إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الجنائز
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - باب التعوذ من عذاب القبر - باب وضع الجريدة على القبر

شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - باب التعوذ من عذاب القبر - باب وضع الجريدة على القبرللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله حياة الإنسان على مراحل، فبعد الدنيا مرحلة القبر، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن له فتنة من أعظم الفتن، وأن الناس فيه ما بين منعم ومعذب، ومر على قبرين يعذبان فوضع عليهما جريدة من النخل ليخفف عنهما العذاب، وأمرنا بالاستعاذة من فتنة القبر وعذابه.

    1.   

    التعوذ من عذاب القبر

    شرح حديث: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [التعوذ من عذاب القبر.

    أخبرنا يحيى بن درست حدثنا أبو إسماعيل حدثنا يحيى بن أبي كثير أن أبا سلمة حدثه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال)].

    أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: التعوذ من عذاب القبر، والأحاديث التي وردت في هذه الترجمة كلها دالة على إثبات عذاب القبر؛ لأن التعوذ منه دليل على ثبوته، وأنه حاصل، وأن الإنسان يسأل الله عز وجل أن ينجيه منه وأن يعيذه منه، فالترجمة الأولى في إثبات عذاب القبر، وهذه في إثبات التعوذ، وهي أيضاً دالة على ما دلت عليه الترجمة السابقة من حيث إثبات عذاب القبر، وعلى التعوذ منه، وأن الإنسان يسأل الله عز وجل أن يعيذه منه، فكل الأحاديث التي فيها التعوذ فهي دالة على إثبات عذاب القبر، والتي ليس فيها التعوذ دالة على إثبات عذاب القبر، لكن الترجمة هنا المقصود بها التعوذ من عذاب القبر، وأن الإنسان يسأل الله عز وجل أن يعيذه منه.

    وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) هذه أربع كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ منها.

    قوله: [(اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال)] أربعة أشياء كان عليه الصلاة والسلام، يستعيذ بالله منها، والمقصود منها الفقرة الأولى: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) فالحديث دال عليها، وهو دال أيضاً على التعوذ بالله من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة عذاب النار، ففيه: الاشتمال على أمور خاصة، وعلى أمور عامة.

    (فتنة المحيا والممات) يعني: ما يجري في الحياة من الفتن، وكذلك ما يجري في القبر من الفتن، ففيه إثبات عذاب القبر والفتنة فيه، وأن الإنسان يستعيذ بالله من هذه الأمور الأربعة: عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال الذي تواترت به الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي يأتي في آخر الزمان، ويبتلي الله عز وجل به من يبتلي، ويمتحن به من يمتحن، فيتبعه من يتبعه ويبتعد عنه من يبتعد، وفتنته هي من أعظم الفتن التي حذر منها رسول الله عليه الصلاة والسلام، بأنه يأتي بأمور عظيمة وعجيبة، فيثبت الله عز وجل من شاء من عباده فلا ينخدع بما معه مما يفتن، ويخذل من يخذل فيتبعه ويصدقه فيما يقول، والعياذ بالله، وهو من علامات الساعة؛ لأنه إذا خرج ينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من السماء، ويقتله بباب لُد من أرض فلسطين، ويري الناس دمه بحربته، فيكون مسيح الهداية يقتل مسيح الضلالة، المسيح عيسى بن مريم يقتل المسيح الدجال في آخر الزمان، وكل منهما من علامات قيام الساعة الكبرى التي إذا جاءت وإذا وجدت، فإن الساعة قريبة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ...)

    قوله: [أخبرنا يحيى بن درست].

    هو البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [حدثنا أبو إسماعيل].

    هو القناد، واسمه إبراهيم بن عبد الملك البصري، وهو صدوق، في حفظه شيء، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.

    [حدثنا يحيى بن أبي كثير].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب الكلمة المأثورة التي شأنها عظيم في طلب العلم، والحث عليه، وهي قوله: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، فمن أراد أن يحصل العلم فلن يحصله بالراحة والإخلاد إليها، وإنما يحصله بالتعب، والنصب، والمشقة، وقد أورد الإمام مسلم في صحيحه هذا الأثر عنه بإسناده إليه؛ فمن أراد شيئاً فليبذل أشياء في سبيل تحصيله، أما أن يريد ولا يبذل، فهذه هي الأماني الكاذبة، التي هي أمان لا تتجاوز ذهن صاحبها ولا يحصل صاحبها شيئاً من ورائها، وإنما يحصل الإنسان العلم بالتعب، والنصب، والمشقة.

