إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب ثواب من قام رمضان إيماناً واحتساباً - باب قيام شهر رمضان

شرح سنن النسائي - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب ثواب من قام رمضان إيماناً واحتساباً - باب قيام شهر رمضانللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من حكمة الله عز وجل أنه فضل بعض العبادات في أزمنة وأوقات معينة، ومن ذلك قيام الليل، فمع أنه مستحب طوال أيام السنة؛ إلا أن لقيام رمضان مزية خاصة؛ إذ من قامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وقد أمّ النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في المسجد في بعض أيام العشر الأواخر ثم ترك خشية أن يفرض ذلك على الأمة، وهذا من رحمته بأمته صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ثواب من قام رمضان إيماناً واحتساباً

    شرح حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب من قام رمضان إيماناً واحتساباً.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ثواب من قام رمضان، والمقصود من هذه الترجمة: بيان الأجر، أو المثوبة التي يثيب الله بها من يقوم رمضان إيماناً واحتساباً، وقد جاء في الحديث أن هذا الثواب هو مغفرة ما تقدم من ذنبه، يعني: ثوابه أن يغفر له ما تقدم من ذنبه.

    وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، فثوابه أنه يغفر له ما تقدم من ذنبه، وذكر هنا (قيام رمضان) ففيه ثواب من قام رمضان في قيام الليل؛ لأن قيام الليل يكون مطلقاً في جميع أيام السنة، الصلاة في رمضان وفي غير رمضان كلها يقال لها: قيام ليل، لكن هذا يتعلق بقيام رمضان، ليس في قيام السنة كلها، وإنما الحديث يتعلق بقيام رمضان، وهو جزء من السنة، ولكن فيه ثواب خاص، وأجر خاص، وهو أن (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

    وهذا حديث أبي هريرة: (من قام رمضان)، لكن هذا القيام يكون مشتمل على أمرين: أن يكون إيماناً، وأن يكون احتساباً، يعني: إيماناً، تصديقاً، اعترافاً، أو إيماناً بأنه من خير الأعمال، وأنه أفضل الأعمال وليس فرضاً، ولكنه من أعظم القربات عند الله عز وجل، ومن خير القربات عند الله سبحانه وتعالى، وتصديقاً بوعد الله، واحتساباً، أي: ابتغاء وجه الله، أي: ما كان دفعه إلى ذلك رياء، وإنما يريد الثواب من الله وحده، ويريد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فالقيام الذي هذا ثوابه أن يكون مقيداً بهذين القيدين: أن يكون إيماناً، يقومه إيماناً واحتساباً، وثوابه أن يغفر له ما تقدم من ذنبه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)

    قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].

    هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو معمَّر من المعمرين، ولهذا أدرك مالكاً وروى عنه، ومالك توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وقتيبة توفي سنة مائتين وأربعين وعمره تسعون سنة، أي: أنه لما توفي مالك عمره تسع وعشرون سنة، وقد عاش بعد مالك مدة طويلة، حيث كانت وفاته سنة مائتين وأربعين، ولهذا أدرك المتقدمين، وهذا هو السبب الذي يجعل بعض الرواة يكون من طبقة، ثم يدرك أكثر من طبقة، الطبقات الاثني عشر التي ذكرها ابن حجر، يعني أحياناً يعني يكون الشخص قد عُمِّر، فيكون أدرك عدة طبقات، مثل الأحاديث الثلاثية التي عند البخاري، ثلاثة أشخاص بين البخاري وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن الطبقات تكون اثنا عشر، لكن تتداخل بسبب كون الإنسان يصير معمَّر، فيدرك من لم يدرك غيره، فيكون مثلاً شخص في الطبقة العاشرة يروي عن شخص في الطبقة السابعة، أو في الطبقة الثامنة، فيكون فيه طبقتين أو ثلاث، أي راحت بسبب طول العمر الذي حصل للراوي، فـقتيبة روى عن أبي الأحوص سلام بن سليم، وقد توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وعن مالك، وقد توفي أيضاً سنة مائة وتسع وسبعين، فـقتيبة أدرك المتقدمين؛ لأنه قد عُمِّر.

    [عن مالك].

    هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وقد ذكرت مراراً وتكراراً في مناسبات عديدة: أن معنى كون أنه وجد أربعة مذاهب من مذاهب أهل السنة، لا يعني أنه لا يوجد أئمة لهم أقوال، ولهم اجتهادات سوى هؤلاء، بل غيرهم كثير قبلهم وفي زمنهم وبعدهم وقبلهم، فقبلهم من التابعين الذين عرفوا بالفقه، وفيهم الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وكذلك في زمانهم، مثل: الليث بن سعد، ومثل: الأوزاعي، ومثل: الثوري، كل هؤلاء أناس عرفوا بالفقه والاجتهاد، لكن هؤلاء الأربعة صار لهم أتباع عنوا بفقههم، بتنظيمه وجمعه وترتيبه، والتأليف فيه، وشرحه وما إلى ذلك، فاشتهرت هذه المذاهب الأربعة، وإلا فإنه لا يعني أن غيرهم ليس كذلك، بل فيه علماء مثلهم في زمانهم وقبل زمانهم، وبعيد زمانهم مجتهدون.

    من المعلوم أن كل واحد من الأئمة الأربعة، وغيرهم من أئمة المسلمين، يحترمون ويقدرون، ويثنى عليهم، ويترحم عليهم، ويدعى لهم، ويستفاد من علمهم، لكن إذا وجد الدليل عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن الأخذ به متعين، وفي الأخذ به أخذ بوصاياهم؛ لأن كل واحد منهم أوصى بأنه إذا وجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف قوله، فإنه يترك قوله ويصار إلى حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا فيه اتباع للدليل، وفيه أخذ بوصاياهم هم أنفسهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، حيث أوصى كلاً منهم، بأنه يصار إلى الدليل، وقد نقل الشافعي رحمة الله عليه، الإجماع فقال: (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان)، فالإجماع على أن السنة تقدم على كل شيء، إذا ثبتت فيتعين الأخذ بها، ولا يقدم عليها قول أحد كائناً من كان.

    فالإنسان يكون فيهم معتدلاً، لا يغلو ولا يجفو، لا يغلو يقول: أن أقوالهم هي الصواب، أو قول واحد منهم هو الصواب، ومذهبه هو المذهب الحق، وقوله هو المقدم على غيره، ولا يجفى بأن يقال: لا نرجع إلى فقههم، ولا إلى كلامهم، ولا إلى ما كتب عنهم، كلا هذين الطرفين مذمومان: الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط، والحق هو الاعتدال والتوسط، فيثنى عليهم، ويحترمون ويقدرون، ويرجع إلى كلامهم ويستفاد من علمهم، لكن إذا وجد الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الأخذ به هو المتعين، وقد ضرب لذلك ابن القيم رحمه الله مثلاً، في آخر كتاب الروح، فقال بعد أن ذكر إنه يثنى عليهم، ويستفاد من علمهم، ويرجع إلى كلامهم، قال: لكن إذا وجد الدليل فإنه يصار إليه، وقال: مثلهم مثل النجم، فإن الإنسان يهتدي به إلى القبلة، حيث لا يكون عارفاً بالقبلة، لكنه إذا وصل إلى القبلة وصار تحت الكعبة، فإنه لا يبحث عن الكعبة عن طريق النجوم؛ لأن الكعبة أمامه، فكذلك الإنسان إذا ما ظهر له الدليل، وما عرف الدليل، يرجع إلى كلام الفقهاء، وإلى كلام العلماء، لكن إذا وقف على الدليل، ليس لأحد قول مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يقول: إنهم مثل النجوم يهتدى بهم إلى القبلة، حيث لا يعرف الإنسان القبلة ولا جهة القبلة، لكن إذا وصل إلى القبلة وصارت الكعبة أمامه، لا يحتاج أن يبحث في السماء عن القبلة، القبلة أمامه، فكذلك عندما يشكل الحق في المسألة يبحث، يرجع إلى كلام الفقهاء، ويعرض مآخذهم، وأدلتهم، وتعليلاتهم، واستنباطاتهم، وما عندهم من الأدلة، فإذا وجد الدليل فإنه يصير إليه.

    والإمام مالك رحمة الله عليه حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب].

    هو الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ينسب إلى جده شهاب، وإلى جده زهرة بن كلاب، مشهور بنسبتين: بنسبته إلى زهرة بن كلاب فيقال: الزهري، وإلى جده شهاب الذي هو جد جده، فيقال له: ابن شهاب، وهو ثقة، إمام، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن حميد بن عبد الرحمن].

    هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    رضي الله تعالى عنه، وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، أكثر أصحابه حديثاً عنه عليه الصلاة والسلام.

    حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إسماعيل أبو بكر حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية عن مالك قال الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وحميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)].

    أورد حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بمعنى اللفظ السابق أو بمثل اللفظ السابق، (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، فهو مشتمل على ما ترجم له المصنف، مثل الذي قبله تماماً، المتن واحد، ولكن السياق والطريق يختلف.

    قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل أبو بكر].

    هو الطبراني، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء].

    هو ابن عبيد الضبعي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [حدثنا جويرية بن أسماء الضبعي].

    صدوق، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وذكرت في درس مضى: أن جويرية بن أسماء اسمه واسم أبيه متفق مع أسماء النساء؛ لأن جويرية من أسماء النساء، وأسماء من أسماء النساء، وهذا اسمه واسم أبيه متفق مع أسماء النساء، جويرية بن أسماء.

    [عن مالك قال الزهري].

    وقد مر ذكرهما.

    [أخبرني أبو سلمة وحميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة].

    وقد مر ذكرهم إلا أبا سلمة، فإن أبا سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.

    1.   

    قيام شهر رمضان

    شرح حديث: (أن رسول الله صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قيام شهر رمضان.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة، وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت إن يفرض عليكم، وذلك في رمضان)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: قيام رمضان، أي: مشروعيته واستحبابه، وقد أورد النسائي فيه حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قام ليلة في رمضان، فجاء أناس وصلوا معه، ثم في الليلة الثانية والثالثة، ثم بقي في بيته بعد ذلك ولم يخرج، وكانوا ينتظرونه، وقد مر في بعض الروايات من حديث عائشة: أن بعضهم كان يتنحنح، يعني: يريدون أن ينبهوه إذا كان نائماً؛ حتى يخرج فيصلي بهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم وقال: (إنني علمت مكانكم، ولم يمنعني إلا أنني خشيت أن يفترض عليكم، وذلك في رمضان)، بين لهم أن هذا إنما حصل في رمضان، فخشي أن يفترض عليهم قيام رمضان.

    والحديث قد مر فيما مضى، قلنا فيه: أن صلاة التراويح إنها سنة، وأنها تشرع جماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم فعلها، ولكنه خشي أن تفترض فتركها، ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب زمن التشريع، ولم يكن هناك فرض وإيجاب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشريعة استقرت بوفاته عليه الصلاة والسلام، والمحذور الذي كان يخشاه النبي صلى الله عليه وسلم زال بوفاته، وفي زمن عمر رضي الله عنه، جمع الناس على صلاة التراويح، فدل هذا على أن صلاة التراويح سنة، وأنها مستحبة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلها أياماً، ولكنه تركها خشية أن تفترض على أمته، وهذا من شفقته على أمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس ...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب].

    وقد مر ذكرهم.

    [عن عروة].

    هو ابن الزبير بن العوام، أحد الفقهاء السبعة المعروفين في المدينة في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها.

    شرح حديث: (صمنا مع رسول الله في رمضان فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل الأول)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا محمد بن الفضيل عن داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، فقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة، ثم لم يصل بنا، ولم يقم حتى بقي ثلاث من الشهر، فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه حتى تخوفنا أن يفوتنا الفلاح، قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور)].

    أورد النسائي حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وأنه قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما بقي سبع من الشهر قام وصلى)، وصلى الناس بصلاته، ثم لم يصل في الليلة السادسة الباقية، أو في الليلة السادسة، أي: السادسة من ما بقي، (ثم صلى في الليلة الخامسة)، ثم لم يقم بعدها بليلة، ثم عندما بقي الليلة الرابعة، قام وصلى بهم (وجمع أهله ونساءه حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح) وهو السحور، يعني: معناه أنه يطيل إلى الفجر وأنهم ما يتسحرون، فقال يعني: (لو نفلتنا بقية ليلتنا)، يعني: قال أبو ذر: فقلت: (لو نفلتنا بقية ليلتنا)، يعني: لو أنك أكملت الليلة بنا مصلياً، فقال عليه الصلاة والسلام: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة)، يعني: معناه الذي تريدونه هو حاصل، الذي تريدونه من الأجر هو حاصل بأنكم قمتم معي حتى انصرفت، (ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة)، وهذا يدل على أن الإنسان عندما يصلي التراويح في رمضان، فإنه يستمر مع الإمام حتى ينتهي من صلاته، مهما صلى من الركعات، إن كان يصلي إحدى عشر، يستمر معه حتى يصلي إحدى عشر، وإن كان يصلي إحدى وعشرين، يستمر معه حتى يصلي إحدى وعشرين، وإن كان يصلي ثلاثين، يستمر معه حتى يصلي ثلاثين؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة)، يعني: معناه أن هذا الأجر يحصل لمن استمر مع الإمام حتى انصرافه، والمراد بانصراف الإمام: انتهاء الصلاة التي جمع الناس لها، أو التي فيها التجميع.

