إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - (باب الأمر بالصلاة على الميت) إلى (باب أولاد المشركين)

شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - (باب الأمر بالصلاة على الميت) إلى (باب أولاد المشركين)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كرم الله الإنسان حياً وميتاً، فهناك واجبات له بعد موته على الأحياء، منها: الصلاة عليه سواء كان صغيراً أم كبيراً، حاضراً أم غائباً، وأطفال المسلمين لا يجزم لهم بالجنة، أما أولاد المشركين فالله أعلم بما كانوا عاملين، فنرد أمرهم إلى الله تعالى.

    1.   

    الأمر بالصلاة على الميت

    شرح حديث: (إن أخاكم قد مات فقوموا فصلوا عليه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأمر بالصلاة على الميت.

    أخبرنا علي بن حجر وعمرو بن زرارة النيسابوري قالا: حدثنا إسماعيل عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أخاكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه)].

    يقول النسائي رحمه الله: الأمر بالصلاة على الميت، أورد النسائي هذه الترجمة وأورد تحتها هذا الحديث؛ لأنه مشتمل على الأمر في قوله: (قوموا فصلوا عليه) ويريد في ذلك النجاشي، حيث أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام عنه في اليوم الذي مات فيه، وأمرهم بأن يقوموا ويصلوا عليه، فإيراد الحديث هنا وإيراد الترجمة من أجل اشتماله على الأمر، والترجمة هي: الأمر بالصلاة على الجنازة، فأورد تحتها حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(إن أخاكم قد مات -ويريد به النجاشي- فقوموا فصلوا عليه)]، والمراد بذلك: الصلاة على الغائب، والمقصود من هذا: أن الحديث دال على الصلاة الجنازة، وهو أمر بالصلاة على الغائب، وهو: النجاشي، وقد اختلف العلماء في الصلاة على الغائب، فمنهم من قال -وهم جمهور العلماء-: إنه يصلى على الغائب؛ لأنه ثبت بذلك الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنهم من قال: لا يصلى على الغائب، وأن الصلاة على الغائب من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، وقالوا: هذا أمر يختص به، وقالوا أيضاً: إن الجنازة أحضرت بين يديه فصلى عليها، وممن قال بذلك المالكية، وقد أنكر عليهم ابن العربي المالكي، كما نقله عنه ابن حجر في فتح الباري، وتكلم في ذلك كلاماً حسناً، فقال: قالوا -أي: المالكية- ليس لأحد أن يصلي على الغائب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن العربي قلنا: ما عمل به الرسول صلى الله عليه وسلم عملته أمته، قالوا: إن الجنازة قد أحضرت وصلى عليها، قلنا: إن ربنا لقادر، وإن النبي عليه الصلاة والسلام لذلك أهل، لكن لا تقولوا من تلقاء أنفسكم شيئاً، المعول هو على ما جاءت به الأحاديث، ولم يأت حديث يدل على ما ذكرتم، وتكلم كلاماً حسناً في هذا، فالمعول عليه هو كون النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه، والأصل عدم الخصوصية للنبي عليه الصلاة والسلام إلا أن يأتي شيء يدل على الخصوصية فعند ذلك يصار إليها، أما إذ لم يأت شيء يدل على الاختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن الأصل أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فأمته تبع له في ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    فالحاصل: أن جمهور العلماء على مشروعية الصلاة على الغائب، وبعضهم قال باختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بها وهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الاختصاص، ولا يصار إلى التخصيص إلا إذا وجد ما يدل على ذلك، وليس في هذه المسألة شيء يدل على أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن أخاكم قد مات فقوموا فصلوا عليه)

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].

    هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وقد أكثر عنه الإمام مسلم في صحيحه.

    عمرو بن زرارة النيسابوري].

    ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.

    [حدثنا إسماعيل].

    هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أيوب].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي قلابة].

    هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وهو ثقة، يرسل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي قلابة.

    [عن أبي المهلب].

    قيل: اسمه عمرو الجرمي أبو المهلب وهو عم أبي قلابة، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عمران بن حصين].

    هو عمران بن حصين أبي نجيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الصلاة على الصبيان

    شرح حديث: (أتي رسول الله بصبي من صبيان الأنصار فصلى عليه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة على الصبيان.

    أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا سفيان حدثنا طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن خالتها أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي من صبيان الأنصار فصلى عليه، قالت عائشة: فقلت: طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه، قال: أو غير ذلك يا عائشة! خلق الله عز وجل الجنة وخلق لها أهلاً وخلقهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وخلقهم في أصلاب آبائهم)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الصلاة على الصبيان، إذا ماتوا كما يصلى على الكبار، وقد جاء في الدعاء: (اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا) وأورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، (أن النبي عليه الصلاة والسلام أوتي بصبي من الأنصار فصلى عليه)، وهذا هو محل الشاهد (فصلى عليه)؛ لأن هذا هو المتعلق بالترجمة، فقالت عائشة: [(طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)] يعني: وأن كل شيء سبقت به المقادير، وأنه لا يجزم لأحد بجنة ولا نار، إلا ما جاء به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والصلاة على الصبيان ثبتت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنه هذا الحديث والحديث الذي بعده الذي فيه ذكر الأطفال، فالصلاة ثابتة على الصغار، كما أنها ثابتة على الكبار، كل ذلك جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني: أن كل مسلم يصلى عليه كبيراً أو صغيراً، وما جاء في آخره من قول عائشة رضي الله عنها: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة) وهذا جزم منها لما تعلمه من أنه غير مكلف.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: [(أو غير ذلك؟)] يعني: لا يجزم لأحد بشيء إلا ما جاء به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بين أن كل شيء سبقت به المقادير، وقد اختلف العلماء في أولاد المسلمين إذا ماتوا، وأين مصيرهم؟ فمنهم بل جمهورهم: على أنهم في الجنة، وقد مر بنا بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام الذي فيه أن الشخص الذي قدم طفلاً وفقده، وحزن عليه حزناً شديداً، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أما ترضى أن يكون أمامك لا تأتي لباب من أبواب الجنة إلا وهو أمامك يريد أن يفتحه لك؟!).

    فجمهور العلماء قالوا: أنهم في الجنة، وبعض العلماء قال: لا ينبغي أن يجزم وإنما يتوقف؛ لأن هذا الحديث الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام يدل على التوقف، وعلى أنه لا يجزم بشيء من ذلك؛ لأن هذه أمور غيبية ولا يجزم لأحد بجنة أو نار، فجمهور العلماء على القول بأنه في الجنة، وبعضهم قالوا بالتوقف؛ لما يقتضيه هذا الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أتي رسول الله بصبي من صبيان الأنصار فصلى عليه ...)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].

    هو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له النسائي وحده، وهو شيخه ومن أهل بلده، لكن جاء في تحفة الأشراف أن الذي روى عنه النسائي هذا الحديث هو محمد بن منصور عن سفيان، وجاء هذا كذلك في السنن الكبرى، والأسانيد التي في السنن الكبرى والصغرى متحدة، وتحفة الأشراف تنقل عن الصغرى، فيكون الذي في السنن الكبرى والصغرى: محمد بن منصور عن سفيان.

    وعلى أي حال سواء كان الإسناد عن محمد بن منصور أو عمرو بن منصور فكلاهما ثقة، محمد بن منصور الجواز المكي ثقة، أخرج له النسائي وحده، وعمرو بن منصور ثقة، أخرج له النسائي وحده، وقد يكون الأقرب أنه محمد بن منصور لأنه المتفق عليه في السنن الكبرى وفي تحفة الأشراف، لكن مهما يكن فكل منهما ثقة، وكل منهما شيخ للنسائي.

    [حدثنا سفيان].

    هو سفيان بن عيينة، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مكي كما أن محمد بن منصور مكي.

    [حدثنا طلحة بن يحيى].

    هو طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي رضي الله عنه، جده أحد العشرة المبشرين في الجنة، وطلحة بن يحيى بن طلحة هو على اسم جده، وهو صدوق، يخطئ، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عمته عائشة بنت طلحة].

    يروي عن عمته عائشة بنت طلحة؛ لأن عائشة بنت طلحة أخت يحيى، وهي ثقة، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة.

    [عن خالتها عائشة أم المؤمنين].

    هي ابنة أبي بكر رضي الله عنها، وعائشة بنت طلحة أمها أم كلثوم بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين، فهي تروي عن خالتها عائشة بنت أبي بكر الصديق، فهي خالتها خالة عائشة بنت طلحة، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها هي الصديقة بنت الصديقة، التي حفظت الكثير من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا سيما الأمور البيتية التي تقع بين الرجل وأهل بيته، فإن هذا مما حفظته للناس، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم ستة رجال وامرأة واحدة، الستة: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، والمرأة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضها.

    1.   

    الصلاة على الأطفال

    شرح حديث: (الراكب خلف الجنازة ... والطفل يصلى عليه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة على الأطفال.

    أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا سعيد بن عبيد الله سمعت زياد بن جبير يحدث عن أبيه عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه أنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلي عليه)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الصلاة على الأطفال، وأورد هذه الترجمة في لفظ الأطفال؛ لأن فيه (والطفل يصلى عليه)، والترجمة السابقة الصلاة على الصبيان؛ لأن في الحديث أتي بصبي فصلى عليه؛ لأنه جاء لفظ الصبي في الحديث الأول، وجاء لفظ الطفل في الحديث الثاني، وكل منهما غير مكلفين، كل منهما صغار لم يبلغوا التكليف، ويقال لمن لم يبلغ التكليف يقال له: طفل، وكذلك صبي، والله تعالى يقول: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ [النور:59]، فهو ما دام أنه لم يبلغ الحلم هو طفل، وقد أطلق عليه أنه طفل حتى يبلغ الحلم، وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا [النور:59].

    فالحاصل أن الترجمتين وإن كان مؤداهما واحد، إلا أن التفريق بينهما من أجل اللفظ الذي جاء في كل من الحديثين الذي جاء بلفظ الصبي أتت الترجمة بلفظ الصبيان، والذي أتى بلفظ الطفل جاءت الترجمة بلفظ الصلاة على الأطفال.

    والحديث سبق أن مر في ترجمتين سابقتين، ترجمة في مكان الراكب من الجنازة إذا تبعها، وترجمة في مكان الماشي من الجنازة، وهي: الترجمة الصلاة على الأطفال؛ لأن الحديث اشتمل على هذه المعاني الثلاثة كون الراكب يمشي خلف الجنازة، والماشي يمشي حيث يشاء، والطفل يصلى عليه.

    وأورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة من الطرق التي ورد بها، وقد سبق أن أورده من طريقين ورد بهما.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الراكب خلف الجنازة ... والطفل يصلى عليه)

    قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].

    هو إسماعيل بن مسعود أبو مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا خالد].

    هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سعيد بن عبيد الله].

    هو سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية الثقفي، وهو صدوق ربما وهم، وحديثه أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له مسلم ولا أبو داود.

    [سمعت زياد بن جبير].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [يحدث عن أبيه].

    هو جبير بن حية، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن.

    [عن المغيرة].

    هو المغيرة بن شعبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    أولاد المشركين

    شرح حديث: (سئل رسول الله عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أولاد المشركين.

    أخبرنا إسحاق حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)].

    أورد النسائي في هذه الترجمة وهي: أولاد المشركين، يعني: ما حكمهم في الدار الآخرة؟ هل هم من أهل الجنة أو من أهل النار أو ماذا؟ هذا هو المقصود من هذه الترجمة، لما ذكر أولاد المسلمين وأنه يصلى عليهم أتى بهذه الترجمة المطلقة لأولاد المشركين.

    وقد اختلف العلماء في حال أولاد المشركين في الآخرة، فمنهم من قال: إنهم تبع لآبائهم وأنهم من أهل النار، ومنهم من قال: إنهم في الجنة لأنهم غير مكلفين، والعذاب في النار لا يكون إلا بعد بلوغ الحجة والرسالة، ومنهم من قال: إنهم ممتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء هذا الامتحان تكون النتيجة إما سعداء، وإما أشقياء، وقد ورد في ذلك ما يدل عليه، وهو الذي يدل عليه في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: [(الله أعلم بما كانوا عاملين)] يعني: إذا امتحنوا، فالله تعالى أعلم بما يعملون، وعلى ضوء هذا العمل الذي يعملونه عند الامتحان تكون النتيجة إما من أهل الجنة وإما من أهل النار، والآخرة، وإن كانت ليست دار تكليف فإن الامتحان في عرصات القيامة، وقبل دخول الجنة أو النار يمكن، وقد جاء ما يدل عليه، وهو الذي يدل عليه أو يتبين من قوله: [(الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين)] يعني: إذا كلفوا فإن الله تعالى هو الذي يعلم ماذا ينتهي إليه كل واحد منهم.

    وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وقال: إن أصح ما يقال أن يقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، كما قال ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا يقال: إنهم في الجنة ولا يقال: إنهم في النار، وإنما يقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، وأنهم إذا حصل الامتحان فإنهم ينتهون إلى ما يحصل منهم من عمل، فإن كانوا استجابوا وحصل التوفيق لهم في الجواب الحسن والاستجابة، فإنهم يكونون في الجنة، وإلا فإنهم يكونون من أهل النار، وعلى هذا فلا يقطع لهم بشيء لا بجنة ولا بنار، وإنما يقال فيهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أعلم بما كانوا عاملين) ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الرابع صفحة (303) من مجموع الفتاوى هذا البحث المتعلق ببيان أحوال أولاد المشركين، والأقوال التي قيلت فيهم، وأن أصح شيء فيها هو: عدم القطع والبت في أحد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (سئل رسول الله عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)

    قوله: [أخبرنا إسحاق].

    هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المعروف بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وقد وصف أنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وهو ثقة، فقيه.

    [حدثنا سفيان].

    سفيان هو: ابن عيينة وقد مر ذكره.

    [عن الزهري].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا جاء سفيان مهملاً يروي عن الزهري فالمراد به: ابن عيينة، هكذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وقال في موضع آخر: إن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، فإذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري فإنه يحمل على ابن عيينة.

    [عن عطاء بن يزيد الليثي].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمه: عبد الرحمن بن صخر الدوسي وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، ومن المعلوم أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر في السنة السابعة، وأن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لازمه بمكة والمدينة، لكن الذي نقل عن أبي هريرة أكثر مما نقل عن غيره، ومن أسباب ذلك عدة أمور:

    منها: أن أبا هريرة كان ملازماً للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يأخذ عنه وعن الصحابة، ومن المعلوم أن مراسيل الصحابة إذا أخذوا عن بعضهم ولم يذكروا الواسطة فهي حجة، فهو يأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويأخذ عن غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فملازمته للنبي عليه الصلاة والسلام هي من أسباب كثرة حديثه.

    ومنها: الدعاء الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحفظ، حفظ السنة، وكان هذا من الأسباب.

    ومن أسباب ذلك كونه عمّر، وعاش دهراً طويلاً، وكان ساكناً في المدينة، والمدينة يفد إليها الناس، ويمرون بها، ويقصدونها، ومن المعلوم أن من يكون فيها من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ويأتي الناس إلى المدينة يحرصون على أن يلقوه وأن يأخذوا عنه، فلهذه الأسباب كثر حديثه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    حديث: (أن النبي سئل عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا الأسود بن عامر حدثنا حماد عن قيس هو: ابن سعد عن طاوس عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)].

    أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله: [(سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)] فهو مثل الذي قبله تماماً.

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].

    هو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.

    [حدثنا الأسود بن عامر].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا حماد].

    هو حماد بن سلمة البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن قيس وهو: ابن سعد].

    قيس وهو: ابن سعد، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وكلمة: (قيس هو: ابن سعد) الذي قالها هو من دون حماد بن سلمة.

    [عن طاوس].

    هو طاوس بن كيسان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (سئل رسول الله عن أولاد المشركين ..) من طريق ثالثة

    تراجم رجال إسناد حديث: (سئل رسول الله عن أولاد المشركين ..) من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].

    هو العنزي البصري الملقب بـالزمن، وكنيته: أبو موسى، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومثله في ذلك محمد بن بشار الملقب بندار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء ثلاثة كل منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتوا في سنة واحدة وهي سنة (252) بعد وفاة البخاري بأربع سنوات.

    [حدثنا عبد الرحمن].

    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وقد قال فيه الذهبي في كتابه، في ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل لما ذكر يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي قال: أنهما إذا وثقا شخصاً فإنه يعول على توثيقهما وقال: وإذا اتفقا على جرح شخص فإنه لا يكاد يندمل جرحه، معناه: أنهما يصيبان في قولهما الهدف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي بشر].

    هو أبو بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن سعيد بن جبير].

    ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عباس].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عن ابن عباس، وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذين مر ذكرهم آنفاً.

    حديث: (سئل النبي عن ذراري المشركين..) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا مجاهد بن موسى عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذراري المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)].

    أورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذراري المشركين أي: الذرية، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) وهو نفس الحديث الذي جاء عن أبي هريرة في الطريق السابقة: (الله أعلم بما كانوا عاملين).

    قوله: [أخبرنا مجاهد بن موسى].

    ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن هشيم].

    هو ابن بشير الواسطي، وهو ثقة، كثير التدليس، والإرسال الخفي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    والتدليس هو: رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع، وأما المرسل الخفي فهو: أن يروي عمن عاصره ولم يلقه شيئاً، فلتوهم المعاصرة يظن أن فيه اتصالاً؛ لكنه مع ذلك هو مرسل، فالفرق بين التدليس والإرسال الخفي: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاءه إياه، وأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي؛ لأن في المرسل إذا كان بينه وبينه مسافة، وأنه أي: الراوي أو التلميذ أو الذي روى ولد بعد وفاة المروي عنه وكان بينه وبينه زمن طويل فهذا إرسال جلي، لكن إذا كان معاصراً له وما عرف أنه لقيه ثم روى عنه فإنه يكون مرسلاً خفياً، فـهشيم بن بشير الواسطي كثير التدليس والإرسال الخفي.

    [عن أبي بشر عن سعيد عن ابن عباس].

    أبو بشر وسعيد بن جبير وابن عباس قد مر ذكرهم.