إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الاستسقاء - (باب القول عند المطر) إلى (باب رفع الإمام يديه عند مسألة إمساك المطر)

شرح سنن النسائي - كتاب الاستسقاء - (باب القول عند المطر) إلى (باب رفع الإمام يديه عند مسألة إمساك المطر)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شكر الله سبحانه على نعمة المطر ألا ينسب نزوله إلى الكواكب، وإنما يقال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فإذا نزل المطر شرع للمسلم أن يقول: اللهم صيباً نافعاً، وإذا اشتد نزوله شرع للإمام سؤال الله رفعه، ويقول: اللهم حوالينا لا علينا.

    1.   

    القول عند المطر

    شرح حديث: (اللهم اجعله صيباً نافعاً ...)

    يقول المصنف رحمه الله تعالى: [القول عند المطر.

    أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمطر قال: اللهم اجعله صيباً نافعاً)].

    يقول النسائي رحمه الله: القول عند المطر؛ أي: ما يقال عند نزول المطر، أو الدعاء الذي يشرع، أو الذكر الذي يذكر عند نزول المطر. وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: [أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول إذا نزل المطر: اللهم اجعله صيباً نافعاً]؛ أي: يدعو بأن يجعل الله هذا المطر الذي نزل صيباً نافعاً، فهذا مما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يقوله الإنسان عند نزول المطر، وهو أن يدعو بهذا الدعاء، وقد جاء في بعض الأحاديث الثناء على من قال: (مطرنا بفضل الله ورحمته) كما جاء في الحديث الذي قال الله عز وجل: (أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب)، ففيه مدح من يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، وأن ذلك اعتراف من الإنسان بالتفضل من الله عز وجل عليه، وبرحمته بإنزال المطر، فذلك مما يقال عند نزول المطر، والذي أورده النسائي، هذا الحديث المشتمل على هذا الدعاء: [اللهم اجعله صيباً نافعاً].

    تراجم رجال إسناد حديث: (اللهم اجعله صيباً نافعاً ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].

    هو الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا سفيان].

    هو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن مسعر].

    هو ابن كدام الكوفي، وهو ثقة، ثبت، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن المقدام بن شريح].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبيه].

    هو شريح بن هانئ الكوفي، وهو ثقة كذلك، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السن الأربعة، وهو مخضرم، أي: من الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرو النبي صلى الله عليه وسلم.

    [عن عائشة].

    هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله تعالى براءتها مما رميت به من الإفك في قرآن يتلى في سورة النور، وقد حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي من أوعية السنة وحفظتها، لا سيما الأحاديث التي تتعلق بين الرجل وأهل بيته، والتي لا يطلع عليها إلا النساء، فهذا مما حفظته، وكذلك حفظت غيره، فهي أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم ستة رجال، وامرأة واحدة؛ فالستة هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، والمرأة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    وابن القيم رحمه الله لما ذكر في كتابه جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، عند ذكر الآل، ذكر ترجمةً مختصرة لكل أمهات المؤمنين، ذكر لها بمناسبة ذكر الآل، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ترجمةً مختصرة، ولما جاء عند عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ذكر شيئاً من تواضعها، ومع علو منزلتها، ورفعة مكانتها، رضي الله عنها وأرضاها، وذكر مما جاء في تواضعها: أنها لما أنزل الله عز وجل براءتها مما رميت به من الإفك في آيات تتلى في أوائل سورة النور، قالت: كنت أقول في نفسي: لو أن النبي عليه الصلاة والسلام يرى في منامه رؤيا يبرئني الله بها، قالت: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله فيّ آيات تتلى، يعني ما كنت أظن أنه ينزل فيّ قرآن؛ لأنني أهون من ذلك، تقول هذا تواضعاً منها رضي الله عنها وأرضاها، وكانت تتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا، -ورؤيا الأنبياء وحي- لكن الله عز وجل أنزل فيها قرآن يتلى، فكانت من تواضعها تقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله عز وجل فيّ آيات تتلى، ابن القيم رحمه الله يعلق على هذا فيقول: أين هذا ممن يصوم يوماً من الدهر، أو يصلي ركعةً من الليل، ثم يقول: أنا كذا، وأنا كذا، وأنا كذا، يعني يذكر أعماله، وهذه أم المؤمنين يحصل لها ما يحصل من الشرف، ثم تقول هذه المقالة الدالة على تواضعها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    وكتاب (جلاء الأفهام) بالمناسبة هو من خير ما ألف في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان ما جاء فيها من الأحاديث، وما اشتملت عليه من الفقه، وما يستنبط منها من الأحكام، وهو كتاب واسع ومفيد اسمه (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام).

