إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - (باب ذكر صلاة رسول الله بالليل) إلى (باب ذكر صلاة نبي الله موسى)

شرح سنن النسائي - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - (باب ذكر صلاة رسول الله بالليل) إلى (باب ذكر صلاة نبي الله موسى)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في أوقات الليل كلها، ولم يكن له وقت ثابت للصلاة، وكان داود عليه السلام يصلي ثلث الليل وينام سدسه.

    1.   

    ذكر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل

    شرح حديث أنس: (ما كنا نشاء أن نرى رسول الله في الليل مصلياً إلا رأيناه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يزيد أخبرنا حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل مصلياً إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائماً إلا رأيناه)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب ذكر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، المقصود من هذه الترجمة: بيان ما كان عليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من الصلاة في الليل، وأنه صلى في أوقات الليل كله، لم يكن ثابتاً على وقت معين من الليل، يلتزمه ولا يتركه، لا يتقدم عليه ولا يتأخر، بل كان يصلي من أول الليل، ومن وسطه، ومن آخره، ولهذا جاء حديث أنس رضي الله عنه الذي أورده النسائي أنه قال: (ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلياً إلا رأيناه، وما كنا نراه نائماً إلا رأيناه)، أي: أنه ليس هناك وقت محدد ثابت يصلي فيه، وإنما كان في جميع الأوقات، كما جاء في بعض الأحاديث أنه (من كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله، ووسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر)، فهذا حديث أنس هو من هذا القبيل، ما كانوا يشاءون أن يروه مصلياً إلا رأوه، في أي وقت من الأوقات يجدونه مصلياً، ويجدونه نائماً في تلك الأوقات في بعض الأحيان الأخرى.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس: (ما كنا نشاء أن نرى رسول الله في الليل مصلياً إلا رأيناه ...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه المروزي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.

    [حدثنا يزيد]

    هو ابن هارون الواسطي، وهو ثقة، متقن، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرنا حميد].

    هو ابن أبي حميد الطويل البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبو سعيد، وجابر وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم أجمعين، وهذا الحديث إسناده رباعي، بين النسائي، وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عند النسائي أعلى من الرباعيات، ليس عنده ثلاثيات، أما البخاري فعنده ثلاثيات، وهي: اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، بين البخاري فيها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، وهي: بإسناد واحد ضعيف، وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فليس عندهم ثلاثيات، فأعلى ما عندهم الرباعيات.

    شرح حديث: (كان رسول الله يصلي العتمة ثم يسبح ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا حجاج قال ابن جريج عن أبيه: أخبرني ابن أبي مليكة: أن يعلى بن مملك أخبره: (أنه سأل أم سلمة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان يصلي العتمة، ثم يسبح، ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى، ثم يستيقظ من نومه ذلك فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح)].

    ثم أورد النسائي حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، وهي أنها أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العتمة وهي: العشاء، ثم يسبح، أي: يصلي النافلة الراتبة التي بعد الصلاة، ثم بعد ذلك يصلي ما شاء من قيام الليل، ثم ينام مقدار ما صلى، ثم يستيقظ فيصلي مثل ما نام، وذلك يكون عند الصبح، أي: تلك الصلاة تكون عند الصبح.

    فقوله: [(ثم يستيقظ من نومه ذلك فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح)].

    معناه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي صلاتين، وبينهما نوم بمقدار الصلاة التي قبلها، هذا هو حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، من هذه الطريق، كان فيه صلاة وبعدها نوم، ثم بعد ذلك صلاة، ثم بعد ذلك يأتي الفجر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي العتمة ثم يسبح ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل ...)

    قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].

    هو الحمال البغدادي، لقبه الحمال، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا حجاج].

    هو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [قال ابن جريج].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس.

    [عن أبيه].

    هو عبد العزيز بن جريج المكي، وهو لين الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.

    [أخبرني ابن أبي مليكة].

    هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة منسوب إلى جده، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [أن يعلى بن مملك].

