إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصيام
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الصيام - باب ذكر الاختلاف في خبر ثواب قيام رمضان وصيامه - باب فضل الصيام والاختلاف على أبي إسحاق في حديث علي في ذلك

شرح سنن النسائي - كتاب الصيام - باب ذكر الاختلاف في خبر ثواب قيام رمضان وصيامه - باب فضل الصيام والاختلاف على أبي إسحاق في حديث علي في ذلكللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الشرع الحكيم فضل صيام وقيام رمضان إيماناً واحتساباً كما بين عظم الصوم وأجره.

    1.   

    ذكر اختلاف يحيى بن أبي كثير والنضر بن شيبان فيه

    شرح حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً ...) من طريق ثالثة عشرة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر اختلاف يحيى بن أبي كثير والنضر بن شيبان فيه.

    أخبرني محمد بن عبد الأعلى ومحمد بن هشام وأبو الأشعث واللفظ له، قالوا: حدثنا خالد عن هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه حدثني أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)].

    فهذه طرق أخرى في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، المشتمل على بيان فضل قيام رمضان، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، والحديث عن أبي هريرة قد مر من طرق عديدة، وهذه من الطرق التي ورد بها هذا الحديث، والكلام فيه كالكلام فيما تقدم: (من قام رمضان إيماناً)، أي: تصديقاً، واعتقاداً بما ورد فيه من الترغيب، ومن الفضل، واحتساباً، طلبا للأجر، والثواب من الله سبحانه وتعالى، (غفر له ما تقدم من ذنبه)، ومن المعلوم أن المغفرة في مثل هذا إنما هي للصغائر، وأما بالنسبة للكبائر، فإنه لا بد فيها من التوبة، والله تعالى يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، أي: الصغائر، وكذلك ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام: (العمرة إلى العمرة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارةٌ لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فالكبائر تحتاج إلى توبة يتوب الإنسان منها، و(التوبة تجب ما قبلها)، ومن تاب تاب الله عليه.

    وكذلك قوله: [(من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)]، وهي ليلة من رمضان، بل هي ليلة من العشر الأواخر من رمضان، وهي داخلة تحت قيام الليل الذي مر (من قام رمضان إيماناً، واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، يدخل في ذلك ليلة القدر، لكنه نص عليها على سبيل الإفراد بعد أن كانت داخلة ضمن ليالي الشهر؛ للتنويه بشأنها، ولعظيم شأنها، وقد جاء بيان فضلها في القرآن الكريم، وأنها خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، وألف شهر تعادل ثلاثة وثمانين سنة، فهي تعادل عمراً طويلاً، وهذا يدل على عظم شأن هذه الليلة، وهي ليلة واحدة من ليالي شهر رمضان، بل من ليالي العشر الأواخر من رمضان.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً ...) من طريق ثالثة عشرة

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].

    هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    محمد بن هشام].

    هو ابن أبي خيرة، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.

    أبو الأشعث].

    هو أحمد بن المقدام، وهو صدوق، أخرج له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [واللفظ له].

    أي: لـأبي الأشعث الذي هو الأخير من الثلاثة؛ لأن للنسائي في هذا الحديث ثلاثة شيوخ، والأخير منهم هو: أبو الأشعث أحمد بن المقدام، واللفظ له، أي: اللفظ المسوق إنما هو لـأحمد بن المقدام، وأما الشيخان الأول والثاني، فهذا ليس لفظهما، ولكنه بالمعنى.

    [حدثنا خالد].

    هو خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن هشام].

    هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي سلمة].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة، فقيه، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.

    [عن أبي هريرة].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    حديث: (من قام شهر رمضان إيماناً واحتساباً ...) من طريق رابعة عشر وتراجم رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمود بن خالد عن مروان أخبرنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قام شهر رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)].

    ثم أورد النسائي الحديث عن أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الطريق السابقة يعني متنها هو نفس المتن.

    قوله: [أخبرنا محمود بن خالد].

    هو محمود بن خالد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن مروان].

    وهو ابن محمد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [أخبرنا معاوية بن سلام].

    هو معاوية بن سلام الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة].

    وقد تقدم ذكرهم.