    [أن أبا سلمة حدثه].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن فقهاء المدينة السبعة ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء، والسابع فيه ثلاثة أقوال، فالمتفق على عدهم هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هذا الذي معنا، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فإذاً: أبو سلمة هذا هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع، وهؤلاء الفقهاء السبعة هم في المدينة في عصر التابعين، اشتهروا بهذا اللقب، وهذا يأتي في كتب الفقه في بعض المسائل: قال بها الفقهاء السبعة، يكتفون بهذا اللقب قال بها، أو قال بهذا القول الفقهاء السبعة، يعنون بذلك هؤلاء الفقهاء السبعة.

    [عن أبي هريرة].

    رضي الله عنه، هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه على الإطلاق حديثاً، والصحابة المعروفون بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم أبو هريرة، وهو أكثرهم أبو هريرة رضي الله عنه، وكذلك أنس رضي الله عنه وهو منهم، فهم سبعة أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وعائشة، ستة رجال وامرأة واحدة، هؤلاء هم المعروفون بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث أبي هريرة: (سمعت رسول الله بعد ذلك يستعيذ من عذاب القبر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو عن ابن وهب أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يستعيذ من عذاب القبر].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً، وفيه: (أنه سمع رسول الله بعد ذلك يستعيذ بالله من عذاب القبر)، يعني: بعد الحالة التي قد حصلت، ولا أذكرها الآن، ولعلها بعد ما أخبرهم بالتعوذ من هذه الأشياء، وأنه كان بعد ذلك يستعيذ بالله من عذاب القبر، يعني: بعد أن أوحي إليه بأن الناس يعذبون في قبورهم، قال: (سمعته بعد ذلك يستعيذ بالله من عذاب القبر)، ففيه: الاستعاذة من عذاب القبر، وهو ضمن الترجمة التعوذ من عذاب القبر.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (سمعت رسول الله بعد ذلك يستعيذ من عذاب القبر)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو].

    هو عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والنسائي.

    [عن ابن وهب].

    وقد مر ذكره.

    [أخبرنا يونس بن يزيد].

    هو يونس بن يزيد الأيلي، وقد مر ذكره.

    [عن ابن شهاب ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، وهو ثقة، فقيه، من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن حميد بن عبد الرحمن].

    هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (قام رسول الله فذكر الفتنة التي يفتن بها المرء في قبره ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع أسماء بنت أبي بكر تقول: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتنة التي يفتن بها المرء في قبره، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله لك! ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر قوله؟ قال: قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريباً من فتنة الدجال)].

    أورد النسائي حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وأرضاها، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه بأن المرء يفتن في قبره فضجوا، فحصل منهم أصوات من الخوف والذعر لما أخبرهم به رسول الله عليه الصلاة والسلام، فخفي على أسماء رضي الله عنها شيء من آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت رجلاً قريباً منها عن الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر ما قال، فقال: (إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم قريباً من فتنة الدجال)، فالمقصود بهذا التشبيه: هو شدة الهول والعظم والعموم، يعني: معناه كما أن فتنة الدجال هي عظيمة وعامة، فكذلك الفتنة في القبور تشبهها في شدتها، وعظمها، وخطورتها، ففيه: إثبات عذاب القبر وإثبات الفتنة في القبر، وهو ما ترجم له النسائي، بقوله: التعوذ بالله من عذاب القبر.

    وهذا اللفظ ليس فيه ذكر التعوذ بالله من عذاب القبر، لكن فيه إثبات الفتنة وبيان عظم شأنها وأن شأنها عظيم، وأنها خطيرة، وأنها في عمومها، وشمولها، وخطرها، وعظمها قريب من فتنة الدجال، والنبي عليه الصلاة والسلام، كان يجمع في التعوذ بين فتنة الدجال وبين عذاب القبر، كما مر في الحديث الأول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التعوذ بالله من عذاب القبر، والتعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال، من أربع منها هاتان الفتنتان، فتنة القبر، وفتنة المسيح الدجال.