    وقد ذكر السخاوي في كتابه (القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع صلى الله عليه وسلم)، ذكر في آخره جملة من الكتب التي ألفت في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، فذكرها، وهي عدة، وخامسها في الذكر كتاب ابن القيم (جلاء الأفهام)، ثم قال بعد أن ذكرها قال: وفي الجملة فخامسها هو أفيدها وأعظمها فائدة، يعني: كتاب ابن القيم؛ لأن ترتيبه الخامس بين الكتب التي ذكرها في آخر كتابه (القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع صلى الله عليه وسلم)، وهو كتاب مفيد في بابه، ومن أحسن الكتب التي ألفت في موضوعه، واسمه (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم).

    1.   

    كراهية الاستمطار بالكوكب

    شرح حديث: (ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون: الكوكب وبالكوكب)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كراهية الاستمطار بالكوكب.

    أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: (ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب وبالكوكب)].

    أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: كراهية الاستمطار بالكوكب؛ أي: إضافة المطر إلى الكوكب، وحصول المطر من الكوكب.

    وإضافة المطر إلى الكوكب ينقسم إلى قسمين: إضافة إليه على أن الكواكب لها تأثير، وأنها مؤثرة، فهذا كفر مخرج من الملة، فمن يجعل الكواكب مؤثرة، وأنها لها تأثير في الحوادث، ونزول المطر، فهذا كفر؛ لأن فيه إضافة الفعل إلى غير الله سبحانه وتعالى، وأن الكواكب مؤثرة، بل المؤثر هو الله عز وجل.

    وأما إذا أريد به إضافته إلى حصول المطر من الله عز وجل في نوء كذا، أي: في النوء الفلاني، وفي وقت طلوع النجم الفلاني، فهذا ليس كفراً مخرجاً من الملة، ولكنه فيه كفر النعمة، والأولى للإنسان ألا يأتي بذلك، وإنما يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته كما جاء في الحديث: (مطرنا بفضل الله ورحمته)، وإن قال: تفضل الله علينا في المطر في الوقت الفلاني، أو في الشهر الفلاني، لا بأس بذلك، المهم أن يضيف الأمر إلى تفضل الله، وأنه حصل في الوقت الفلاني إذا أراد أن يذكر ذلك.

    قوله: [ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريقٌ منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب وبالكوكب]، يعني: المقصود من ذلك: نعمة المطر؛ لأن الحديث يتعلق بإنزال المطر؛ لأنهم يضيفون ذلك إلى الكوكب، فالحديث قدسي من الأحاديث القدسية التي فيها الكلام مضاف إلى الله عز وجل من جهة أنه هو المتكلم به.

    والحديث القدسي هو: ما يأتي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام مسنداً إياه إلى الله عز وجل؛ بأنه يضيفه إلى الله عز وجل، وأن يسبقه قول: قال الله عز وجل، أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه أنه قال، فهذا هو الحديث القدسي، وهل هو من كلام الله عز وجل أو من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم؟ معلوم أن الضمائر تفيد أنه الله تعالى هو المتكلم به؛ لأنه قال: [أصبح من عبادي]، ولا يقول أحد: أصبح من عبادي إلا الله سبحانه وتعالى؛ لأن العباد عبيد الله، وهم مضافون إلى الله، فإذا قال: أصبح من عبادي، معنى هذا أنه كلام الله؛ لأنه قال: عبادي.

