إسلام ويب

شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - باب عذاب القبرللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات عذاب القبر، وأنه حق لا شك فيه، وثبتت مشروعية التعوذ منه ومن شر فتنته.

    1.   

    عذاب القبر

    شرح حديث: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ... نزلت في عذاب القبر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب عذاب القبر.

    أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبيه عن خيثمة عن البراء رضي الله عنه قال: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27] قال: نزلت في عذاب القبر.

    يقول النسائي رحمه الله: عذاب القبر، أي: إثباته، وأنه حق، وأن عذاب القبر واقع، وأن ذلك ثابت في كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك النعيم في القبر ثابت، فالنعيم ثابت لمن يستحقه، والعذاب ثابت لمن يستحقه، وقد جاء في القرآن الكريم بعض الآيات الدالة على إثبات عذاب القبر، ومن أوضح ما جاء فيه في القرآن قول الله عز وجل لآل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] فإن هذه الآية الكريمة تدل على أن آل فرعون يعذبون في النار قبل يوم البعث والنشور، فلهذا قال: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً [غافر:46] ثم قال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فينتقلون من عذاب شديد إلى عذاب أشد، فهذه الآية الكريمة دالة على إثبات عذاب القبر، وهذه الآية الكريمة التي معنا أيضاً فيها من تفسير البراء بن عازب رضي الله عنه، ما يدل على أنها نزلت في عذاب القبر، وهي قول الله عز وجل: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم:27] فإنه جاء عن البراء بن عازب كما في الحديث الذي معنا أنها نزلت في عذاب القبر، ففي ذلك بيان إثبات عذاب القبر، وبيان أن السنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه، وبيان أن قول الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا إنما هو من بيان سبب النزول، وأن ذلك مما يعول عليه، ويعتمد عليه في فهم النصوص، وفي فهم الآيات القرآنية، والمراد من ذكر عذاب القبر أي: ما يترتب على الفتنة، وعلى الاختبار، فإنه يترتب عليه العذاب ويترتب عليه النعيم؛ لأنه قبل العذاب والنعيم يكون هناك اختبار وامتحان، وهي الفتنة، وعلى ضوء النتيجة في الامتحان والاختبار، يكون النعيم أو العذاب، فهنا قال: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم:27] أي: عندما يمتحنون ويختبرون، وإذا ثبت من ثبت فالنتيجة أنه ينعم في قبره، وإذا لم يثبت وخذل من خذل، ولم يوفق في الجواب على السؤال الذي يسأله عنه منكر ونكير، فإنه عند ذلك يعذب.

    إذاً: فالعذاب أثر ونتيجة للاختبار، ومن آثار الاختبار والامتحان الذي دلت عليه الآية وهو: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم:27] يعني: عند السؤال يثبتهم في الدنيا، وفي الآخرة، يثبتهم في الدنيا بالتمسك بالحق والإبقاء على الحق، والشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة، والتمسك بالدين الذي جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام؛ لأن القبر السؤال عنه في ثلاثة أمور: سؤال عن الرب، وعن الدين، وعن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه هي الأصول الثلاثة التي انبنى عليها هذا الدين، وهي: الإيمان بالرب، والإيمان بالرسول، والتمسك بالدين الذي جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاء في الحديث ذكر هذه الثلاثة، جاء في صحيح مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً) وكذلك جاء عند الآذان عند ذكر شهادة أن محمداً رسول الله يقول الإنسان عندما يسمع الأذان: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، هذه أصول ثلاثة، وعلى هذه الأصول الثلاثة بنى الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، رسالته العظيمة المختصرة المفيدة التي هي: الأصول الثلاثة وأدلتها، وهذه الأصول الثلاثة معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، هذه الرسالة القيمة لا يستغني عنها مسلم، يعني: سواء كان عامياً أو متعلماً، رسالة عظيمة نفيسة فيها بيان هذه الأمور التي يتعين معرفتها، وهي معرفة الإنسان ربه، ودينه، ونبيه بالأدلة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهي رسالة قيمة مشتملة على الأمور أو الأصول التي يسأل عنها في القبر، وهي التي جاءت في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً).

