إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الصيام - (باب الفضل والجود في شهر رمضان) إلى (باب ذكر الاختلاف على الزهري في خبر فضل شهر رمضان)

شرح سنن النسائي - كتاب الصيام - (باب الفضل والجود في شهر رمضان) إلى (باب ذكر الاختلاف على الزهري في خبر فضل شهر رمضان)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أبانت السنة المطهرة فضل رمضان وأنه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار؛ ولذلك كان رسول الله أجود ما يكون في رمضان، وكان جبريل يدارسه القرآن كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبل موته صلى الله عليه وسلم دارسه جبريل القرآن مرتين.

    1.   

    الفضل والجود في شهر رمضان

    شرح حديث: (كان رسول الله أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفضل والجود في شهر رمضان.

    أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من شهر رمضان فيدارسه القرآن، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب الفضل والجود في رمضان، أي: استحباب ذلك في شهر رمضان؛ وذلك لأن شهر رمضان زمن فاضل، فالأعمال الصالحة تكون فيه فاضلة، وقد جاء فيما يتعلق بالجود والكرم في رمضان حديث ابن عباس الذي أورده النسائي، وهو في الصحيحين وفي غيرهما: أن ابن عباس رضي الله عنه، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس)، فهو صلى الله عليه وسلم متصف بهذه الصفة، وهي الجود والكرم، فهو أجود الناس على الإطلاق عليه الصلاة والسلام، لا يماثله أحد، ولا يدانيه أحد، وأعماله صلى الله عليه وسلم وسخاؤه وكرمه، والأحاديث الكثيرة التي جاءت دالة على ذلك تبين هذا المعنى، فإنه كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ومن ذلك قصة الرجل الذي أعطاه غنماً بين جبلين لكثرتها، وذهب إلى قومه وقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وكذلك ما كان يتصف به من إعطاء من سأله، وأنه كان لا يرد سائلاً، ومن ذلك قصة الرجل الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام البردة التي أهديت للرسول صلى الله عليه وسلم، فلبسها وهو محتاج إليها، فسأله إياها، وكان لا يرد سائلاً، فدخل منزله وخلعها وطواها، وأعطاها إياه، فلام بعض أصحابه ذلك هذا الشخص على كونه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: إنما سألته إياها لتكون كفني، فكانت كفنه.

    والحاصل: أن الرسول عليه الصلاة والسلام اتصف بكل صفات الكمال التي تليق بالإنسان، فللرسول صلى الله عليه وسلم منها الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر، فهو أشجع الناس، وأجود الناس، وأنصح الناس للناس، وكل صفات تليق بالمخلوقين فللنبي عليه الصلاة والسلام منها أوفر الحظ والنصيب، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وابن عباس رضي الله عنه أراد أن يبين ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الجود والكرم في رمضان، وخشي أن يظن أن جوده وكرمه محصور في رمضان، فأتى بجملة تسبقها عامة، وهي احتراز من أن يظن شيء من ذلك فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس)، فهذه قضية عامة، أي: جوده، وكرمه دائماً وأبداً في جميع أيام السنة، ولكنه يزيد في رمضان، ويتضاعف فيه، (وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فيكون أجود بالخير من الريح المرسلة)، الريح هي: التي يكثر نفعها ويعم خيرها، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة، وهذا يدلنا على ما اتصف به عليه الصلاة والسلام من الصفات الكريمة، ومنها صفة الجود والكرم، وأن جوده يتضاعف في رمضان، ويزيد في رمضان، وهذا دليل على استحباب كثرة الإحسان، وكثرة الجود في رمضان، اقتداء بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

    ثم بين أن من أسباب جوده وكرمه في رمضان، أنه كان يأتيه جبريل فيدارسه القرآن، فمدارسته القرآن، واشتغاله بالقرآن، وتأمله فيه بهذه المدارسة مع جبريل، من أسباب جوده وكرمه عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على أن التفكر في القرآن، والتأمل فيه، والتأدب بما جاء في القرآن ثمراته عظيمة، ونتائجه طيبة، (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة)، وكان عليه الصلاة والسلام يأتي إليه جبريل من رمضان إلى رمضان، فيدارسه القرآن الذي تقدم نزوله قبل رمضان في السنوات الماضية، ويدارسه إياه، وفي كل عام كان يعارضه مرة، أي: يقرأ جبريل الرسول يسمع، ويقرأ الرسول صلى الله عليه وسلم وجبريل يسمع، وفي العام الذي هو آخر أعوامه في رمضان دارسه القرآن مرتين، أو عارضه القرآن مرتين عليه الصلاة والسلام، فالحديث واضح الدلالة على ما ترجم له النسائي من الجود والكرم في رمضان.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان...)

