إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب فضل صلاة الليل في السفر - باب وقت القيام

شرح سنن النسائي - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب فضل صلاة الليل في السفر - باب وقت القيامللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقيام الليل مزية عظيمة حيث ورد في السنة أن الله يحب العابد الذي آثر القيام على النوم رغم عنائه في السفر، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ويحب من العمل أدومه.

    1.   

    فضل صلاة الليل في السفر

    شرح حديث: (ثلاثة يحبهم الله عز وجل ... فقام يتملقني ويتلو آياتي)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة الليل في السفر.

    أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد حدثنا شعبة عن منصور سمعت ربعياً عن زيد بن ظبيان رفعه إلى أبي ذر رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثةٌ يحبهم الله عز وجل: رجلٌ أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلفهم رجلٌ بأعقابهم فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله عز وجل والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به، نزلوا فوضعوا رءوسهم، فقام يتملقني، ويتلو آياتي، ورجلٌ كان في سرية فلقوا العدو فانهزموا، فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب فضل صلاة الليل في السفر، المقصود من هذه الترجمة: كون الإنسان يقوم الليل وهو مسافر.

    فأورد فيه النسائي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه في قصة الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل، وهم: رجلٌ سأل قوماً لم يسألهم إلا بالله، لم يسألهم بقرابةٍ بينه وبينهم، فمنعوه فتخلف رجلٌ من أعقابهم، أو بأعقابهم، فأعطاه سراً لا يعلم تلك العطية إلا الله، والذي أعطاه، الله تعالى هو الذي يعلم، ومن الخلق ذلك الذي أعطى هذا السائل.

    فأحد الثلاثة الذين يحبهم الله هو المعطي وليس السائل، كما قد يتوهم من الحديث، بل الذي أعطى سراً، ولم يعلم بعطيته إلا الله عز وجل وذلك المعطي، هذا هو أحد الثلاثة الذين يحبهم الله، وليس الذي سأل بالله، والتقدير الذي يناسب: معطي رجلٍ سأل بالله كذا.

    فأحد الثلاثة هو المعطي وليس السائل، و(اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى)، فذاك المعطي الذي أعطى هذا الرجل الذي سأل بالله عز وجل ولم يسأل بقرابة فمنعوه، هو ذلك الذي تخلف منهم، وصار في أعقابهم، فأعطاه سراً بينه وبينه لم يطلع على ذلك إلا الله عز وجل، وذلك المعطي الذي أعطاه.

    وقومٌ كانوا في سرية يسيرون في الليل، فلما تعبوا من السفر، واحتاجوا إلى النوم، وصار النوم لا يعدله شيءٍ عندهم، وضعوا رءوسهم وناموا، وقام هو يتملق، ويسأل الله عز وجل، ومعنى (يتملق الله) أي: يتودد إليه، ويدعوه، ويلح عليه في الدعاء.

    فأحد الثلاثة هو هذا العابد الذي كان مع أولئك القوم السائرين، ولما طال سفرهم أو طال سيرهم في الليل، واحتاجوا إلى الرقاد، لما وصلوا الأرض وضعوا رءوسهم وناموا، وأما هو فبقي يصلي ويتملق الله عز وجل، أي: يتودد إليه، ويدعوه، ويلح عليه ويسأله، فذاك الرجل هو ممن يحبه الله عز وجل.

    وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة، فيكون التقدير: عابد قوم، أي: الأول معطي رجل، والثاني من الثلاثة عابد قومٍ كانوا سائرين فلما ناموا جعل يصلي، ويسأل الله عز وجل ويتملقه ويدعوه، ويتودد إليه، ويطلب منه عطفه وجوده، وكرمه.

    والثالث رجلٌ كان في سرية يجاهد في سبيل الله، (فانهزموا فأقبل بصدره).