    وعلى هذا فعذاب القبر حق ثابت تواترت به الأحاديث، وجاء في بعض الآيات ما يدل عليه، فهو حق يجب الإيمان به والتصديق، وهو يحصل في الحياة البرزخية التي هي بعد الموت وقبل البعث؛ لأن الحياة أو أنواع الحياة ثلاثة: الحياة الدنيوية، والحياة البرزخية، والحياة الأخروية بعد البعث، وكل حياة تختلف عن الأخرى، والحياة البرزخية هي الحياة في القبر، فينعم الإنسان إذا كان من الموفقين، ويعذب إذا كان بخلاف ذلك، والعياذ بالله، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، في إثبات عذاب القبر، وأنه حق، وأنه يجب الإيمان به، والتصديق به لثبوته في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    وحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي أورده النسائي فيه بيان سبب نزول هذه الآية، وفيه: بيان أن السنة تبين القرآن وتفسره، وتدل عليه؛ لأنه جاء عن البراء بن عازب أنها نزلت في عذاب القبر، أي: في السؤال في عذاب القبر وما يترتب على السؤال من نعيم وعذاب نتيجة لهذا السؤال، كل ذلك حق ثابت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ... نزلت في عذاب القبر)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور].

    هو ابن بهرام المروزي وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [حدثنا عبد الرحمن].

    هو ابن مهدي البصري المحدث المشهور، الإمام الناقد، المتكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان].

    هو ابن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة ثبت حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو مشهور بالفقه، ومشهور بالحديث، جمع بين الحديث والفقه، فهو من أئمة الحديث، ومن أئمة الفقه، وكثيراً ما يأتي ذكره في كتب الفقه في بيان أقواله وآرائه، فهو محدث فقيه، وقد ذكر الحازمي في كتابه: شروط الأئمة الخمسة أنهم عندما يريدون أن يميزوا شخصاً عن شخص في الحفظ، والإتقان يحصرون أغلاطه، أي: يعدون أغلاطه، فمن كانت أغلاطه أكثر أو أقل، فإنهم يفاوتون بين الأشخاص في التقدم والتثبت بعد أغلاطهم التي غلطوا فيها وهي قليلة، فمن وجدوه غلط أقل، قدموه في الحفظ والإتقان على من غلط أكثر؛ ولهذا ذكروا عن سفيان الثوري، وعن شعبة، وكل منهما أمير في الحديث قارنوا بين الشخصين وقدموا سفيان على شعبة، مع أن كل منهم في القمة، لكن لكون هذا له أغلاط وهذا له أغلاط، وهذا أقل من هذا، فقدموا هذا على هذا.

    [عن أبيه].

    هو سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن خيثمة].

    هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن البراء].

    هو البراء بن عازب وهو صحابي ابن صحابي رضي الله تعالى عنهما، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (يثبت الله الذين آمنوا... قال: نزلت في عذاب القبر) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27] قال: نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وديني دين محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27])].

    أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، عن البراء بن عازب وهو مثل الذي قبله، في بيان أن قول الله عز وجل: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27] أنها نزلت في عذاب القبر، وأن هذا التثبيت إنما هو عند السؤال عن الرب، والدين، والنبي، وأنه يجيب إذا كان موفقاً بحيث يثبته الله، ويسدده الله، فيكون جوابه صواباً، فيكون عند ذلك من المنعمين، وإذا كان بخلاف ذلك والعياذ بالله، فإنه يكون من المعذبين أو يحصل له العذاب في قبره، فالحديث دال على إثبات عذاب القبر، وفيه: بيان أن سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في عذاب القبر، فهو مثل الذي قبله، إلا أن فيه زيادة إيضاح وبيان للسؤال، والتثبيت عند السؤال، وأنه يكون عن السؤال عن الرب، وعن الدين، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يثبت الله الذين آمنوا... قال: نزلت في عذاب القبر) من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].

    هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار شيوخ البخاري، ومثله في ذلك محمد بن المثنى الملقب الزمن، وكذلك يعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهم من صغار شيوخ البخاري، وماتوا جميعاً في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات.

    إذاً: البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، وهؤلاء الثلاثة من شيوخه ماتوا سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

    ومحمد، هنا غير منسوب، ويسمى مثل ذلك المهمل، إذا ذكر الشخص ولم ينسب، فاسمه في المصطلح المهمل، بخلاف ما إذا لم يذكر الاسم ولكن أبهم بأن قيل: رجل، أو امرأة، فذاك يقال له: المبهم، فالمبهم ما فيه ذكر الاسم، والمهمل فيه ذكر الاسم، لكن ما فيه نسب، ما نسب حتى يتميز ويعرف، محمد ومحمد كثير، اسمه محمد الشخص الذي يروي عنه محمد بن بشار، هو غير منسوب فيقال له: المهمل، ومعرفة ذلك بمعرفة الشيوخ والتلاميذ، ومن المعلوم أن شعبة إذا جاء عنه شخص اسمه محمد مهملاً، فالمراد به محمد بن جعفر غندر، وكذلك محمد بن بشار ومحمد بن المثنى إذا جاء لهم شيخ لم ينسب اسمه محمد، فالمراد به محمد بن جعفر الملقب غندر، فمحمد هذا هو غندر، محمد بن جعفر البصري، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة].

    هو ابن حجاج الواسطي ثم البصري، لأنه كان من أهل واسط ثم كان من أهل البصرة، ولهذا عندما يكون الإنسان سكن بلدين يذكرونهما، ولكن يذكرون الأولى والأخيرة، ويأتون بكلمة ثم التي تدل على الترتيب وعلى أن هذا كان هذا ثم هذا، فهو واسطي ثم بصري، فهو عندما ينسب الإنسان إلى بلاد متعددة، ويكون سكنها ونزل فيها، يذكرونها ويأتون بثم تبين أن كل من النسبتين صحيحة وأنه ليس فيه غلط، وأن واحدة كانت متقدمة، والثانية متأخرة، فما قبل ثم هو الأول، وما بعد ثم هو المسكن الأخير، فهو الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الذين وصفوا بأنهم من أمراء المؤمنين في الحديث.

    [عن علقمة بن مرثد].

    أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سعد بن عبيدة].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن البراء].

    هو البراء بن عازب، وقد مر ذكره في الحديث الذي قبل هذا.

    شرح حديث: (... لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن حميد عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتاً من قبر فقال: متى مات هذا؟ قالوا: مات في الجاهلية، فسر بذلك وقال: لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)].

    أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي فمر بقبر فسمع صوتاً، يعني: صوت المعذب في قبره، (فقال: متى كان هذا؟) قالوا: في الجاهلية، يعني: هذا القبر كان في الجاهلية، (فسر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام)، يعني: أنه ما كان من المؤمنين، لم يكن مؤمناً يعذب في قبره، وإنما كان كافراً مات في الجاهلية، ويعذب في قبره، وهو كافر، وعذاب القبر يكون للكفار ويكون لمن شاء الله عز وجل من أهل المعاصي، والحديث هذا يدل على عذاب الكفار، وحديث عذاب آل فرعون، والآية التي تدل على عذاب آل فرعون هي للكفار، والحديث الذي فيه ذكر الذين يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله، فهؤلاء يعذبون بالمعاصي، مسلمون يعذبون بسبب المعاصي، فعذاب القبر يكون سببه الكفر ويكون سببه المعاصي، فهو للكفار، ولمن شاء الله تعالى من المؤمنين المذنبين الذين لم يشأ الله عز وجل أن يغفر لهم، بل شاء أن يعذبهم على ما حصل منهم، ولكن كما عرفنا دائماً وأبداً، وكما نذكره أن مذهب أهل السنة والجماعة أن من مات على التوحيد، فإنه إذا شاء الله عذابه، فإنه لا بد أن ينتهي عذابه، ولا بد أن يخرج من النار إذا دخلها، ويدخل الجنة بعد ذلك، فمآله إلى الجنة ولا بد، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهل النار والذين لا سبيل لهم للخروج من النار أبداً، أما المؤمنون الذين عندهم معاص، فإن هؤلاء إذا شاء الله عذابهم، فإنهم يعذبون الفترة التي شاء الله عز وجل أن يعذبوها، ثم إنهم يخلصون من العذاب، ويخرجون من النار، ويدخلون الجنة.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام، لما ذكر له أن هذا في الجاهلية سر، يعني: سر إذ لم يكن مؤمناً يعذب، وإنما كان كافراً يعذب على كفره، ففيه: إثبات عذاب القبر، وأنه حق، وأنه يكون للكفار، وجاء في بعض الأحاديث أنه يكون للمسلمين العصاة، كما في حديث صاحبي القبرين المعذبين في عدم الاستبراء من البول، وفي المشي بالنميمة.

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: (فسمع صوتاً) والناس ما سمعوا، لكن الله تعالى أسمعه، ولم يسمع الناس، والله على كل شيء قدير، يعني: أشخاص مع بعض واحد يسمع هذا الذي هو أمر مغيب وجماعة لا يسمعون، والله تعالى من حكمته أن أخفى على الناس عذاب القبر، ولو ظهر للناس عذاب القبر ما يتميز المؤمن وغير المؤمن؛ لأن الناس كلهم يصيبهم الهلع، ولا يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، لكن الله تعالى أخفى عذاب القبر وأخبر به، فالمؤمن مصدق يؤمن به، ولو لم يسمع ولو لم يشاهد، فعذاب القبر حق، لو فتح القبر، وما رأى عذاباً يعلم بأن العذاب موجود ولو ما رآه، وكذلك العذاب يجري في القبر، ويحصل الصراخ والصياح، ومع ذلك الله تعالى لم يسمع الناس، وقد جاء في بعض الأحاديث أن الإنسان في قبره يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا البهائم، يسمعها كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس؛ لأنهم مكلفون فشاء الله عز وجل أن يخفي عنهم هذا الذي يجري في القبور، والرسول صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ذلك، وأسمعه إياه، وقال عليه الصلاة والسلام: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر) يعني: يسمعهم الأصوات التي تحصل بسبب العذاب، وفي بعض الأحاديث: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)؛ لأن الله تعالى أسمعه، ولم يسمعهم لحكمة وهي أنه يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأن إخبار الناس بأخبار لم يشاهدوها ولم يعاينوها يتميز به من يؤمن، ومن لا يؤمن، لكن لو ظهر للناس العذاب، وهذه الأمور المخبأة، والأمور المخفاة عليهم لم تحصل الحكمة، وما حصل تمييز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، ومن المعلوم أنه إذا حصل تألم وتأثر بحضرة أحد من الناس، فإنه لا يرتاح، ولا يهدأ له بال، لو كان هناك مريض يتألم ويحصل تململ وصياح فالذين حوله لا يستريحون، ولا يقر لهم قرار، ولا يهدأ لهم بال، بسبب ما يسمعونه من شدة المرض الذي يحصل للإنسان، فلذلك الله تعالى أخفى عذاب القبر، وهذه أمور دنيوية إذا شاهدوها يحصل لهم ما يحصل من التألم والتأثر، فكيف لو سمعوا ما يجري في القبور من العذاب، والصراخ، والصياح الذي يكون بسبب العذاب، العذاب الذي يكون في القبر (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر) المراد بذلك أنهم يصيبهم الهلع والذعر، بل قد يموتون، ويحصل لهم الهزال الذي لا يستطيعون أن يدفن بعضهم بعضاً، وعذاب القبر كما هو معلوم يكون لمن يستحقه، دفن أو لم يدفن، قبر أو لم يقبر، لكن ذكر عذاب القبر لأن غالب الناس يقبرون، لكن من الناس من لا يقبر، منهم من تأكله السباع، ومنهم من يحترق في النار، ويطير في الهواء، ومنهم من يغرق، وتأكله الحيتان، فمن يستحق العذاب يأتي إليه العذاب ولو لم يقبر، والله تعالى على كل شيء قدير، فليست القضية خاصة بمن يدفن، والإنسان الذي لا يدفن لا يصل إليه عذاب القبر، لا، بل عذاب القبر يصل إلى من يستحقه، قبر أو لم يقبر، لكن المقصود من قوله: (لولا ألا تدافنوا) معناه أنه يصيبهم الهلع والذعر، ويحصل الهلاك والشدة التي لا تجعل الناس يستطيعون أن يدفن بعضهم بعضاً، (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر) وجاء في بعض الأحاديث (أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، والله تعالى على كل شيء قدير، أسمع نبيه، ولم يسمع من كان مع نبيه عليه الصلاة والسلام، والبهائم كانت تسمع، وجاء في الأحاديث أنها تسمع، وأنها يحصل منها اضطراب عندما تسمع ما يجري في القبور، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، أنهم كانوا في الشام إذا أصاب الخيل احتباس البطون، يمرون بها من عند قبور الكفار الذين ماتوا فيحصل لها ما يحصل بما تسمع، فتنطلق بطونها بعد أن كانت محتبسة البطون، فإنه يحصل لها انطلاق، واستطلاق لبطونها بسبب ذلك؛ لأن الله تعالى يسمعها ما يجري في القبور، وقد جاء في الحديث أنه يصيح صيحة تسمعها كل شيء إلا الثقلين، ولو سمعها الإنسان لصعق.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)

    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].

    هو سويد بن نصر المروزي لقبه الشاه، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو راوية عبد الله بن المبارك المروزي، وإذا جاء سويد بن نصر يروي عن عبد الله غير منسوب فهو عبد الله بن المبارك، وهذا المهمل أيضاً مثلما مر في محمد بن جعفر الذي يروي عن شعبة غير منسوب، وهذا عبد الله غير منسوب فهو مهمل، وإذا جاء سويد بن نصر يروي عن عبد الله، فـعبد الله هو ابن المبارك المروزي، فكلما جاء سويد بن نصر يروي عن عبد الله ولم يذكر اسم عبد الله فالمراد به عبد الله بن المبارك المروزي؛ لأنه راويته، يعني: هو الذي يأخذ الحديث عنه، ويتلقى عنه؛ ولهذا يهمله ولا يحتاج إلى أن ينسبه لأنه مشهور، ومعروف بالرواية عنه، عبد الله بن المبارك المروزي ثقة ثبت، وصفه الحافظ ابن حجر في التقريب بصفات عديدة فقال: جواد، مجاهد، عابد، جمعت فهي خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن حميد].

    هو حميد بن أبي حميد الطويل البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، خدمه عشر سنوات منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل وهو يخدمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ومن أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا الحديث يرويه سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك وهما مروزيان، وحميد بن أبي حميد الطويل عن أنس وهما بصريان، وإسناد هذا الحديث رباعي، ومن الأسانيد الرباعية التي هي أعلى ما يكون عند النسائي؛ لأن أعلى ما يكون عند النسائي الرباعيات، يكون بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص، وأطول ما يكون عنده التساعي، يعني: تسعة رجال تسعة أشخاص، وقد مر بنا الإسناد التساعي في حديث فضل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وفي إسناده تسعة رجال، قال النسائي: وهذا أطول إسناد.

    وأصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة أعلى ما عندهم الرباعيات، فـالبخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً في صحيحه فبين البخاري وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها ثلاثة أشخاص الصحابي والتابعي وتابع التابعي، والترمذي عنده حديث واحد، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية بإسناد واحد، وهو إسناد ضعيف، أما مسلم، وأبو داود، والنسائي فهؤلاء ليس عندهم ثلاثيات، وأعلى ما عندهم الرباعيات، والحديث الذي معنا هو حديث سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن حميد بن أبي حميد الطويل عن أنس بن مالك هذا من هذه الأسانيد العالية عند النسائي.

    شرح حديث: (خرج رسول الله بعدما غربت الشمس فسمع صوتاً فقال: يهود تعذب في قبورها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن شعبة أخبرني عون بن أبي جحيفة عن أبيه عن البراء بن عازب عن أبي أيوب قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما غربت الشمس فسمع صوتاً، فقال: يهود تعذب في قبورها)].

    ثم أورد النسائي حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بعد ما غربت الشمس فسمع صوتاً، فقال: يهود تعذب في قبورها)، يعني: اليهود الذين ماتوا من قبل، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت العذاب الذي يحصل لهم، سمع أصواتهم وهم يعذبون، وأصحابه الذين معه ما كانوا يسمعون، وهذا من كمال قدرة الله عز وجل يسمع من شاء، ويخفي ذلك عمن يشاء، وكلهم في مكان واحد يسمع الرسول صلى الله عليه وسلم وهم لم يسمعوا، أسمع الله نبيه ولم يسمعهم، وذلك لحكمة كما أشرت إلى ذلك من قبل، فقال عليه الصلاة والسلام: (يهود تعذب في قبورها) يعني: هذا الصوت صوت المعذبين في القبور من اليهود الذين كانوا في هذه القبور، فالحديث دال على إثبات عذاب القبر، وأنه حق، وأنه يعذب الكفار في قبورهم لأن اليهود في الحديث هم الذين يعذبون فهو عذاب كفار.

    تراجم رجال إسناد حديث: (خرج رسول الله بعدما غربت الشمس فسمع صوتاً فقال: يهود تعذب في قبورها)

    قوله: [حدثنا عبيد الله بن سعيد].

    هو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة مأمون سني، حديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.

    [حدثنا يحيى].

    هو ابن سعيد القطان وهو ثقة ثبت، محدث ناقد، من أئمة الجرح والتعديل، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن شعبة].

    هو ابن الحجاج وقد تقدم ذكره قريباً.

    [أخبرني عون بن أبي جحيفة].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    هو وهب بن عبد الله السوائي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه.

    [عن البراء بن عازب].

    وقد مر ذكره.

    والبراء بن عازب يروي عن أبي أيوب الأنصاري، وأبو أيوب الأنصاري هو خالد بن زيد الأنصاري من كبار الصحابة، وهو صحابي مشهور رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو الذي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره لما قدم المدينة أول ما قدمها، فـأبو أيوب صحابي مشهور، والحديث فيه ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض: وهب بن عبد الله السوائي أبو جحيفة يروي عن البراء بن عازب والبراء بن عازب يروي عن أبي أيوب الأنصاري، فالإسناد فيه ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض.

    فالصحابة الثلاثة كلهم أخرج حديثهم أصحاب الكتب الستة.