    لكن هذا هو نفس الكلام لفظه كلام الله؟ لو علمنا بأن الحديث هو كما نطق به رسول الله عليه الصلاة والسلام، نقول: هو كلام الله، أما والحديث تدخله الرواية بالمعنى، وتأتي الألفاظ فيه مختلفة، والرواة يأتون به بصيغ متعددة، فإنه لا يقال: إنه كلام الله وقد تعددت صيغه، وتعددت ألفاظه، وقد دخلته الرواية بالمعنى، لكن الحروف أو الضمائر هي ترجع إلى الله عز وجل، فلو تحقق بأن اللفظ لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يدخله رواية بمعنى، يقال: كلام الله، ولكن حيث توجد الألفاظ للحديث الواحد بألفاظ متعددة، هذا يفيد بحصول الرواية بالمعنى، وإذا دخلته الرواية بالمعنى فلا يقال: إن لفظه كلام الله، ما دام دخلته الرواية بالمعنى؛ بخلاف القرآن، فإن القرآن لفظه كلام الله سبحانه وتعالى ومعناه أيضاً، وليس كلامه الألفاظ دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، بل حروفه ومعانيه كلام الله عز وجل، وقاله الله عز وجل.

    قوله: [ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب وبالكوكب].

    أي: يضيفون ذلك إلى غير الله عز وجل، وقد ذكرت أن فيه تفصيلاً بين أن يكون إسناد التأثير إلى الكواكب، فهذا كفر بالله، مخرج من الملة، وإذا أريد به إضافته إلى الله عز وجل، ولكنه حصل في الوقت الفلاني، وفي النوء الفلاني، فإن هذه العبارة خلاف الأولى، والأولى أن يقال كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي الذي جاء عن زيد بن خالد الجهني، وكان في عام الحديبية: (فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب).

    تراجم رجال إسناد حديث: (ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون: الكوكب وبالكوكب)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو].

    هو عمرو بن سواد ابن الأسود بن عمرو المصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.

    [حدثنا ابن وهب].

    هو عبد الله بن وهب، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مصري أيضاً.

    [أخبرني يونس].

    هو ابن يزيد الأيلي ثم المصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن شهاب].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبيد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، ثبت، إمام، حجة، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقيه، من صغار التابعين وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة].

    هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، في عصر التابعين، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والفقهاء السبعة في عصر التابعين في المدينة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال؛ قيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.

    [عن أبي هريرة].

    رضي الله عنه هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً.

    وهذا الإسناد فيه ستة أشخاص؛ ثلاثة مصريون، وثلاثة مدنيون، فنصفه الأسفل مصريون، ونصفه الأعلى مدنيون، فـعمرو بن سواد، وعبد الله بن وهب، ويونس بن يزيد الأيلي المصري هؤلاء ثلاثة مصريون، ونصفه الأعلى مدنيون؛ وهم الزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو هريرة.

    شرح حديث: (... ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك الذي كفر بي وآمن بالكوكب) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله عن زيد بن خالد الجهني قال: (مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألم تسمعوا ماذا قال ربكم الليلة؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح طائفةٌ منهم بها كافرين، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأما من آمن بي وحمدني على سقياي فذاك الذي آمن بي وكفر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك الذي كفر بي وآمن بالكوكب)].

    أورد النسائي حديث زيد بن خالد الجهني، وهو: زيد بن خالد الجهني، وليس يزيد، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمعنى الذي قبله، قال: [ألم تسمعوا ما قال الله عز وجل الليلة؟].

