما في طبقة واحدة.

    والإسنادان التقيا عند سفيان، لكن بالنسبة للرواية عن سفيان أيضاً كذلك عالية؛ لأن بين وبينه سفيان واسطتان، وهذا بينه وبينه واسطة واحدة، هو الالتقاء عند سفيان وليس عند عمرو بن يحيى، لكن بين النسائي وبين سفيان شخص في الإسناد الأول، وبين النسائي وبين سفيان في الإسناد الثاني طبقتان، واثنان في طبقة واحدة.

    [ سفيان وشعبة ومالك ].

    عن سفيان يعني: في الطريق الثاني يعني عبد الرحمن يروي عن ثلاثة في طبقة واحدة هم: سفيان، وشعبة ومالك، وقد عرفنا سفيان، أما شعبة هو ابن الحجاج الواسطي البصري، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وأما الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، الذي قال عنه الحافظ ابن حجر: رأس المتقنين وكبير المثبتين أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرو بن يحيى عن أبيه ].

    أبوه يحيى بن عمارة المدني الأنصاري المازني ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة كابنه.

    [ عن أبي سعيد ].

    هو أبي سعيد الخدري ، وهو سعد بن مالك بن سنان الخدري مشهور بنسبته وبكنيته، ويأتي ذكره بالنسبة في الكنية ويأتي بالكنية مع النسبة، لكن كونه يأتي النسبة بدون الكنية حدثني الخدري هذا لا يأتي ولا يستعمل، وإنما أحياناً يقال: أبو سعيد الخدري ، وأحياناً يقال: أبو سعيد فقط، وهو المشهور بهذه الكنية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان هناك صحابة يكنون بأبي سعيد، لكن ما كانوا يشتهرون بكناهم مثل: عبد الرحمن بن سمرة فإن كنيته أبو سعيد، وسعد بن مالك بن سنان كنيته أبو سعيد ، ولكن هذا اشتهر بالكنية وذاك ما اشتهر بها، ولهذا يأتي ذكره بكنيته كثيراً، الذي هو أبو سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان ، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حديث: (ليس فيما دون خمسة ذود صدقة ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عيسى بن حماد قال: أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس فيما دون خمسة ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) ].

    ثم أورد النسائي حديث أبي سعيد من طريق أخرى، وهو مشتمل على ما اشتمل عليه الذي قبله، من بيان مقادير الحد الأدنى لنصاب الإبل، ونصاب الفضة، ونصاب الحبوب والثمار.

    قوله: [أخبرنا عيسى بن حماد التجيبي المصري].

    ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي ، وأبو داود ، وابن ماجه.

    [أخبرنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن سعيد ].

    هو يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب.

    [ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد ].

    وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.

    شرح حديث كتاب أبي بكر لعماله بفرائض الصدقة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا المظفر بن مدرك أبو كامل حدثنا حماد بن سلمة قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن أبا بكر رضي الله عنه كتب لهم: إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، التي أمر الله عز وجل بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعط، ومن سئل فوق ذلك فلا يعط فيما دون خمس وعشرين من الإبل، في كل خمس ذود شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين، ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين، ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستة وأربعين، ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين، ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستاً وسبعين، ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين، ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات، فمن بلغت عنده صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة، وعنده جذعة، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو شاتين إن استيسرتا له، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون، وليست عنده بنت لبون وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض، وليس عنده إلا ابن لبون ذكر، فإنه يقبل منه وليس معه شيء، ومن لم يكن عنده إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين، ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة، ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة، ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة، فإذا زادت ففي كل مائة شاة، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم، إلا أن يشاء المصدق، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة درهم فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها)].