    شرح حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً ...) من طريق خامسة عشرة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا الفضل بن دكين أخبرنا نصر بن علي حدثني النضر بن شيبان: (أنه لقي أبا سلمة بن عبد الرحمن فقال له: حدثني بأفضل شيءٍ سمعته يذكر في شهر رمضان؟ فقال أبو سلمة: حدثني عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه ذكر شهر رمضان ففضله على الشهور، وقال: من قام رمضان إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب: أبو سلمة عن أبي هريرة].

    أورد النسائي حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، في رواية ابنه أبي سلمة عنه، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، وهذا لفظ آخر غير اللفظ المتقدم؛ لأن اللفظ المتقدم: (غفر له ما تقدم من ذنبه)، وهنا: (خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه).

    تراجم رجال إسناد حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً ...) من طريق خامسة عشرة

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو ابن مخلد بن راهويه الحنظلي، ثقة، فقيه، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئا.

    [عن الفضل بن دكين].

    هو أبو نعيم مشهور بكنيته، ويأتي باسمه كما هنا، ولكن أكثر ما يأتي ذكره بالكنية أبو نعيم، وهو من كبار شيوخ البخاري، وهنا يروي عنه النسائي بواسطة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وقد وصف بالتشيع، ولكن نقل الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح عن بعض العلماء عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أنني سببت معاوية. وهذا يدل على سلامته من التشيع؛ لأن سب معاوية، وشتم معاوية هذا من أسهل الأشياء عند الشيعة، بل حتى الزيدية الذين هم أهون الشيعة، وأخف من الرافضة بكثير، يتفقون معهم على سب معاوية، وإن كانوا لا يسبون الشيخين أبا بكر، وعمر، والرافضة يسبونهم، إلا أن معاوية سبه أمر مشترك بين هذه الفرق الضالة، وكلام أبي نعيم الفضل بن دكين الذي نقل عنه يدل على سلامته من التشيع؛ لأنه كونه يقول: ما كتبت علي الحفظة أنني سببت معاوية. يدل على سلامته؛ لأن الشيعة لا يسلمون من سب معاوية، ومن القدح في معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأبو نعيم الفضل بن دكين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن نصر بن علي].

    هو ابن صهبان الجهضمي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة، ويتفق معه في الاسم واسم الأب حفيده، نصر بن علي بن نصر بن علي الذي يأتي في شيوخ النسائي، فهو حفيد لهذا، يعني ابن ابن، واسمه مع اسم أبيه مكرر؛ لأنه نصر بن علي بن نصر بن علي، والذي معنا هو الجد، وأما الذي يأتي في شيوخ النسائي وغيره في طبقة متأخرة، فهو الحفيد نصر بن علي بن نصر بن علي.

    وقوله: [أنا] يعني أخبرنا، وعلى كلٍ بعض العلماء لا يفرق بين حدثنا وأخبرنا، ومنهم من يفرق بين حدثنا وأخبرنا، فيستعمل حدثنا في السماع وأخبرنا في العرض، والقراءة على الشيخ، ومنهم من يسوي بينهما، ويأتي بهما على حد سواء.

    [عن النضر بن شيبان].

    لين الحديث، وأخرج حديثه النسائي، وابن ماجه.

    [عن أبي سلمة].

    وقد مر ذكره.

    [عن عبد الرحمن].

    هو عبد الرحمن بن عوف صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة الذين بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة في حديث واحد فسردهم فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وطلحة بن عبيد الله في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة)، سردهم في حديث واحد عشرة، ولهذا يقال لهم: العشرة المبشرون بالجنة، ولا يعني أنه لم يبشر بالجنة أكثر من العشرة، بل هناك غيرهم بشر، ومنهم بلال، والحسن، والحسين، وفاطمة، وثابت بن قيس بن شماس، وعكاشة بن محصن، وعدد كبير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بشروا بالجنة، لكن أطلق لقب العشرة على هؤلاء العشرة؛ لأنهم بشروا بالجنة في حديث واحد، سردهم النبي صلى الله عليه وسلم واحداً واحداً، كل واحد منهم قال عنه على سبيل الخصوص: فلان في الجنة، وفلان في الجنة، حتى سرد العشرة، وكل واحد يقول: إنه من أهل الجنة، فقيل لهم: العشرة المبشرون بالجنة.

    ثم قال النسائي: [هذا خطأ، والصواب: عن أبي سلمة عن أبي هريرة]؛ لأن المحفوظ أن الحديث أو رواية أبي سلمة إنما يروي عن أبي هريرة، يعني هذا الحديث، ثم المتن فيه: (خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، وهذا ليس متفقاً مع ما مر في الروايات التي تقدمت، والحديث ضعفه الشيخ الألباني، ولعله بسبب النضر بن شيبان.

    حديث: (من صامه وقامه إيماناً واحتساباً) من طريق سادسة عشرة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر بن شميل أخبرنا القاسم بن الفضل حدثنا النضر بن شيبان عن أبي سلمة: فذكر مثله، وقال: (من صامه وقامه إيماناً واحتساباً)].

    ثم ذكر الحديث من طريق آخر وهو حديث عبد الرحمن بن عوف، وهو مثل ما تقدم، وإنما فيه: (من صامه وقامه إيماناً واحتساباً)، يعني: ذكر الصيام والقيام مع بعض.

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    قد مر ذكره.

    [أخبرنا النضر بن شميل].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرنا القاسم بن الفضل].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن النضر بن شيبان عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف].

    وقد مر ذكرهم.

    شرح حديث: (... فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً ...) من طريق سابعة عشرة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا أبو هشام حدثنا القاسم بن الفضل حدثنا النضر بن شيبان أنه قال: قلت لـأبي سلمة بن عبد الرحمن: حدثني بشيء سمعته من أبيك سمعه أبوك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليس بين أبيك وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد، في شهر رمضان، قال: نعم، حدثني أبي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله تبارك وتعالى فرض صيام رمضان عليكم، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامة إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)].

    أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم، إلا أن في أوله ذكر فرض الله عز وجل الصيام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سن القيام، أي: رغب فيه، وحث عليه، كما مر في بعض الروايات: أنهم كان يرغبهم من غير عزيمة أمر فيه، بل هو يخاف، وكان يخشى أن يفرض عليهم، فلم يواصل بهم الصلاة، وقد صلى بهم عدة أيام في آخر الشهر، وترك خشية أن يفرض عليهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو سنة من السنن المستحبة التي سنها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو من هديه عليه الصلاة والسلام، ولكنه ليس واجباً، وإنما هو مستحب.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً ...) من طريق سابعة عشرة

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].

    هو المخرمي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.

    [حدثنا أبو هشام].

    هو المغيرة بن سلمة، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقا، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ما خرج له الترمذي، ولا البخاري في الأصل، وإنما خرج له في التعاليق.

    [عن القاسم بن الفضل عن النضر بن شيبان عن أبي سلمة عن عبد الرحمن].

    وقد مر ذكر هؤلاء الأربعة.

    والطرق الثلاث كلها تدور على النضر بن شيبان، وهو لين الحديث كما قال الحافظ ابن حجر.

    1.   

    فضل الصيام والاختلاف على أبي إسحاق في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذلك

    شرح حديث: (إن الله تبارك وتعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزي به ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل الصيام والاختلاف على أبي إسحاق في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذلك.

    أخبرني هلال بن العلاء حدثني أبي حدثنا عبيد الله عن زيد عن أبي إسحاق عن عبد الله بن الحارث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن الله تبارك وتعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: حين يفطر وحين يلقى ربه، والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)].

    أورد النسائي فضل الصيام، وأورد فيه حديث علي وغيره رضي الله تعالى عنهم، وبدأ بحديث علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال.. أي: في الحديث القدسي: (الصوم لي وأنا أجزي به وللصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربه، والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).

    هذا يشتمل على فضل الصيام من عدة وجوه في قوله: (الصوم لي)، كون الله عز وجل يقول: (الصوم لي)، ومن المعلوم أن الأعمال كلها لله عز وجل الصوم وغير الصوم، لكن التنصيص على الصوم وإضافته إلى الله عز وجل يدل على عظم شأنه، لذلك خصه بالإضافة إليه مع أن الأعمال كلها لله عز وجل، وما ينفع أي عمل من الأعمال إلا إذا أريد به وجه الله، ودين الإسلام مبني على قاعدتين: الإخلاص والمتابعة؛ تجريد الإخلاص لله وحده، وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، فأي عمل من الأعمال هو لله سبحانه وتعالى، ولا ينفع أي عمل يتقرب به إلى الله عز وجل إلا إذا كان خالصاً لوجه الله، ومطابقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً ففائدة إضافته إلى الله عز وجل، مع أن الأعمال كلها له ولا يكون منها شيء لغيره، ذلك أن الصيام يختلف عن غيره؛ لأنه من الأمور الخفية التي تنبني على النية، والعمل الخفي، بخلاف الأعمال الأخرى مثل الصلاة، فإنها واضحة، فإنها أعمال وحركات تظهر للناس، ومشروعة في المساجد، والذي يذهب للمساجد يعرف أنه يصلي، وكذلك الزكاة أيضاً ظاهرة، ولو لم يعلم عنها إلا الفقراء الذين تعطى لهم، فإنه يطلع عليها من شاء الله من الناس، ويعرفها بعض الناس، فإذاً: هي من الأمور الظاهرة التي يطلع عليها الناس، الحج فيه سفر، وانتقال إلى مكة، ووقوف في مشاعر، أما الصوم فإنه من الأمور الخفية، ولهذا قالوا: إنه يبعد فيه الرياء، بخلاف غيره مما يظهر.