    وبعض الناس يفهم خطأ، فيما إذا كان هناك إمامان يتناوبان، واحد يصلي مقدار من الركعات، واحد يصلي خمس، والثاني يصلي خمس فيصلي مع الإمام الأول الخمس، ثم يقول: إنه قام مع الإمام حتى انصرف، الإمام الأول ما انصرف، وإنما تحول من كونه إمام، إلى كونه مأموم، وهو باق في الصف، لكن يعقبه أحد في القراءة يعني وينوب عنه بحيث يصلي بقية الصلوات ويقرأ مكانه، فلا يقال: إن الإمام انصرف، وإنما المقصود بالانصراف هو انصراف الناس، وانتهاء الصلاة التي يصلونها، هذا هو الانصراف، ما هو انصراف إمام كان يصلي ثم تأخر، وصار واحد يعقبه.

    الحاصل: أن قيام رمضان، وكذلك قيام الليل مطلقاً، ليس فيه حد محدود ثابت لا يتغير ولا يتبدل، الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد على إحدى عشر، لكنه ما منع الزيادة على إحدى عشر، وقال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، معناه الأمر في ذلك واسع، لكن لا شك أن الأولى هو الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا ما فعل الأولى، وصلي صلاة يعني سائغة جائزة في التراويح، وهي أكثر من إحدى عشر، فإن الذي ينبغي للإنسان أن يستمر مع الإمام حتى ينصرف، ولو كان أنه يرى أن الأفضل هو إحدى عشر، حتى يحصل هذا الأجر الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة).

    تراجم رجال إسناد حديث أبي ذر: (صمنا مع رسول الله في رمضان فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل الأول)

    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].

    هو أبو قدامة السرخسي، وهو ثقة، مأمون سني، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة، مأمون، سني. وقال: سني لأنه أظهر السنة في بلده، أظهر السنة ونشرها في بلده فقيل له: سني لهذا، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.

    [حدثنا محمد بن فضيل].

    هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، وهو صدوق رمي بالتشيع، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، رمي بالتشيع، لكن نقل الحافظ ابن حجر عنه في ترجمته في مقدمة الفتح، نقل عن بعض العلماء بإسناده إليه، أنه قال كلمة تدل على سلامته من ما نسب إليه، وأنه على طريقة أهل السنة، وليس على طريقة الرافضة أو الشيعة، وذلك أنه قال: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم عليه. وهذا كلام لا يقوله من خذل بأن يترحم على عثمان، بل هذا شأن أهل السنة، وأهل الإنصاف، وأهل التوفيق، أنهم يترحمون على خيار الأمة، وعلى سادات الأئمة، وعلى أئمة الأئمة، الخلفاء الراشدون الهادون المهديون الذين هم أفضل هذه الأمة التي هي أفضل الأمم وخير الأمم، فكونه يترحم على عثمان، ويدعو على من لا يترحم على عثمان، بأن لا يرحمه الله.. رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم عليه، يدعو له، ويدعو على من لا يدعو له، هذا من أهل السنة.

    فإذاً: ما نسب إليه من التشيع لا يضره، وقد يكون ذلك التشيع الذي نسب إليه من قبيل ما لا يضر، مثل تقديم علي على عثمان في الفضل وليس في الخلافة؛ لأن تقديم علي على عثمان في الفضل، هذه من المسائل التي لا يبدع من يقول بها، وإنما الذي يبدع من يقول بها: أنه أولى منه بالخلافة؛ لأن الصحابة اتفقوا على تقديم عثمان على علي، فمن رأى أنه أولى منه فقد اعترض على فعل الصحابة، وخالف طريقة الصحابة.

    أما مسألة الفضل، وكون علي أفضل، فهذا قول قال به بعض أهل السنة، وإن كان جمهور أهل السنة على خلافه، بل جمهور أهل السنة على أن تقديمهم في الفضل كتقديمهم في الخلافة، وقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا يفضلونه ويخيرونه، حيث يقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكره، يقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وينصون على أن عثمان هو الثالث في الفضل، كانوا يخيرون فيقولون: فلان خير ثم فلان ثم فلان ثم فلان، فأهل السنة والمشهور عند أهل السنة أن عثمان أفضل من علي، لكن بعض أهل السنة مثل: عبد الرحمن بن أبي حاتم، ومثل: الأعمش، ومثل: ابن جرير يعني يقولون بتفضيل علي على عثمان، ومثل: هذا لا يضر صاحبه، ولا يبدع صاحبه؛ لأنه وإن كان أفضل منه على قول هؤلاء، فإنهم لا يقولون بأنه أولى منه بالخلافة؛ لأنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل على رأي هؤلاء، يعني ليس معناه أنه إذا قدم مفضول على فاضل، معناه أنه يصير أولى منه، وأنه يعني يعترض على الصحابة، لا، ما يعترضون على الصحابة، ولا يقولون: بأنه أولى منه بالخلافة هؤلاء، وإنما يقولون: أفضل منه، لكن قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل؛ لأن الولاية يعني يولى فيها من يكون أصلح، ولا يلزم أن يولى من يكون خير، ومن يكون أفضل في العبادة، وأفضل في الدين؛ فإنه إذا كان البعض أفضل في التدبير، وفي الأمور التي يحتاج فيها في الولاية، فإنه تراعى المصلحة في ذلك، فتقديم علي على عثمان في الفضل عند هؤلاء، لا يعني أنه أولى منه بالخلافة؛ لأنه معلوم أنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل.

    ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر عمرو بن العاص في جيش فيه أبو بكر، وعمر ولا يعني أن عمرو أفضل من أبي بكر، وعمر، ولما أمره فرح وظن أن هذا التأمير له تفضيل، فقال: (من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر )، يعني ليس معناه أنه لما أمره أنه صار له ميزة على غيره، فقد يؤمر المفضول، مع وجود الفاضل، وأسامة بن زيد لما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم في الجيش الذي جهزه، وأمره وهو صغير، لا يعني ذلك أنه أفضل من غيره، وإنما لأمر اقتضى ذلك، فقد يولى المفضول مع وجود الفاضل.

    إذاً: ما جاء عن بعض السلف مثل: عبد الرحمن بن أبي حاتم، ومثل: الأعمش، ومثل: ابن جرير، وغيرهم من أن علياً أفضل من عثمان، هذا قول قال به بعض السلف، ولا يضر صاحبه شيئاً، ولا يؤثر في الرواية، فلعل محمد بن فضيل تشيعه من هذا القبيل، هذا التشيع الذي نسب إليه من هذا القبيل، وقد قال هذه الكلمة التي تدل على سلامته من البدعة، ومن سلوك مسالك أهل البدعة، قال: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم عليه. يدعو له ويدعو على من لا يدعو له؛ لأن (لا رحم الله) دعاء عليه، دعاء على من لم يترحم على عثمان، رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان، ونحن نقول كما قال محمد بن فضيل: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. رضي الله عن عثمان ولا رضي الله عمن لا يترضى عن عثمان.

    [عن داود بن أبي هند].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن الوليد بن عبد الرحمن].

    هو الوليد بن عبد الرحمن الحمصي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن جبير بن نفير].

    هو جبير بن نفير الحمصي، وهو ثقة، جليل، مخضرم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. والمخضرمون هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم: جبير بن نفير هذا، ومنهم: سويد بن غفلة، ومنهم: عبد الرحمن الصنابحي، ومنهم: أبو وائل شقيق بن سلمة، جماعة وصفوا بأنهم مخضرمون، أي: أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي عليه الصلاة والسلام.

    [عن أبي ذر].

    هو أبو ذر جندب بن جنادة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (قمنا مع رسول الله في شهر رمضان ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني نعيم بن زياد أبو طلحة سمعت النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما على منبر حمص يقول: (قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، وكانوا يسمونه السحور)].

    أورد النسائي حديث النعمان بن بشير، وهو بمعنى الحديثين قبله كون النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة ثلث الليل، ومرة نصف الليل، ومرة أكثر من ذلك، وأنهم في الليلة الأخيرة خشوا أن يفوتهم السحور، وهو دال على قيام الرسول صلى الله عليه وسلم ليالي من رمضان، وعرفنا أنه جاء في بعض الروايات: أنه ما منعه من أن يواصل بهم إلا خشية أن يفترض عليهم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ..)

    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].

    ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا زيد بن الحباب].

    صدوق يخطئ في حديث الثوري، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [أخبرني معاوية].

    هو معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثني نعيم بن زياد].

    وهو: نعيم بن زياد أبو طلحة، ثقة يرسل، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [سمعت النعمان بن بشير].

    هو صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار الصحابة حيث توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنوات.

    1.   

    الأسئلة

    الأمور الغيبية إذا ثبتت بإسناد صحيح إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنها تكون معتبرة

    السؤال: فضيلة الشيخ، أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس، قرأت في تفسير ابن كثير بأن حرباً قامت بين الملائكة والجن فأسرت الملائكة إبليس، فلما وجه الله الخطاب للملائكة، كان عندهم فلم يسجد، فما صحة هذا الكلام؟

    الجواب: كما هو معلوم هذا الكلام يبدو من لفظه أنه غير مستقيم، وفي الغالب أن هذا من الإسرائيليات التي في تفسير ابن كثير، وإبليس هو ليس من الملائكة، وإنما هو من جنس آخر وهم الجن، وهو أبو الجن، وأصل الجن، وقد جاء في القرآن أن الجن خلقوا من مارج من نار، وجاء في صحيح مسلم : (أن الملائكة خلقوا من نور)، الملائكة خلقوا من نور، (والجان خلقوا من نار)، فأصله غير أصلهم، ومادته غير مادتهم، ولكنهم متفقون بأننا لا نراهم، لا الملائكة، ولا الجن، يعني: كلهم من الجنس المستتر عنا الذي لا نراه، ولا يعني كونه أمر، وأنه جاء أمر الملائكة وأنهم سجدوا إلا إبليس، أن يكون منهم، بل هو من جنس آخر، فهو إما أن يكون يعني.. فالاستثناء يكون منقطع، يعني أنه من جنس آخر، من غير جنسهم، أو أنه ذكر معهم تبعاً لهم، وإن لم يكن منهم، وأنه أمر بالسجود كما أمروا، وهو ليس من الملائكة ولكنه من جنس يشبه جنس الملائكة في أنهم يستترون عنا، وأننا لا نراهم وهم يروننا، الملائكة يروننا ولا نراهم، والجن يروننا ولا نراهم، وأما هذا فظاهره كونه حصل حرب بين الجن والملائكة، وأن الملائكة أسروا إبليس وكذا، يعني هذا لفظه يدل على ما فيه.

    ومثل هذا من الأمور الغيبية التي لا يلتزم شيء منها، ولا يصدق شيء منها، إلا إذا ثبت عن طريق الإسناد، إذا ثبت بإسناد صحيح، عند ذلك يعتبر، إذا ثبت بإسناد صحيح إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه يكون معتبراً، وإلا فإنه من جنس الإسرائيليات التي تذكر في الكتب وتنقل عن بني إسرائيل.

    صلاة الوتر بعد الجمع مع صلاة المغرب

    السؤال: كنت مسافراً فصليت المغرب والعشاء في الحرم المكي جمع تقديم، فهل لي أن أوتر بعد الصلاة؟ وهل فعلي هذا صحيح؟

    الجواب: نعم، إذا كان الإنسان سيسافر بعد المغرب، فإنه إذا صلى الإمام المغرب وفرغ منها، يقوم ويصلي العشاء جمعاً، وإذا أوتر وصلى الوتر بعد ذلك، فإن له ذلك؛ لأن الوتر يبدأ بصلاة العشاء، يعني صلاة الليل تبدأ بالانتهاء من صلاة العشاء، ولو قدمت مع المغرب؛ لأنه يعتبر صلى العشاء، فله أن يوتر، ولو كان ذلك في وقت المغرب؛ لأنه ما دام قدمها فله أن يصلي وتره بعدها.