إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الجنائز
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - (تابع باب البعث) إلى (باب نوع آخر من التعزية)

شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - (تابع باب البعث) إلى (باب نوع آخر من التعزية)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ورد في السنة أن الناس يحشرون على ثلاث طرائق راغبين راهبين، وأن أول من يكسى هو إبراهيم عليه السلام. كما ورد فيها استحباب التعزية، والتي فيها دليل على الألفة والتآخي بين المسلمين وقوة الترابط فيما بينهم.

    1.   

    تابع البعث

    شرح حديث: (يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب البعث.

    أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا أبو هشام حدثنا وهيب بن خالد أبو بكر حدثنا ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، اثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب البعث.

    وقد مرت أحاديث في هذه الترجمة تتعلق بقضية البعث، وأن الناس يحشرون حفاة عراة غرلاً، وقد أورد النسائي أيضاً أحاديث في هذه الترجمة منها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، اثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا)]، وهذا الحديث فسر بأن المراد بالحشر فيه: حشر دنيوي، وهو ما يحصل في آخر الزمان، وفي نهاية الدنيا من اجتماع الناس في مكان واحد، وذهابهم إلى جهة واحدة، وأنهم يذهبون إلى أرض الشام، وقد جاء في ذلك أحاديث تدل على هذا، قيل: إن المراد بهذا الحشر الذي في الحديث هو هذا الحشر، حشر يكون في آخر الدنيا، ومما يدل على أنه حشر دنيوي، وليس حشراً أخروياً أن النبي عليه الصلاة والسلام بين في هذا الحديث أنهم يكونون ركباناً وأنهم يركبون اثنين، وثلاثة، وأربعة، وعشرة، وأن بقيتهم تحشرهم النار، تقيل معهم حيث قالوا وتصبح حيث أصبحوا، وتمسي حيث أمسوا، وهذا إنما يكون في الدنيا، وهذه قرائن، وأدلة تدل على أن الحشر إنما هو دنيوي، ومن العلماء من قال: إنه حشر أخروي، وأقرب الأقوال في هذه المسألة: أنه الأول، وأنه حشر دنيوي، وأن ذلك حيث يكون الناس في آخر الزمان يحشرون إلى المحشر، وأن النار تسوقهم حيث يجتمعون في أرض الشام، وفيها يخرج الدجال، وفيها ينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من السماء، ويقتل الدجال، وأنه يخرج نار من عدن تحشر الناس إلى المحشر، وتسوقهم، وتقيل معهم حيث قالوا، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً ويبين بعضها بعضاً، فأظهر القولين في المسألة أنه حشر دنيوي، وليس حشراً أخروياً.

    والثلاثة الطرائق التي جاءت في الحديث جاء في صحيح البخاري أنهم راغبون راهبون، واثنان على بعير، فعلى هذا تكون الأولى من هذه الطرائق الثلاث: راغبين راهبين، والثانية: أنهم يكونون على هذه المركوبات، التي هي: اثنان، وثلاثة، وأربعة، وعشرة، والثالثة: النار التي تحشر بقيتهم، تقيل معهم حيث قالوا، وتصبح حيث أصبحوا، وتمسي حيث أمسوا.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].

    هو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.

    [حدثنا أبو هشام].

    هو المغيرة بن سلمة وهو ثقة أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، أي: ما أخرج له البخاري في الأصول، وإنما خرج له تعليقاً، ولم يخرج له أبو داود.

    [حدثنا وهيب].

    هو وهيب بن خالد أبو بكر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا ابن طاوس].

    هو عبد الله بن طاوس بن كيسان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    هو طاوس بن كيسان، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه على الإطلاق حديثاً رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث: (إن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج ...) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن الوليد بن جميع حدثنا أبو الطفيل عن حذيفة بن أسيد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: (إن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حدثني أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج: فوج راكبين، طاعمين، كاسين، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم النار، وفوج يمشون ويسعون يلقي الله الآفة على الظهر فلا يبقى، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة يعطيها بذات القتب لا يقدر عليها)].