    قوله: [أخبرنا سليمان بن داود].

    هو أبو الربيع المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [عن ابن وهب].

    هو عبد الله بن وهب المصري، المحدث، الفقيه، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرني يونس].

    هو ابن يزيد الأيلي المصري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب].

    وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، مشهور بـالزهري، ومشهور بـابن شهاب، شهاب جده، والزهري جده الأعلى الذي هو: زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، فيلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم، في كلاب، فينسب إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، وينسب إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب، وهو مشهور بهاتين النسبتين: الزهري، وابن شهاب، وهو محدث فقيه، من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قام بجمع السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز، وفيه يقول السيوطي في الألفية:

    أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمراً له عمر

    [عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة].

    ابن مسعود وهو ثقة، فقيه، من الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة في عصر التابعين، أطلق عليهم هذا اللقب واشتهروا به، فيأتي في بعض المسائل الفقهية التي اتفقوا عليها يقال فيها: وقال بهذا القول الفقهاء السبعة، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير بن العوام، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.

    وابن القيم رحمه الله، في كتابه إعلام الموقعين ذكر في أوله المعروفين بالفتوى من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في مختلف الأقطار، فيأتي مثلاً للبلد فيقول فيها: من الصحابة فلان، وفلان، وفلان، يعني المفتون وأهل الفتوى منهم، وكذلك في عصر التابعين فيها كذا وكذا، ولما جاء عند ذكر المدينة، وذكر أهل الفتوى فيها في عصر التابعين، ذكر أن منهم الفقهاء السبعة، والكتاب اسمه إعلام الموقعين، وليس أعلام الموقعين؛ لأنه ليس كتاب تراجم، وإنما هو كتاب علم، وكتاب فتاوى، وكتاب إيضاح وبيان، فهو إعلام الموقعين الذين يكتبون ويخبرون بشرع الله عز وجل، ويبينون للناس شرع الله، فهم يوقعون بالفتوى في شرع الله، ويبينون الأحكام، ثم ذكر بيتين من الشعر يشتمل ثانيهما على الفقهاء السبعة، على اعتبار أن السابع أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال:

    إذا قيل من في العلم سبعة أبحرٍ روايتهم ليست عن العلم خارجة

    فقل هم عبيد الله -هذا الذي معنا- عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة

    [عن ابن عباس].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وهم من صغار الصحابة، وعاشوا وأدركهم من لم يدرك كبار الصحابة، فلهذا أطلق لقب العبادلة الأربعة عليهم، وهم: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن الزبير، ومن الصحابة من يسمى عبد الله كثير، مثل: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعدد كبير من الصحابة يقال لهم: عبد الله، لكن الذي اشتهر بهذا اللقب هؤلاء الأربعة من صغار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو أيضاً -أي: ابن عباس - أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، الذين هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعائشة أم المؤمنين، هؤلاء السبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رووا من الحديث أكثر مما رواه غيرهم.

    شرح حديث: (... كان أجود بالخير من الريح المرسلة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثني حفص بن عمر بن الحارث حدثنا حماد حدثنا معمر والنعمان بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: (ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من لعنة تذكر، كان إذا كان قريب عهد بجبريل عليه السلام يدارسه، كان أجود بالخير من الريح المرسلة). قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب حديث يونس بن يزيد، وأدخل هذا حديثاً في حديث].

    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها الذي يتعلق بالترجمة، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أجود بالخير من الريح المرسلة، حين يكون حديث عهد بجبريل، ومدارسته إياه بالقرآن، وفي أوله: (ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من لعنة تذكر)، ولما أورده النسائي قال: هذا خطأ، والصواب حديث يونس بن يزيد الأيلي المتقدم، الذي فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس)، ولهذا قال النسائي: أدخل حديثاً في حديث، يعني: حديث اللعن، مع حديث كونه إذا كان حديث عهد من جبريل يدارسه القرآن، يكون أجود بالخير من الريح المرسلة؛ لأن هذا حديث، وهذا حديث، وكونه عليه الصلاة والسلام أجود بالخير من الريح المرسلة، هو ثابت بالحديث المتقدم، وفي هذا الحديث أيضاً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... كان أجود بالخير من الريح المرسلة)

    قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري].

    في بعض النسخ: محمد بن إسماعيل بدون لفظ البخاري، وعند ابن السني كما هنا؛ لأن الرواية التي معنا هي رواية ابن السني في سنن النسائي، ففيها ذكر محمد بن إسماعيل البخاري، وهو صاحب الصحيح، وهو أمير المؤمنين في الحديث، من الذين وصفوا بهذا الوصف، وهم قلة منهم: البخاري، والدارقطني، والثوري، وشعبة بن الحجاج، وإسحاق بن راهويه، جماعة قليلون من المحدثين وصفوا بهذا الوصف الرفيع، ولقبوا بهذا اللقب العالي، وهو أمير المؤمنين في الحديث، وقال عنه الحافظ في التقريب: جبل الحفظ وإمام الدنيا في فقه الحديث، وقوله: جبل الحفظ معناه: أنه قمة في الحفظ، وهذا وصف يوصف به من يكون متمكناً في الحفظ، ومما يدل على حفظه ويوضح تمام حفظه: أنه قدم بغداد فأراد أهلها أن يختبروا حفظه، فجاءوا إلى مائة حديث، وأعطوا كل واحد عشرة، جعلوا أسانيد أحاديث لأحاديث أخرى، فجعلوا كل واحد يحفظ له عشرة أحاديث مبنية على خطأ، أسانيدها غير الأسانيد التي هي لتلك الأحاديث، وجاءوا فبدأ واحد من العشرة يقرأ حتى انتهى، ثم أمر الذي يليه أن يقرأ حتى فرغ من العشرة، ثم إنه بدأ بهم من الأول، فقال: أما فلان الأول فقد قلت كذا وكذا، وجاء بالإسناد والمتن المركب، ثم أتى به على الصواب، حتى قيل: ليس العجب من حفظه فإنه حافظ، ولكن العجب من كونه يحفظ الخطأ من مرة واحدة، ثم حفظ هذه الأحاديث بمتونها وأسانيدها على الخطأ، فجعل يخبر بأن الحديث وإسناده كذا، والحديث الفلاني إسناده كذا، والحديث الفلاني إسناده كذا.

    أما كونه إمام الدنيا في فقه الحديث، فكتابه الجامع الصحيح تراجمه واستنباطاته، وما فيه من المعاني الدقيقة، والاستنباطات الدقيقة، يدل على تمكنه في الفقه، ولهذا قالوا عن كتابه: إنه كتاب رواية ودراية، ليس كتاب رواية فقط، بل هو مع كونه كتاب رواية، حيث يذكر الأحاديث بأسانيدها ومتونها، فهو أيضاً يذكر التفقه، ويذكر الاستنباطات الدقيقة للتراجم التي أوردها، فأورد الأحاديث التي تحتها في غاية الدقة، وفي غاية الخفاء، وهذا يدل على دقة الاستنباط، فهذا هو معنى قول الحافظ ابن حجر: وإمام الدنيا في فقه الحديث، يعني: في دقة الاستنباط، ولهذا يقولون: فقه البخاري في تراجمه، يعني: من أراد أن يعرف فقه البخاري، فعليه أن ينظر في التراجم، والأحاديث التي جاءت تحت التراجم، أو الآثار التي جاءت تحت التراجم، فهذا هو: الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري الجعفي مولاهم، توفي سنة ست وخمسين ومائتين، وحديثه موجود في سنن الترمذي، وفي النسائي.

    فإذاً البخاري معدود في رجال النسائي، وفي رجال الترمذي.

    [حدثني حفص بن عمر بن الحارث].

    ثقة، ثبت، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي. وهو شيخ من شيوخ البخاري.

    [حدثنا حماد].

    هو ابن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا معمر].

    هو ابن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    النعمان بن راشد].

    صدوق سيئ الحفظ، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وهنا أورده النسائي مقروناً بـمعمر، فالحديث من طريق معمر ومن طريقه، يعني فكونه سيئ الحفظ لا يؤثر على هذا الإسناد؛ لأنه لم يبن عليه الإسناد، بل معه في الرواية من هو ثقة.

    [عن الزهري].

    وقد مر ذكره.

    [عن عروة].

    هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين الذين مر ذكرهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى وأرضاها، وهي من السبعة أو من الأشخاص السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وقوله: [وأدخل هذا..]

    أي: أحد الرواة في هذا الإسناد هو الذي أدخل حديثاً في حديث، والحديث هو حديث اللعن مع حديث الجود في رمضان.

    1.   

    فضل شهر رمضان

    شرح حديث: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل شهر رمضان.

    أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل حدثنا أبو سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين)].

    ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب فضل شهر رمضان، وهو أنه شهر مفضل، أي: له فضل وله شأن، وورد فيه أحاديث تدل على فضله، والله تعالى جعل صيام أيامه فرضاً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سنّ قيام لياليه، فهو شهر فضله الله عز وجل على غيره من الشهور، وميزه على غيره من الشهور، وجاء في أحاديث تدل على فضله، منها: هذا الحديث الذي أورده النسائي عن أبي هريرة، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين)، وتصفيد الشياطين فسر بعدة تفسيرات، قيل: إنه على حقيقته، وأنهم لا يخلصون في رمضان إلى ما كانوا يخلصون إليه في غير رمضان، لكن قيل: كيف جاء في الحديث: أن الشياطين صفدت ومع ذلك توجد المعاصي في رمضان؟ والجواب: هناك شياطين إنس، شياطين جن، وشياطين الجن هم المردة، وهم الذين صُفِّدوا، ومن المعلوم أن المعاصي يكون لها أسباب غير المردة من الشياطين، مثل شياطين الإنس الذين يختلطون بالإنسان ويغوونه، ويحببون إليه المعاصي، وكذلك النفس الأمارة بالسوء، فالنفس الأمارة بالسوء من أسباب الوقوع في المعاصي، وشياطين الإنس الذين هم جلساء السوء، وقرناء السوء أيضاً من أسباب الوقوع في المعاصي، فليس معنى أنه إذا وجد معاص في رمضان، أن هذا يتناقض مع أنهم صفدوا؛ لأن هناك أسباب وعوامل أخرى من أسباب المعاصي، مثل شياطين الإنس، ومثل النفس الأمارة بالسوء، وعلى هذا فإن أحسن ما قيل في الحديث: إنه على حقيقته، وأنهم يصفدون، وأنهم لا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غير رمضان.

    وهذا دال على فضله، وعلى تميزه على غيره، ثم أيضاً مما يقلل الشر في رمضان، كون الإنسان يصوم، ويؤدي الصيام، ومن المعلوم أن الصيام فيه كبح للنفس وتقليل لقوة الشهوة، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، عندما أمر الشباب بالزواج، أمر من لم يستطع بالصوم، قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أحصن للفرج، وأغض للبصر، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، فمعناه: أنه يقلل الشهوة والحاجة إلى هذا الذي تميل إليه النفوس، مجاري الدم على الإنسان بسبب عدم التمتع بالأكل والشرب في نهار رمضان، فالرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن بأن الصوم فيه علاج لمن لم يجد القدرة على الزواج، فإنه إذا صام تقل عنده الشهوة، وعلى هذا فإن الصوم يقلل الشهوة عندهم، ففيه تقليل للمعاصي، أو من أسباب الضعف الذي يكون في النفوس، ولا تكون عندهم الشهوة التي تكون في حال تمتعهم وأكلهم وشربهم، (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين).

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة ...)

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].

    هو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

    [حدثنا إسماعيل].

    هو ابن جعفر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا أبو سهيل].

    هو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    هو مالك بن أبي عامر، وهو ثقة أيضاً، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة،

    [عن أبي هريرة].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    حديث: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني حدثنا ابن أبي مريم: أخبرنا نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب أخبرني أبو سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين)].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله.

    قوله: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني].

    هو الجوزجاني، وكلمة: أخبرني وأخبرنا، أخبرني إذا كان سمع منه وحده، فإنه يعبر بهذا التعبير، فيقول: أخبرني، وأما إذا سمع هو وغيره، فإنه عندما يروي يقول: أخبرنا، هذا هو الفرق بين أخبرني وأخبرنا، يعبر المحدث بأخبرني إذا سمع من شيخه وحده ليس معه أحد عند السماع وعند التحديث، أما إذا كانوا جماعة يحدثهم، فإن كل واحد منهم يقول: أخبرنا، يعني: أنا وغيري، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، هو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [حدثنا ابن أبي مريم].

    هو سعيد بن أبي مريم المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرنا نافع بن يزيد].

    ثقة، عابد، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. لم يخرج له الترمذي. والبخاري لم يرو له في الأصول وإنما روى له في التعليق.

    [عن عقيل].

    هو عقيل بن خالد بن عقيل المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وعَقيل وعُقيل اسم أبيه وجده وهذا من قبيل المؤتلف والمختلف، يعني تتفق الألفاظ من حيث الرسم، ولكنها تختلف من حيث النطق؛ لأن رسمها واحد عقيل وعقيل، فهو عقيل بن خالد بن عقيل، الرسم واحد، والحروف واحدة، والفرق إنما هو بشكل الحروف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب عن أبي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة].

    وهؤلاء الأربعة مر ذكرهم.

    1.   

    ذكر الاختلاف على الزهري فيه

    شرح حديث: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة...) من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاختلاف على الزهري فيه.

    أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم حدثنا عمي حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب أخبرني نافع بن أبي أنس: أن أباه حدثه: أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)].

    ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: الاختلاف على الزهري في هذا الحديث. وأورد طرقاً عن الزهري، وهذا الاختلاف فيها لا يؤثر؛ لأن الحديث ثابت بها وبغيرها، فلا يؤثر هذا الاختلاف، وإنما المقصود ذكر الطرق التي جاءت وهي مختلفة عن الزهري، ولا يعني أن الحديث ضعيف، فالحديث ثابت وهو صحيح، ومتفق عليه، وجاء من طرق متعددة، كما سبق أن مر بنا كثير من هذا النوع وهو الاختلاف على الشخص، وقد أورد النسائي طريقاً عن أبي هريرة من طرق الحديث المتقدم الذي هو: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين).

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة...) من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    وعبيد الله هو الصواب؛ لأنه يوجد في التقريب عبد الله ولكن روى له البخاري وحده، وأما عبيد الله فهو الذي خرج له النسائي، وهو من رجال النسائي، وفي بعض النسخ ذكر عبيد الله، فكان المناسب الذي يثبت هو عبيد الله على الصواب، وإثبات عبد الله خطأ، وترك ما هو الصواب هذا ليس بجيد؛ لأنه لا يوجد في رجال النسائي عبد الله بن سعد بن إبراهيم، وإنما ذاك انفرد البخاري في الإخراج له، ولكونه جاء في بعض النسخ أنه عبيد الله، فالصواب هو عبيد الله وليس عبد الله.

    [عن أبيه].

    هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة أيضاً، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن صالح].

    هو صالح بن كيسان المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب أخبرني نافع بن أبي أنس].

    والمراد به نافع بن مالك الذي تقدم هنا قال: نافع بن أبي أنس، والمراد به نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، فالذي في الإسناد هنا هو الذي في الأسانيد المتقدمة.

    [أن أباه حدثه].

    هو أبو أبي سهيل، فـأبو سهيل هو نافع بن مالك بن أبي عامر، وأبوه مالك بن أبي عامر ويقال: مالك بن أبي أنس، يعني جاء ذكره هنا بصيغة أخرى، وإلا فهو هو، فهناك ذكر أبوه باسمه، وهنا ذكره بكنيته.

    [عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة...) من طريق رابعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن خالد حدثنا بشر بن شعيب عن أبيه عن الزهري حدثني ابن أبي أنس مولى التيميين: أن أباه حدثه: أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، إلا أنه هنا قال: أبواب الرحمة، والرحمة: تطلق على الصفة لله عز وجل، وتطلق على أثر الصفة، وصفة الله عز وجل قائمة بذاته، وأما الرحمة التي هي أثر الصفة، أو من آثار الصفة، فالجنة جاء في الحديث أن الله تعالى أطلق عليها الرحمة، قال: (إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء)، فأطلق على الجنة أنها رحمة، وهي من آثار الصفة، كما أن الغيث والمطر من آثار رحمة الله، فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم:50]، فتأتي الرحمة فيراد بها الصفة المتعلقة بالله عز وجل، وتأتي ويراد بها مخلوق من مخلوقات الله عز وجل، وهو أثر الصفة، وهنا أبواب الرحمة مثل أبواب الجنة؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث: (أنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء).

    (فتحت أبواب الرحمة)، أي: أبواب الجنة، أي: أنه جاء في بعض الأحاديث إطلاق الرحمة على الجنة، وأنها رحمة الله عز وجل، (إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء)، وذاك الحديث الذي فيه: (إن الله خلق مائة رحمة، وأن الناس يتراحمون برحمة واحدة، وإذا جاء يوم القيامة تأتي تلك التسعة والتسعون مع تلك الرحمة).

    إذاً: الرحمة تطلق على الصفة، وتطلق على أثر الصفة، وتطلق على المخلوقات، التي هي أثر الصفة، فكلمة: أبواب الرحمة، هي: مثل أبواب الجنة؛ لأن الجنة يقال لها: الرحمة، كما جاء في الحديث الذي أشرت إليه.

    قوله: [(وسلسلت الشياطين)]، وهي: بمعنى صفدت، وسلسلت بمعنى واحد.

    رواه ابن إسحاق عن الزهري، ثم ذكر بعد ذلك الإسناد الذي فيه رواية ابن إسحاق عن الزهري.

    حديث: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة...) من طريق خامسة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعد حدثنا عمي حدثنا أبي عن ابن إسحاق عن الزهري عن ابن أبي أنس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وسلسلت الشياطين)، قال أبو عبد الرحمن: هذا يعني حديث ابن إسحاق خطأ، ولم يسمعه ابن إسحاق من الزهري، والصواب ما تقدم ذكرنا له].

    أورد النسائي رواية ابن إسحاق عن الزهري، والحديث هو طريق أخرى من الطرق التي جاء فيها ذكر الحديث.

    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعد].

    وقد مر ذكره.

    وكذلك بقية رجال الإسناد تقدم ذكرهم إلا ابن إسحاق، وهو محمد بن إسحاق المدني، وهو إمام في المغازي، وهو صدوق مدلس.

    شرح حديث: (هذا رمضان قد جاءكم تفتح فيه أبواب الجنة...) من طريق سادسة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعد حدثنا عمي حدثنا أبي عن ابن إسحاق وذكر محمد بن مسلم عن أويس بن أبي أويس عديد بني تيم عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هذا رمضان قد جاءكم تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتسلسل فيه الشياطين)، قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث خطأ].

    أورد النسائي الحديث من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه ليس من طريق أبي هريرة؛ لأن الطرق المتقدمة عن أبي هريرة، وهنا من طريق أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنسائي قال عنه: خطأ؛ لأنه ما جاء عن أبي هريرة، وإنما جاء من طريق أنس بن مالك، وهو اختلاف، لكن كما هو معلوم هذا لا يؤثر إلا لو كان الحديث ليس ثابتاً، والحديث ثابت، فهذه طريق أخرى للحديث، وهي تتفق مع الطرق الأخرى التي فيها إثبات أن شهر رمضان تفتح فيه أبواب الجنة، وتفتيح أبواب الجنة هذا ثابت بالطرق الكثيرة الثابتة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فلا يؤثر ذلك على صحة الحديث.

    وقد تقدم ذكر الرواة إلا أويس بن أبي أويس.

    قال الحافظ في التقريب: لعله ابن مالك عم مالك بن أنس، وثقه ابن حبان. خرج له النسائي وحده.