    تراجم رجال إسناد حديث: (قام رسول الله فذكر الفتنة التي يفتن بها المرء في قبره ...)

    قوله: [أخبرنا سليمان بن داود].

    هو أبو الربيع المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [عن ابن وهب].

    وقد مر ذكره.

    [أخبرني يونس].

    هو يونس بن يزيد الأيلي، وقد مر ذكره.

    [عن ابن شهاب].

    وقد مر ذكره.

    [أخرني عروة].

    هو عروة بن الزبير بن العوام وهو أحد الفقهاء السبعة في عصر التابعين الذين مر ذكرهم، وهو من الستة المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، عروة بن الزبير بن العوام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [أنه سمع أسماء بنت أبي بكر].

    يعني: عروة بن الزبير يروي عن أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها وأرضاها؛ لأن أمه أسماء وخالته عائشة، فهي من رواية الأبناء عن الآباء، ابن الزبير يروي عن أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (أن رسول الله كان يعلمهم هذا الدعاء ... وأعوذ بك من عذاب القبر ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزبير عن طاوس عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: (قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)].

    يقول النسائي رحمه الله في هذه الترجمة: التعوذ بالله من عذاب القبر، ومر جملة من الأحاديث التي تحت هذه الترجمة، وبقي بعض الأحاديث الداخلة تحتها، والمشتملة على التعوذ بالله من عذاب القبر، وكما أسلفت أن الأحاديث دالة على إثبات عذاب القبر، وعلى التعوذ بالله منه؛ لأن الأحاديث الدالة على التعوذ منه دالة على إثباته، فهي مشتملة على هذا وعلى هذا، وسبق للنسائي أن وضع ترجمة في إثبات عذاب القبر، وعقبها بهذه الترجمة التي هي التعوذ بالله من عذاب القبر، وهي أيضاً دالة على ما دلت عليه الترجمة السابقة، وفيها بالإضافة إلى إثبات عذاب القبر إثبات التعوذ منه، ومشروعيته، وأن السنة قد جاءت بالتعوذ منه عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وقد أورد النسائي هنا حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، (أنه كان يعلمهم هذا الدعاء المشتمل على التعوذ بالله من عذاب القبر ومن أمور أخرى معه، كما يعلمهم السورة من القرآن)، ومعناه أنه يعتني به عناية تامة، وأنه يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن؛ حتى يأتوا به، وحتى يستعيذوا بالله عز وجل من هذه الأمور التي يتعوذ بالله منها، فهو دليل على الاعتناء والاهتمام، وعلى عظم شأن هذا الدعاء، وأن شأنه عظيم، وأن الإنسان عليه أن يحرص عليه، بل يأتي به في آخر صلاته في التشهد الأخير، وقد جاء في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعوذ في ذلك في صلاته كما سيأتي في بعض الأحاديث، فهو دال على الاهتمام بهذا الدعاء المشتمل على أربعة أمور، التعوذ بالله من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، وقد مر بعض الأحاديث المشتملة على هذه الأربع الجمل التي اشتمل عليها هذا الدعاء من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ففيه: إثبات عذاب القبر، وإثبات التعوذ منه، والاهتمام بهذا الدعاء وبيان عظم شأنه، وأن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يهتم به حتى أنه يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن، وكذلك التعوذ بالله من عذاب النار، وإثبات النار، وإثبات عذابها، وإثبات التعوذ من عذابها، وأنها موجودة، ومن يستحق العذاب يصل إليه عذابه قبل أن يبعث في قبره، كما سبق أن مر في قصة آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].

    وفتنة المحيا والممات: تشمل الفتن التي تجري في الحياة وفي الممات، وفتنة المسيح الدجال هي من فتنة الحياة وتكون في آخر الزمان في الوقت الذي ينزل فيه عيسى بن مريم من السماء، ويقتل الدجال الذي يكون في الأرض قبل أن ينزل عيسى، فعيسى مسيح الهداية يقتل الدجال مسيح الضلالة، كما ثبتت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يعلمهم هذا الدعاء ... وأعوذ بك من عذاب القبر ...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن مالك].

    هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي الزبير].

    هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن طاوس].

    هو طاوس بن كيسان اليماني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن عباس].

    هو ابن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنه، وعن أبيه، وعن الصحابة أجمعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وأنس، وجابر، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    شرح حديث عائشة: (دخل علي رسول الله وعندي امرأة من اليهود ... فسمعت رسول الله بعد يستعيذ من عذاب القبر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني عروة أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة من اليهود وهي تقول: إنكم تفتنون في القبور، فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنما تفتن يهود، وقالت عائشة: فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور، قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يستعيذ من عذاب القبر)].

    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، فقالت: إنكم تفتنون في القبور، فأخبرت عائشة رضي الله عنها، بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتاع لذلك؛ لأنه لم يوح عليه شيء في ذلك، وهو إنما يتكلم بالوحي وينطق به وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقال: (إنما تعذب يهود، ثم إنه لبث ليالي أو أياماً، وبعد ذلك قال: أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور) فدل هذا على أن الرسول عليه الصلاة والسلام أوحي إليه بإثبات الفتنة في القبر، وبحصول السؤال فيه، وكان عليه الصلاة والسلام قبل ذلك لم ينزل عليه شيء يدل على ذلك، ولكنه أخبر بأن اليهود تفتن في قبورها، وأنها تعذب في قبورها، وقد سبق أن ورد في بعض الأحاديث أنه مر بقبور وسمع صوتاً، وقال: (يهود تعذب في قبورها)، فدل ذلك على أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أطلعه الله عز وجل على أن اليهود يعذبون في قبورهم، ثم أوحي إليه بعد ذلك أن الناس يمتحنون ويفتنون في قبورهم، وقد جاء ذلك مبيناً في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث جاءت الأحاديث بكون الإنسان يسأل عن ربه، ودينه، ونبيه، وأن الله تعالى يثبت من يثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين.

    ففيه: إثبات عذاب القبر، وإثبات الامتحان والاختبار وأن الامتحان، والاختبار، والعذاب إنما يكون لهذه الأمة كما يكون لغيرها، فالامتحان يكون لهذه الأمة ولغيرها، والعذاب يكون لمن يستحقه من هذه الأمة ومن غيرها من الأمم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (دخل علي رسول الله وعندي امرأة من اليهود ... فسمعت رسول الله بعد يستعيذ من عذاب القبر)

    قوله: [أخبرنا سليمان بن داود]

    هو سليمان بن داود المصري أبو الربيع، أخرج له أبو داود، والنسائي.

    [عن ابن وهب].

    هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن يونس].

    هو يونس بن يزيد الأيلي ثم المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، وهو ثقة، فقيه، من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني عروة].

    هو عروة بن الزبير بن العوام التابعي المشهور أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [أن عائشة].

    هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي الصديقة بنت الصديق التي حفظ الله بها الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي من أوعية السنة ومن المراجع التي يرجع إليها فيها، لا سيما فيما يتعلق بالأمور البيتية، وفي الأمور التي تكون بين الرجل وأهله، فإن الله تعالى حفظ بها الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلموهي المرأة الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام، وقد سبق أن مر أن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، من الصحابة أنهم سبعة ستة رجال، وامرأة واحدة، وهذه المرأة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    شرح حديث: (أن النبي كان يستعيذ من عذاب القبر ...) من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن يحيى عن عمرة عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يستعيذ من عذاب القبر، ومن فتنة الدجال وقال: إنكم تفتنون في قبوركم)].

    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يستعيذ من عذاب القبر، ومن فتنة الدجال وقال: إنكم تفتنون في قبوركم)، وهذا بعدما أوحى الله عز وجل إليه بأنهم يفتنون في القبور، وكما عرفنا في الحديث الماضي، أنه قبل ذلك لم يكن يوحى إليه أنهم يفتنون في قبورهم، ولكنه أوحي إليه بعد ذلك، وهذا الحديث دال على ما دلت عليه الأحاديث الثابتة الدالة على حصول الفتنة في هذه الأمة في قبورها، وأن منهم من ينعم، ومنهم من يعذب.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يستعيذ من عذاب القبر ...) من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وقد مر ذكره.

    [حدثنا سفيان].

    هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، أخرج له أ صحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى].

    هو ابن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرة].

    هي بنت عبد الرحمن الأنصارية، وهي ثقة، مكثرة من الرواية عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    وقد مر ذكرها.

    شرح حديث: (إنهم ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم) من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن مسروق عن عائشة رضي الله تنها قالت: (دخلت يهودية عليها فاستوهبتها شيئاً فوهبت لها عائشة فقالت: أجارك الله من عذاب القبر، قالت عائشة: فوقع في نفسي من ذلك حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: إنهم ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم)].

    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، وهو أنه كان عندها امرأة من اليهود استوهبتها شيئاً يعني: طلبت منها حاجة فأعطتها إياها، فدعت لها وقالت: أجارك الله من عذاب القبر، قالت: فوقع في نفسي شيء، فأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنهم ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم) وهذا يفهم منه أن المقصود بذلك اليهود، وأنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم، وقد جاءت الأحاديث بأنه أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن الناس يفتنون في قبورهم، وأن هذا ليس خاصاً باليهود، وإنما يكون فيهم وفي غيرهم، وفي الحديث أن الله عز وجل يسمع البهائم ما يجري في القبور من العذاب؛ وذلك لأنها غير مكلفة، وأما الذين هم مكلفون -وهم الجن والإنس- فقد أخفى الله عليهم ذلك حتى يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن به، وقد أطلع الله نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام على ذلك فأسمعه من عذاب القبر ما أسمعه، ولم يسمع الناس ذلك، وإنما أسمع البهائم التي هي غير مكلفة، ولم يسمع المكلفين؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن به.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إنهم ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم) من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا هناد].

    هو هناد بن السري أبو السري الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبي معاوية].

    هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، كثير التدليس والإرسال الخفي، يدلس، ويرسل إرسالاً خفياً، والإرسال الخفي هو: أن يروي عمن عاصره ولم يلقه، فهذا فيه احتمال اللقيا، فيقال له: إرسال خفي، بخلاف الإنسان إذا روى عمن لم يدرك عصره فهذا إرسال واضح، كونه يروي عن شخص لم يدرك عصره فهذا إرسال واضح جلي، أما إذا روى عن شخص عاصره ولم يلقه فإن هذا يعتبر إرسالاً خفياً، فـأبو معاوية الضرير معروف بالتدليس، وبالإرسال الخفي.

    والفرق بين التدليس والإرسال الخفي: أن الإرسال الخفي: هو أن يروي عمن عاصره ولم يلقه، أما إن عاصره ولقيه وأخذ عنه وروى عنه ما لم يسمعه منه فإن هذا هو المدلس، يعني: معروف بأنه شيخ من شيوخه، وأنه أخذ وسمع منه، ولكنه يروي عنه بالعنعنة وهو مدلس، أما إذا روى عنه وهو معاصر له لكنه لم يلقه، ولم يسمع منه، فهذا يقال له: الإرسال الخفي، فإن روى عمن لم يدرك عصره وبينه وبينه مدة فهذا هو المرسل الجلي الواضح الذي ليس فيه خفاء، ومحمد بن خازم الضرير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن الأعمش].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، مدلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقب اشتهر به، فيأتي ذكره باللقب أحياناً كما يأتي ذكره بالاسم فيقال: سليمان بن مهران، ويقال: سليمان فقط، وأحياناً يأتي الأعمش كما هنا، ومن أنواع علوم الحديث معرفة ألقاب المحدثين، وهو أن من له اسم معروف به، وله لقب معروف به، فيحتاج إلى معرفة الألقاب حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، لا سيما إذا ذكر مرة بالاسم، وباللقب أخرى، فإن من لا يعرف يظن أن هذا شخص وهذا شخص، لكن إذا عرف الإنسان أن سليمان بن مهران لقبه الأعمش، فإن جاء الأعمش في إسناد، أو جاء سليمان في إسناد لا يتلبس على من يعرف أن هذا شخص واحد، ومن لا يعرف يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان بن مهران شخص آخر.

    [عن شقيق].

    هو ابن سلمة الكوفي، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وله كنية اشتهر بها وهي أبو وائل، أحياناً يأتي باسمه فيقال: شقيق، وأحياناً بكنيته فيقال: أبو وائل، ويقال فيه ما قيل في سليمان بن مهران الكاهلي، من معرفة الكنى التي اشتهر بها بعض المحدثين، وذلك حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، لا سيما إذا ذكر باسمه مره، وذكر بكنيته مرة أخرى، ومن لا يعرف يظن أن شقيق بن سلمة شخص، وأن أبا وائل شخص آخر، وهنا جاء شقيق باسمه، وسيأتي بعد ذلك حديث فيه ذكره بالكنية، فمن يعرف أن أبا وائل كنية لـشقيق بن سلمة لا يلتبس عليه الأمر، إن جاء هذا عرفه وإن جاء هذا عرف أنه هو هذا.

    [عن مسروق].

    هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    قد مر ذكرها.

    شرح حديث: (دخلت علي عجوزتان من عجز يهود المدينة ... فما رأيته صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر) من طريق رابعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت علي عجوزتان من عجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إن عجوزتين من عجز يهود المدينة قالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قال: صدقتا، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها، فما رأيته صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر)].

    أورد النسائي حديث عائشة، وهو أنه كان عندها عجوزتان من عجائز يهود المدينة، وأنهما قالتا: إن الناس يفتنون في قبورهم، فكذبتهما ولم تنعم أن تصدقهما، يعني: أنهما أهل لأن يكذبا؛ لأن اليهود معروفون بالكذب والتحريف والتبديل، يعني: ما طابت نفسها لكلامهما، لأنهم معروفون بالتحريف والتبديل والكذب، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته بذلك فقال: (صدقتا)، وهذا دليل على أن الحق يقبل ممن جاء به، ومن المعلوم أنهم أهل كتاب، وهذا الذي صدقه صلى الله عليه وسلم يدل على ثبوته، ومن المعلوم أن ما كان عند أهل الكتاب فإنهم لا يصدقون ولا يكذبون، بل إن جاء في السنة ما يدل على التصديق صدق مثلما هنا؛ لأنهم عندهم الناس يعذبون في قبورهم، وجاءت السنة بإثبات ذلك، فصار هذا الكلام صدقاً، وأما إذا جاء في السنة ما يكذب ذلك فإنه يكذب، وإذا لم يأت في السنة لا تصديق ولا تكذيب فإنهم لا يصدقون ولا يكذبون، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) يعني: إذا حدث أهل الكتاب بشيء عما في كتبهم، فلا يصدقون ولا يكذبون، لكن إن جاءت السنة أو جاء في هذه الشريعة ما يدل على كذب شيء معين جاء عنهم فيقطع بكذبه؛ لأن السنة جاءت بتكذيبه، وإن جاء شيء يدل على الصدق صدق كما في هذا الحديث الذي أخبرتها عن شيء، وأخبر الرسول بأن ذلك حق وأن ذلك صدق، وأما إذا لم يوجد ما يدل على التصديق ولا على التكذيب، فإنه يسكت عنه، ولكن يقال: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [العنكبوت:46]؛ لأنهم لو صدقوا في كل ما يقولون لأمكن أن يصدقوا بباطل، ولو كذبوا في كل ما يقولون لأمكن أن يكذب ما هو حق، وإذا لم يصدقوا ولم يكذبوا، وقال الإنسان: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [العنكبوت:46] فهذا كلام حق، فإن كان منزل فنحن مؤمنون به، وإن كان غير منزل فنحن لا نؤمن ولا نصدق بشيء لم يكن منزلاً، (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [العنكبوت:46])، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: (صدقتا، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها، فما رأيته بعد ذلك صلى صلاة إلا تعوذ فيها من عذاب القبر) وهذا يدلنا على مشروعية التعوذ بالله من عذاب القبر في الصلاة، بل التعوذ بالله من الأربع التي جاءت في الأحاديث السابقة وهي: عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال.