    أورد النسائي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وفيه: أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج راكبين، طاعمين، كاسين، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم، وفوج يمشون، ويسعون يلقي الله الآفة على الظهر أي: على ما يركب، حتى إن الرجل ليعطي الحديقة لذات القتب لا يقدر عليها، يعني: يدفع الحديقة في مقابل ناقة عليها قتب، وهو الرحل الذي يجلس عليه الراكب، والذي يشد فيه المتاع، والحمل الذي يحمل عليها، معناه: أنه تحصل الآفة، ويحصل المرض الذي فيه يقل الظهر، والمراد بالظهر: الدواب التي يركب عليها وهي الإبل، حتى إن الإنسان ليدفع الحديقة في مقابل الناقة ذات القتب الذي هو الرحل الذي يوضع عليها لركوب الراكب، ولشد المتاع عليها، وهذا أيضاً حشر دنيوي، وهذا مثل الحديث الذي قبله هو حشر دنيوي. ومما يوضحه أن قوله فيهم: (فوج راكبين، طاعمين، كاسين)، ومن المعلوم: أن الناس يوم القيامة يحشرون حفاة، عراة، غرلاً؛ يعني: ليس على أجسامهم شيء، وليس على أرجلهم شيء، ويبعثون وهم غرل كما ولدوا غير مختونين، وفي الحديث هنا أنهم راكبون طاعمون كاسون، ثم في آخر الحديث أن الآفة تصيب الظهر، فيقل حتى إن الإنسان يدفع الحديقة، وهذا إنما يكون في الدنيا لذات القتب؛ ليشتري بها ناقة يركب عليها، إنما هذا يناسب الدنيا، ولا يتفق مع الآخرة، فأوله: كونهم طاعمين كاسين، والناس إنما يبعثون يوم القيامة عراة، وفي آخرها أنهم يركبون، وأنهم يقل فيهم الظهر، وأن الواحد يدفع الحديقة التي يملكها في مقابل ناقة عليها قتب يركب عليها، فلا يستطيع أن يحصلها لقلة الظهر، وهذا واضح أنه في الدنيا وليس في الآخرة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج ...) من طريق أخرى

    قوله: [قال: أخبرنا عمرو بن علي].

    هو الفلاس، وهو ثقة، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا يحيى].

    هو يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة، ناقد، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن الوليد بن جميع].

    هو الوليد بن عبد الله بن جميع، وهو صدوق يهم، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [حدثنا أبو الطفيل].

    هو عامر بن واثلة صحابي من صغار الصحابة، قيل: إنه ولد عام أحد، ورأى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة مائة وعشر، قيل: إنه آخر من مات من الصحابة رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن حذيفة بن أسيد].

    صحابي، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن.

    [عن أبي ذر].

    هو جندب بن جنادة الغفاري رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، والإسناد فيه ثلاثة صحابة يروي بعضهم عن بعض: أبو الطفيل عامر بن واثلة، وحذيفة بن أسيد، وأبو ذر الغفاري جندب بن جنادة رضي الله تعالى عنهم، ففيه ثلاثة صحابة يروي بعضهم عن بعض.

    1.   

    ذكر أول ما يكسى

    شرح حديث: (أول ما يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمود بن غيلان أخبرنا وكيع، ووهب بن جرير وأبو داود عن شعبة عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموعظة فقال: يا أيها الناس! إنكم محشورون إلى الله عز وجل عراة، قال أبو داود: حفاة غرلاً، وقال وكيع، ووهب: عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده، قال: أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام وإنه سيؤتى، قال أبو داود: يجاء، وقال وهب ووكيع: سيؤتى برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: رب! أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي [المائدة:117] إلى قوله: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ [المائدة:118] الآية، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مدبرين، قال أبو داود: مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)].

    هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: أول من يكسى، أي: أن أول من يكسى هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد مر الحديث من بعض الطرق، وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أول من يكسى بعدما يحشر الناس حفاة عراة غرلاً، وسبق أن مر أنه علل بتعليلات، ووجه بتوجيهات، من أقربها أنه لما ألقي في النار جرد وصبر وكان في ذات الله عز وجل، فالله تعالى جازاه على ذلك بأن جعله أول من يكسى بعدما يحشر الناس حفاة، عراة، غرلاً، فهو أول من تحصل له الكسوة وأول من يوارى جسده بالكسوة عليه الصلاة والسلام.

    وأورد حديث ابن عباس الذي سبق أن تقدم من بعض الطرق، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قام بموعظة في أصحابه وقال: [أيها الناس! إنكم محشورون إلى الله حفاة، عراة، غرلاً]، وقد ذكر النسائي أن بعض الرواة رواه بلفظ (عراة)، وبعضهم رواه (عراة غرلاً)، وبعضهم (حفاة غرلاً)، وأشار إلى الاختلاف في بعض الروايات في هذا الإسناد، وأن بعضهم رواه على صفة، وبعضهم على صفتين، وبعضهم على صفتين أيضاً فيها التفاوت مع الصفة السابقة، و(أن أول من يكسى إبراهيم)، هذا هو محل الشاهد للترجمة الذي أورد الحديث من أجله، وإلا فإنه قد مر في الحشر وكيفية الحشر، ثم إنه جاء في آخر الحديث: (أنه يؤتى بأناس فيذهب بهم ذات الشمال) يعني: إلى النار، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعرفهم، وهم من أصحابه، فيقول: [أي رب، أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مدبرين]، وفي بعض الروايات: [لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم]، والمقصود من هذا بلا شك هم الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وماتوا على الردة، وقاتلهم الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وماتوا قتلى على أيدي الغزاة الفاتحين الذين أرسلهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، هؤلاء هم المعنيون بهذا الحديث، وليس المقصود بهم ما تقوله الرافضة المخذولون من أن المقصود بذلك: الصحابة، وأنهم ارتدوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن هذا لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر، وإنما يقوله من خذله الله، وإنما المقصود من ذلك: هم الذين ارتدوا وماتوا على الردة بأيدي الجيوش المظفرة التي بعثها الصديق رضي الله عنه وأرضاه، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم، وفي هذا دليل على أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب ولا يطلع، وأنه ما يجري بعده، وما يحصل بعده لا يعلمه عليه الصلاة والسلام وهو في قبره؛ لأنه قال: [فأقول أصحابي]، وهو لا يعرف الذي حصل لهم، وأنهم ارتدوا وماتوا على الردة، فهو من الأدلة التي يستدل بها على أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يطلع من الغيوب إلا على ما أطلعه الله عليه، وأن هذا من الغيوب التي أخفاها الله عنه، ولم يطلعه عليها صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يعرف أنهم كانوا مسلمين، وأنهم كانوا من أصحابه، ولكنهم غيروا وبدلوا بعده، وارتدوا، وماتوا على الردة، فأخذ بهم إلى النار.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أول ما يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام)

    قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].

    هو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.

    [أخبرنا وكيع].

    هو وكيع بن الجراح الكوفي الرؤاسي، وهو ثقة، مصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهب بن جرير].

    هو ابن حازم، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    أبو داود].

    هو سليمان بن داود الطيالسي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن شعبة].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن المغيرة بن النعمان].

    هو المغيرة بن النعمان الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [عن سعيد بن جبير].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عباس].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام.

    1.   

    في التعزية

    شرح حديث: (... فلقيه النبي فسأله عن بنيه فأخبره أنه هلك فعزاه عليه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في التعزية.

    أخبرنا هارون بن زيد وهو: ابن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا خالد بن ميسرة سمعت معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: (كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما لي لا أرى فلاناً؟ قالوا: يا رسول الله! بنيه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن بنيه فأخبره أنه هلك، فعزاه عليه، ثم قال: يا فلان! أيما كان أحب إليك أن تمتع به عمرك أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ قال: يا نبي الله! بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إلي، قال: فذاك لك)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: التعزية، والمراد بها: تهوين المصاب بالميت، وذكر الكلام الذي يؤنسه، ويخفف عليه مصابه، هذا هو المراد بالتعزية، وليس لها وقت محدد يعني: بثلاثة أيام، أو أقل، أو أكثر، ولكنها لا تستمر وتكون مع طول الوقت بعد الموت، وفي حال المصيبة، وفي الأيام التي تكون بعد المصيبة، أما إذا مضى زمن طويل، وحصل السلوان، وذهبت الشدة التي حصلت للإنسان والمصيبة التي حلت بالإنسان فإنه لا يعزى في تلك الحال، ولكنه إذا ذكر الميت يدعى له، وأما أن يعزى بعد وقت طويل، وقد حصل السلوان، وذهب ما في النفس من الشدة، وما حصل للإنسان من المصيبة، فإن هذا لا يناسب التعزية، وليس لها تحديد بثلاثة أيام، بل يمكن أن تكون بعد ثلاثة أيام ويمكن أن تكون أقل، لكن بعد دهر طويل ووقت طويل حصل معها السلوان لا يناسب ذلك.