    قوله: [(فأقبل بصدره)]، أي: تأكيد لإقباله؛ لأن الصدر هو مقدم الإنسان، وهو الذي يكون عند الإقبال، لكن هذا من باب التأكيد، وهو مثل (يطير بجناحيه)، والطائر لا يطير إلا بجناحيه، فهذا مقبلٌ بصدره، يعني: صدره مقبلٌ به، وصدره أمامه، فلا يكون إلا أمامه، فمعناه أنه مقبلٌ غير مدبر، ومنه قول الشاعر يعني يمدح قبيلته وجماعته:

    فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدماء

    أي معناه: أنهم إذا جرحوا أو كلموا يكونون مقبلين غير مدبرين، فدماءهم تقطر على أقدامهم، وليست تقطر على أعقابهم هاربين، بأن يلحقهم العدو، ويجرحهم من الخلف، فتقطر دماءهم على أعقابهم من الوراء، وإنما تقطر دماؤهم على أقدامهم من الأمام؛ لأنهم مقبلين غير مدبرين.

    فهذا مقبلٌ بصدره، يقاتل حتى يفتح له أو يقتل، هذا هو متن الحديث، ومحل الشاهد منه الثاني من الثلاثة، وهو: عابد القوم الذين كانوا يسيرون في الليل، ولما كان النوم أغلى شيءٍ عندهم ولا يعدله شيء عندهم، وإذا قورن بشيءٍ صار النوم هو المقدم، فلما وصلوا الأرض وضعوا رءوسهم وناموا في الحال، وأما هو فأقبل يصلي، ويتعبد، ويسأل الله عز وجل، ويتملقه ويتودد، ويستعطف، ويسأل، ويرجو، ويلح، فهذا هو محل الشاهد لصلاة الليل في السفر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ثلاثة يحبهم الله عز وجل ... فقام يتملقني ويتلو آياتي)

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].

    هو الملقب بـالزمن، كنيته أبو موسى، وهو بصريٌ ثقةٌ، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، مات قبل البخاري بأربع سنوات، فـالبخاري توفي سنة ستٍ وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومات معه في تلك السنة محمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهما أيضاً من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاتهم في سنةٍ واحدة هؤلاء الثلاثة.

    [حدثنا محمد].

    محمد هنا غير منسوب، والمراد به ابن جعفر الملقب غندر، وإذا جاء محمد غير منسوب يروي عن شعبة أو يروي عنه محمد بن المثنى أو محمد بن بشار، فالمراد به غندر الذي هو محمد بن جعفر البصري الملقب غندر، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقةٌ، ثبتٌ، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن منصور].

    هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقةٌ، وهو من أقران الأعمش، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت ربعياً].

    هو ربعي بن حراش الكوفي، وهو ثقةٌ، ثبتٌ، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن زيد بن ظبيان].

    مقبولٌ، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.

    [عن أبي ذر الغفاري].

    هو جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    والحديث في إسناده زيد بن ظبيان، وهو مقبول، والمقبول حديثه يعتبر إذا توبع، وهو لم يتابع، فالحديث غير صحيح، ولهذا ضعفه الشيخ الألباني وجعله من ضمن ضعيف سنن النسائي، لكن جاء في بعض الأحاديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي على راحلته وهو في السفر أينما توجهت، يستقبل القبلة عندما يريد أن يبدأ بالصلاة، ثم تتجه راحلته إلى الجهة التي يريد، فيصلي، وكان لا ينزل إلا إذا حان وقت الفريضة، فإنه ينزل ويصلي، وأما النوافل فإنه كان يصليها وهو على راحلته، ومن ذلك صلاته في الليل، فإنه كان يصلي وهو على راحلته، أي: النوافل، متجهاً أينما توجهت به راحلته إلى الوجهة التي يريد.

    1.   

