إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الجنائز
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - (باب علامة موت المؤمن) إلى (باب ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه)

شرح سنن النسائي - كتاب الجنائز - (باب علامة موت المؤمن) إلى (باب ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت أحاديث تبين علامات موت المؤمن، وأن ذلك يكون بعرق الجبين؛ لما يلاقيه من شدة الموت، كما حصل ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، وقد مات يوم الإثنين، وجاء في السنة أن من مات في غير مولده زاد ثوابه.

    1.   

    علامة موت المؤمن

    شرح حديث: (موت المؤمن بعرق الجبين)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب علامة موت المؤمن.

    أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (موت المؤمن بعرق الجبين)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب علامة موت المؤمن. ومقصوده من هذه الترجمة؛ ما جاء في الحديث من أن المؤمن يموت بعرق الجبين، وأن هذه هي العلامة التي ترجم أو عقد هذه الترجمة لها، فعلامة موت المؤمن عرق جبينه، أو أنه يموت بعرق الجبين، وقد فسر عرق الجبين بثلاثة تفسيرات:

    فقيل: إنه يراد به ما يحصل له من الشدة التي تكون عند الموت، فيكون فيها تكفير لخطاياه، ويكون فيها رفعة لدرجاته وثوابه عند الله عز وجل؛ لأن المؤمن لا يصيبه بلاء ويصبر عليه إلا كان خيراً له كما جاء في الحديث: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).

    وعلى هذا فإن هذا المعنى هو أنه يموت بعرق الجبين، أنه يكون عنده شدة، والله عز وجل يأجره على ما يحصل له من الشدة عندما يحصل منه الصبر، فيكون في ذلك تكفير لسيئاته ولخطاياه.

    وفُسر أن عرق الجبين يكون حياءً من الله عز وجل عندما تأتيه البشرى، وقد قدم شيئاً من الذنوب والخطايا، وقد بشر فإنه يستحي من الله عز وجل الذي تفضل عليه وجاد عليه، وحصلت له هذه البشرى مع أنه حصل منه ما حصل من الإخلال بما عليه من حقوق النعم التي أعطاه الله عز وجل إياها، وأنه لم يقم بشكرها كما ينبغي، فهو يعرق جبينه أو يحصل له ذلك حياء من الله عز وجل.

    وقيل: إن هذه علامة تكون للمؤمن وإن لم يعرف المعنى، المهم أنه جاء في الحديث أنه يموت بعرق الجبين، وسواء عرفت الحكمة من وراء حصول هذه العلامة وكونها شدة كما في القول الأول، أو كونها حياء كما في القول الثاني.

    والحديث الذي أورده النسائي في هذه الترجمة: (المؤمن يموت بعرق الجبين) حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله تعالى عنه، وقد عرفنا معنى هذا المتن على ما قيل فيه من أقوال ثلاثة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (موت المؤمن بعرق الجبين)

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].

    هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، هو شيخ لهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومن الشيوخ الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة مباشرة وبدون واسطة محمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وكذلك عمرو بن علي الفلاس.

    [حدثنا يحيى].

    هو يحيى بن سعيد القطان، وهو المحدث، الناقد، ثقة، ثبت، وهو بصري، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن المثنى بن سعيد].

    هو البصري الضبعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن قتادة].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن بريدة].

    هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، وهو مروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    هو بريدة بن الحصيب الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    حديث: (موت المؤمن بعرق الجبين) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن معمر حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المؤمن يموت بعرق الجبين)].

    هنا أورد النسائي حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه من طريق أخرى، والمتن هو نفس المتن.

    قوله: [أخبرنا محمد بن معمر].

    هو محمد بن معمر البحراني البصري، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن يوسف بن يعقوب].

    هو يوسف بن يعقوب بن أبي القاسم، وهو صدوق، أخرج له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وما خرج له مسلم، ولا أبو داود.

    [حدثنا كهمس].

    كهمس هو: ابن الحسن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن بريدة].

    هو عبد الله بن بريدة الذي سمي في الإسناد الذي قبل هذا.

    [عن أبيه].

    هو بريدة بن الحصيب، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.

    1.   

