إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الجنائز
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - (باب تقبيل الميت) إلى (باب في البكاء على الميت)

شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - (باب تقبيل الميت) إلى (باب في البكاء على الميت)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كتب الله تعالى على هذه الدار بمن فيها الفناء، فالكل ميت ومفارق لها، فمن مات له إنسان فبكى عليه فلا بأس إذا كان بكاء مما يسوغ في الشرع، فلقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال واصفاً حاله: إنها رحمة. ونهى عن البكاء الذي يصحبه صوت وجزع.

    1.   

    تقبيل الميت

    شرح حديث: (أن أبا بكر قبل بين عيني النبي وهو ميت)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [تقبيل الميت.

    أخبرنا أحمد بن عمرو أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قبل بين عيني النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ميت].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تقبيل الميت، أي: أنه جائز، وأورد فيه ما حصل من أبي بكر رضي الله عنه، لما جاء والرسول صلى الله عليه وسلم قد مات، وهو مغطى فكشف عن وجهه، وقبل بين عينيه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عن أبي بكر الصديق وعن الصحابة أجمعين، ففعل هذا الصحابي الجليل أول الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، يدلنا على أن ذلك سائغ.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن أبا بكر قبل بين عيني النبي وهو ميت)

    قوله: [أخبرنا أحمد بن عمرو].

    هو أحمد بن عمرو بن السرح أبو الطاهر المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرنا ابن وهب عن يونس].

    يونس، هو ابن يزيد الأيلي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزهري].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عروة].

    هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه، أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    وقد مر ذكرها.

    حديث: (أن أبا بكر قبل النبي وهو ميت) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا يحيى عن سفيان حدثني موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهم أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت].

    أورد النسائي حديث ابن عباس، وعائشة وهو مثل الذي قبله (أن أبا بكر رضي الله عنه، قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ميت) في الحديث الأول بين أنه قبل بين عينيه، وهذا مطلق، وذاك يبين مكان التقبيل.

    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى].

    هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، ومثله محمد بن المثنى، فـمحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي كل منهما شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتا في سنة واحدة وهي سنة (252هـ)، ومثلهم محمد بن بشار أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الستة، ومات معهم في هذه السنة، فهم ثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة ماتوا في سنة واحدة.

    [قالا: حدثنا يحيى].

    هو ابن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني موسى بن أبي عائشة].

    هو موسى بن أبي عائشة الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.

    [عن عبيد الله بن عبد الله].

    هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله هذان من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة، فقيه، أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وفقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين هم: عبيد الله هذا، وعروة بن الزبير الذي مر، وكذلك سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.

    [عن ابن عباس وعائشة].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهم: من صغار الصحابة، ومشهورون بهذا اللقب: العبادلة الأربعة، مع أن من يسمى عبد الله كثير من أصحاب رسول الله، ولكن هذا اللقب اشتهر بهؤلاء العبادلة الأربعة.

    [عن عائشة].

    مر ذكرها.

    شرح حديث: (أن أبا بكر أقبل على فرس ... ثم أكب عليه فقبله فبكى ...) من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد حدثنا عبد الله حدثنا معمر ويونس قالا: قال الزهري: وأخبرني أبو سلمة أن عائشة رضي الله تعالى عنها أخبرته، أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه، أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، فقبله، فبكى، ثم قال: بأبي أنت، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبداً، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها].

    أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وفيه تفصيل ما حصل من أبي بكر رضي الله عنه، وأنه قدم من مسكنه بالسنح، وهو مكان في عوالي المدينة، فجاء على فرس، بعد أن سمع خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان بعض الصحابة دهشوا وذهلوا، ولم يصدق بعضهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات، فدخل وكشف عن وجهه، وكان مغطى ببرد حبرة، وهي ثياب من الثياب اليمانية يقال له: حبرة بوزن عنبة، يعني: كان قد غطي به عليه الصلاة والسلام، فكشف عن وجهه، [(ثم كب عليه فقبله فبكى، ثم قال: بأبي أنت والله)].

    يعني: مفدي أنت بأبي والله، ليس المقصود به الحلف بالله وإنما المقصود به: فداؤك أبي، وهذه كلمة يقولها العرب، ويستعملونها كثيراً، فعندما يخاطبونه يذكرون التفدية، فأحيان يقولون بالأب والأم، وأحياناً يقولون بالأب كما هو هنا؛ وذلك لشدة محبة الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذه كلمة تستعمل حتى في حال الموت؛ لأنها كلمة تدل على تعظيم من تقال في حقه والتنويه بشأنه.

    قال: (والله لا يجمع الله عليك موتتين أبداً)، يعني: كونه يموت، ثم يرجع، ثم يموت، ليس هناك إلا هذه الموتة التي يخرج بها من الدنيا، نعم هناك موتتان وحياتان جاءت في القرآن: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [غافر:11] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:28]، فالموتة الأولى: هي التي كانت لهم حين كانوا عدماً وقبل أن يوجدوا، ثم حصلت الحياة الدنيا، ثم يحصل الموت، ثم تحصل الحياة الأخروية، هاتان هما الحياتان، والموتتان اللتان قال الله عز وجل عن الكفار: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [غافر:11]، وجاء تفصيلها في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:28] الموت الأول وهو كونه عدماً، ثم الحياة الدنيوية، ثم الموت والانتقال منها، ثم الحياة الأخروية التي ليس بعدها موت، وإنما الموتة التي كتبها الله عز وجل عليه قد ذاقها وقد ماتها، وأنه قد مات فعلاً، وليس كما حصل من بعض الصحابة حينما دهش وذهل، وقال ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تسجية الميت

    شرح حديث جابر: (جيء بأبي يوم أحد ... وقد سجي بثوب ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [تسجية الميت.

    أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان سمعت ابن المنكدر يقول: سمعت جابراً رضي الله تعالى عنه يقول: (جيء بأبي يوم أحد وقد مثل به، فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سجى بثوب، فجعلت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرفع، فلما رفع سمع صوت باكية، فقال: من هذه؟ فقالوا: هذه بنت عمرو أو أخت عمرو، قال: فلا تبكي، أو فلم تبكي؟ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تسجية الميت، وقد مر في الحديث الذي قبله كون النبي صلى الله عليه وسلم قد سجي ببرد حبرة، وأن أبا بكر كشف ذلك البرد وقبله، فهو دال على ما حصل، إلا أن هذا فيه كونه فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقره على ذلك، ومن المعلوم أن كون الصحابة سجوه دليل على أن فعلهم حجة؛ ولكن النسائي رحمه الله، أتى بالشيء الذي هو مضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث التقرير، وأنه أقره حيث كان قد سجي بثوب.

    وتسجية الميت يعني: تغطيته إذا مات، وأورد في هذه الترجمة حديث جابر بن عبد الله أنه أوتي بأبيه لما استشهد يوم أحد وقد مثل به حتى تغيرت صورته، وقد سجي بثوب، فجاء يريد أن يكشف عنه فنهاه قومه، ولعل نهيهم عنه لأنه قد مثل به فيخشون أنه يصيبه تأثر شديد لكونه قد مثل به، فلعل هذا هو السبب لكونهم ينهونه، ويخشون أن يتألم، وأن يتأثر تأثراً بالغاً، فلم يريدوا منه أن يكشف فيرى وجه أبيه ممثلاً به، فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غطي.

    قوله: [(فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فرفع)] أي: حمل حتى يدفن، ويوارى.

    قوله: [(فلما رفع سمع صوت باكية، فقال: من هذه قالوا: ابنة عمرو أو أخت عمرو)] يعني: وهي من أقربائه.

    قوله: [(قال: فلا تبكي)].

    قيل: إنه نهي، وقيل: إنه نفي بمعنى النهي.

    قوله: [(أو فلم تبكي؟)] فهذا شك من الراوي هل قال كذا، أو قال كذا؟ والمقصود من هذا: أنها كيف تبكي وهو قد أقدم على خير؟ وهو يفرح له بهذا الذي أقدم عليه، ولا يبكى عليه وقد حصل له هذا الخير وهي: الشهادة في سبيل الله عز وجل.

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: [(ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع)]، وهذا يدل على فضل عبد الله بن حرام رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر: (جيء بأبي يوم أحد ... وقد سجي بثوب ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].

    هو الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا سفيان].

    هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت ابن المنكدر].

    هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت جابراً].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين مر ذكرهم آنفاً، وهذا الإسناد من الأسانيد الرباعية، يعني: محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر، فهو سند رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي.

    1.   

    في البكاء على الميت

    شرح حديث: (... إني لست أبكي ولكنها رحمة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [في البكاء على الميت.

    أخبرنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما حضرت بنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرة فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فضمها إلى صدره، ثم وضع يده عليها فقضت، وهي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت أم أيمن، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم أيمن! أتبكين ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندك؟ فقالت: مالي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لست أبكي، ولكنها رحمة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من بين جنبيه، وهو يحمد الله عز وجل)].

    أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي في البكاء على الميت، والمقصود بالبكاء هو: البكاء السائغ الذي لا محذور فيه ولا مانع منه، وهو الذي يكون عن طريق حزن القلب، ودمع العين من غير صوت للإنسان حين يبكي حتى يحصل منه كلام أو شيء من ذلك، وإنما كون عينه تدمع وقلبه يحزن فهذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وأما حصول البكاء برفع صوت أو ما إلى ذلك فإن هذا محرم، وقد جاء فيه أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستأتي في الأحاديث القادمة، وقد كان عليه الصلاة والسلام يحصل منه البكاء عند موت الإنسان، فقد بكى عندما مات ابنه إبراهيم، وقال: (إن العين لتدمع، والقلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون).

    وقد أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في شأن وفاة ابنة صغيرة للرسول صلى الله عليه وسلم، أي: ابنة لإحدى بناته توفيت وخرجت نفسها وهي بين يديه، (قضت) أي: ماتت وهي بين يديه صلى الله عليه وسلم فبكى، وظهر منه البكاء، ودمعت عينه، وكانت أم أيمن عنده فبكت، فقال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام: كيف تبكين، وأنت عند رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قالت: مالي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال: (إني لست أبكي ولكنها رحمة).

    يعني: إن الذي حصل إنما هو دمع العين، وحزن القلب، وهذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وذلك لا مانع منه، وإنما المحذور أن يكون هناك صوت عند البكاء، بأن يحصل من الإنسان تجاوز ذلك الذي هو سائغ، إلى غيره مما لا يسوغ ولا يجوز، فهذا هو الذي جاءت به الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في النهي عنه، ولعل أم أيمن ظهر لها صوت، فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر لها ذلك، وقالت: إنها تبكي لأن النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، ومن المعلوم أن البكاء الذي هو سائغ هو الذي عن طريق دمع العين وحزن القلب، أما إذا وجد صوت فإن هذا غير سائغ كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [(قالت: مالي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لست أبكي ولكنها رحمة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن بخير على كل حال)].

    أي: في جميع أحواله هو على خير، فإن أصابه شيء يسر شكر الله عز وجل عليه، فهو على خير، وإن أصابه شيء يضر صبر عليه، فإنه على خير، وقد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)، فالمؤمن في خير على كل حال، سواء كان في حال السراء أو الضراء، إن كان في السراء فهو شاكر، وهو على خير في شكره لله عز وجل على نعمه، وإن كانت الضراء وصبر، فهو على خير على صبره على المصائب، وكونه يؤمن بقضاء الله وقدره، فهو على خير في جميع الأحوال.

    قوله: [(المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من جنبيه وهو يحمد الله عز وجل)].

    أي: يحمد الله عز وجل، ويصبر على ما أصابه، وهذا هو شأن المؤمن فهو في حمد، وشكر، وصبر، واحتساب للأجر عند الله عز وجل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... إني لست أبكي ولكنها رحمة ...)

    قوله: [أخبرنا هناد بن السري].

    هو هناد بن السري أبو السري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا أبو الأحوص].

    هو سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي الأحوص، وهنا ذكر بما اشتهر به، بل إن ذكره غالباً إنما هو بكنيته؛ لأنه قد اشتهر بذلك.

    [عن عطاء بن السائب].

    صدوق، اختلط، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عكرمة].

    هو ابن عبد الله مولى ابن عباس، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عباس].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام.

    والإسناد فيه عطاء بن السائب. وهو ممن اختلط، ومن المعلوم أن المختلط إذا جاء شيء يعضده، وجاء الحديث من طرق أخرى فإنه يكون ثابتاً لوروده من غير طريقه، أما لو لم يأت إلا من طريق المختلط، فهذا ينظر فيه هل كان الأخذ عنه قبل الاختلاط، أو بعده؟ فإذا كان قبل الاختلاط، فإنه يعتمد ولا يؤثر، وإن كان الأخذ عنه بعد الاختلاط، فهذا هو الذي يؤثر، وعلى كل حال فإذا كان الأخذ بعد الاختلاط، أو شك هل هو قبل الاختلاط أو بعده، وثبت أو روي الحديث من طرق أخرى، فإن الرواية أو الحديث الذي جاء عن المختلط لا يؤثر؛ لأنه قد جاء من غير طريقه، فيكون ذلك الطريق الذي جاء منه ثابتاً من أجل ما جاء عن غيره، وليس من أجل ما جاء عنه هو.

    وابن عباس هو أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    شرح حديث: (أن فاطمة بكت على رسول الله حين مات ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن فاطمة رضي الله تعالى عنها بكت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات فقالت: يا أبتاه! من ربه ما أدناه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه].

    أورد النسائي هذا الحديث، أن فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها لما توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام بكت البكاء الذي لا صوت معه، والذي يكون بدمع للعين، وحزن للقلب، وهذا ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو القدوة والأسوة الحسنة لأمته عليه الصلاة والسلام، وفاطمة ابنته رضي الله تعالى عنها وأرضاها، لما توفي عليه الصلاة والسلام بكت وقالت هذه المقالة عند وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنها وأرضاها، قالت: (يا أبتاه! من ربه ما أدناه)، يعني: ما أقربه من ربه، (إلى جبريل ننعاه)؛ لأنه كان ينزل إلى الأرض بالوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبموت الرسول صلى الله عليه وسلم ينتهي نزول جبريل بالوحي.

    ثم قالت: (يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه)، وهو المكان الأعلى من الجنة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان آخر ما قاله وهو في النزع: (اللهم في الرفيق الأعلى).

    والحديث أورده النسائي من أجل ذكر البكاء، وقد علمنا بأن البكاء على الميت يسوغ إذا كان عن طريق حزن القلب ودمع العين من غير صوت عند البكاء، ومن غير أمور أخرى كما سيأتي ذكرها، وهي: شق الجيوب، وحلق الرءوس، وما إلى ذلك من الأشياء التي جاء اللعن فيها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في حق من فعل تلك الأمور.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن فاطمة بكت على رسول الله حين مات ...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.

    [عن عبد الرزاق].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، حافظ، مصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن معمر].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، أكثر عبد الرزاق بن همام من الرواية عنه، وقد روى عنه حديث الصحيفة، وهي: صحيفة همام بن منبه الطويلة التي تشتمل على مائة وأربعين حديثاً تقريباً، وهي موجودة في مسند الإمام أحمد، وقد أفردت في الطباعة، وقد اشتملت على مائة وأربعين حديثاً كلها صحيحة، وكلها بإسناد واحد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وكلها بإسناد واحد، وبين كل حديث وحديث: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، والبخاري رحمه الله أخرج منها أحاديث، ومسلم أخرج منها أحاديث، واتفقا على إخراج أحاديث منها، وتركا أحاديث منها، وهذا من أوضح الأدلة على أن الإمام البخاري والإمام مسلم لم يتلزما بإخراج كل حديث صحيح؛ لأن هذه الصحيفة بإسناد واحد، ومع ذلك أخذا منها وتركا، فلو كان القصد هو إخراج كل حديث صحيح لكان هذا الإسناد الذي أخرجا بعض الأحاديث من هذه الطريق ما تركا شيئاً من هذا الإسناد، أو من هذا المتن الذي جاء بهذا الإسناد، وإنما أخذا وتركا، وهذا من أوضح الأدلة التي يستدل بها على أن البخاري، ومسلم لم يلتزما إخراج كل حديث صحيح، بل تركا من الصحيح الشيء الكثير، ولم يقصدا الاستيعاب والحصر للأحاديث الصحيحة، وإنما أرادا جمع جملة كثيرة من الأحاديث الصحيحة، من غير استقصاء واستيعاب.

    ومعمر بن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ثابت].

    هو ثابت بن أسلم البناني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهم أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وأم المؤمنين عائشة هؤلاء هم السبعة المعروفون بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    شرح حديث: (... لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله تعالى عنه: (أن أباه قتل يوم أحد قال: فجعلت أكشف عن وجهه وأبكي، والناس ينهوني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، وجعلت عمتي تبكيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه)].

    أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، في قصة استشهاد والده عبد الله بن حرام رضي الله تعالى عنه، وأنه قد مثل به، وكان قد سجي بثوب، وكان ابنه جابر يبكي ويكشف عن وجهه، والصحابة ينهونه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاه، ولعل كونهم ينهونه؛ لأنه قد مثل به، وتغيرت صورته رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فخشوا أن يصيبه تأثر كبير وتألم عظيم، فأرادوا الرفق به، ولهذا نهوه وكرروا النهي؛ لأنه إذا رأى وجه أبيه وقد تغير ومثل به، فقد يحصل له تأثر، فلعل هذا هو الذي دفعهم إلى ذلك.

    والنسائي أورد الحديث هنا من أجل ذكر البكاء، وأنه كان يبكي بحضرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن البكاء كما هو معلوم هو البكاء الذي هو سائغ، وهو الذي يكون معه دمع العين، وحزن القلب، والحديث سبق أن مر بنا عند ذكر التسجية، وتغطية الميت وتسجيته، وأنه يسجى ويغطى، وجابر رضي الله عنه، كان يبكي، ويكشف عن وجهه وأصحابه ينهونه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاه، وهذا دال على ما ترجم له المصنف من البكاء على الميت، أي: البكاء السائغ الذي لا ينهى عنه.

    أما عمته وقد مر في الحديث أنها أخت عمرو أو ابنة عمرو وهو شك من الراوي فإنها بكته، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لا تبكي، يعني: نهاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البكاء، وقال: (إن الملائكة ما زلت تظله حتى رفع) يعني: ومثله قد أقدم على شيء يسر، وعلى شيء ينفع، فمثله لا يبكى عليه؛ لأنه أقدم على ما هو خير، وانتقل إلى ما هو خير، والملائكة كانت تظله إكراماً له، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله ...)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن يزيد].

    هو عمرو بن يزيد الجرمي، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن بهز بن أسد].

    هو بهز بن أسد العمي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن شعبة].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن المنكدر].

    هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن جابر].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام المكثرين من الرواية عنه، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكرهم آنفاً.