    وقت القيام

    شرح حديث عائشة: (... فأي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وقت القيام:

    أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري عن بشر هو ابن المفضل حدثنا شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق قال: قلت لـعائشة رضي الله تعالى عنها: (أي الأعمال أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: الدائم. قلت: فأي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب وقت القيام، أي: وقت قيام الليل، أورد النسائي فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: (أي العمل أحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قالت: العمل الدائم)، أي: الذي يداوم عليه هو الأحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل وهو الأحب إلى الله، وكل ما كان أحب إلى رسول الله فهو أحب إلى الله، وما كان أحب إلى الله فهو الأحب إلى رسول الله، ولا يكون الأحب إلى رسول الله يختلف عن الأحب إلى الله، ولهذا فالحديث الموضوع الذي يقال فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم أنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ فأسكني في أحب البلاد إليك)، فإن هذا موضوع، والأحب إلى رسول الله هو الأحب إلى الله، والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن مكة هي: أحب البلاد إلى الله، فلما خرج مهاجراً التفت إليها وقال: (أما إنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أنني أخرجت لما خرجت)، فالحديث الذي عكس هذا، أو لا يتفق مع هذا، أو يخالف هذا من جهة، وفيه أيضاً بيان مخالفة ما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم لما يحبه الله من جهة، (أنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ، فأسكني أحب البلاد إليك)، معناه: الأحب إلى الله غير الأحب إلى رسول الله، وهذا خطأ، وهذا غير صحيح.

    فإذاً فيه محظورٌ من جهتين: من جهة أنه مخالف لما جاء في الحديث الصحيح الثابت وهو: (أن مكة أحب البلاد إلى الله)، يعني: ذاك الحديث يدل على أن أحب البلاد إلى الله المدينة، وفيه أيضاً من المخالفة أن الأحب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام غير الأحب إلى الله، ومن المعلوم أن محبة الرسول تابعة لمحبة الله، وما كان إلى الله تعالى أحب فهو إلى رسوله أحب؛ لأن محب الرسول صلى الله عليه وسلم تابعةٌ لمحبة الله، لا يكون الله تعالى يحب شيئاً والرسول يحب خلافه أو يحب غيره، وما كان إلى الله أحب فهو إلى رسوله عليه الصلاة والسلام أحب، فأحب العمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم، وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، فالعمل الدائم هو الأحب إلى الله، وهو الأحب إلى رسوله الله.

    لماذا كان العمل الدائم هو الأحب إلى الله؟ لأن العمل الدائم يكون الإنسان على عبادة دائماً وأبداً، وعلى صلةٍ وثيقة بالله، ما يكون ينشط في بعض الأحيان ثم يكسل في أحيانٍ أخرى، فقد يأتيه الموت وهو في حال الغفلة والكسل، والإعراض، ولكنه إذا كان دائماً في عبادة ولو كانت قليلة، فإنه إذا مات يموت على خير؛ لأنه ملازم للعبادة، فأي وقتٍ يموت، يموت وهو مداوم على العبادة، ولهذا يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، المقصود بقوله: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يعني: داوموا على الإسلام، والتزموا بالإسلام، وبأحكام الإسلام؛ لأنكم إذا كنتم كذلك إذا جاءكم الأجل يأتيكم وأنتم على حالة طيبة، ومن المعلوم أن الإنسان لا يعلم متى يموت حتى يحسن في حال موته، وقد يأتيه الموت فجأة ولا يستطيع أن يتكلم، ولا يستطيع أن ينطق، لكن إذا كان الإنسان مداوم على عبادة، وملتزم بعبادة، فإنه أي وقتٍ يأتيه الموت يموت وهو مداومٍ على العبادة، بخلاف الذي ينشط في بعض الأحيان، ويهمل في بعض الأحيان، فإن هذا غير مداوم على العبادة، وقد يأتيه الموت في حال السهو والغفلة، ومثل هذه الآيات الكريمة، قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ضمن حديثٍ طويل: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، فقوله: (فلتأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر)، هو من جنس قوله: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يعني معناه: أنه يداوم على الإيمان، ويداوم على الطاعة، حتى إذا جاءه الأجل يأتيه وهو على حالةٍ طيبة.

    إذاً قول عائشة رضي الله عنها: (أحب العمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم)، أي: الذي يداوم عليه الإنسان، وقد مر في حديث عائشة الطويل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أحب أن يداوم عليه، ثم قالت: وكان إذا شغله عن صلاة الليل مرضٌ أو وجعٌ أو شيءٌ آخر، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة)، يقضيها؛ لأنه يحب أن يداوم على العمل، ولا يتركه إذا فات، بل يقضيه؛ لأنه مداومٌ عليه وملازمٌ له، فأحب العمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم، وهو أيضاً أحب إلى الله، بل محبة الله، ومحبة الرسول متلازمتان، فالرسول صلى الله عليه وسلم يحب ما يحبه الله، ومحبته تابعةً لمحبة الله، وأما المسلمون فعلامة كون الإيمان تمكن من القلوب: أن تكون محبتهم تابعةٌ لمحبة الله ورسوله، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق على صحته: (ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، معناه: أن المحبة إنما هي في الله، ومن أجل الله، تابعةٌ لما يحبه الله، يحب الله ورسوله، ويحب ما يحبه الله ورسوله، ويحب من يحبه الله ورسوله، فيحب من يحبه الله ورسوله من الأشخاص، ويحب ما يحبه الله ورسوله من الأعمال.

    قوله: [(أي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ)]، الصارخ هو: الديك، الديك إذا صوت، وأذن ووجد منه الصياح الذي هو الأذان يقوم فقد جاء في بعض الأحاديث أنه من كل الليل صلى، صلى من أوله، ومن وسطه، ومن آخره، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان يعلم من نفسه أنه ينام، وأنه يخشى ألا يستيقظ، فإنه يصلي قبل أن ينام ما أراد أن يصلي ويوتر، وقد أوصى بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام أبا هريرة، وأبا الدرداء، فجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام)، معناه: يصلي صلاته في الليل ويوتر قبل أن ينام، وجاء في حديث أبي الدرداء: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أرقد)، كما في صحيح مسلم، وحديث أبي الدرداء في صحيح مسلم وتعبيره: (حبيبي)، وحديث أبي هريرة في الصحيحين وتعبيره: (خليلي)، (أوصاني خليلي)، وأما أبو الدرداء فيقول: (أوصاني حبيبي صلى الله بثلاث)، وفيه حديث أبي هريرة: (أن أوتر قبل أن أنام)، وحديث أبي الدرداء: أن أوتر قبل أن أرقد.

    الحاصل أن الإنسان على حسب ما يتيسر له، إذا كان يتمكن من القيام في آخر الليل، فصلاته في آخر الليل أفضل، وإن كان لا يتمكن فإنه يصلي الليل قبل أن ينام، ويوتر قبل أن ينام، وهذا هو ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه أبي هريرة، وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (... فأي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ)

    قوله: [أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري].

    هو ابن صدران، وهو صدوقٌ، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن بشر هو ابن المفضل].

    هو بشر بن المفضل، وكلمة: بشر التلميذ الذي أتى بها هو محمد بن إبراهيم البصري، أما من دونه النسائي أو غير النسائي من دون النسائي، فهم الذين قالوا: هو ابن المفضل؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، بل ينسبه كما يريد، فلان ابن فلان ابن فلان، ويمكن يأتي بستة أسماء، أو يأتي بجده السادس أو السابع، مثل ما يفعل النسائي أحياناً يجيء سطر كامل كله نسب لشيخٍ من شيوخه، مثل عمرو بن عثمان، ومثل عمرو بن سواد، فإنه أحياناً يطول في نسبهم فيأتي خمسة أسماء أو ستة أسماء لهما، وأما غير التلميذ فهو الذي إذا أراد أن يزيد ما يوضح به، أتى بكلمة هو: ابن فلان، ولا يلزم أن تكون ممن دون التلميذ فقط، بل قد تكون ممن دونه بكثير، وقد سبق أن مر بنا أو مر بنا قريباً الحديث الذي فيما مضى الذي فيه: حميد بن عبد الرحمن هو ابن عوف، والذي ذكرت أن الحافظ ابن حجر قال: إنها وهمٌ، والوهم فيها ممن دون النسائي؛ لأنه وجد في نسخ النسائي التي ليست من رواية ابن السني ما فيها ابن عوف، وابن عوف جاء في رواية ابن السني، فالزيادة ممن دون النسائي، مع أن زيادة ابن عوف في أعلى الإسناد، لكن الذي زادها من أجل التوضيح هو من دون النسائي؛ لأن نسخة غير ابن السني أو الروايات التي هي غير روايات ابن السني ليس فيها ابن عوف، ليس في هذه الزيادة، إذاً هذه الزيادة ممن دون النسائي.

    الكلام على نعيم بن زياد وعمرو بن سواد الواردان في بعض أسانيد النسائي

    وبالمناسبة سبق أن مر بنا شخصان: أحدهما نعيم بن زياد الأنماري أبو طلحة، وذكرت لكم أن في التقريب الرمز بالدال والسين، أي: روى له أبو داود، والنسائي، وذكر بعض الإخوان أنه رمز له بالفاء، أي: أبو داود في التفرد، والنسائي، والموجود في نسخة التقريب الطبعة المصرية، وكذلك في نسخة تهذيب التهذيب، موجودٍ د س، لكن الموجود في تهذيب الكمال، والذي هو ليس بالرمز ولكنه بالحروف وبالكتابة، قال: أخرج له أبو داود في التفرد، والنسائي، وكما قلت لكم كثيراً: إذا حصل إشكال في الرموز يعني عند التقريب أو التهذيب، فإنه يرجع إلى تهذيب الكمال الذي فيه التنصيص وليس الترميز، التنصيص على الأسماء، يقول: أخرج له فلان وفلان وفلان، ويسميهم، أو الجماعة إلا فلان، أما يعني التقريب وتهذيب التهذيب، فإنها بالرموز، والرمز أحياناً يكون فيه شيء من التصحيف، لكن الكتابة هذه هي التي تعتبر معتبرة، فيؤمن فيها تصحيف الرموز، فإذاً نعيم بن زياد أبو طلحة الرمز له ف وس، (ف) أبو داود في التفرد، و(س) الذي هو النسائي، وقد مر بنا قريباً لعله في الإسناد ألف وستمائة وخمسة.

    وفيه شخصٌ آخر أيضاً سبق أن مر بنا وهو عمرو بن سواد، وفي نسخة التقريب موجود البصري، وهو المصري، وأنا قد سبق أن صححتها عندي، والدليل على أنه المصري يعني عدة أمور:

    الأمر الأول: أن نسخة تهذيب التهذيب، ونسخة خلاصة التذهيب فيها المصري.

    والأمر الثاني: أنه يروي عن ابن وهب، بل قالوا في ترجمته: أنه راوياً لـابن وهب، وابن وهب مصري، فهو راوٍ له، وما دام راوية له فهو مصري؛ لأن معناه: أنه معه وملازمٌ له، وهو في مصر، ثم أيضاً ذكروا أن ابن يونس ذكر ترجمة له، وابن يونس صاحب تاريخ مصر، مصري، فيكون مصرياً، وهذه الأمور التي ذكرتها توضح كونه مصرياً من جهة أن الذين نصوا عليه غير التقريب، تهذيب التهذيب، وخلاصة التذهيب، وكونه روايته عن ابن وهب كثيرة، وكونه راوياً لـابن وهب كما قالوا في ترجمته، وكونه أيضاً في تاريخ مصر مترجم له، كل هذا يبين أنه مصري وليس بصري، والتصحيف بين المصري، والبصري يحصل لتقاربهما، البصري، والمصري، يحصل التصحيف فيما بينهم، مثل ما يحصل التصحيف بين النجاري، والبخاري، فيأتي في التقريب: الأنصاري البخاري، وهي الأنصاري النجاري، يعني نسبةٌ عامة ثم نسبةٌ خاصة، وقد مر بنا قريباً: أن الصحابة والتابعين ما فيهم أحد ينسب إلى بخارة، وإنما من يأتي من الصحابة ومن التابعين، كلمة بخارة فهي تصحيف في الغالب، لا سيما إذا كان من الأنصار، فإنه يقال فيه: نجاري، ويأتي في التقريب في مواضع عديدة التصحيف بين هاتين الكلمتين: البخاري، والنجاري، فيقال: الأنصاري البخاري، وهي النجاري ليس البخاري، لكن الاشتباه، والائتلاف، والاختلاف بين هاتين الكلمتين.