    شدة الموت

    شرح حديث عائشة: (... فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعدما رأيت رسول الله)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [شدة الموت.

    أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا عبد الله بن يوسف حدثني الليث حدثني ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لبين حاقنتى وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ].

    هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: شدة الموت، يعني: ما يحصل عنده من الشدة في النزع قبل خروج الروح، والمقصود أنها حصلت لرسول الله عليه الصلاة والسلام وهو أكمل الناس، وهو خير الناس عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك فيه زيادة لأجره وثوابه عند الله عز وجل، وفي هذا تسلية للغير في حصول تلك الشدة للرسول صلى الله عليه وسلم فمن يحصل له ذلك من الشدة، أنه لا يظن به أن هذا علامة سوء له، بل قد تكون علامة خير؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وهو خير الناس وأفضل الناس لقي ما لقي من الشدة عند خروج روحه صلوات وسلامه وبركاته عليه، ومن المعلوم أن حصول ما يحصل للمسلم من المصائب ومن الشدائد ومن الأمور الشديدة والأمور العظيمة إذا صبر على ذلك أنه يؤجر عليه، ويكون كفارة لخطاياه، ويكون ذلك الذي يحصل له في آخر حياته مما يكفر الله تعالى به خطاياه.

    ولكن المحذور والأمر الذي ليس بحسن هو كون الإنسان لا يرضى، كأن يتسخط، ويحصل منه ما يحصل من التبرم والتسخط، فهذا هو الذي يضر الإنسان، وأما إذا صبر على الشدة، وصبر على النصب، واحتسب الأجر عند الله عز وجل، فإنه ما من مصيبة تصيب الإنسان فيصبر عليها إلا ويكون مأجوراً على ذلك ويحصل الأجر على ذلك.

    وأورد النسائي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وأنها قالت: [إن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو بين حاقنتها وذاقنتها]. أي: أنها قد أسندته على صدرها، وكان رأسه على صدرها بين بطنها وبين ذقنها، ففسر بأن الحاقنة هي البطن، والذاقنة هي الذقن، وقيل: بأن الحاقنة هي ملتقى الترقوتين، وتفسيره بأن الحاقنة هي المعدة والبطن، والذاقنة الذي هو الذقن، فيكون الرأس على الصدر الذي هو بين الذقن وبين البطن وهذا هو الواضح؛ لأن رأسه عليه الصلاة والسلام كان على صدرها، وكان بين حاقنتها وذاقنتها، يعني: أنها أعلم الناس بحاله، وبما جرى له عند النزع وعند خروج روحه صلى الله عليه وسلم، ولهذا قالت: [ما أكره الموت لأحدٍ أبداً بعد ما رأيت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم] يعني: أنه ليس علامة غير طيبة، بل هو علامة طيبة، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو خير الناس، وأكرم الناس، وأفضل الناس، حصل له ذلك، فإذا حصل لأحدٍ من الناس فإن ذلك قد حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: فيكون ذلك خيراً له إذا صبر، أما إذا لم يصبر وحصل منه التبرم، والتضجر، وعدم الصبر؛ فإن هذا على خطر؛ لأن هذا لا يكون صبر على البلاء، ومن المعلوم أن الصبر على البلاء هو الذي يؤجر عليه الإنسان، وأما إذا حصل منه كلمات غير حسنة، فإن هذا يكون فيه عدم الصبر، ويكون فيه صدور الكلام الذي يؤاخذ عليه الإنسان.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (... فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعدما رأيت رسول الله)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].

    هو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا عبد الله بن يوسف].

    هو عبد الله بن يوسف التنيسي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [حدثني الليث].

    هو الليث بن سعد المصري، فقيه مصر، ومحدثها، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني ابن الهاد].

    هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المدني، وهو ثقة، مكثر من الرواية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بالنسبة لجده.

    [عن عبد الرحمن بن القاسم].

    هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، من الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبو سعيد، وأنس، وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال، وامرأة واحدة.

    1.   

    الموت يوم الإثنين

    شرح حديث: (... وتوفي من آخر ذلك اليوم وذلك يوم الإثنين) في وفاة النبي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الموت يوم الإثنين.

    أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: (آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه، فأراد أبو بكر أن يرتد فأشار إليهم أن امكثوا وألقى السجف، وتوفى من آخر ذلك اليوم وذلك يوم الإثنين)].

    هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الموت يوم الإثنين، فأورد تحتها حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، الذي أخبر أن آخر نظرة نظرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كشفت الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فأراد أبو بكر أن يرجع القهقرى ليصلي أو ليتقدم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأشار إليهم أن امكثوا، ثم أرجع الستار ومات الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم، وكان ذلك يوم الإثنين.

    قوله: [آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه، فأراد أبو بكر أن يرتد فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السجف، وتوفي من آخر ذلك اليوم، وذلك يوم الإثنين] وهذا فيه -وفي غيره من الأحاديث- أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه هو الذي كان يصلي بالناس تلك المدة؛ التي هي مدة مرضه عليه الصلاة والسلام، فإنه لما حصل له المرض ولم يتمكن من الحضور للمسجد ليصلي بالناس قال: (مروا أبا بكر فليصلي بالناس) فراجعوه فقال: (مروا أبا بكر فليصلي بالناس)، وهذه علامة واضحة جلية إلى أنه الأحق بالأمر من بعده رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    ولهذا قال الفاروق رضي الله عنه وأرضاه يوم السقيفة: (رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا أفلا نرتضيك لأمر دنيانا)، وكان الناس يصلون في مدة مرضه عليه الصلاة والسلام خلف أبي بكر رضي الله عنه، وفي اليوم الذي مات فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حصل له نشاط، ثم إنه كشف الستارة، فظنوا أنه سيخرج، وأنه سيأتي للصلاة بهم، وأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يرجع القهقرى؛ أي: أن يرجع إلى الورى حتى يخلي المكان لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن امكثوا؛ يعني: على ما أنتم عليه خلف إمامكم، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر ذلك اليوم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... وتوفي من آخر ذلك اليوم وذلك يوم الإثنين) في وفاة النبي

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    هو سفيان بن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، حجة، إمام، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    وسفيان هنا غير منسوب، وإذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري فالمراد به ابن عيينة، وكذلك إذا جاء سفيان يروي عنه قتيبة فالمراد به ابن عيينة، وهنا يروي عنه قتيبة وهو يروي عن الزهري فهو ابن عيينة.

    [عن الزهري].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ينتهي نسبه إلى كلاب جد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقصي بن كلاب وزهرة بن كلاب أخوان، وهو مشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب أخو قصي، وكذلك مشهور بالنسبة إلى جده شهاب، وهو جد جده شهاب، فهو مشهور بهاتين النسبتين إلى جده شهاب، وإلى جده زهرة بن كلاب، وهو ثقة، حجة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين الذين لقوا صغار الصحابة.

    [عن أنس].

    أنس رضي الله عنه من صغار الصحابة، والزهري من صغار التابعين، وقد لقي هذا الرجل وهو من صغار التابعين ذلك الرجل من صغار الصحابة وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وصغار التابعين هم الذين أدركوا صغار الصحابة، وكبار التابعين هم الذين أدركوا كبار الصحابة، وأوساط التابعين هم الذين أدركوا أوساط الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والزهري هو من صغار التابعين، وقد روى عن ذلك الصحابي الذي هو أنس بن مالك رضي الله عنه، وهذا الحديث من رباعيات النسائي؛ لأن فيه قتيبة عن سفيان عن الزهري عن أنس بن مالك أربعة أشخاص في الإسناد، وهو أعلى ما يكون عند النسائي؛ لأنه ليس عند النسائي ثلاثيات، أعلى ما عنده الرباعيات وأنزل ما عنده العشاري؛ الذي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه عشرة أشخاص.

    1.   

    الموت بغير مولده

    شرح حديث: (... إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الموت بغير مولده.

    أخبرنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال: (مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا ليته مات بغير مولده، قالوا: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الموت بغير مولده، أي: كونه يموت في أرض لم يولد فيها، وأورد فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وفيه. [أنه مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا ليته مات في غير مولده، فقيل: ولم يا رسول الله؟ قال: لأن المؤمن إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة].