    ثم أيضاً الصيام كما أنه مما يخشى فيه الرياء، فأيضاً هو من الأمور التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، فقد يكون الإنسان مفطراً، والناس يظنون أنه صائم، يكون في شهر رمضان مفطراً -والعياذ بالله- والناس يظنون أنه صائم؛ لأنه أمر خفي يدخل في بيته ويأكل، ويشرب لا يطلع عليه إلا الله عز وجل، وقد يكون صائماً متنفلاً، ولا أحد يدري عنه، ولا أحد يعلم عنه، قالوا: فهو أبعد ما يكون عن الرياء، فلهذا قال الله عز وجل: الصوم لي، وهو يجزي عليه، ويثيب عليه بغير حساب، وهذا يدلنا على فضل الصوم، كون الله عز وجل يضيف الصوم إليه، وهذه الإضافة تدل على تعظيم شأنه، وعلى تمييزه على غيره.

    ثم قال: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)، الصائم يفرح فرحتين: إحداهما عندما يفطر، لماذا يفرح؟ لأنه أدى عملاً يتقرب به إلى الله عز وجل، فهو يفرح؛ لأن الله وفقه لأن يؤدي هذا العمل الصالح، وهو ينتهي عند الإفطار، فإذا جاء الإفطار معناه أنه أدى العمل المشروع، أو العمل المفروض، فهو يفرح؛ لأنه أدى عمله، وكلما يصوم الإنسان يوم من رمضان، ويأتي عند الإفطار، فإنه يفرح؛ لأنه وفق بأن أكمل صيام ذلك اليوم، فإذا أكمل الشهر وصام رمضان كله، وأفطر في آخر يوم من رمضان، تكون الفرحة أكبر؛ لأنه صام الشهر كله، ولهذا شرع الله عز وجل للناس بعد أن يتموا شهر الصيام عبادتين، كل منهما مضاف إلى الفطر، وهما: زكاة الفطر وعيد الفطر؛ لأن زكاة الفطر من أجل شكر الله عز وجل على صيام رمضان، والانتهاء منه حتى أنهاه، وأفطر في آخر يوم منه وقد أكمله، فيقال للزكاة: زكاة الفطر؛ لأنها شكر لله عز وجل على هذه النعمة، وهي نعمة التوفيق للصيام، حيث أكمله الإنسان وأتمه، فهو يتصدق بهذه الصدقة الواجبة المفروضة اللازمة شكراً لله عز وجل على هذه النعمة، ثم أيضاً فيها إغناء للفقراء في ذلك اليوم الذي هو فرح، وسرور، فلا يكونون مشغولين في البحث عن أكل، بل عندهم الأكل، وكل مسلم يجب عليه أن يخرج زكاته صاعاً من قوت البلد، ومن الطعام الذي يؤكل في البلد.

    العبادة الثانية: عيد الفطر، وهي أن الناس يصلون صلاة العيد، وقيل له: عيد الفطر؛ لأنه منسوب إلى إكمال الصيام، وإلى الفطر من رمضان، فيفرح الإنسان عند فطره، لا يفرح؛ لأنه حصل الأكل والشرب، ووصل إلى حد أنه يأكل ويشرب، وإنما يفرح؛ لأنه أدى عبادة، ووفقه الله عز وجل لأدائها.

    الفرحة الثانية: وهي عند لقاء الله عز وجل، يفرح؛ لأن الله تعالى يثيبه، ويجد ثواب الله عز وجل على هذا العمل الصالح.

    فإذاً فرحة دنيوية، وفرحة أخروية، فرحة دنيوية بإكمال العمل الصالح، وفرحة أخروية في الآخرة، عندما يلقى الجزاء على هذا العمل الصالح، ولهذا جاء في الحديث: أن بعض الأعمال يكون لها باب من أبواب الجنة باسم ذلك العمل، باب الصلاة، باب الجهاد، إلا الصيام فإنه لا يقال له: باب الصيام، وإنما يقال له: باب الريان؛ لأنه يشعر بالري الذي هو ضد العطش؛ لأن الذي صام عطش نفسه، وأظمأها لله عز وجل، فالله تعالى يثيبه بأن يدخل من باب يقال له: الريان، فيه ما يقابل العطش، وما يقابل الظمأ، إنما فيه الري الذي هو يقابل الظمأ والعطش، فهذا من الثواب الذي يثيب الله عز وجل عليه الصائمين، يدعى الصائمون من باب الريان، فهذه إشارة إلى أن الذي أظمأ نفسه لله وعطشها لله، يجازى بأن يدخل من هذا الباب الذي هذا اسمه، وما يحصل له عطش، ولا يناله عطش، وإنما يحصل الري، ومن المعلوم أن من دخل الجنة يحصل الخير الذي فيها، وكفى لمن وفقه الله عز وجل أن يدخلها، كفى ذلك فضلاً وثواباً، لكن الله عز وجل جعل لكل عمل ثواباً، وجعل أجر الصيام أن يدخل أو يدخل أصحابه من هذا الباب الذي لا يسمى باب الصيام، ولكنه يسمى باب الريان.

    فإذاً هناك فرحتان: فرحة عند الإفطار؛ لأن الإنسان أتم عملاً صالحاً يرجو ثوابه عند الله عز وجل، ويفرح الفرحة الكبرى عندما يلقى الله عز وجل، فيجازيه على هذا العمل الصالح الذي هو الصيام.

    ثم وهذا يدل على فضل الصيام؛ لأن هذه أيضاً جملة أخرى تدل على فضل الصيام.

    الجملة الثالثة: (والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، والخلوف هو: الرائحة التي تنبعث من الجوف بسبب الامتناع عن الأكل والشرب، وهي رائحة متغيرة، فهي غير مستحسنة عند الناس؛ لأن فيها انحباساً وامتناعاً عن الأكل والشرب، فيتغير ما ينبعث من الجوف، وهذه الرائحة الغير مستحسنة شأنها عظيم عند الله عز وجل، وهي أطيب عند الله من ريح المسك، ويوضح هذا ما جاء في الحديث عن المقتول في سبيل الله أنه: (يأتي يوم القيامة جرحه يثعب دماً، اللون الدم، والريح ريح المسك)؛ لأن منظر خروج الدم، والذي لا تميل إليه النفوس، يجعله الله عز وجل على هذه الهيئة، (اللون لون الدم، والريح ريح المسك)؛ لأنه حصل بسبب التقرب إلى الله عز وجل، والجهاد في سبيل الله، فوجد ذلك الدم بهذه الطريقة، فكان شأنه عند الله عظيم، وكذلك الصيام الذي هو امتناع عن الأكل، والشرب، ويتغير رائحة الفم بسبب ذلك، شأنه عظيم عند الله، فكما أن لون الدم غير مستحسن، ومع ذلك يكون عند الله عظيم، فكذلك هذه الرائحة التي هي غير مستحسنة هي شأنها عند الله سبحانه وتعالى عظيم، (والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، وهذا يدل على فضل الصيام أيضا.

    إذاً ثلاث جمل كلها تدل على فضل الصيام: (الصوم لي وأنا أجزي به)، أي: أن الله يثيب عليه بغير حساب، وأن الله تعالى أضافه إلى نفسه.

    والثانية: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)، وهي تدل على فضل الصيام.

    والثالثة: (والذي نفسه بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، وهي أيضا دالة على فضل الصيام. وهذه الجملة استدل بها بعض العلماء على أن الإنسان لا ينبغي له أن يستاك في آخر النهار، قالوا: لأن السواك يغير رائحة الفم، فتكون طيبة، ويذهب أثر الخلوف الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، هكذا قال بعض أهل العلم، ولكن الصحيح أن الاستياك جائز ومشروع للصائم في جميع أوقات النهار، وحتى آخر النهار، وقد جاء ما يدل على أن الاستياك يكون مطلقا في النهار في حق الصائم، ولو كان في آخر النهار، والدليل على ذلك الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، فإن قوله: (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، هذا يشمل الصيام وغير الصيام، ومن المعلوم أن صلاة العصر هي في آخر النهار، وداخلة تحت هذا الحديث، (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، ومن ذلك صلاة العصر في حق من هو صائم.