    تراجم رجال إسناد حديث: (دخلت علي عجوزتان من عجز يهود المدينة ... فما رأيته صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر) من طريق رابعة

    قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].

    هو محمد بن قدامة المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [حدثنا جرير].

    هو جرير بن عبد الحميد الكوفي، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن منصور بن المعتمر].

    هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي وائل].

    هو شقيق بن سلمة الذي مر ذكره في الإسناد السابق، واسمه شقيق، وهنا جاء بكنيته أبو وائل، فيأتي ذكره أحياناً بالكنية، وهو مشهور بها، ويأتي ذكره أحياناً بالاسم، ومعرفة الكنية التي يشتهر بها شخص مع معرفة اسمه يندفع به احتمال أن يظن الشخص الواحد شخصين، وهو ثقة، مخضرم، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن مسروق عن عائشة].

    وقد مر ذكرهما.

    1.   

    وضع الجريدة على القبر

    شرح حديث: (... ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وضع الجريدة على القبر.

    أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان مكة أو المدينة سمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستبرئ من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة، فقيل له: يا رسول الله! لم فعلت هذا؟ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا، أو إلى أن ييبسا)].

    أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: وضع الجريدة على القبر، أي: لتخفيف العذاب على المقبور، وقد ثبت في السنة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها من خصائصه عليه الصلاة والسلام، فليس لأحد أن يضع على القبور شيء من الجريد، ولا شيء من الزهور، ولا شيء من النباتات، أو الأشياء الخضرة، وإنما هذا يعتبر من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الله تعالى أطلعه على العذاب، وعلى سببه، على أنهما معذبان، وأن عذابهما سببه كذا وكذا، فوضع الجريدتين؛ لأجل أن يخفف عنهما ما لم ييبسا، أما غيره من الناس فلا يعلم ما يجري في القبور، ولا يعلم عن المنعم ولا عن المعذب، ولا يعلم سبب العذاب، حتى مع كونه لا يعلم العذاب فهو لا يعلم سببه، والرسول صلى الله عليه وسلم علم العذاب، وعلم سبب العذاب، فوضع الجريدتين للتخفيف على صاحبي القبرين، فاعتبر هذا من خصائصه، ولهذا لم يكن معروفا في الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أن يفعلوا ذلك مع آبائهم، وأمهاتهم، وإخوانهم، وأخواتهم، وأقربائهم، وما كانوا يفعلون ذلك، فعدم فعلهم له دل على أنهم اعتبروا هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

    وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما الذي أورده النسائي هنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى) وفي بعض الروايات: (بلى إنه كبير) وقد فسر بعدة تفسيرات -النفي والإثبات-: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) يعني: في أنفسهما، وأنه ليس بذي بال، وكأنهما لم يعرفا أنه عظيم، فهو في نظرهما وفي ذهنهما أن الأمر هين، ولكنه كبير، بل هو عظيم، فهذا وجه مما قيل في وجه التفريق بين النفي والإثبات في قوله: (وما يعذبان في كبير، بلى، إنه كبير) هو كبير وعظيم عند الله، وهو من كبائر الذنوب؛ لأن التعذيب بالنار دليل على أنه كبيرة، فالنميمة وعدم الاستبراء من البول هذان من الكبائر التي يستحق صاحبها العذاب.

    ثم أيضاً: الحديث فيه دليل على ثبوت العذاب لغير الكفار؛ لأن هذا ثبت في حق عصاة، وفي حق أناس مؤمنين عندهم معاصي، وسبب ذلك التعذيب هو النميمة، وعدم الاستبراء من البول، أما من يكون كافراً فعنده الكفر الذي ليس وراءه ذنب، وليس هناك ذنب أعظم منه، والعذاب إنما يكون عليه، ولما كان العذاب إنما هو من أجل النميمة، ومن أجل عدم الاستبراء من البول، فعرف أن العذاب يكون لمن شاء الله عز وجل من العصاة كما يكون للكفار، والأحاديث التي وردت بأن اليهود تعذب في قبورها يعني: عذاب الكفار، والآيات القرآنية التي دلت على أن آل فرعون يعذبون في النار، يعني: عذاب كفار في قبورهم النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فهو دال على حصول العذاب لأهل المعاصي، يعني: من شاء الله عز وجل أن يعذب، ووضع الجريدتين -كما قلت- هو من خصائصه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].

    وقد مر ذكره.

    [حدثنا جرير عن منصور].

    وقد مر ذكرهما.

    [عن مجاهد].

    هو ابن جبر المكي، وهو ثقة، ثبت، معروف بالتفسير، وهو الذي يروي التفسير عن ابن عباس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عباس].

    رضي الله عنهما وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (... ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة ...) من طريق أخرى

    شرح حديث: (ألا إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار حتى يبعثه الله عز وجل يوم القيامة)].

    أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو لا يدل على الترجمة التي جاءت: وضع الجريد على القبر، ولكنه يدل على نعيم القبر وعذابه، وليس فيه ذكر الجريد، أو وضعه على القبر كما دل عليه حديث ابن عباس من الطريقين السابقتين، لكنه دال على إثبات عذاب القبر، وأن الإنسان يعرض عليه مقعده وهو في قبره، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، حتى يبعثه الله عز وجل، وهذا العرض فيه تنعيم وتعذيب، كما جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، أنه إن كان من الموفقين فتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، وإن كان من المعذبين فتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها حتى يبعثه الله، وكما جاء في القرآن عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً [غافر:46] يعني: يعذبون بعذاب النار وهم في قبورهم وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] ينتقلون من عذاب النار بعذاب شديد، إلى عذاب أشد، في النار والعياذ بالله، فهو دال على إثبات عذاب القبر، وأن الإنسان يعرض عليه مقعده من الجنة إن كان من أهل الجنة، ومقعده في النار إن كان من أهل النار.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ألا إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث].

    قد مر ذكره.

    [حدثنا الليث]

    هو الليث بن سعد المصري، هو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن نافع].

    هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما].

    وهو الصحابي الجليل ابن الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من صغار الصحابة المشهورين بهذا اللقب، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحديث رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن فيه قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر، يعني: بين النسائي فيه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص.

    شرح حديث: (يعرض على أحدكم إذا مات مقعده من الغداة والعشي ...) من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا المعتمر سمعت عبيد الله يحدث عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يعرض على أحدكم إذا مات مقعده من الغداة والعشي، فإن كان من أهل النار فمن أهل النار قيل: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم القيامة)].

    أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، من طريق أخرى، وهو أنه (يعرض على أحدكم مقعده بالغداة والعشي، فإن كان من أهل النار فمن أهل النار قيل: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم القيامة)].

    يعرض على الإنسان مقعده من الجنة أو النار في الغداة والعشي، فإن كان من أهل الجنة، فإنه يعرض عليه مقعده من الجنة، ويأتيه من نعيمها، وإن كان من أهل النار يعرض عليه مقعده من النار، ويأتيه من سمومها وحرها، وذكر الغداة والعشي مثل ما جاء في آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] حتى يبعثه الله فينتقل إلى النعيم الأعظم، وإلى العذاب الأشد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يعرض على أحدكم إذا مات مقعده من الغداة والعشي ...) من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو ابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [أخبرنا المعتمر].

    هو ابن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت عبيد الله].

    هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المصغر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن نافع عن ابن عمر].

    وقد مر ذكرهما.

    حديث: (إذا مات أحدكم عرض على مقعده بالغداة والعشي ...) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا اسمع واللفظ له، عن ابن القاسم، حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات أحدكم عرض على مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم القيامة)].

    أورد النسائي حديث ابن عمر وهو مثل الرواية السابقة التي قبل هذه الرواية.

    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].

    هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    الحارث بن مسكين المصري].

    ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].

    أي: في شيخه الثاني وهو الحارث بن مسكين، وأخذ ذلك عنه بالعرض، يعني: كونه يقرأ عليه وهو يسمع.

    [عن ابن القاسم].

    هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك.