إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الجنائز
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - (باب النهي عن ذكر الهلكى إلا بخير) إلى (باب الأمر باتباع الجنائز)

شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - (باب النهي عن ذكر الهلكى إلا بخير) إلى (باب الأمر باتباع الجنائز)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده سواء الأحياء منهم أو الأموات، أما الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا إلا إذا وجدت مصلحة، وقد حث الإسلام على التواصل الاجتماعي بين المسلمين، ومن ذلك اتباع جنازة الميت.

    1.   

    النهي عن ذكر الهلكى إلا بخير

    شرح حديث: (لا تذكروا هلكاكم إلا بخير)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن ذكر الهلكى إلا بخير.

    أخبرنا إبراهيم بن يعقوب، حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا وهيب، حدثنا منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالك بسوء فقال: لا تذكروا هلكاكم إلا بخير)].

    يقول النسائي رحمه الله: النهي عن ذكر الهلكى إلا بخير. والهلكى هم الموتى، ومراد النسائي من هذه الترجمة بيان أن السنة جاءت في النهي عن ذلك، وقد أورد الحديث الدال على ذلك، وهو أنه ذكر هالك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء فقال: [(لا تذكروا هلكاكم إلا بخير)]، وجاء في رواية أخرى في حديث سيأتي: (فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) وذلك أن الحي يمكن أن يتأثر ويمكن أن يتغير؛ لأنه لا يزال على قيد الحياة، وأما الذي مات فإنه قد انتهى إلى ما انتهى إليه، وقدم على ما قدم من خير أو شر، فيذكر بخير، ويدعى له، لكن إذا كان هناك مصلحة في بيان حاله حتى لا يغتر به، وحتى يحذر أن يقلد، وأن يسار على نهجه، فإن السنة قد جاءت فيما يدل على جواز ذلك، وقد مر في بعض الأحاديث القريبة (أن النبي عليه الصلاة والسلام مروا عليه بجنازة، فأثنوا عليها خيراً فقال: وجبت، ومر عليه بجنازة أخرى، فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت) وما نهاهم عن ذلك الذكر الذي قال عنه: (وجبت) وقد أجاب بعض العلماء عما قد يظهر بين الحديثين من التعارض: بأن الذي أقر ذكره بالسوء هو الكافر، أو المنافق، أو الذي يخشى أن يغتر به، وأن يتابع على ما هو عليه من بدعة وفسوق إذا لم تبين حاله، فإنه في هذه الحالة لا بأس أن يذكر بما فيه؛ حتى لا يغتر به أحد، وأما إذا كان ليس كذلك، ولا يخشى أن يغتر به أحد، فإنه يدعى له، ويترحم عليه، ولا يذكر إلا بخير، وهذا هو الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: [(لا تذكروا هلكاكم إلا بخير)] يعني: فليس كل الهلكى يكونون كذلك، وإنما بعض الهلكى، وأما بعضهم، كالمنافقين، والذين عندهم بدع، ويخشى أن يغتر بهم فإذا بينت حالهم وذكروا بما فيهم حتى تعرف حالهم، وحتى لا يغتر بهم أحد، فإن هذا لا بأس به، وهو الذي تقتضيه النصيحة، ويقتضيه النصح للناس حتى لا يغتروا بمن عنده من سوء وبدع، وأمور منكرة، فلو ذكر بخيرٍ وسكت عما فيه من السوء، فإنه قد يغتر بذلك.

    الحاصل: أن التوفيق بين هذا الحديث الذي معنا والأحاديث التي مرت في كون النبي صلى الله عليه وسلم أقر الذين ذكروه بسوء وقال: وجبت، وهنا قال: [(لا تذكروا موتاكم إلا بخير)] هذا يحمل على بعض الموتى، وذاك يحمل على بعض الموتى.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تذكروا هلكاكم إلا بخير)

    قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب].

    هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [حدثني أحمد بن إسحاق].

    هو أحمد بن إسحاق الفطري البصري، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي.