    ثم أيضا قضية أنه يذهب الخلوف، الرائحة الموجودة وإن حصل التغير، فالثواب عند الله عز وجل، وإن حصل شيء يحسن رائحة الفم، ولكن شأنها عند الله عظيم، فالحديث يدل على فضل الصيام بجمله الثلاث. والحديث قدسي من الأحاديث القدسية؛ لأن أوله قول الله عز وجل: (الصوم لي وأنا أجزي به)، فهو حديث قدسي.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله تبارك وتعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزي به ...)

    قوله: [أخبرني هلال بن العلاء].

    هو هلال بن العلاء بن هلال، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن أبي].

    هو العلاء بن هلال، وهو فيه لين وحديثه أخرجه النسائي وحده.

    [حدثنا عبيد الله].

    هو عبيد الله بن عمرو الرقي، وهو ثقة ربما وهم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن زيد].

    هو زيد بن أبي أنيسة الجزري، وهو ثقة له أفراد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي إسحاق].

    هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن الحارث].

    هو عبد الله بن الحارث بن نوفل، وقيل: له رؤية، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على توثيقه، يعني إذا كان ما ثبتت الرؤية له فهو مجمع على توثيقه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن علي بن أبي طالب].

    رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أبو الحسنين، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصهره على ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهو رابع الخلفاء الراشدين، الهاديين، المهديين، ومناقبه جمة، وفضائله كثيرة، وقد جاء في الكتب الستة وغيرها أحاديث كثيرة تدل على فضله، ونبله رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد شاء الله عز وجل أن يكون الخلفاء الراشدون الأربعة، أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم أصهاره، فـأبو بكر صهره أبو زوجته، فالرسول تزوج منه، وعمر كذلك أيضا، تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم، ابنته حفصة، فالأولان تزوج منهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهما أصهاره، والآخران وهما عثمان، وعلي تزوجوا من بنات الرسول صلى الله عليه وسلم، فـعثمان تزوج رقية، ثم ماتت في عصمته، فزوجه الرسول صلى الله عليه وسلم بعدها أختها أم كلثوم؛ ولهذا يقال له: ذو النورين؛ لأنه تزوج ابنتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوج إحداهما بعد الأخرى، وعلي تزوج فاطمة، فالأربعة الخلفاء الراشدون هم أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الأولان تزوج منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخران تزوجا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة أجمعين.

    شرح حديث: (إن الله تعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزي به ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال عبد الله: قال الله عز وجل: (الصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحةٌ حين يلقى ربه، وفرحةٌ عند إفطاره، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)].

    ثم أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، ولكنه موقوف على عبد الله بن الحارث، ليس فيه ذكر علي رضي الله تعالى عنه، والمتن هو نفس المتن، الجمل الثلاث التي مرت في حديث علي جاءت في هذا الموقوف على عبد الله بن الحارث بن نوفل.

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].

    هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا محمد].

    محمد هنا غير منسوب، وهو محمد بن جعفر الملقب غندر، وإذا جاء محمد بن بشار يروي عن محمد غير منسوب وهو أيضا يروي عن شعبة، فالمراد به محمد بن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي إسحاق].

    وقد مر ذكره.

    [عن أبي الأحوص].

    هو عوف بن مالك، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وأبو الأحوص يطلق على شخصين كل منهما يقال: أبو الأحوص، إلا أن هذا طبقته متقدمة، وأبو الأحوص سلام بن سليم هذا طبقته متأخرة، وكل منهما يقال له: أبو الأحوص، وهو مشهور بكنيته، فإذا جاء أبو الأحوص متقدم فهو هذا عوف بن مالك، وإذا جاء متأخراً فهو سلام بن سليم الحنفي، وكل منهما ثقة.

    وهذه الكنية تطلق على هذين الشخصين وقد خرّج لهما أصحاب الكتب الستة أو معظمهم، ويوجد في الكتب الستة من كنيته أبو الأحوص غير هذين لكن حديثه في أحد الكتب الستة أو بعضها كـأبي الأحوص الحنفي وأبي الأحوص الشامي وغيرها.

    [عن عبد الله].

    هو ابن الحارث الذي تقدم.