    وقد أورد النسائي حديث قرة بن إياس رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا جلس، جلس معه نفر من أصحابه يحدثهم، ويتلقون الحديث منه عليه الصلاة والسلام، وكان فيهم رجل له ولد صغير يأتي من ورائه، ويجلسه في حجره، فهلك ذلك الابن الصغير، فتخلف ذلك الرجل عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يتذكر ابنه، وما يحصل له، فلم يأت، ففقده النبي عليه الصلاة والسلام فسأل عنه فقال: بني، الذي كان يأتي معه، ويجلس في حجره هلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام لقيه وعزاه بكلام حسن لطيف أدخل السرور عليه، وقال له: أيما أحب إليك أن تمتع به عمرك؟ يعني: يكون معك في الحياة، ويخدمك، وتستفيد منه، أو يكون أمامك، فلا تأتي إلى باب من أبواب الجنة إلا وتجده أمامك يريد أن يفتح لك الباب، قال: بل أريد أن يفتح لي باب الجنة، فالرسول عليه الصلاة والسلام هون مصيبته وبين أن فقده إياه سيعود عليه بالخير، وأنه يكون فرطاً له، ويكون شفيعاً له، ويفتح له باب الجنة، فعند ذلك سر ذلك الرجل من كونه يحصل نفعه أمامه، فإن كان فاته النفع الدنيوي الذي يكون معه في حياته فإن ذلك النفع الذي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو النفع الأتم، وهو النفع الأعظم حيث يجده أمامه، ويفتح له باب الجنة، فهذا كلام فيه تعزية، وفيه تسلية، وفيه جبر للمصيبة، وأن الإنسان على خير، بل هذا الرجل فضل هذه الحالة التي حصلت، وهي: أن يكون أمامه يفتح له باب الجنة على أن يمتع به عمره في هذه الحياة الدنيا بأن يخدمه، ويستفيد منه، وتقر عينه به في هذه الحياة، ففضل تلك الحالة على هذه الحالة.

    ومن خير ما يعزى به ذكر الموت، وأن الموت لا بد منه، وأنه مهما طال الأمد لا بد أن يموت الإنسان، وأن هذا الطريق طريق مسلوك، لا مفر منه، إن عاجلاً أو آجلاً، وكذلك أن يقال في التعزية: (لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى)، وكذلك التذكير بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو خير البشر، وخير الناس، وأنفع الناس إلى الناس، ولو كان البقاء لأحد لكان أحق الناس به رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    فالحاصل: أن التعزية تكون بالكلام الذي يلقي السرور على المصاب الذي أصيب بذلك الميت يؤتى بالكلام اللطيف الذي يهون مصابه، ويخفف عليه ما حصل له من المصيبة.

    ثم في الحديث ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من اللطف بأصحابه، ومن تفقدهم، وسؤاله عن حال من يتخلف منهم حيث يحصل منه شيء على خلاف ما اعتاده؛ والنبي عليه الصلاة والسلام قد ألف واعتاد أن هذا الرجل يأتي، ففقده، ويشبه هذا ما حصل لـثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، كما في صحيح مسلم، (أنه لما نزل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، وكان جهوري الصوت، خلقة وجبلة -يعني: يتكلم كلامه المعتاد، فيرتفع صوته- فلما نزلت هذه الآية خشي أن يكون ممن عنته الآية، وأن يكون حبط عمله، فجلس في بيته يبكي، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل سعد بن معاذ سيد الأوس، وقال: يا أبا عمرو، ما حال ثابت بن قيس؟ قال: أنا آتيك بخبره يا رسول الله، فذهب يبحث عنه، ووجده في منزله يبكي، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبره بالذي جعله يتخلف فقال له: إنه من أهل الجنة، إنه ليس من هؤلاء إنه من أهل الجنة). يعني: ليس ممن تعنيهم الآية، وإنما هو من أهل الجنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فشهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة.

    فالحاصل: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتفقد أصحابه، وإذا تغيب أحد منهم أو تخلف سأل عنه، كما حصل في قصة والد هذا الابن الصغير الذي هلك وتخلف ابنه؛ لأنه يجد في نفسه عندما يذكره في تلك الحلقة، وذلك المجلس، وقد ألف أنه يأتي، ويجلسه في حجره فكان يتذكر ابنه فيتأثر فلم يأتِ إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم وسأل عنه حتى علم خبره، ثم عزاه بهذه الكلمات اللطيفة التي أختار فيها ما هو أمامه على ما هو في هذه الحياة الدنيا.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... فلقيه النبي فسأله عن بنيه فأخبره أنه هلك فعزاه عليه ...)

    قوله: [أخبرنا هارون بن زيد وهو: ابن أبي الزرقاء].

    هو ابن أبي الزرقاء وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وكلمة: (هو: ابن أبي الزرقاء) هذه الذي قالها من دون النسائي؛ لأن النسائي ما يقول (هو: ابن أبي الزرقاء)، بل يقول ابن أبي الزرقاء رأساً دون (هو)؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول (هو)، وإنما الذي يحتاج إلى أن يقول هو من دون التلميذ، وهذا دليل واضح على أن من دون النسائي قد يزيد، يعني: في الإسناد شيء على ما عند النسائي؛ لأن النسائي ما قال: (هو ابن أبي الزرقاء) ولا قال: ابن أبي الزرقاء وإنما هارون بن زيد فقط، فأتى من دون النسائي بكلمة ابن أبي الزرقاء وكلمه (هو) قبلها حتى يبين من هو هارون بن زيد هذا، فهو من شيوخ النسائي، ولا يحتاج النسائي إلى أن يقول (هو فلان)، الذي احتاج إليه من دون النسائي، وهذا مثال من الأمثلة التي يستدل بها على أن من دون النسائي يمكن أن يزيد في الإسناد شيئاً يوضح به رجلاً في الإسناد؛ وذلك بأن يأتي بما فيه الإيضاح والبيان مسبوقاً بـ(هو) أو بكلمة (يعني).

    [حدثنا أبي].

    أبوه هو زيد بن أبي الزرقاء، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [حدثنا خالد بن ميسرة].

    قال عنه في التقريب: صالح الحديث، وقد أخرج حديثه أبو داود، والنسائي أيضاً.

    [سمعت معاوية بن قرة].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    هو قرة بن إياس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.

    1.   

    نوع آخر

    شرح حديث: (أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.

    أخبرنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عز وجل إليه عينه وقال: ارجع إليه فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم مه؟ قال: الموت، قال: فالآن، فسأل الله عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر)].

    ثم أورد النسائي نوع آخر أي: من التعزية تحت هذه الترجمة، وأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في قصة مجيء ملك الموت في صورة آدمي إلى موسى عليه الصلاة والسلام، وأنه صكه، أو دفعه ففقع عينه، فرجع إلى ربه وقال: إنك أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت، قال: فأعاد إليه عينه، وقال: اذهب إليه، وقل له: يضع يده على متن ثور، يعني: على ظهر ثور، ثم إن له بكل شعرة مما غطت يده سنة، قال: ثم مه؟ قال: الموت، قال: فالآن، وسأل الله عز وجل أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية حجر، قال عليه الصلاة والسلام: [(لو كنت، ثم لأريتكم قبره عند الطريق تحت الكثيب الأحمر)].

    والمقصود من إيراد الحديث في التعزية من جهة أنه قال في الحديث لما قال: إذا وضع يده على متن ثور، وأن له في كل شعرة سنة قال له: ثم مه؟ قال: الموت، يعني: أنه مهما يكن من شيء فإن الموت لا بد منه، طال الأمد أو قصر، فالموت هو النهاية التي لا بد منها، وما دام أن الموت آتٍ، وأنه هو النهاية، وأنه لا بد من وجوده، فإذاً: إذا جاء الموت في أي وقت فقد جاء الأجل، وفي ذلك تعزية وسلوى.

    فالموت لا بد من حصوله، وفي ذلك تعزية لأي إنسان تصيبه مصيبة الموت يصاب بموت قريبه، أو من يعز عليه، فإن الكل سيسلك هذا الطريق، والكل سيصل إلى هذه النهاية، إذاً هذا هو المقصود من إيراد الحديث تحت هذه الترجمة؛ يعني: من العزاء الذي يعزى به الإنسان: أن الموت لا بد منه طال الأمد أو قصر، وليس البقاء لأحد، بل البقاء لله سبحانه وتعالى.

    وفي الحديث: أن الملائكة تتشكل وتأتي على صور مختلفة؛ فتأتي الملائكة على صور الآدميين، كما جاء في هذا الحديث، وأنه جاء على صورة بشر، وكذلك في قصة إبراهيم ولوط جاءتهم الملائكة على صورة بشر حسان الوجوه، وكذلك جبريل كان يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام على صورة دحية بن خليفة الكلبي، وأحياناً يأتي على صورة رجل غير معروف، كما في حديث جبريل المشهور، (أنهم كانوا في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء إليهم رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسند ركبته إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه، وقال: أخبرني على الإسلام وسأله الأسئلة، وفي آخرها قال النبي عليه الصلاة والسلام: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فالله تعالى جعل الملائكة ذوي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء، وجبريل له ستمائة جناح، وقد رآه النبي عليه الصلاة والسلام على هيئته التي خلقه الله عليها مرتين؛ مرة في السماء عندما عرج به إلى السماء فوق السماوات رآه على هيئته التي خلقه الله عليها، ومرة وهو في الأرض قد سد الأفق لكبر خلقه.

    وهذه الهيئة الكبيرة من الملائكة يتحول فيها إلى صورة رجل، وإلى صورة بشر، فموسى عليه الصلاة والسلام جاءه بصورة بشر، وفاجأه بالموت فدفعه وفقع عينه، وذهب ملك الموت إلى الله عز وجل وقال: إنك أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت، فقال: اذهب إليه، وأخبره بكذا وكذا، فذهب إليه وقال: ثم مه؟ يعني: بعد هذه السنين، قال: الموت، قال: فالآن، أي: ما دام أن الموت لا بد منه، وأنه آت فالآن، ثم سأل الله عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدسة فمات هنالك، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: [لو كنت ثمّ]، يعني: لو كنت هناك [لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر]، الكثيب الذي هو: الرمل الأحمر.

    والحديث رواه البخاري وغيره، ووجه إيراده هنا كما ذكرت فيما يتعلق بالتعزية من جهة أن الموت لا بد منه، وأن هذا فيه عزاه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].

    هو محمد بن رافع القشيري النيسابوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وهو مثل الإمام مسلم وطناً ونسباً، الإمام مسلم قشيري من بني قشير ونيسابوري من نيسابور، وشيخه محمد بن رافع من بلده وقبيلته، فهو من نيسابور وهو من بني قشير الذين منهم الإمام مسلم، ولهذا بعض العلماء عندما يذكر البخاري، ومسلم ويذكر نسبته، نسبة هذا وهذا، فيقول: البخاري الجعفي مولاهم، يعني: ينسب إلى الجعفيين ولاءً، ومسلم القشيري من أنفسهم يعني: منهم أصلاً ونسباً، وكلمة من أنفسهم ليست ولاءً وإنما هو منهم ومن هذه القبيلة، وقد أكثر عنه الإمام مسلم في صحيحه.

    [أخبرنا عبد الرزاق].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، مصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن معمر].

    هو ابن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو شيخ عبد الرزاق، وقد أكثر عبد الرزاق من الرواية عنه بل هو شيخه في صحيفة همام بن منبه الطويلة التي تبلغ مائة وأربعين حديثاً، فالبخاري أورد بعضها، ومسلم أورد بعضها واتفق البخاري، ومسلم على إخراج بعضها وترك أشياء منها، فمعمر هو شيخ عبد الرزاق فيها، ومسلم يروي تلك الصحيفة عن طريق شيخه محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة.

    [عن ابن طاوس].

    هو عبد الله بن طاوس وقد مر ذكره.

    [عن أبيه].

    قد مر ذكره.

    [عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكره.