إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب صلاة الخوف [1]

شرح سنن النسائي - كتاب صلاة الخوف [1]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض الله الصلاة على عباده بالتعيين، ولا تسقط عن أحد مهما كانت حالته، حتى في حالة الخوف والقتال فإنها تؤدى على اختلاف أحوال القتال ومواجهة العدو.

    1.   

    صلاة الخوف

    شرح حديث حذيفة بن اليمان: (صلى رسول الله صلاة الخوف بطائفة ركعة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب صلاة الخوف.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا وكيع أخبرنا سفيان عن الأشعث بن أبي الشعثاء عن الأسود بن هلال عن ثعلبة بن زهدم قال: (كنا مع سعيد بن العاصي بطبرستان ومعنا حذيفة بن اليمان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فوصف فقال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بطائفةٍ ركعةً صف خلفه، وطائفةٍ أخرى بينه وبين العدو، فصلى بالطائفة التي تليه ركعة، ثم نكص هؤلاء إلى مصاف أولئك، وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة)].

    يقول النسائي رحمه الله: كتاب صلاة الخوف. وصلاة الخوف جاءت فيها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام على صفات متعددة، سواء كان الناس حاضرين أو مسافرين، فإن صلواتهم معلومة كيفيتها، وأما في حال الخوف فقد جاءت صفتها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام على أوجه مختلفة، وحصلت في مناسبات متعددة، ومن العلماء من فضل كيفية على كيفية، ومنهم من قال: إنها كلها سائغة، وإنما في كل حال ما يناسبها من الكيفيات التي ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكانت هذه الكيفيات تنقسم إلى قسمين: أحدها: إذا كان العدو بينهم وبين القبلة، والحالة الثانية: إذا كان في جهة أخرى غير القبلة، أي: يكون من ورائهم، ولكل صفة فيما إذا كان العدو في جهة القبلة أو في غير جهتها.

    وقد أورد النسائي تحت هذا الكتاب عدة أحاديث، ولم يعقد أبواباً تحت هذا الكتاب، بل أورد سبعةً وعشرين حديثاً مسرودة، ليس فيها أبواب كعادته في بقية الكتب المتقدمة التي يكون كل كتاب تحته أبواب، هنا سرد الكيفيات، وأتى بالأحاديث المشتملة على الكيفيات دون تبويب لها، وقد أورد النسائي في أولها حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وكانوا في طبرستان ومعهم سعيد بن العاص الأمير، فسأل: من يعلم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، ثم وصفها، فبين أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بالناس، وجعلهم طائفتين: طائفة يصلون وراءه، وطائفة يبقون تجاه العدو يحرسون إخوانهم، ويعرفون حركات العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا وصاروا مكان أولئك الذين يحرسون مواجهين للعدو، وجاءوا أولئك الذين لم يصلوا فصلوا معه ركعة، أي: أن كل طائفة منهم صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة، الطائفة الأولى التي كانت معه صلت معه الركعة الأولى، ثم ذهبت، وبقيت في مقام الذين لم يصلوا معه أولاً، فجاء أولئك الذين كانوا يحرسون، والنبي عليه الصلاة والسلام في الركعة الأولى، فصفوا معه، وصلى بهم الركعة الثانية.

    وظاهر الحديث أن كلاً منهم اكتفى بركعة، وجاء في الرواية الأخرى: (أنهم لم يقضوا)، وهذا يوضح اكتفاءهم بركعة، وأن كل طائفة من الطائفتين صلت ركعة ولم تقضِ، والنبي عليه الصلاة والسلام صلى بالناس ركعتين، فهذه إحدى الكيفيات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في بعضها، أي: بعض الروايات أو بعض الكيفيات أن كل طائفة تقضي ركعة كما يأتي في بعض الأحاديث، أي: أن الطائفة الأولى صلت معه ركعة، ثم أتمت لنفسها وذهبت، والطائفة الثانية جاءت معه في الركعة الثانية وصلت معه، ولما جلس للتشهد أتمت لنفسها، أي: الركعة الثانية، ثم سلم بها، وهذه الرواية فيها الإطلاق، والتي بعدها من حديث حذيفة فيها التصريح بأنهم لم يقضوا، أي: أن كل واحد منهم، أو كل طائفة منهم صلت ركعةً واحدة.

    تراجم رجال إسناد حديث حذيفة بن اليمان: (صلى رسول الله صلاة الخوف بطائفة ركعة ...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أرفع صيغ التعديل وأعلاها.

    [حدثنا وكيع].

    هو ابن الجراح الرؤاسي، الكوفي، وهو، ثقة، حافظ، مصنف، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرنا عن سفيان].

    وسفيان غير منسوب، والمراد به سفيان الثوري؛ لأن وكيعاً مكثر من الرواية عن سفيان الثوري، وهو من أهل بلده، ومقل من الرواية عن سفيان بن عيينة، وهو ليس من أهل بلده؛ ولأن ابن عيينة مكي، وأما الثوري فهو كوفي، ووكيع بن الجراح كوفي، فإذا جاء سفيان غير منسوب يروي عنه وكيع فالمراد به: الثوري؛ لأنه معروف بالإكثار من الرواية عنه، وأما ابن عيينة فهو معروف بالإقلال من الرواية عنه، وهذا من بلده الذي هو: سفيان الثوري، وذاك ليس من بلده الذي هو: سفيان بن عيينة، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان مع شيخه في بلد واحد، فإنه يكون كثير الاتصال به، وكثير الأخذ عنه، بخلاف ما إذا كان في بلد آخر، فإنه لا يلتقي به إلا زائراً، أو يلتقي به في بعض الأحيان، فيحمل على من له به كثرة اتصال، ووكيع ممن أكثر عن الثوري، وأقل الرواية عن ابن عيينة، وهذا ما يسمى: المهمل في علم المصطلح، أي: أن الشخص لم ينسب، ويحتمل عدة أشخاص، فإنه يحمل على من للتلميذ به خصوصية، وذلك إذا كان يكون من أهل بلده، أو مكثراً من الرواية عنه.

    وسفيان الثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن الأشعث بن أبي الشعثاء].

    هو الأشعث بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    أبوه سليم، أي أن: أبا الشعثاء، هو سليم، وابنه: أشعث بن سليم، ويقال له: أشعث بن أبي الشعثاء، يذكر منسوباً إلى أبيه مكنى، ومنسوباً إلى أبيه باسم أبيه، وهنا جاءت الرواية منسوباً إلى أبيه مكنى، أشعث بن أبي الشعثاء، والطريقة التي ستأتي أشعث بن سليم، وأشعث بن سليم هو أشعث بن أبي الشعثاء.

    [عن الأسود بن هلال].

    ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [عن ثعلبة بن زهدم].

    مختلف في صحبته، وقال عنه العجلي: إنه تابعي، ثقة، وحديثه أخرجه أبو داود، والنسائي.

    [عن حذيفة].

    هو حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث حذيفة بن اليمان: (أيكم صلى مع رسول الله صلاة الخوف؟ ...) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان حدثني أشعث بن سليم عن الأسود بن هلال عن ثعلبة بن زهدم قال: (كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فقام حذيفة فصف الناس خلفه صفين، صفاً خلفه وصفاً موازي العدو، فصلى بالذي خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا)].

    أورد النسائي حديث حذيفة رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو مثل الطريق السابقة، إلا أن الطريق السابقة فيها حكاية صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم ووصفها، وأما هذه فإنه صلى بهم صلاة الخوف على وفق صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مثل السابقة، إلا أن فيها التصريح بأنهم لم يقضوا، أي: أن كل جماعة صلوا ركعة ولم يحصل منهم قضاء.

    تراجم رجال إسناد حديث حذيفة بن اليمان: (أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ ...) من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].

    عمرو بن علي، هو الفلاس، وهو ثقة ناقد متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا يحيى].

    هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، ثبت، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    هو الثوري، وقد مر ذكره.

    [حدثني أشعث بن سليم].

    هو أشعث بن أبي الشعثاء وقد مر في الإسناد الذي قبل هذا.

    [ثعلبة بن زهدم].

    ثعلبة بن زهدم، وحذيفة، مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.

    شاهد لحديث حذيفة من رواية زيد بن ثابت في كيفية صلاة الخوف

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان حدثني الركين بن الربيع عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل صلاة حذيفة)].

    أورد النسائي زيد بن ثابت رضي الله عنه في صفة صلاة الخوف، ولكنه لم يذكر المتن، بل أحال على حديث صلاة حذيفة، وهو الحديث المتقدم قبل هذا، الحديث الذي فيه صلاة حذيفة بالناس صلاة الخوف بطبرستان، حيث صلى بهم، ولم يذكر لفظ حديث زيد بن ثابت، بل أحال على حديث حذيفة في صلاته بالناس الخوف في طبرستان، بخلاف الحديث الأول، فإن فيه لم يصل حذيفة، وإنما وصف صلاة الخوف، والحديث الثاني الذي تقدم، فيه أنه صلى بهم صلاة الخوف على وفق صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكلمة: (مثل)، تعني: الموافقة، والمماثلة، ومعناه: أن لفظه على وفق، وعلى مثل ما حصل من حذيفة في صلاته بالناس الخوف في طبرستان، وعند المحدثين فرق بين مثله ونحوه، إذا قالوا: مثله أو قالوا: نحوه، فإن (مثله) تعني: المطابقة، وأما (نحوه) تعني: الاتفاق في المعنى، وإن حصل الاختلاف في الألفاظ، هذا هو الفرق بين (مثله) و(نحوه).

    تراجم رجال إسناد شاهد لحديث حذيفة من رواية زيد بن ثابت في كيفية صلاة الخوف

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد القطان].

    وقد مر ذكرهما.

    [حدثنا سفيان].

    وقد مر ذكره أيضاً.

    [حدثني الركين بن الربيع].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن القاسم بن حسان].

    مقبول، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [عن زيد بن ثابت].

    صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد كتبة الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    والحديث في سنده القاسم بن حسان، وهو مقبول، وحديثه يعتبر عند المتابعة، ومن المعلوم: أن حديث حذيفة المتقدم هو مثله، كما لم يذكر المتن هنا، وأحيل فيه إلى حديث حذيفة، فهذا الذي جاء من طريقه جاء من طريق غيره، وهو ثابت من طريق غيره، وكونه مقبول، فإنه يعتمد على حديثه عند المتابعة، وقد جاء ما يشهد له ويؤيده من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه المتقدم، والذي أحيل إليه عند انتهاء الإسناد في هذا الحديث، وأحيل بمتنه على أنه مثل حديث حذيفة في صلاته بالناس صلاة الخوف، وهو الحديث المتقدم قبل هذا.

    شرح حديث ابن عباس: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً ... وفي الخوف ركعة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة)].

    أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، الذي تقدم في السفر، وتقدم في بعض المواضع، وأتى به هنا في الخوف من أجل ما جاء فيه أن صلاة الخوف ركعة، قال: [(فرض الله على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة)]. وهذا فيه دليل على أن صلاة الخوف في بعض صورها، وفي بعض أحوالها، تكون ركعةً واحدة، ومن العلماء من قال: أنها ركعة، أي: تكون مع الإمام، لكن الحديث فصل في صلاة الحضر وأنها أربع، والسفر وأنها ركعتان، والخوف بأنها ركعة، وهذا يفيد بأنها ركعة واحدة وليست ركعةً مع غيرها، وأنها يدركها مع الإمام، وركعةً أخرى يقضيها، وإنما تكون ركعةً واحدة عند الحاجة، وعندما يقتضي الأمر أن تصلى على هذه الكيفية، وعلى هذه الصفة، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما واضح الدلالة على ذلك.

    وقد جاء في بعض الروايات المتقدمة في حديث حذيفة أن كل طائفة صلت ركعةً واحدة وأنها لم تقض، والذين يقولون: بأنها لا تكون ركعةً واحدة، وإنما يضم إليها غيرها، يقولون في قوله: إنها ركعة واحدة، وأنهم لم يقضوها على أساس أنها مستقلة، بل يضم إليها ركعة، ولكنها لا تقضى قضاءً مستقلاً، بمعنى أنهم يعيدونها، ثم هذه الأحاديث التي مرت، والتي ستأتي، وهي في صلاة الخوف، كلها تدل على لزوم صلاة الجماعة، وأن هذا من الأدلة الدالة على وجوبها، إذا كان الخوف مع شدة حاجة الناس إلى الاستعداد للعدو، وإلى مقابلته، وملاقاته، ومع ذلك ما تركت صلاة الجماعة مع شدة الخوف، قالوا: وهذا يدل على وجوب صلاة الجماعة، وهو من أدلة وجوبها، وهو من أوضح الأدلة الدالة على وجوبها، وأنها مع شدة الخوف، ومع حاجة الناس إلى الاستعداد للعدو، لم تترك صلاة الجماعة، بل أتي بها، لكن على هيئة مخصوصة بينتها الأحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (فرض الله الصلاة على نبيكم في الحضر أربعاً ... وفي الخوف ركعة)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وبغلان: قرية من قرى بلخ من بلاد خراسان.

    [حدثنا أبو عوانة].

    هو الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، مشهور بكنيته أبي عوانة، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، وهناك من اشتهر بكنية أبي عوانة شخص متأخر، وهو: أبو عوانة صاحب المستخرج على صحيح مسلم الذي يقال لكتابه: الصحيح، ويقال له: المسند، ويقال له: المستخرج، فهو مشهور بكنيته أبي عوانة، وهذا مشهور بكنيته أبي عوانة، وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري.

    [عن بكير بن الأخنس].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. أي: ما خرج له البخاري في الصحيح، ولا الترمذي.

    [عن مجاهد].

    هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، عالم بالتفسير والعلم، مشتهر بأنه عمدة في التفسير، وأنه من أهل العلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عباس].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    شرح حديث : (أن رسول الله صلى بذي قرد وصف الناس خلفه صفين ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثني أبو بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد، وصف الناس خلفه صفين: صفاً خلفه، وصفاً موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا)].

    أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو مثل الحديث الذي تقدم عن حذيفة وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما، في أن الرسول صلى الله عليه وسلم صف الناس صفين: صفاً يصلون وراءه، وصفاً تجاه العدو، وكان العدو في غير جهة القبلة، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا، وجاء أولئك الذين هم مقابلون للعدو، وصلوا معه الركعة الثانية، ولم يقضوا، فهو مثل حديث حذيفة، ومثل حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله صلى بذي قرد وصف الناس خلفه صفين ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].

    هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كل واحد من أصحاب الكتب الستة روى عنه مباشرةً وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، توفي قبل البخاري بأربع سنوات، فـالبخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن بشار توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومثله في تاريخ الوفاة، وفي كونه أيضاً شيخاً لأصحاب الكتب الستة: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن المثنى، فإن هؤلاء الثلاثة ماتوا في سنة واحدة، وكل واحد منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا يحيى بن سعيد].

    هو يحيى بن سعيد القطان، قد تقدم قريباً مراراً.

    [عن سفيان].

    هو سفيان الثوري، وقد تقدم أيضاً.

    [حدثني أبو بكر بن أبي الجهم].

    هو أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم ينسب إلى جده، واسم أبيه عبد الله، وقوله: ابن أبي الجهم، نسبةً إلى جده، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن عبيد الله بن عبد الله].

    هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الثقفي، أحد الثقات الفقهاء، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، هو أحد هؤلاء الفقهاء السبعة باتفاق، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عباس].

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (قام رسول الله وقام الناس معه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير عن محمد عن الزبيدي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام الناس معه، فكبر وكبروا، ثم ركع وركع أناس منهم، ثم سجد وسجدوا، ثم قام إلى الركعة الثانية، فتأخر الذين سجدوا معه وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وسجدوا، والناس كلهم في صلاةٍ يكبرون، ولكن يحرس بعضهم بعضاً)].

    أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو فيما إذا كان العدو في جهة القبلة، فإنهم يصلون مع الإمام جميعاً، ويكونون صفين، يقومون معه جميعاً، وإذا ركع فإنهم يركعون جميعاً، وإذا سجد يسجد معه الصف الأول، ويبقى الصف الثاني يحرس، وإذا فرغ أهل الصف الأول معه، فإنهم يسجدون، ثم بعد ذلك يتقدمون ويصلون الركعة الأولى مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين وراءهم يكونون مثلهم -الذين تأخروا- وكلهم في صلاة يكبرون، ولكنهم يحرس بعضهم بعضاً، وفي الأخير يسلم بهم جميعاً، بمعنى أن العدو في جهة القبلة، ويصفون صفين: صف إذا سجد يسجدون معه، والذين وراءهم واقفين، فإذا فرغ، وقام فإنهم يسجدون، أي: الصف المؤخر، الذين كانوا واقفين عندما سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف المقدم، ثم إذا قاموا تقدموا، وتأخر أولئك، فإذا ركع الركعة الثانية وسجد، فالصف الأول الذي كان مؤخراً يسجد معه ويركع، والصف الذي كان مقدماً ثم صار مؤخراً، عندما يخلصون من السجود يسجدون لأنفسهم، ثم يجلسون جميعاً للتشهد ينتظرون التسليم، فيسلم بهم، هذا فيما إذا كان العدو في جهة القبلة، بمعنى أنهم في حال السجود لا يسجدون جميعاً، وإنما يكون بعضهم يحرس وبعضهم يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (قام رسول الله وقام الناس معه ...)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير].

    هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن محمد].

    هو محمد بن حرب الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزبيدي].

    هو محمد بن الوليد الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. ومحمد بن الوليد الزبيدي الحمصي من أثبت أصحاب الزهري.

    [عن الزهري].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبيد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود].

    وقد مر ذكره.

    [عن ابن عباس].

    وقد مر ذكره.

    وهذا الحديث فيه ستة أشخاص، ثلاثة حمصيون في أول السند، وثلاثة مدنيون فيما يليه، عمرو بن كثير، ومحمد بن حرب، ومحمد بن الوليد الذي هو الزبيدي، هؤلاء الثلاثة حمصيون، والزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعبد الله بن عباس مدنيون، ابن عباس كان آخر أمره في الطائف، وتوفي في الطائف رضي الله تعالى عنه.

    شرح حديث: (ما كانت صلاة الخوف إلا سجدتين ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم حدثني عمي حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (ما كانت صلاة الخوف إلا سجدتين كصلاة أخراسكم هؤلاء اليوم، خلف أئمتكم هؤلاء، إلا أنها كانت عقباً، قامت طائفة منهم وهم جميعاً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسجدت معه طائفةٌ منهم، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاموا معه جميعاً، ثم ركع وركعوا معه جميعاً، ثم سجد فسجد معه الذين كانوا قياماً أول مرة، فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين سجدوا معه في آخر صلاتهم، سجد الذين كانوا قياماً لأنفسهم، ثم جلسوا فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتسليم)].

    أورد النسائي حديث ابن عباس، وهو مثل الرواية السابقة فيما إذا كان العدو بينهم وبين القبلة، فتصلي الطائفة الأولى التي في الصف الأول معه، والثانية تحرس، ثم إذا قاموا سجدت الطائفة الثانية لأنفسهم، وإذا فرغوا، قاموا وتقدموا إلى الصف الأول، وصاروا وراء الإمام، وتأخر الصف الأول، ثم سجد معه الذين ما سجدوا معه في الأولى، والذين كانوا معه في الأولى تأخروا إلى الصف الثاني، سجدوا لأنفسهم بعد أن فرغ من السجود، وجلس معه الصف الأول، ثم جلسوا جميعاً في التشهد، ثم جمع بهم في التسليم، يعني: سلم بهم جميعاً، فدخلوا بالصلاة وهم معه، إلا أن بعضهم يحرس، وبعضهم يصلي، ثم بعد ذلك سلم بهم جميعاً.

    فهذه الرواية هي مثل الرواية التي قبلها، وهي صفة الروايتين واحدة فيما إذا كان العدو بين الناس وبين القبلة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ما كانت صلاة الخوف إلا سجدتين ...)

    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم].

    هو عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي، والبخاري، وأبو داود، والترمذي.

    [حدثنا عمي].

    هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا أبي].

    وهو أبو الثاني وجد الأول، وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو ثقة، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن إسحاق].

    هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني، وهو صدوق، مدلس، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وهنا قد صرح بالتحديث.

    [عن داود بن الحصين].

    ثقة إلا في عكرمة، وهو يروي عن عكرمة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، لكن كما هو معلوم أن هذه الطريق، والطريق الآخر الذي قبله هو مثله، من حيث وصف الصلاة، وأنه ما جاء من هذه الطريق وحدها التي فيها رواية داود عن عكرمة، بل الطريق الأول التي مضت هي طريق أخرى، فإذاً: لا يؤثر عليه ما قيل: أن في روايته عن عكرمة.

    [عن عكرمة].

    هو مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عباس].

    وقد مر ذكره.

    1.   

    الأسئلة

    حكم استعمال العطور الممزوجة بالكحول

    السؤال: فضيلة الشيخ! حفظكم الله، ما حكم استعمال العطور التي امتزجت بشيء من الكحول، يقال: إنها نوع من الخمر؟

    الجواب: هذه المسألة كان الشيخ الأمين الشنقيطي يحرم استعمالها ويمنع ذلك، وقد ذكر هذا في كتابه: (أضواء البيان) الذي يسمى: الكلونيا، ومن العلماء من يرى أنه لا بأس به، لكن كما هو معلوم الطيب الطيب -والحمد لله- كثير، أي: الذي لا شبهة فيه كثير، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (دع ما يريبك إلا ما لا يريبك)، فالشيء الذي فيه شبهة يستغنى عنه، وهناك من الطيب ما يغني عنه.

    مدى صحة الحكم على عيسى عليه السلام بأنه صحابي

    السؤال: فضيلة الشيخ! هل يعد نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام من الصحابة؟

    الجواب: عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام رآه رسول الله عليه الصلاة والسلام لما عرج به إلى السماء بروحه وجسده؛ لأنه رفع بروحه وجسده عليه الصلاة والسلام، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم، ورأى هو النبي عليه الصلاة والسلام، ورأى رسول الله عليه الصلاة والسلام عيسى بن مريم وهو في هذه الحياة، أي: بروحه، وجسده الذي سينزل في آخر الزمان ويموت، فهو نبي من أنبياء الله، ولكن من حيث رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق عليه بعض العلماء أنه صحابي بمعنى: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وآمن به، وصدق به، وفي آخر الزمان عندما ينزل يحكم بشريعته كما ثبتت بذلك الأحاديث، لكن كما هو معلوم: عنده ما هو أكمل من الصحبة، وما هو أفضل من الصحبة، وهي النبوة والرسالة، لكن بعض العلماء ذكره، ولهذا بعضهم يذكره في كتب الصحابة.

    أولوية التقديم عند التعارض بين المرفوع الضعيف والموقوف الصحيح

    السؤال: فضيلة الشيخ! حديثان متعارضان: أحدهما مرفوع ولكنه ضعيف، والثاني موقوف ولكنه صحيح، فأيهما يقدم؟

    الجواب: كما هو معلوم: إذا كان حديثاً ضعيفاً فهو غير ثابت، أي: إذا كان ذلك الضعف لا ينجبر، ولا يحتمل، فيعتبر غير ثابت، وأما الحديث الموقوف فهو كلام صحابي، معناه: إذا انتهى الحديث إليه فهو يعتبر كلام صحابي، إلا أن يكون من الأمور التي لا مجال للرأي فيها، ولا مجال للاجتهاد فيها، فهذا يقولون عنه: مرفوع حكماً، وليس مرفوعاً تصريحاً، هذا إذا كان الحديث موقوف على صحابي، ولكنه من الأمور الغيبية، إلا إذا كان الشخص معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، فإن هذا يحتمل أن يكون مما أخذه من أخبار بني إسرائيل، إذا كان بالأمور الغيبية.

    الحاصل: أنه إذا كان الحديث في إسناده ضعيف، والضعف شديد فإنه يعتبر غير ثابت، وذاك الموقوف إذا كان الإسناد صحيح، إن كان مما للرأي فيه مجال، فهو قول صحابي، وثابت إليه، وإن كان مما ليس للرأي فيه مجال، وليس الصحابي معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، فيكون له حكم الرفع، ولهذا المرفوع يقولون عنه: مرفوعاً تصريحاً ومرفوعاً حكماً، المرفوع تصريحاً: أن يقول الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، والمرفوع حكماً: أن يقول قولاً لا مجال للرأي فيه، وليس معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، فإنه يعتبر مرفوعاً حكماً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    مدة القصر في السفر إذا زاد على أربعة أيام

    السؤال: فضيلة الشيخ! ذكرت أن المسافر لا يقصر الصلاة إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة تسعة عشر يوماً في تبوك، فما هو التوفيق؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: أنا ذكرت فيما مضى أن ما جاء من إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح، وما جاء بإقامته في تبوك، وهو يقصر الصلاة في مكة، وفي تبوك، لم يكن هناك شيء يدل على أنه عازم على الإقامة هذه المدة عند دخوله مكة، أو وصوله إلى تبوك، لا يوجد ما يدل على هذا، ومن المعلوم: أن المسافر إذا لم يكن عنده عزم على الإقامة، ولا يدري متى تنتهي إقامته في البلد، أي: ما عنده عزم على مدة معينة، فإنه يقصر ولو طالت المدة، ولو بلغت أكثر من هذه المدة، ما دام أنه ما كان عنده عزم للإقامة، مثل: إنسان عنده شغل، ولا يدري متى ينتهي شغله، كل يوم يقول: ينتهي، كل يوم يقول: ينتهي، يستمر يقصر، ولو طالت المدة، لكن إذا كان هناك عند الدخول ووصول البلد عنده عزم على الإقامة هذه المدة، في مكة، ما عندنا ما يفيد بأن الرسول لما دخل مكة عزم على الاقامة تسعة عشر يوماً، وليس عندنا شيء يوضح لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما وصل تبوك كان سيبقى فيه هذه المدة، فهذا مجهول، ومن المعلوم أن المدة إذا كانت مجهولة أمام الإنسان، وليس عنده عزم على إقامة مدة معينة، أنه يقصر، ولو طالت المدة، مثل ما حصل لبعض الصحابة، كانوا يسافرون ويقصرون الشهرين، وذلك فيما جاء عن ابن عمر في أذربيجان لما كان الثلج موجوداً، وكانوا كل يوم ينتظرون الثلج يذوب، ويمشون، ويقصرون، وتتواصل الأيام حتى تبلغ شهرين، فإذاً: المدة التي عُرف أن النبي علي الصلاة والسلام عزم على إقامتها عند وصوله إلى البلد في حجة الوداع، لما دخل مكة في اليوم الرابع، وهو باق فيها إلى أن يذهب إلى الحج في اليوم الثامن، معنى هذه إقامة محققة عند الدخول؛ لأنه أمامه الحج، وسيخرج من مكة للحج، معناه: أقام في البلد أربعة أيام، فمن هنا قال جمهور العلماء: على أن الإقامة تكون إذا نوى الإنسان أكثر من أربعة أيام، فإنه لا يعتبر مسافراً، بل يعتبر حكمه حكم المقيم، وإن كانت إقامته في حدود أربعة أيام فأقل، فحكمه حكم المسافرين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر الصلاة في الأربعة الأيام التي كان فيها بمكة من يوم أربعة إلى يوم ثمانية.