    بوزن جعفر، وهو مقبول، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [أنه سأل أم المؤمنين أم سلمة].

    هي هند بنت أبي أمية، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، والحديث في إسناده لين وهو: عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك، ومقبول وهو: يعلى بن مملك، والحديث ضعفه الألباني، والمقبول هو: الذي يوجد له متابع فيكون حديثه مقبولاً بسبب المتابعة، وإذا لم يكن له متابع، فإنه يوصف بأنه: لين الحديث.

    حديث: (... كان رسول الله يصلي ثم ينام قدر ما صلى ...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عن يعلى بن مملك: (أنه سأل أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه سلم عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صلاته؟ فقالت: ما لكم وصلاته؟ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح، ثم نعتت له قراءته، فإذا هي تنعت قراءةً مفسرةً حرفاً حرفاً)].

    أورد النسائي حديث أم سلمة من طريق أخرى، وفيه (أنه كان يصلي ثم ينام، ثم يقوم فيصلي، مثل ما نام ثم ينام)، وهذا يختلف عن الذي قبله؛ لأن فيه زيادة النوم بعد الصلاة الثانية، يعني: فيه صلاة ثم نوم، ثم صلاة ثم نوم، والطريقة السابقة فيها صلاة ثم نوم ثم صلاة ثم طلوع الفجر.

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا الليث].

    هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيد الله بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، هناك غير منسوب وهنا منسوب.

    [عن يعلى بن مملك].

    وقد مر أنه مقبول، وأن حديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [أنه سأل أم سلمة].

    وقد مر ذكرها.

    والحديث مثل الذي قبله فيه يعلى بن مملك، وهو مقبول.

    1.   

    ذكر صلاة نبي الله داود عليه السلام بالليل

    شرح حديث: (... وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر صلاة نبي الله داود عليه السلام بالليل.

    أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس: أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه)].

    أورد النسائي صلاة داود عليه الصلاة والسلام، وأورد فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه قال: [(إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، ثم ينام سدسه)]، أي أنه ينام نصفه، ثم يقوم ثلثه ويصلي، ثم ينام سدسه، ومعنى هذا أن النصف الأول يكون نائماً فيه، وبعد ذلك يكون مصلياً الثلث ثم السدس الباقي نائماً؛ لأن النصف ثلث وسدس، وثلث يصلي فيه، ثم سدس يكون نائماً فيه، وقيل: إن المراد من ذلك يعني بعد النوم المعتاد، وليس معنى ذلك أنه من غروب الشمس يكون النوم؛ ولكنه بعد مضي الوقت المعتاد الذي يكون فيه الصلاة، ويكون فيه الاستئناس والسمر، ثم عندما يأتي وقت النوم المعتاد ينام، وعلى هذا فالنوم الكثير يكون في الأول، ثم بعد ما يأخذ راحته من النوم وحاجته من النوم، يقوم ويصلي الثلث، ثم يبقى من النصف الثاني سدس فينام فيه، ومعنى ذلك أنه بعد صلاة العشاء مثلاً لمن يريد أن يقوم الليل، وأن يفعل فعل داود عليه الصلاة والسلام، يعني: بعد صلاة العشاء يبدأ الحساب، ولا يبدأ من المغرب، وإنما يبدأ من بعد صلاة العشاء، فينام نصف المدة، ثم يقوم ثلثها، ثم ينام السدس الباقي، والسدس الذي يكون في آخر الليل أيضاً يكون فيه استعداد للصلاة صلاة الفجر، وكونه أخذ راحته من النوم أيضاً بعد طول القيام في ذلك الثلث الذي فيه الصلاة، يأخذ راحته بعد هذا القيام حتى يقوم نشيطاً قوياً لصلاة الفجر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وقد مر ذكره.

    [حدثنا سفيان].

    هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت مراراً: أن قتيبة، لا يروي إلا عن سفيان بن عيينة، لا يروي عن سفيان الثوري، ليس له رواية عن سفيان الثوري، بل روايته عن سفيان بن عيينة؛ لأن قتيبة ولد سنة مائة وخمسين، والثوري مات سنة مائة وواحد وستين، فعمر قتيبة حين وفاة الثوري إحدى عشرة سنة، ليس له عنه رواية، وإنما روايته عن سفيان بن عيينة الذي عاش بعد سفيان الثوري سبعاً وعشرين سنة، فروايته، أي: قتيبة، إنما هي: عن سفيان بن عيينة فقط، وليس له رواية عن سفيان الثوري، فـسفيان هنا مهمل غير منسوب، وهو: ابن عيينة، وابن عيينة حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرو بن دينار].

    هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرو بن أوس].

    هو عمرو بن أوس بن أبي أوس الثقفي، وهو ثقة، تابعي، كبير، وعده بعضهم في الصحابة، وقال الحافظ: إن هذا وهم، يعني عده في الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن عمرو بن العاص].

    رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ومما يذكر عند ذكر عبد الله بن عمرو وأبيه: أن أباه بلغ وهو صغير، وتزوج وهو صغير، وولد له وهو صغير، ويقال: أن عمراً أكبر من ابنه عبد الله بثلاث عشرة سنة، يعني أنه ولد له وهو ابن ثلاث عشرة.

    1.   

    ذكر صلاة نبي الله موسى عليه السلام، وذكر الاختلاف على سليمان التيمي فيه

    شرح حديث: (أتيت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر صلاة نبي الله موسى عليه السلام، وذكر الاختلاف على سليمان التيمي فيه.

    أخبرنا محمد بن علي بن حرب حدثنا معاذ بن خالد أخبرنا حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتيت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره)].

    ثم أورد النسائي، صلاة نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم، المقصود بالصلاة، بعد الموت، وهي: صلاته في قبره، وليس الصلاة في الدنيا، صلاة داود واضح يعني صلاته في الدنيا، (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، ثم ينام سدسه)، وأما الأحاديث الذي وردت في موسى، فإنما تتعلق بصلاته في قبره، يعني: وكلها عندما أسري برسول الله عليه الصلاة والسلام، جاء من طرق عديدة أنه رآه يصلي في قبره، وفي بعضها أنه رآه قائماً يصلي، لكن أكثره أنه كان يصلي في قبره، وهذه الصلاة هي: صلاة غير الصلاة التي في الدنيا، وإنما هي في القبر، وفي البرزخ، وهذا الحديث أو الأحاديث مكانها هي تتعلق بأحوال القبر، وبأحوال البرزخ، وبحياة الأنبياء وما إلى ذلك، لكنه أتى به هنا بصلاة الليل، أو تحت قيام الليل، لعل ذلك؛ لأنه كان ذلك في ليلة الإسراء؛ لأنه كان مروره به في الليل، وكان في ليلة الإسراء، وكان يصلي في قبره في ذلك الوقت الذي هو: وقت الليل، فلعل هذا هو السبب الذي جعل النسائي يورد الحديث في قيام الليل، وإلا فإنه ألصق بأحوال البرزخ وفيما يتعلق بالإيمان وأحوال القبر، هذا هو الذي يناسبه.

    وقوله: [(أتيت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره)]، وفيه دليل على أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وأن موسى كان يصلي عندما رآه النبي عليه الصلاة والسلام في تلك الليلة، ومعلوم أنه رآه أيضاً في السماء السادسة، وهو الذي أشار عليه بأن يرجع إلى الله، ويطلب منه التخفيف، من الخمسين الصلاة التي فرضت حتى رجعت إلى خمس، ثم رآه في قبره، ويحتمل أن يكون ذلك قبل، وأن يكون بعد، الله تعالى أعلم، وذلك قبل الذهاب إلى السماء، ثم وجد موسى أمامه، ويمكن أن يكون بعد ذلك، ورأى موسى ورأى غيره من الأنبياء، رأى أرواحهم بصور أجسادهم في السماء، وأجسادهم لم تصعد إلى السماء إلا جسد عيسى، فإنه كان بروحه وجسده مرفوعاً إلى السماء، وأما غيره من الأنبياء، الذين ماتوا ودفنوا في الأرض، فالذي رآه في السماء هي: أرواح بصور أجسادها، وأما أجسادهم فإنها في الأرض ما خرجت من قبورهم، وقبورهم لا تكون خاليةً من أجسادهم، بل أجسادهم في قبورهم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة)، معناه: أن الأموات في قبورهم، وأجسادهم في قبورهم، وأنه عند البعث أول القبور انشقاقاً عن صاحبه قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففيه إثبات الحياة في البرزخ، ولكنها حياة تختلف عن الحياة الدنيا، ولا يقال: إنها من جنس الحياة الدنيا، بل هي: حياة خاصة، ليست هي الحياة الآخرة التي بعد البعث، وليست الحياة التي قبل الموت، وإنما حياة خاصة، حياة برزخية، والله تعالى أعلم بكيفيتها.

    وكذلك الحياة البرزخية ليست خاصةً للأنبياء، بل لغيرهم من حيث أنهم يكونون في قبورهم، يعذبون، أو ينعمون، الروح يعذب والجسد يعذب، وهم أحياء في قبورهم حياةً برزخية، الله تعالى أعلم بكيفيتها، وينال العذاب الجسد ويتألم به، وينال الروح وتتألم به، أي: بذلك العذاب، ولكن حياة الأنبياء، وحياة الشهداء حياة خاصة، حياة الأنبياء جاء في وصفها: (أن الأرض لا تأكل أجسادهم)، بل أجسادهم في قبورهم من حين توضع إلى البعث والنشور ما تأكله الأرض، بخلاف غيرهم، فإنها تأكله الأرض، ولكن الحياة البرزخية موجودة، والعذاب حاصل للجسد والروح، والنعيم حاصل للجسد والروح، والكيفية الله تعالى أعلم بها، ولو فتحنا القبر ورأينا الميت أكله التراب، فنحن نؤمن بأنه منعم أو معذب، وأن العذاب يصل إلى جسده، وأن النعيم يصل إلى الروح أيضاً، وقد جاء في الحديث بالنسبة للأنبياء: (أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم)، وجاء بالنسبة للشهداء: (أن أرواحهم في أجواف طير خضر تسرح في الجنة)، وجاء أن (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة)، فالشهداء في أجواف طير، وأما المؤمنون فعلى صورة طير، وعلى صفة طير، أي: نسمة المؤمن طائر يعلق بالجنة، وعذاب القبر ونعيمه يحصل للروح والجسد، وحياة الأنبياء هي أكمل حياة، وحياة الشهداء التي ذكرها الله تعالى في القرآن هم ما نالوها إلا لاتباعهم الأنبياء، وسلوكهم على مسلك الأنبياء صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم.

    ومعنى: الكثيب الأحمر، الكثيب هو: التل من الرمل، وكان عنده قبر موسى، ومكانه لا يعلم، وليس هناك قبر نبي مقطوع به إلا قبر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، أما ما سواه من قبور الأنبياء فإنها غير معلومة، ولا يقطع بقبر أو بمكان قبر من قبور الأنبياء إطلاقاً، إلا قبر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

    أما أجساد الشهداء فالله أعلم، هل تبقى أو لا تبقى؟ ليس هناك نص يدل على أنها تبقى، لكن قد تبقى فترة مثل ما حصل لـعبد الله بن حرام والد جابر، فإنه بعد ستة أشهر من دفنه، وكان استشهد يوم أُحد، فقرب منه الوادي وكاد أن يجرفه السيل، فخشي أن السيل يحمله، فحفره أو نبشه ابنه جابر ووجد أنه كما وضعوه، يعني لم يتغير، ولم تأكل الأرض منه شيئاً، وهذا بعد ستة أشهر، لكن ما هناك نص على أنهم يبقون دائماً وأبداً، فقد يبقون مدةً طويلة، ويحصل لهم ما يحصل، وقد لا يبقون؛ لأنه ما جاء نص، أما بالنسبة للأنبياء، فقد جاء نص، فيقطع أن أجسادهم لا تأكلها الأرض.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أتيت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره)

    قوله: [أخبرنا محمد بن علي بن حرب].

    هو محمد بن علي بن حرب المروزي، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.

    [حدثنا معاذ بن خالد المروزي].

    صدوق، أخرج له النسائي وحده.

    [أخبرنا حماد بن سلمة].

    هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، عابد، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن سليمان].

    كأنه سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة. ويقال له: التيمي وهو ليس من تيم، ولكنه نزل فيهم فنسب إليهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن ثابت].

    هو ثابت بن أسلم البناني البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (أتيت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي) من طريق ثانية

    وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا العباس بن محمد حدثنا يونس بن محمد حدثنا حماد بن سلمة عن سليمان التيمي وثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتيت على موسى عليه السلام عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي)، قال أبو عبد الرحمن: هذا أولى بالصواب عندنا من حديث معاذ بن خالد، والله تعالى أعلم].

    ثم أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه من طريق أخرى، وهي مثل التي قبلها، إلا أنه ليس فيه: (في قبره)، يعني ما فيه ذكر: (وهو قائم يصلي في قبره)، كلمة: (في قبره)، غير موجودة بهذا السياق، لكنها موجودة في السياق الأول، والحديث من رواية حماد بن سلمة الطريق الأولى والطريق الثانية، الطريق الأولى فيها معاذ بن خالد والثانية يونس بن محمد، فهي مثل التي قبلها؛ إلا أنها ما فيها ذكر القبر، لكن ذكر القبر ثابت في الطريق التي قبلها وفي الطرق التي بعدها، التي جاءت من غير طريق حماد بن سلمة، بل من طرق أخرى فيها ذكر القبر، النسائي قال: إن هذه أولى بالصواب عندنا من طريق معاذ بن خالد؛ لأن يونس ثقة، ومعاذ بن خالد صدوق، فهنا المقارنة بين روايتين عن حماد بن سلمة، فواحد ثقة، وواحد صدوق، لكن رواية الصدوق التي فيها ذكر القبر، وأن الصلاة كانت في القبر، لو كان وحده لثبت بذلك الحديث؛ لأن الصدوق حديثه حسن، لكن هي القضية مقارنة بين رجلين رويا عن حماد: واحد في روايته عنه مع ذكر القبر، وواحد روايته عنه بدون ذكر القبر، لكن رواية القبر هي: ثابتة من غير طريق حماد، فليس في رواية يعني: معاذ بن خالد شيء، فحديثه لو لم يأت إلا من طريقه، هو من قبيل الحسن.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أتيت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي) من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا العباس بن محمد].

    هو العباس بن محمد الدوري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا يونس بن محمد].

    هو يونس بن محمد البغدادي المؤدب، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حماد].

    هو حماد بن سلمة، مر ذكره.

    [عن سليمان التيمي وثابت].

    حماد بن سلمة، يحدث عن شخصين: عن سليمان التيمي، وعن ثابت.

    شرح حديث: (مررت على موسى عليه السلام وهو يصلي في قبره) من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني أحمد بن سعيد حدثنا حبان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مررت على قبر موسى عليه السلام وهو يصلي في قبره)].

    أورد حديث أنس، وهو من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله تماماً، يعني: الطرق كلها تأتي، وفيها مرور الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به بموسى وهو: يصلي في قبره، كلها بلفظ واحد، ومؤداها واحد، وكلها صحابيها واحد، وهي جاءت من طرق متعددة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (مررت على موسى عليه السلام وهو يصلي في قبره) من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرني أحمد بن سعيد].

    هو الرباطي، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي.

    يعني: أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه، مثل إسحاق بن راهويه، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [حدثنا حبان].

    هو حبان بن هلال البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو حبان بفتح الحاء، غير حِبان، فيه حِبان عدد (كحبان بن موسى وغيره بكسر الحاء)، وحبان هذا الرجل، وحبان بن واسع الذي هو من التابعين، هؤلاء بفتح الحاء، وهذا من قبيل المؤتلف والمختلف، يتفقان في الرسم والحروف، ويختلفان في الشكل؛ لأن حِبان وحَبان الحروف واحدة، إلا أن الفرق هو فتح الحاء وكسر الحاء، فالذي معنا حَبان بفتح الحاء، وهو ثقة، متقن، وقال عنه بعض أهل العلم: إليه المنتهى في التثبت في البصرة، وهي: من أعلى صيغ التعديل، إذا قيل: فلان إليه المنتهى بالتثبت، يعني: من أعلى صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا حماد عن أنس].

    وقد مر ذكرهم.

    حديث: (مررت ليلة أسري بي على موسى وهو يصلي في قبره) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن خشرم حدثنا عيسى عن سليمان التيمي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مررت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام وهو يصلي في قبره)].

    وهذا أيضاً مثله من حيث المتن.

    قوله: [أخبرنا علي بن خشرم].

    هو علي بن خشرم المروزي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، ومما يذكر في ترجمة علي بن خشرم: أنه كان مُعَمِّراً، وقال عن نفسه: صمت ثمانيةً وثمانين رمضاناً، يعني ثمانية وثمانين سنة وهو يصوم شهر رمضان، فهو من المعمرين.

    [حدثنا عيسى].

    هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو: أخو إسرائيل بن يونس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سليمان التيمي عن أنس].

    وقد مر ذكرهما.

    شرح حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على موسى وهو يصلي في قبره) من طريق خامسة وتراجم رجال إسناده

    وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا معتمر عن أبيه عن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على موسى عليه السلام وهو يصلي في قبره)].

    ثم أورده من طريق أخرى، والمتن يعني كما هو.

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].

    وهو: الصنعاني، البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [حدثنا معتمر].

    وهو: ابن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه سليمان بن طرخان التيمي عن أنس].

    وقد مر ذكرهما.

    شرح حديث: (أن النبي ليلة أسري به مر على موسى وهو يصلي في قبره) من طريق سادسة

    وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي وإسماعيل بن مسعود، قالا: حدثنا معتمر سمعت أبي قال: سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على موسى عليه السلام وهو يصلي في قبره)].

    أورد حديث أنس من طريق أخرى، وفيه: أن أنساً يروي عن بعض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن روايته إنما هي عن الصحابة؛ لأنه لم يدرك الإسراء؛ لأن الإسراء كان بمكة، وهو إنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، لما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقصة الإسراء كانت في مكة قبل الهجرة بثلاث سنوات، فرواية أنس عن مثل هذا، إنما هي: من مراسيل الصحابة، الروايات التي مرت، التي فيها إسناد ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، هو مرسل صحابي؛ لأنه ما حضر القصة، ولا أدركها، ولا أدرك الإسراء، وإنما يمكن أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، يحدث به بعد ذلك في المدينة، أو أنه سمعه من الصحابة، وهنا فيه التصريح، بأنه سمعه من بعض الصحابة، فهذا يتبين منه أنه مرسل صحابي.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي ليلة أسري به مر على موسى وهو يصلي في قبره) من طريق سادسة

    قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي].

    هو بصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    إسماعيل بن مسعود].

    هو بصري، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا معتمر عن أبيه عن أنس].

    وقد مر ذكرهم.

    حديث: (ليلة أسري بي مررت على موسى وهو يصلي في قبره) من طريق سابعة وتراجم رجال إسناده

    وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلة أسري بي مررت على موسى وهو يصلي في قبره)].

    ثم أورد الحديث من طريق أخرى.

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    قتيبة، قد مر ذكره.

    [حدثنا ابن أبي عدي].

    هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي منسوب إلى جده، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن سليمان عن أنس عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم].

    وقد مر ذكر ذلك كله.