    يعني: أنه يقاس له؛ إما أنه من ولادته إلى وفاته، أو أنه كان في السفر الذي سافره، يعني: من مكان ولادته إلى المكان الذي قبضت روحه فيه؛ يعني: تلك المسافة التي قطعها في السفر، فإنه يقاس له في الجنة، ويعطى ما يقابلها، ويعطى ما يماثلها، هذا هو معنى الحديث، وهو يدل على فضل الموت بغير المولد، وأن الإنسان يؤجر على ذلك، ويحصل أجراً على ذلك، وهو ما أخبر به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة)

    قوله: [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى].

    هو يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه.

    [أخبرني ابن وهب].

    هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرني حيي بن عبد الله].

    هو حيي بن عبد الله المعافري المصري، وهو صدوق يهم، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبي عبد الرحمن الحبلي].

    هو عبد الله بن يزيد المعافري، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو مشهور بكنيته ونسبته.

    [عن عبد الله بن عمرو].

    هو عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي ابن صحابي، وهو من الصحابة الذين يكتبون، وكان يكتب الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كما جاء ذلك في الصحيح، وهو من صغار الصحابة، ومن العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؛ لأن العبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، هؤلاء أربعة من صغار الصحابة أطلق عليهم لقب: العبادلة الأربعة من الصحابة، وعبد الله بن عمرو رضي الله عنه هو أكبر أولاد أبيه عمرو بن العاص، وقيل: إنه ولد لأبيه وعمر والده ثلاث عشرة سنة، أي: أنه احتلم مبكراً، وتزوج في سن مبكرة، وولد له في سن مبكرة، فصار بينه وبين ولده عبد الله ثلاث عشرة سنة.

    1.   

    ما يُلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه

    شرح حديث: (إذا حُضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يُلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه.

    أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن قسامة بن زهير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حُضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك إلى روح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى أنه ليناوله بعضهم بعضاً، حتى يأتون به باب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلى عذاب الله عز وجل، فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتون به باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه، ويريد النسائي رحمه الله بهذه الترجمة أن المؤمن عندما يموت فإنه يحصل له إكرام من الله عز وجل؛ بأن تأتيه ملائكة معهم حريرة بيضاء من الجنة، أي: لتكون كفناً له، فيقولون ويخاطبون تلك الروح في ذلك الجسد فيقولون: [اخرجي راضية مرضياً عنك] أي: رضيت هي بما حصل لها من هذا الإكرام وهذا الفضل، وقد حصل الرضا عنها من الله عز وجل، وهذا الإكرام الذي حصل لها هو من رضا الله سبحانه وتعالى، وهو من ثمرات ومن نتائج كون الله عز وجل رضي عنها، (اخرجي راضية مرضياً عنك) فتكون رضيت ورضي عنها.

    وقوله: (إلى روح الله وريحان ورب غير غضبان).

    والروح هذا يأتي من الجنة، ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب (أنه يفتح له باب من الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها -وعكسه- الكافر أو المنافق يفتح له باب من النار فيأتيه من حرها وسمومها).

    قوله: [فتخرج كأطيب ريح المسك].

    يعني: تخرج لها رائحة طيبة كأطيب ريح المسك.

    قوله: [حتى أنه ليناوله بعضهم بعضاً].

    أي: فيضعونها في ذلك الكفن من الجنة الذي هو حرير أبيض، كما جاء في حديث البراء بن عازب. (يأخذها ملك الموت، فلا تتركها الملائكة تقع في يده طرفة عين حتى يضعوها في ذلك الكفن). وذلك الطيب الذي جاءوا به من الجنة، وهي نفسها تخرج بهذه الريح الطيبة، فيتناولونها بعضهم بعضاً، حتى تأتي إلى أبواب السماء فيقال: [ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض].

    قوله: [فيأتون به أرواح المؤمنين].

    يعني: تأتي هذه الروح إلى أرواح المؤمنين، وأرواح المؤمنين في الجنة كما جاءت في ذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة)، يعني: أنها على صورة طير، أي أنها تتقلب في الجنة وتنتقل في الجنة، وتأكل من ثمارها، وتشرب من مياهها، وتنعم في ذلك.

    وجاء بالنسبة للشهداء (أن أرواحهم في أجواف طير خضر)، وأما المؤمنون فقد جاء في الحديث: (نسمة المؤمن على صورة طير)، فتلتقي هذه الروح بتلك الأرواح، فيسألونها عن بعض الأشخاص الذي كانوا يعرفونهم فيقولون: ما حال فلان؟ وما حال فلان؟ فيقول بعضهم لبعضٍ: [(دعوه إنه كان في غم الدنيا)].

    قوله: [فإذا قال: أما أتاكم].

    يعني: أنه قد مات من قبل، فيقولون: (إنه ذهب به إلى أمه الهاوية) أنه ألقي في النار كما جاء في القرآن وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:8-11].

    وقوله: [وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: أخرجي ساخطةً مسخوطاً عليك].

    والكافر إذا احتضر أتت الملائكة بمسح، وهو لباس يأتون به من النار، كما جاء في حديث البراء بن عازب أيضاً، وفسر بأنه غليظ، وأنه شديد، وأنهم يضعونها في ذلك المسح الذي هو كفن لها على عكس المؤمن؛ المؤمن في حريرة بيضاء، وأما هذا فهذا المسح الذين يأتون به من النار والعياذ بالله، فيضعونها في ذلك المسح.

    قوله: [فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك].

    أي: عكس المؤمن (اخرجي راضية مرضياً عليك) فهنا ساخطة مسخوطاً عليك، يعني: عكس أولئك تماماً، هناك راضية مرضياً عنها، وهنا ساخطة مسخوطاً عليها، وقد جاء في حديث البراء بن عازب أنها إذا قيل لها: (اخرجي) تتفرق في الجسد، فيستخرجونها كما يستخرج السفود من الصوف المبلول، يعني: العصا أو الحديدة التي فيها أشواك في اليمين والشمال، ثم تكون في وسط صوف، فإنها إذا جرت، وأريد استخراجها من الصوف لا تخرج إلا وقد تمزق الشعر، أو الصوف الذي يلاقي ذلك السفود من الأشواك، أو الحديد الذي يقطع، يعني: أنها بشدة؛ لأنها لا تريد الخروج؛ لأنها بشرت بالعذاب الأليم، وأوعدت بكونها ساخطة مسخوطاً عليها.

    قوله: [مسخوطاً عليك إلى عذاب الله عز وجل].

    أي: تخرج إلى عذاب الله.

    قوله: [فتخرج كأنتن ريح جيفة].

    هناك تخرج كأطيب ريح مسك، وهذه تخرج كأنتن ريح جيفة والعياذ بالله.

    قوله: [حتى يأتون به باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الريح حتى يأتون به أرواح الكفار].

    فتكون مع أرواح الكفار، وتلك تكون مع أرواح المؤمنين، ومعلوم أنها لا تفتح لها أبواب السماء، كما جاء في حديث البراء بن عازب، تلك تفتح لها أبواب السماء، وأما أرواح الكفار فإنها لا تفتح لها أبواب السماء، وإنما توضع مع أرواح الكفار حيث شاء الله عز وجل أن توضع، وقد جاء في حديث الإسراء: (أن آدم عليه الصلاة والسلام وكان في السماء الدنيا على يمينه سواد وعن يساره سواد، فإذا نظر إلى يمينه استبشر وفرح، وإذا نظر إلى شماله تألم). وقيل: إنه ينظر إلى أرواح المؤمنين التي على يمينه ويستبشر لما حصل لهم من الكرامة من الله عز وجل، وينظر إلى أرواح الذين ما حصل لهم التوفيق والهداية فيحصل منه ما يحصل من عدم الفرح والسرور.

    ولعل -والله تعالى أعلم- كون آدم عليه السلام في السماء الدنيا أن أرواح الكفار أنها ما تدخل السماء، وإنما هي في خارجها، ولكن أين كانت؟ وأين هي؟ الله تعالى أعلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا حُضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة ...)

    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].

    هو عبيد الله بن سعيد السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.

    [حدثنا معاذ بن هشام].

    هو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو صدوق، ربما وهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني أبي].

    هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.