    [حدثنا وهيب].

    هو وهيب بن خالد البصري، وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا منصور بن عبد الرحمن].

    هو منصور بن عبد الرحمن الحجبي المكي يعني: من بني عبد الدار من بني شيبة الذين هم سدنة الكعبة ويقال لهم: الحجبة، ويقال: نسب إليهم الحجبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    [عن أمه].

    هي صفية بنت شيبة، وقيل: إن لها رؤية، واختلف في سماعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي معروفة، ومشهورة بالرواية عن عائشة، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وهي من أوعية السنة وحفظتها، وقد حفظت الشيء الكثير من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لا سيما ما يتعلق بالأمور البيتية، والأمور التي تجري بين الرجل وأهله، وهي واحدة من سبعة أشخاص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين عرفوا بكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، ستة رجال، وامرأة واحدة، الستة هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وأنس، وجابر، والمرأة السابعة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهي ذات الفضائل والمناقب الجمة الكثيرة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد أنزل الله تعالى في براءتها مما رميت به من الإفك آيات تتلى في سورة النور، ومع ما أكرمها الله عز وجل به من إنزال براءتها في آيات تتلى من سورة النور، فكانت متواضعة، وكانت لا ترى لنفسها شأناً، ولهذا قالت: كنت أتمنى وأرجو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله بها، ثم قالت: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيّ آيات تتلى. وهذا من تواضعها، وهذا شأن أولياء الله عز وجل، جمعوا بين الكمال والتواضع لله عز وجل، فهم مع كمالهم يعترفون، ويشعرون بالتقصير، ويتواضعون لله عز وجل، ومن تواضع لله رفعه الله، ولهذا يقول الله عز وجل فيهم: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] فهذا من تواضعها رضي الله عنها وأرضاها كونها تقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيّ آيات تتلى.

    وابن القيم رحمه الله في كتابه (جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام) وهو كتاب نفيس يتعلق بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبيان ما ورد فيها من الأحاديث وبيان فقهها، وهو كتاب واسع ومفيد، وهو خير ما ألف في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من حيث ما ورد في ذلك من الأحاديث، ومن حيث ما اشتملت عليه من الحكم والأحكام والأسرار، وكان مما اشتملت عليه: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الآل، وبمناسبة ذكر الآل: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد. وقد ترجم ابن القيم لكل واحدة من أمهات المؤمنين ترجمة مختصرة، وكان مما ذكره من ترجمة عائشة بيان تواضعها، وقولها عن نفسها: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله عز وجل فيّ آيات تتلى. ثم قال: أين هذا ممن يصوم لله يوماً من الدهر، أو يصلي ركعتين في الليل، ثم يقول: أنا كذا، وأنا كذا، وأنا كذا، ويذكر أعماله ويفتخر بها، وهذه أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، يحصل لها ما يحصل من الفضائل، ويكرمها الله عز وجل بما أكرمها به من الإكرام، ومع ذلك تقول عن نفسها: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيّ آيات تتلى.

    1.   

    النهي عن سب الأموات

    شرح حديث: (لا تسبوا الأموات...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن سب الأموات.

    أخبرنا حميد بن مسعدة، عن بشر وهو ابن المفضل، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن مجاهد، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)].

    أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: النهي عن سب الأموات. وهي قريبة من الترجمة التي قبلها، فالترجمة التي قبلها: النهي عن ذكر الهلكى إلا بخير. أتى بهذه الترجمة لتطابق متن الحديث؛ لأن الحديث: (لا تذكروا هلكاكم إلا بخير) وهنا أتى بالنهي عن سب الأموات لتطابق الحديث، وإلا فإن مؤداهما واحد، إلا أن الأولى أنهم لا يذكرون إلا بخير، وقد عرفنا أن هذا في حق من لم يكن أهلاً ليذكر حتى لا يغتر به، وحتى لا يقلد، ويتابع على ما هو معروف به من الأمور المنكرة، والأمور المحرمة، وأما إذا ذكر الموتى والهلكى بالسوء فليس من الحق، ومن المجاوزة للحد من ذكرهم بما هو ليس حاصلاً منهم، فإن هذا يكون زيادة في حسنات الأموات، ونقصاً في حسنات الأحياء الذين سبوهم، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: (المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة، وزكاة، وصيام، وحج، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من سيئاتهم فطرح عليه، ثم طرح في النار).

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وهذا في حق الكلام في الأحياء والأموات، والإنسان إما أن يتكلم بخير، وإلا فإن الذي عليه هو السكوت والصمت وحفظ لسانه؛ لأن إطلاق اللسان في الأحياء والأموات بما ليس فيهم، أو ذكرهم بزيادة عما فيهم لا شك أن هذا فيه ضرر على القائل، وفيه مضرة على قائله وهو من الجناية من الإنسان على قائله، ولما قيل لـعائشة رضي الله تعالى عنها: أن أناساً كانوا يذكرون بعض الصحابة ويتكلمون فيهم فقالت: أمروا أن يستغفروا لهم، فسبوهم. معناه: أنهم لم يمتثلوا ما أمروا به من الاستغفار لمن تقدم، بل سبوهم وتكلموا فيهم بما لا ينبغي، مرادها في ذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، فلما تكلم الناس في عهد الفتنة في عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، بلغ عائشة ما تكلم به فقالت: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسبوهم)، بدلاً من أن يستغفروا لهم وأن يذكروهم بخير، ذكروهم بسوء، وذكروهم بما لا ينبغي أن يذكروا به، وبما لا يليق بحقهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولا شك أن من تكلم بما لا ينبغي أن جنايته على نفسه، وأن ضرره على نفسه، وقد ورد في حديث ذكره شارح الطحاوية ونسبه إلى مسلم، وهو وهم؛ لأنه ليس في صحيح مسلم، وإنما هو فيه زيادة رزين على الأصول الستة، وهو أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قيل لها: (إن أناساً يقعون في أبي بكر، وعمر، قالت: أو تعجبون من ذلك؟ انقطع عنهم العمل، فأحب الله ألا ينقطع عنهم الأجر)، بمعنى أن الذي يتكلم فيهم يؤخذ من حسناته فيعطى لمن تكلم فيه، والحديث في جامع الأصول من الزيادات التي زادها رزين، فهو ليس في الكتب الستة، وليس مما أخرجه أصحاب الكتب الستة، وإنما هو بالزيادات التي زادها رزين.

    وكتاب جامع الأصول يأتي بالمتون، ويشير إلى أصحاب الكتب الستة الذين خرجوا الأحاديث، وذلك بالرموز عند أول كل حديث، وإذا كان الحديث ليس في الكتب الستة، ولكنه من زيادة رزين أغفله ابن الأثير، فيذكره بدون رموز، وهذا الحديث الذي هو من زيادة رزين عن عائشة هو من هذا القبيل الذي ذكره بدون رموز، يعني: ما رواه لا البخاري، ولا مسلم، ولا غيره من أصحاب الكتب، وإنما هو من الزيادات التي زادها رزين العبدري في كتابه الذي جمع فيه الأصول، واختصره ابن الأثير في كتابه جامع الأصول، ولكنه ذكر زيادة رزين وأغفلها من الرموز، فيكون معناه: أنه من زيادة رزين، ولعل الذي وهم أراد ذلك الحديث الذي في صحيح مسلم، وهو في آخر صحيح مسلم؛ وفي التفسير عند نهاية الكتاب، أنه لما ذكر عثمان في الفتنة قالت: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسبوهم)، لعل هذا هو الذي وهم بأنه في صحيح مسلم.

    ومعنى الحديث واضح في أن ذكر الموتى بغير حق يعود على صاحبه بالمضرة، وأنه يكون زيادة في حسنات المذكور أو المسبوب، ونقصاً من حسنات الساب، وحديث المفلس كما ذكرت الذي في الصحيحين واضح الدلالة على هذا المعنى.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تسبوا الأموات...)

    قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].

    هو حميد بن مسعدة البصري وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن بشر هو: ابن المفضل].

    ثقة، ثبت، عابد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (هو: ابن المفضل) زادها النسائي، أو من دون النسائي، ولم يزدها حميد بن مسعدة؛ لأن تلميذه حميد إذا أراد أن ينسب شيخه يذكره كما يريد، ولا يحتاج إلى أن يقول: (هو)، وإنما الذي يحتاج أن يقول (هو) هو من دون التلميذ.

    [عن شعبة].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سليمان الأعمش].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي لقبه الأعمش هنا ذكر باسمه ولقبه، اسمه سليمان، ولقبه الأعمش، ويأتي ذكره بالاسم دون اللقب، ويأتي ذكره باللقب دون الاسم، فيقال أحياناً: سليمان، وأحياناً يقال: الأعمش، وقد يجمع بينهما كما هنا سليمان الأعمش، ومعرفة ألقاب المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث، فائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة بالاسم ومرة باللقب، فالذي لا يعرف أن هذا اسم، وهذا لقب، يظن أن هذا شخص، وهذا شخص مع أنهما شخص واحد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن مجاهد].

    هو مجاهد بن جبر المكي المفسر، المحدث، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد تقدم ذكرها.

    شرح حديث: (يتبع الميت ثلاثة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان أهله وماله، ويبقى واحد عمله)].

    أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى واحد وهو عمله)، وهذا الحديث أورده النسائي في هذه الترجمة وهي: النهي عن سب الأموات، وهو ليس بواضح الدخول تحت هذه الترجمة، هو والحديث الذي بعده، وهو أوثق بالترجمة الآتية، وهي: اتباع الجنازة؛ لأن هنا فيه ذكر الاتباع، وأن أهله يتبعونه، وماله يتبعه، وعمله كذلك، فيرجع الأهل والمال، ويبقى العمل، فهو أوثق بالاتباع وهي الترجمة التي تلي هذه الترجمة، وأما النهي عن سب الأموات فالحديث الذي مر: (لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) هذا هو المطابق للترجمة، وهذا الحديث والذي يليه ليس واضح الدلالة على الترجمة، بل هو أوثق بالترجمة اللاحقة التي هي اتباع الجنازة؛ لأن هذين الحديثين يتعلقان باتباع الجنائز.

    قوله صلى الله عليه وسلم: [(يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان: أهله، وماله. ويبقى عمله)] فإن المقصود بالأهل هم أهله وذووه، ومن المعلوم أن تخصيص الأهل، ذكروا لأنهم هم أولى الناس به، وهم الذين يحرصون على ذلك أكثر مما يحرص غيرهم ممن ليس من أهله، فأهل الإنسان هم الذين يعنون بشأنه، وهم الذين يذهبون معه، وهذا هو وجه التخصيص أي: بكونهم يتبعونه، ويتبعه غيرهم، لكن ذكرهم، لأنهم هم أخص الناس به، وهم أولى الناس به، ولو تأخر الناس عنه فإنهم لا يتأخرون، بل يقومون لما بينهم وبينهم من القرابة، ولما بينهم وبينهم من الرحم، يعني: يحصل منهم هذه المهمة.

    وماله يقصد به رقيقه، إذا كان له رقيق معناه أنهم يذهبون معه، فيرجع الأهل والمال، ويبقى العمل الذي إن كان خيراً انتفع به، وإن كان شراً تضرر به كما جاء ذلك موضحاً في أحاديث رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذا هو معنى الحديث: [(يتبع الميت أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد)]، وقوله: (يتبعه) هذا إنما هو في الغالب، وإلا فإنه قد لا يتبعه، يعني: بعض الناس لا يحصل له ذلك، ولا يتأتى له ذلك بأن يكون يذهب معه أهله وماله، فقد يموت في مكان ليس له فيه أهل، ولا مال، ثم يتبعه من يتبعه من ليس له به قرابة، ولكن هذا إنما هو في الأغلب، أن الإنسان يموت ويكون حوله أهله وماله إذا كان له مال الذي هو رقيق، فيتبعونه، وإلا فقد لا يتبعه لا أهله ولا ماله.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يتبع الميت ثلاثة...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    هو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وإذا جاء سفيان غير منسوب ويروي عنه قتيبة فيحمل على ابن عيينة، وليس على الثوري؛ لأن سفيان بن عيينة هو الذي أدرك قتيبة مدة طويلة من حياته، تقارب أربعين سنة؛ لأن قتيبة بن سعيد عمره تسعون سنة، ولد سنة (150هـ) في السنة التي مات فيها أبو حنيفة وولد فيها الشافعي، ومات سنة (240هـ)، فهو ولد مع الشافعي في سنة واحدة، والشافعي توفي سنة (204هـ) وقتيبة عاش بعده ستاً وثلاثين سنة، فـسفيان بن عيينة تأخرت وفاته إلى قريب من المائتين، يعني: فوق التسعين ومائة، وأما الثوري فإنه مات سنة (161هـ) يعني: عمر قتيبة يوم مات الثوري عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة، فهو صغير ما أدرك من حياته إلا فترة وجيزة، فإذا جاء قتيبة يروي عن سفيان، وسفيان غير منسوب، فهو يحمل على ابن عيينة، وقد مر أيضاً أنه إذا جاء قتيبة يروي عن حماد، فهو يحمل على ابن زيد وليس على ابن سلمة.

    [عن عبد الله بن أبي بكر].

    هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت أنس بن مالك].

    رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث من الأسانيد العالية عند النسائي، قتيبة عن سفيان عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أنس فهو رباعي وهو أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عنده أعلى من الرباعيات، ليس عنده ثلاثيات، وأصحاب الكتب الستة البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ثلاثة منهم لهم ثلاثيات، وثلاثة منهم ليس لهم إلا الرباعيات، والذين لهم ثلاثيات البخاري له اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية بإسناد واحد وهو إسناد ضعيف، هؤلاء الثلاثة لهم أسانيد ثلاثية.

    أما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى ما عندهم الرباعيات وليس عندهم ثلاثيات، والنسائي أنزل ما عنده العشاريات، العشاري يعني: أطول إسناد، عنده فيه عشرة أشخاص، والحديث قد مر بنا في فضل: (قل هو الله أحد)، وفيه بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام عشرة أشخاص، فأعلى إسناد عنده الرباعيات، وأنزل إسناد عنده العشاري.

    شرح حديث: (للمؤمن على المؤمن ست خصال: ... ويشهده إذا مات ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة، حدثنا محمد بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (للمؤمن على المؤمن ست خصال: يعوده إذا مرض، ويشهده إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويسلم عليه إذا لقيه، ويشمته إذا عطس، وينصح له إذا غاب أو شهد)].

    أورد النسائي رحمه الله هذا الحديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه [للمسلم على المسلم ست خصال] هذه الخصال منها: اتباع الجنازة، وكما قلت: هذا الحديث والذي قبله ألصق بالترجمة الآتية وهي: اتباع الجنازة، وليس واضح الدخول تحت ترجمة: النهي عن سب الأموات، بل هو واضح الدخول في الترجمة اللاحقة وهي: اتباع الجنازة.

    قوله: [للمؤمن على المؤمن ست خصال: يعوده إذا مرض].

    يعني: في حال مرضه يعوده ويؤنسه، ويدعو له ويهون عليه ما هو فيه من المصيبة، وما هو فيه من المرض، ويذكره بما يعود عليه بالخير؛ لأن هذا هو شأن الجليس الصالح، والإنسان الذي يزور المريض فيؤنسه، ويدعو له، ويذكره بما ينبغي أن يذكر به، فهذا من حق المسلم على المسلم.

    قوله: [ويشهده إذا مات].

    يعني: يشهد جنازته، بأن يصلي عليه ويشهد دفنه، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في هذا الموطن، وفي هذا المكان، والمراد بذلك: اتباع الجنازة، وهذا هو المطابق للترجمة الآتية.

    قوله: [ويجيبه إذا دعاه].

    إذا دعاه إلى وليمة، أو دعاه إلى طعام فيجيبه ويؤنسه، وهذا فيما إذا رأى المصلحة في ذلك، ولم يترتب على الاستجابة مفسدة، بحيث يفوت الإنسان كثيراً من المصالح؛ لأن الإنسان لو استجاب لكل دعوة، فإنه يفوت مصالح كثيرة، ولكن حيث يرى المصلحة في ذلك فإنه يجيبه إلى دعوته إذا دعاه لطعام.

    قوله: [ويسلم عليه إذا لقيه].

    وهذا من حق المسلم على المسلم، وابتداء السلام سنة ورده واجب.

    قوله: [ويشمته إذا عطس].

    إذا عطس وحمد الله، فإنه يشمته فيقول: يرحمكم الله، أما إذا لم يحمد الله، فإنه لا يشمت، ثم يجيب المشمت بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم، كما جاءت في ذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [وينصح له إذا غاب أو شهد].

    يعني: يبذل النصيحة له حاضراً وغائباً، فلا يكون ناصحاً له حال حضوره وإذا غاب يتغير الحال، وإنما يكون له ناصحاً في حال حضوره وفي حال غيابه، في حال شهوده وفي حال عدم شهوده وفي جميع الأحوال.

    تراجم رجال إسناد حديث: (للمؤمن على المؤمن ست خصال: ... ويشهده إذا مات ...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    قد مر ذكره.

    [حدثنا محمد بن موسى].

    هو محمد بن موسى الفطري، صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن سعيد بن أبي سعيد].

    هو المقبري وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    الأمر باتباع الجنائز

    شرح حديث: (أمرنا رسول الله بسبع ... واتباع الجنائز ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأمر باتباع الجنائز.

    أخبرنا سليمان بن منصور البلخي، حدثنا أبو الأحوص، (ح) أخبرنا هناد بن السري في حديثه عن أبي الأحوص، عن أشعث، عن معاوية بن سويد قال هناد: قال البراء بن عازب، وقال سليمان: عن البراء بن عازب قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصرة المظلوم، وإفشاء السلام، وإجابة الداعي، واتباع الجنائز، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن آنية الفضة، وعن المياثر، والقسية، والإستبرق، والحرير، والديباج)].

    أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: الأمر باتباع الجنائز، وأورد تحت هذه الترجمة حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع)، وكان من بين هذه السبع المأمور بها اتباع الجنائز، وهذا هو محل الشاهد.

    قوله: [(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض وتشميت العاطس)].

    وهذان مرا في الحديث السابق.

    قوله: [وإبرار القسم] في بعض الروايات: (المقسم)، ومعنى ذلك: أن الإنسان إذا أقسم عليه إنسان وكانت المصلحة في إبرار قسمه أن يبر بقسمه إذا حلف عليه أن يفعل كذا ولا يخالف، فإذا حلف عليه أن يجلس في هذا المكان يجلس، أو حلف عليه أنه يأكل هذا الطعام يأكل، يعني: يبر بقسمه، يعني: لا يجعله يحلف في قسمه بأن يخالفه، ولكن هذا كما هو معلوم ليس دائماً وأبداً، بل إذا كانت ترجحت المصلحة، ولم يكن هناك مضرة؛ لأنه أحياناً قد يحلف على الإنسان، ويترتب على كونه يبر بقسمه مضرة، ومن المعلوم أنه إذا حصل الحنث فإنه يكفر كفارة يمين، إذا لم تبر يمينه فإنه يكفرها كفارة، وهي: عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فمن لم يجد لا هذا ولا هذا فيصوم ثلاثة أيام، كما جاء بيان الكفارة في سورة المائدة، ولكن كونه يبر بقسمه حيث تكون المصلحة في ذلك، فإن هذا مما يجلب الألفة والمودة بين المسلمين.

    قوله: [ونصرة المظلوم] الذي يُظلم ويعتدى عليه، يعان على ظالمه، ويمنع الظالم من ظلمه على حسب قدرة الإنسان في تلك النصرة.

    قوله: [وإفشاء السلام] يعني: يسلم عليه إذا لقيه.

    [وإجابة الداعي].

    قوله: [واتباع الجنائز] وهذا هو محل الشاهد.

    قوله: [ونهانا عن خواتيم الذهب] وهذا بالنسبة للرجال، وكذلك أواني الفضة، وهذا للرجال والنساء؛ لأن الأواني لا يجوز استعمالها لا للرجال ولا للنساء.

    قوله: [وعن المياثر والقسية].

    والمياثر هي: غطاء محشو يجعل على الرحل يركب عليه الراكب، وفيه حرير، أو معمول من الحرير، والقسية وهي نسبة إلى بلد والمراد به أيضاً نوع من أنواع الحرير، وقيل: إنه اللباس الذي خلط بحرير.

    قوله: [والاستبرق والديباج] هما نوعان نفيسان من الحرير، الحرير عام، وتلك أسماء خاصة لأنواع من الحرير تتميز بصفاتها عن عموم الحرير، فالديباج والاستبرق نوعان نفيسان من أنواع الحرير، فالحرير عام، والاستبرق والديباج أشياء خاصة وهي من أنواع الحرير، والمقصود من ذلك: المنع من استعمال هذه الأمور جميعها للرجال، وبالنسبة للنساء لا يمنعن من اتخاذ الخواتيم، واستعمال الذهب في الحلي والتزين، وأما بالنسبة لآنية الفضة فهذه يمنع منها الرجال والنساء، وأما ما يتعلق بالحرير فإنه يمنع من لبسه الرجال دون النساء.

    وقد ثبت في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ذهباً بيمينه وحريراً بشماله فقال: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها).

    تراجم رجال إسناد حديث: (أمرنا رسول الله بسبع ... واتباع الجنائز ...)

    قوله: [أخبرنا سليمان بن منصور البلخي].

    ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    وفي التقريب قال: ثقة لا بأس به، ولا أدري هل هي خطأ الجمع بينهما أو أن إحداهما..

    وعلى كل لا أدري، لكنه قال في التقريب كما في النسخة المصرية: ثقة لا بأس به.

    [حدثنا أبو الأحوص].

    هو سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ثم قال: (ح) وأخبرنا هناد بن السري].

    (ح) وهذه هي علامة التحول من إسناد إلى إسناد.

    [أخبرنا هناد بن السري].

    هو هناد بن السري أبو السري الكوفي، وهو ثقة أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبي الأحوص].

    الذي مر في الإسناد السابق.

    [عن أشعث].

    هو ابن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن معاوية بن سويد].

    هو معاوية بن سويد بن مقرن المزني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    ثم إن النسائي ذكر أن شيخيه كل منهما له عبارة في إضافة الحديث إلى الصحابي، فأحدهما وهو هناد قال: [قال البراء بن عازب].

    وتعبيره عندما ذكر البراء قال: قال البراء بن عازب، يعني: أن معاوية بن سويد بن مقرن في تعبيره في إسناده الحديث إلى البراء قال: قال البراء، وهذا في رواية هناد الذي هو شيخه الثاني في الإسنادين.

    [وقال سليمان عن البراء]

    سليمان الذي هو سليمان بن منصور البلخي قال: عن البراء، يعني: ذاك عبر بـ(قال) وهذا عبر بـ(عن)، هذا هو المقصود بهاتين الجملتين اللتين ذكرهما قبل المتن؛ لأنه ساق الإسناد، ثم قبل أن يذكر المتن ذكر العبارة التي جاءت من طريق هناد، وأنها (قال البراء) والعبارة التي جاءت من طريق سليمان بن منصور البلخي، وأنها (عن البراء).

    والبراء بن عازب صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، صحابي مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.