    ثم أورد النسائي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي كتب به إلى أنس بن مالك لما أرسله إلى البحرين لأخذ الصدقات، وكتب له هذا الكتاب الذي هو كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي بين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مقادير الزكاة من الإبل، والغنم، وكذلك قال فيه: إنه مما أمر الله عز وجل به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على أن إضافته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مرفوع؛ لأن أبا بكر قال: [(التي فرضها رسول الله)]، وقوله: (التي أمر الله بها رسوله) يدلنا على أن السنة وحي من الله، كما قال الله عز وجل: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4] لأنه هنا قال لما ذكر: [(التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي أمر الله بها رسوله)] يعني: أن هذا التفصيل وهذا البيان هو من الله عز وجل، وهذا هو الذي تدل عليه آيات الكتاب، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فما يأتي به الرسول صلى الله عليه وسلم هو من عند الله، أوحى به إلى رسوله عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: فالله تعالى هو الذي فرض هذه المقادير، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ببيانها وإبلاغها؛ لأنه قال: [(فرضها رسوله، والتي أمر الله تعالى بها رسوله)] يعني: قدرها وبينها وأبلغها، والله تعالى هو الذي أمره بها، فالذي يأتي به صلى الله عليه وسلم من غير القرآن هو من الله سبحانه وتعالى، إلا أن هذا وحي متلو وهذا وحي غير متلو، هذا وحي متلو متعبد بتلاوته والعمل به، وهذا متعبد بالعمل به، أي: سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا المقدار مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل فيه أيضاً زيادة إيضاح وبيان، وأن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، أي: بهذا الفرض وبهذا التقسيم، وبهذا التقدير، وبهذا التفصيل الذي جاء عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: [(من المسلمين)] معناه: الزكاة تؤخذ من المسلمين، والكفار لا تؤخذ منهم الزكاة؛ لأنهم لم يسلموا، لكن لا يعني هذا أنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة، هم مخاطبون بالفروع تبعاً للأصول، وعليهم إثم ترك الفروع، وإثم ترك الأصول، لكن لا ينفع إخراج الزكاة، ولا يطلب منهم الزكاة؛ لأن الزكاة على المسلم وليست على الكافر، الكفار لا زكاة عليهم، بل الزكاة على المسلمين، ولهذا قال: [(فمن سئلها من المسلمين)]، يعني: أن المسلمين هم الذين تطلب منهم الزكاة، وهم الذين تؤخذ منهم، ولا تؤخذ من فقراء المسلمين، وإنما من أغنيائهم وترد على فقراء المسلمين.

    [(فمن طلبت منه على وجهها)] يعني: على التقدير الذي جاء في السنة، وعلى التحديد الذي جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم فليعطها، ومن طلبت منه على غير وجهها: بأن طلب منه أكثر، أو أعظم سواء في العدد، أو السن فلا يعطي؛ لأنه ظلم وهو لا يعطي إلا المقدار المحدد، فلا يعطي ثنتين بدل واحدة، ولا يعطي سناً أعلى بدل السن الأدنى، وإنما على حسب المقدار الذي عنده من بهيمة الأنعام، والزكاة التي حددت يعطيها وفقاً لما هو مشروع، وإذا طلب منه أكثر من ذلك، سواء من حيث السن، أو من حيث العدد فلا يعطي؛ لأن هذا لا يسوغ إلا أن تطيب نفسه بذلك، فلا بأس، كما سيأتي في الحديث، أنه إذا كان خمس ففيها شاة، وليس في أربع شاة إلا أن يشاء ربها، يعني: إذا كان يريد أن يخرج شيئاً من الذي ما فيه زكاة جزاه الله خيراً، ولا يقال: لا، ما نقبلها منك، بل تقبل، لكن ما يطالب بها؛ لأنها ما بلغت النصاب، فإذا أعطاها تبرعاً أو تطوعاً فإنها تقبل منه، لكن لا يلزم بها، [(فمن طلبت منه على وجهها فليعطها، ومن طلبت منه على غير وجهها فلا يعطي)] وإنما يعطي الشيء الواجب عليه، ولا يلزم بالزائد، أما الواجب عليه فهو مستعد لبذله، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين أن الصدقات معروفة ومقاديرها معروفة يعرفها المصدق والمتصدق، العامل والمزكي، فإذا طلب منه شيئاً في حدود ما هو مشروع يعطيه، وإذا طلب منه أكثر مما هو مشروع ليس له أن يعطيه.

    تفصيل زكاة الإبل فيما دون خمس وعشرين

    بعدما ذكر أن من طلب الزكاة على وجهها يعط، ومن طلبت منه على غير وجهها لا يعط بدأ بالتفصيل قال: [(فيما دون خمس وعشرين من الإبل في كل خمس ذود شاة)].

    قوله: [(فيما دون خمس وعشرين من الإبل)] يعني: من أربع وعشرين فما دون؛ لأن خمساً وعشرين التي دونها أربع وعشرون، فأربع وعشرون فما دون خمس وعشرين، معناه: أن الزكاة إذا نقصت عن خمس وعشرين، ففي كل خمس شاة، وهذا فيه أن الزكاة من غير الجنس، لكن إذا كثر المال ووصل إلى خمس وعشرين يبدأ الإخراج من الجنس في كل خمس شاة، فإذا ملك خمساً من الإبل وحال عليها الحول يزكي، فإذا كانت أربعاً لا زكاة فيها، فالنصاب الأدنى الذي تخرج فيه الزكاة هو خمس من الإبل، وإخراج الزكاة من غير النوع ينفع الفقير ولا يضر الغني، ولو أخرج من الخمس واحدة فمعناه: أن خمس المال يخرج زكاة، وهذا فيه مضرة على الأغنياء، فشرعت الزكاة دون الخمس والعشرين على وجه ينفع الفقير ولا يضر الغني.

    والزكاة كلها فرضت على هذا النحو؛ لأن الزكاة شيء قليل من شيء كثير، لكن التفريق بين الإخراج من النوع ومن غير النوع، هذا هو المقصود منه.

    فإذا بلغت تسعاً فليس فيها إلا شاة واحدة، فإذا صارت عشراً يصير فيها شاتان، إلى أربع عشرة ما فيها إلا شاتان، فإذا بلغت خمس عشرة، ففيها ثلاث شياه إلى عشرين يكون فيها أربع شياه، إلى أربع وعشرين ما فيها إلا أربع شياه.

    تفصيل زكاة الإبل في خمس وعشرين فما فوقها

    فإذا بلغت خمساً وعشرين يبدأ يخرج من النوع، فيخرج بنت مخاض، وبنت المخاض هي: التي أكملت سنة من عمرها ودخلت في السنة الثانية، وقيل لها: بنت مخاض؛ لأن أمها في ذلك الوقت تحمل فتكون ذات حمل والماخض هي: الحامل، وسواء كانت أمها كذلك، أو ليست كذلك، لكن هذا وجه التسمية، فمن خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين كلها ما فيها إلا بنت مخاض، فإن عدم بنت المخاض يجزئه ابن لبون الذكر، وابن لبون هو: الذي أكمل السنة الثانية، ودخل في الثالثة؛ لأنه أمضى سنتين وبنت مخاض أمضت سنة، فيصير الفرق بين الذكر والأنثى أن الأنثى أحظ؛ لأنها تربى وتنمى وتلد بخلاف الذكر، لكنه يجوز إذا لم يجد بنت مخاض أن يدفع ابن لبون بدل بنت المخاض من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين.

    فإن زادت واحدة وصارت ستاً وثلاثين يكون فيها بنت لبون، وهي: التي أكملت السنة الثانية، ودخلت في الثالثة فقيل لها: بنت لبون؛ لأن أمها في الغالب تكون قد ولدت وصارت ذات لبن، فيقال لها: بنت لبون.

    ثم من ست وثلاثين إذا زادت واحدة عن خمس وثلاثين يكون فيها حقة طروقة الجمل، وهي: التي أكملت السنة الثالثة ودخلت في الرابعة، فصار عندها الأهلية لأن يطرقها الفحل إلى ستين، يعني: من ست وأربعين إلى ستين، وهنا يكون الفرق والوقص أكثر؛ لأن الفرضين السابقين الوقص فيهما إحدى عشرة أو عشر وأما هنا فمن ست وأربعين إلى ستين.

    فإذا زادت واحدة فصارت واحداً وستين يصير فيها جذعة، وهي: التي أكملت أربع سنوات ودخلت في السنة الخامسة يقال لها: جذعة.

    إلى خمس وسبعين ما فيها إلا جذعة، فإذا زادت واحدة وصارت ستاً وسبعين صار فيها بنتا لبون، ومن ست وسبعين إلى تسعين أيضاً مثل الذي قبله الفرق خمسة عشر، فإذا بلغت إحدى وتسعين يكون فيها حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت على مائة وعشرين يكون في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، معناه: مائة وعشرون يكون فيها حقتان، وهذا أطول وقص في الإبل، أو في زكاة الإبل من واحد وتسعين إلى مائة وعشرين ثلاثون، والوقص هو: ما بين الفرضين يقال له: وقص، وهو ما لا زكاة فيه؛ لأن زكاته مثل زكاة الحد الذي قبله الأدنى، يعني: من واحد وتسعين يبدأ حقتان إلى مائة وعشرين وفيه حقتان، فإذا زادت عليها واحدة إلى مائة وتسعة وعشرين يكون فيها ثلاث بنات لبون، ثم تستقر الفريضة في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، فإذا بلغت مائة وثلاثين تصير أربعين أربعين وخمسين، وفيها بنتا لبون وحقة، فإذا صارت مائة وأربعين يصير فيها حقتان وبنت لبون، خمسون وخمسون وأربعون، كل خمسين فيها حقة، وكل أربعين فيها بنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، كل خمسين فيها حقة إلى مائة وستين فيكون فيها أربع بنات لبون، إلى مائتين، فإذا بلغت مائتين يأتي عند ذلك الذي يمكن أن يدفع أربع حقاق، أو يدفع خمس بنات لبون؛ لأنك إذا ضربت أربعين في خمس تصير مائتين، وإذا ضربت خمسين في أربعة تصير مائتين أيضاً، تتساوى، هذا الذي يسمونه في الحساب المضاعف المشترك البسيط، وهو أقل عدد ينقسم على عددين بدون باقي، يعني: أقل عدد ينقسم على أربعين وخمسين ولا يبقى شيء هو مائتان، إن شاء عمل كذا، وإن شاء عمل كذا، وهكذا بعد ذلك تستمر.

    ثم بين عليه الصلاة والسلام إذا تباينت يعني: بأن كان الإنسان وجب عليه جذعة، ولكن ما عنده جذعة بل حقة، وكانت الجذعة هي التي تجب عليه؛ لأن إبله واحد وستون فأكثر، فيدفع الحقة ويدفع معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، وكذلك من وجبت عليه الحقة وليس عنده إلا بنت لبون فإنه يعطي بنت اللبون ومعها شاتان، أو يأخذ منه العامل الحقة ويعطيه الفرق؛ لأنه يجب عليه بنت لبون، أي: يأخذ منه الحد العالي ويعطيه الفرق، أو يأخذ منه الحد الأدنى ويعطي المتصدق الفرق، فإذا كان الواجب عليه بنت لبون وعنده حقة يأخذ الحقة ويعطيها المصدق؛ لأنه أخذ الحد الأعلى، وما عنده الحد الواجب، ولكن عنده الحد الذي دونه، فإنه يأخذ الحد الأدنى ويدفع المصدق للمالك شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، هذا إذا تباينت، أما إذا وجد السن المطلوب، فإنه يدفع بلا زيادة ولا نقصان، وليس معه شيء، وأما بالنسبة لبنت المخاض إذا وجدت فله أن يأخذ ابن لبون ذكراً، وليس معه شيء ولا يدفع شيئاً.

    قوله: [(فيما دون خمس وعشرين من الإبل في كل خمس ذود شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين، ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستة وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين، ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستاً وسبعين، ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين، ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة)].

    وهذا -كما قلت- هو أعلى وقص في زكاة الإبل، وهو الفرق بين النصابين؛ لأن من واحد وتسعين إلى مائة وعشرين ثلاثين، هذا أعلى شيء؛ لأن الذي مضى خمسة عشر أو عشر، والذي بعد كله على عشر؛ لأن كل خمسين فيها حقة، وكل أربعين فيها بنت لبون، فأعلى وقص هو هذا الوقص الذي يخرج فيه حقتان، وهو الذي يبدأ من واحد وتسعين، وينتهي بمائة وعشرين.

    قوله: [فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات، فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة وعنده جذعة، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو شاتين إن استيسرتا له، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وكان عنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهماً، أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون، وليست عنده بنت لبون وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه شيء، ومن لم يكن عنده إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها].

    يعني: هذا يرجع إلى الحد الأدنى؛ لأن الحد الأدنى الذي يجب فيه الزكاة هو خمس، وما نقص عن الخمس ليس فيه زكاة، فالأربع ما فيها زكاة؛ لأنها دون الخمس إلا أن يشاء ربها، كأن يقول: خذوا الزكاة ولو ما وجبت علي، أنا أريد أن أخرج شيئاً لله عز وجل، فهذا تؤخذ منه ولا يقال: لا نأخذ، فما دام أنه أخرج شيئاً غير واجب عليه وتبرع به فيقبل منه، ولو يتبرع بماله كله.

    تفصيل زكاة الغنم

    قوله: [(وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة)].

    هنا التنصيص بالسائمة؛ لأن الزكاة تجب في السائمة التي ترعى أكثر الحول، أما إذا كانت تعلف وينفق عليها صاحبها فهذه لا زكاة فيها إلا أن تكون معدة للتجارة، فتزكى زكاة عروض تجارة، فالحد الأدنى أربعون، فمن كان عنده تسع وثلاثون، هذه مثل الأربع من الإبل، فالأربع من الإبل لا زكاة فيها إلا أن يشاء المالك، وتسع وثلاثون ما فيها زكاة إلا أن يشاء المالك؛ لأن هذا دون النصاب، فإذا بلغ أربعين يبدأ يحسب الحول من اليوم الذي بلغت عنده أربعين، فإذا مضى الحول يخرج الزكاة، والزكاة هي شاة من الأربعين شاة، إلى مائة وعشرين ما فيها إلا شاة واحدة وهي ضعف الأربعين مرتين، فالذي عنده مائة وعشرون يؤخذ منه شاة، والذي عنده أربعون يؤخذ منه شاة، والذي عنده ثمانون يؤخذ منه شاة، هكذا جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن زادت واحدة على مائة وعشرين فصارت مائة وواحدة وعشرين يصير فيها شاتان، تنتقل من شاة إلى شاتين عند مائة وعشرين.

    قوله: [(فإذا زادت واحدة، ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة، ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة)].

    من مائة وواحد وعشرين إلى مائتين ما فيها إلا شاتان، فإذا زادت واحدة على المائتين انتقل إلى ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة فإذا زادت ففي كل مائة شاة شاة، يعني: أنه من مائتين وواحد إلى أربعمائة؛ لأنها إذا زادت عن هذا المقدار ففي كل مائة شاة، فأربعمائة فيها أربع شياه، وخمسمائة فيها خمس شياه، وألف فيها عشر شياه، وألفان فيها عشرون شاة، وهكذا في كل مائة شاة، فأطول وقص في الغنم هو هذا من مائتين وواحد إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين، ثم يكون في كل مائة شاة، معناه: أربعمائة فيها أربع شياه، فهذا الوقص الطويل، ما قال: فإن زادت واحدة إلى ثلاثمائة ففيها أربع شياه، بل قال: في كل مائة شاة، ومن المعلوم أن العدد الذي يكون فيه أربع شياه هو الأربعمائة؛ لأن كل مائة فيها شاة، فأطول وقص هو من مائتين وواحد إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين، فإذا بلغت أربعمائة يكون فيها أربع شياه، وخمسمائة فيها خمس شياه، وستمائة ست شياه، وسبعمائة سبع شياه وهكذا ألف شاة فيها عشر شياه.

    ما لا يؤخذ من الأنعام في الصدقة

    قوله: [(ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم، إلا أن يشاء المتصدق)].

    يقول: لا يؤخذ هرمة، ولا ذات عوار، لا يؤخذ هرمة وهي الكبيرة، ولا ذات عوار، وهي التي فيها عيب، يمكن أن يؤخذ من هذه إذا كانت كلها معيبة أو كلها هرمات؛ فإنه يؤخذ من جنسها، لكن كونه يؤخذ الرديء مع أن المال فيه جيد ورديء وفيه وسط فإنه لا يؤخذ الرديء، فإذا كانت هرمات أو كانت معيبة، فالزكاة منها، تكون من نفس المال، معيبة من معيبات، وهرمة من هرمات.

    قوله: [(ولا تيس الغنم)]، تيس الغنم هو: الفحل الذي يطرقها لحاجة صاحب الغنم إليه.

    [(إلا أن يشاء ربها)] أي: إذا أراد أن يخرجه فإنه يؤخذ منه، ولكن بموافقته، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا عيب، ولا تيس الغنم، إلا أن يشاء المتصدق.

    الأحكام المترتبة على الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع

    قوله: [(ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)]، الاجتماع والافتراق يمكن أن يكون من المصدق ومن المتصدق، المتصدق هو المالك، والمصدق هو العامل، المتصدق يكون الجمع والتفريق منه حتى تقل الزكاة، والمصدق يفرق ويجمع حتى تكثر الزكاة؛ لأن الزكاة تكثر بالتفريق وبالتجميع بالنسبة للمالك والمصدق؛ لأنها تكثر وتقل، فمن جانب المالك قد يريد من وراء التفريق والتجميع أن تقل الصدقة، والعامل يريد من وراء التجميع والتفريق أن تكثر الصدقة، فالملاك إذا كانوا خلطاء مثلاً عندهم عدد من الغنم، كأن يكون شخصان لكل واحد منهما عشرون شاة، ويجمعونها، وترعى الحول راعيها واحد، وموردها واحد، وحضيرتها واحدة، مكان اجتماعها ومبيتها، فإذا جاء المصدق الذي هو العامل عزل كل واحد نصيبه على حده، فيكون لواحد عشرون، والآخر عشرون، ولا يكون هناك زكاة؛ لأنه ما بلغ النصاب، لكن بقاءها على ما هي عليه، وهي أربعون مجتمعة، وحال الحول وهي كذلك، فإنها تزكى زكاة المال الواحد؛ لأن الخلط يصير المالين كالمال الواحد.

    فهنا يحصل التفريق خشية الصدقة، من المالك أو الملاك، حتى لا تكثر عليهم، كأن يكون لكل واحد مثلاً مائة وواحدة، فيجمعونها، ثم إذا جاء المصدق فرقوها، فصار كل واحد عنده مائة وواحدة، فيكون كل واحد عليه شاة، ولو كانت مجتمعة يكون فيها ثلاث شياه؛ لأن مائتين وواحدة فيها ثلاث شياه، فلما استقل كل واحد بنصيبه وعزل نصيبه، لم يكن عليه إلا شاة واحدة، فهذا تفريق من أجل قلة الصدقة، وذاك تفريق من أجل عدم الصدقة، الذي هو أقل من النصاب؛ لأنها أربعون، كل واحد له عشرون، فليس فيه زكاة، لكن مائة وواحدة، ومائة وواحدة، فيها زكاة ولكنها قلت، بدل ما كان لازمهم ثلاثة شياه، صار يلزم كل واحد شاة؛ لأن المائة وواحدة فيها شاة واحدة، ومائة وواحدة فيها شاة واحدة، فيكون فيها شاتان عليهما جميعاً، فهذا تفريق من أجل قلة الصدقة، وعشرون وعشرون تفريق من أجل عدم الصدقة.

    قوله: (لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة)، الجمع بين المتفرق بأن يكون خلطاء، يعني: كل واحد له أربعون، فإذا جمع بينها لم يلزم إلا شاة واحدة، فهم لو كانوا متفرقين يكون على كل واحد شاة، فلما اجتمعوا صارت عليهم شاة واحدة، فهنا جمع بين متفرق من أجل تقليل الصدقة، فهم كل واحد غنمه مستقلة، ثم لما جاء المصدق قالوا: إنهم شركاء خلطاء، فصارت مائة وعشرين لهم جميعاً، فهذا جمع بين متفرق، فيكون عليهم شاة واحدة، بدل ما يكون على كل واحد شاة، هذا تفريق وتجميع من الملاك، إما لأجل ذهاب الصدقة من أصلها، أو من أجل تقليلها، وعدم كثرتها حتى لا تكثر.

    وأما العامل فهو يجمع بين متفرق بأن يكون واحد عنده عشرون، وواحد عنده عشرون، فيقول: أنتم خلطاء، ويجمعها ويقول: عليكم شاة، وكل واحد ليس عليه شيء، وغالباً أن التفريق والتجميع إنما هو من الملاك؛ لأنهم هم الذين تحصل منهم الخلطة، بخلاف العامل؛ فإن كونه يجعلهم شركاء، وما هم بشركاء أو العكس، لا يستقيم ولا يتم، لكنه قد يحصل ويكون عن طريق الظلم، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة؛ لأن الخلطة تصير زكاة المالين زكاة مال واحد بخلطهما وجمعهما.

    قوله: [(وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)].

    يعني: إذا كان مثلاً ثلاثة أشخاص كل واحد عنده أربعون، وصاروا خلطاء، وحال الحول وهم على خلطتهم، وجاء المصدق وأخذ شاة واحدة من غنم واحد منهم، فإن هذا الذي أخذت شاته يرجع إلى شريكيه بثلثي قيمة الشاة؛ لأن ثلث القيمة عليه، والثلثان على شريكيه، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، يعني: أن الزكاة بينهم على قدر مالهم، وقد يكون المال مختلفاً، كأن يكون لواحد ثمانون، وواحد له أربعون، فيكون واحد عليه ثلثا الشاة، وواحد عليه ثلث الشاة.

    [(وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)]، سواء اتحد المقدار: مقدار نصيبيهما أو اختلف، فكل نصيبه من الزكاة على قدر نسبة ماله من بهيمة الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، [(وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)]، يعني: عند أخذ الزكاة من واحد منهم، فهو يرجع إلى شريكه، أو إلى شركاه بمقدار نصيب ذلك الشريك، أو أنصباء أولئك الشركاء.

    زكاة ما نقص عن النصاب إذا شاء رب المال ذلك

    قوله: [(إذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها)].

    [(فإذا كانت سائمة الرجل)]، الرجل هنا لا مفهوم له، فلا يعني أن الأنثى تختلف، ولكن لما كانت الأحكام غالباً تناط بالرجال، أتى التعبير بالرجال، وإلا فإن النساء أحكامهن أحكام الرجال، وهذا يأتي كثيراً في السنة: (لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه)، وكذلك المرأة، (من وجد ماله عند رجل قد أفلس، فهو أحق به من الغرماء)، وكذلك المرأة، فإذا وجد المال عند امرأة قد أفلست فصاحب المال أحق به من الغرماء، فإذا كانت سائمة الرجل أو المرأة تقل عن أربعين شاة فإنه لا زكاة فيها؛ لأنه ما بلغت النصاب؛ لأن النصاب أربعون، فإذا قلت عن الأربعين ولو شاة واحدة، ولو حال عليها الحول، فإنه لا زكاة فيها، لكن من عنده تسعة وثلاثون في اليوم الذي تكمل فيه أربعين، إما بولادة واحدة منها، أو بإضافة واحدة من الخارج إليها، عند ذلك يبدأ يحسب الحول إذا كملت الأربعين، فإذا نقصت عن الأربعين فإنه لا زكاة، هذا بالنسبة للنصاب الأول الذي هو الحد الأدنى، لكن الأنصبة الثانية التي تأتي بعد الأول، هذه لا يشترط أن يحول الحول عليها؛ لأن نتاج السائمة وربح التجارة تبع للأصل، فلو أن واحداً عنده أربعون فحال عليها الحول، وتنامت وصارت مائة وعشرين، ثم قبل أن يأتي المصدق بيوم واحد ولدت واحدة فصارت مائة وواحداً وعشرين، فإنه يؤخذ منه شاتان؛ لأن السخلة تعد ولا تؤخذ، تعد في الأنصبة الثانية، أما النصاب الأول فإنه لا يحسب الحول إلا إذا جاء وإذا وجد، أما الأنصبة الثانية فإنه لا يحول الحول عليها، ما دام أن النصاب الأول موجود -وهو الأساس- فإن الأنصبة الثانية أو المقادير الأخرى التي بعد النصاب الأول لا يشترط أن يحول الحول عليها، بل نتاج السائمة تبع لأصلها، كما أن ربح التجارة تبع لأصله.

    الإنسان إذا كان عنده مثلاً عشرة آلاف ريال، ثم لما حال الحول صارت عشرين ألف ريال، يزكي العشرين ألف ريال، يزكي الأصل والربح، رأس المال والربح؛ لأن الربح تبع للأصل، ونتاج السائمة تبع للأصل، فهنا يقول: إذا نقصت عن الأربعين السائمة شاة واحدة فلا زكاة فيها؛ لأنها ما بلغت النصاب.

    قوله: [(إلا أن يشاء ربها)].

    الذي عنده تسعة وثلاثون لو قال أنا سأخرج، بل لو قال: خذوها كلها فليأخذوها، ما دام أنه متصدق، وما دام أنه محسن، وما دام أنه متبرع وليس متقيداً بالواجب، وإنما يقول: أنا أريد أن أخرج لله، يؤخذ منه، وهو لا يجب عليه، لا يطالب به، مثل ما مر في الأربع من الإبل، فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربها؛ لأن الخمس هي الحد الأدنى، فإذا أخرج عن ما دون الخمس بطوعه واختياره يؤخذ منه، والأربعون هي الحد الأدنى من الغنم، فإذا نقصت عن ذلك وأخرج صاحبها شيئاً مما عنده تبرعاً وتطوعاً، وليس أمراً واجباً، فإنه يقبل منه.

    زكاة الفضة وإخراج زكاة ما دون النصاب منها إذا أراد المالك

    قوله: [(وفي الرقة ربع العشر)].

    الرقة هي: الفضة، مقدار الزكاة فيها ربع العشر، يؤخذ من المال إذا بلغ نصاباً وأكثر، وحال عليه الحول، هذا مقدار زكاة الورق الذي هو الفضة، فيخرج جزء من أربعين جزءاً، وسهماً من أربعين سهماً.

    [(فإن لم تكن إلا تسعين ومائة درهم فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها)].

    مر في الحديث: [(وليس فيما دون خمس أواق صدقة)]، والخمس أواق هي مائتان، وهنا مقدار بين التسعين والمائتين، هذا داخل تحت عموم قوله: [( ليس فيما دون خمس أوسق صدقة )]، وهذا الحديث يفيد أن مائة وتسعين ليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربها، والمقدار الذي بين التسعين والمائتين ليس فيه شيء، فلماذا نص على أنه تسعون ولم يقل: مائة وتسع وتسعون؟ قالوا: لأن هذا هو آخر عقد تحت المائتين، وهي تذكر بالعقود، لكن لا يعني هذا أن ما بين العقدين ليس فيه شيء، ما بين العقدين فيه شيء، بل نص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: [( وليس فيما دون خمس أواق صدقة )]؛ لأن مائة وتسعاً وتسعين هي دون خمس أواق؛ لأن الأواق إذا كملت مائتين صارت خمس أواق، فإذاً ذكر المائة والتسعين لا مفهوم لها من حيث الزيادة، بمعنى: أن ما وراءها فيه زكاة؛ لأن حديث: [( ليس فيما دون خمس أواق صدقة )]، يدل على أن كل ما تحت المائتين لا زكاة فيه، ولكن ذكرت المائة والتسعون؛ لأنها عقد؛ لأن العقود هكذا: مائة وعشرة، مائة وعشرون، مائة وثلاثون، مائة وأربعون، هذه عقود؛ لأن العقد عشرة، فذكر آخر عقد تحت المائتين، وهو المائة والتسعون، فلا يعني أن ما زاد عليه يكون فيه زكاة، أي: بين التسعين والمائتين؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: [(ليس فيما دون خمس أواق صدقة )]، يدل على أنه لا شيء فيه.

    تراجم رجال إسناد حديث: كتاب أبي بكر لعماله بفرائض الصدقة

    قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ].

    هو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.

    [ حدثنا المظفر بن مدرك ].

    هو المظفر بن مدرك ، أبو كامل، ثقة متقن، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي ، كذا الترمذي والنسائي.

    [ حدثنا حماد بن سلمة ].

    هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    وقد ذكر هنا أنه أخذ الكتاب من [ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك]، وجاء في مسند إسحاق بن راهويه أنه قرأه عليه، ومعنى هذا أنه أخذ الكتاب وسمعه منه، وقد جاء في صحيح البخاري من طريق أخرى، ليس من طريق حماد بن سلمة، وإنما من طريق عبد الله بن المثنى الأنصاري عن ثمامة ، فصار له طريق أخرى، غير طريق حماد ، في صحيح البخاري في طريق عبد الله بن المثنى الأنصاري عن ثمامة بن عبد الله بن أنس فهي طريق أخرى، وثمامة صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحديث يكون من مسند أنس عن أبي بكر؛ لأن أنساً أخذ هذا الكتاب من أبي بكر، وأبو بكر قال: إنها الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، فهو من مسند أبي بكر رضي الله عنه، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه هو عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة، ومشهور بكنيته: أبو بكر، وأبوه مشهور بكنيته: أبو قحافة، وهو خير من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته على رسله، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وهو الخليفة الأول الذي قام بالأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير قيام، وعمل على إرجاع المرتدين إلى ما كانوا عليه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومناقبه كثيرة جمة، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر أمره وفي آخر حياته وقبل أن يموت بخمس: ( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً )، فهي منقبة لا يدانيه فيها أحد، ولا يساويه فيها أحد؛ لأنها لم تكن، ولو كانت لأحد من الناس لكان الأحق بها والأولى بها أبا بكر، فهذا بيان لعظيم منزلته وعظيم شأنه، وأنه المقدم على غيره رضي الله تعالى عنه وأرضاه.