    وفي قوله: [الليلة]، ما قال الله: الليلة، وهذا يدل على أن الله تعالى يتكلم إذا شاء كيف شاء، وأن كلام الله عز وجل لا ينحصر، وليس له بداية، وليس له نهاية، فكلام الله غير محصور بكلام معين محدد؛ لأن الله لا بداية لكلامه، ولا نهاية لكلامه، فهو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فكلامه غير منحصر، والله عز وجل يتكلم إذا شاء كيف شاء ومتى شاء، تكلم بلا بداية، ويتكلم بلا نهاية، كلم موسى في زمانه، وسمع موسى كلام الله من الله، وقال الله عز وجل: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143]، فقال: سمع كلام الله من الله، وسمعه محمد عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج، وفرض الله عليه خمسين صلاة ثم خففت إلى خمس، فهو كليم كما أن موسى كليم، وهو خليل كما أن إبراهيم خليل، فاجتمع فيه ما تفرق في غيره، عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك جاء في الحديث: [ألم تسمعوا ما قال الله في هذه الليلة؟]، يعني: هذه الليلة قال كذا وكذا؛ تكلم بهذا الكلام في تلك الليلة التي نزل فيها المطر، قال: [ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح طائفةٌ منهم بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا فأما من آمن بي وحمدني على سقياي].

    وجاء في بعض الروايات: (فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب)، وقد ذكرت أن الإيمان بالكوكب فيه تفصيل؛ فإذا كان قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان للتأثير، وأسند التأثير إلى الكواكب، فهذا هو الكفر المخرج من الملة، وإن كان المطر من الله، ولكن الله تعالى جعله ينزل في الزمن الفلاني، وفي الكوكب الفلاني، ووجود الكوكب الفلاني، فهذه العبارة؛ وهي قوله: [مطرنا بنوء كذا وكذا]، هي خلاف الأولى، وخير منها وأفضل أن يقول الإنسان: مطرنا بفضل الله ورحمته، وإن قال: في الشهر الفلاني أو في النوء الفلاني، ما فيه بأس، بعد أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك الذي كفر بي وآمن بالكوكب) من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    هو ابن عيينة؛ لأن قتيبة ليس له رواية عن سفيان الثوري، وإنما كل ما يأتي عن سفيان فالمراد به: ابن عيينة، وليس لـقتيبة رواية عن الثوري، بل قتيبة عمره لما مات الثوري عشر سنوات، ويمكن أن يروي من عمره عشر سنوات، كما عرفنا أن بعض الصحابة توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وفيهم من عمره ثمان سنوات، ومع ذلك له رواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن يمكن أن يكون هذا في بلد وهذا في بلد، وهذا صغير وما حصل له يلتقي بهذا الشيخ، فلم يأخذ عنه، لكن المعروف أن قتيبة ما روى عن سفيان الثوري، فكل ما جاء قتيبة عن سفيان فالمراد به ابن عيينة، وابن عيينة قد مر ذكره.

    [عن صالح بن كيسان].

    هو صالح بن كيسان المدني، وهو ثقة، ثبت، فاضل، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيد الله بن عبد الله].

    هو ابن عتبة بن مسعود الذي مر ذكره قريباً.

    [عن زيد بن خالد الجهني].

    هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (لو أمسك الله المطر عن عباده ... يقولون: سقينا بنوء المجدع)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عن عمرو عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أمسك الله عز وجل المطر عن عباده خمس سنين ثم أرسله لأصبحت طائفةٌ من الناس كافرين، يقولون: سقينا بنوء المجدع)].

    أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [لو أمسك الله المطر عن عباده خمس سنين، ثم أنزله عليهم، لأصبح طائفةٌ منهم به كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدع] والمجدع: نجم من النجوم، اسمه مجدع، والحديث بهذا اللفظ فيه ذكر الخمس السنين، وفيه ذكر تسمية النوء الذي قالوا: مطرنا بنوء كذا، هذا مما جاء في هذه الطريق، ولكن الطرق الأخرى -التي في الصحيحين وفي غيرها- ليس فيها ذكر هذه التسمية؛ الذي هو النوء، وذكر الخمس السنين، وإنما فيها: (أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر)، كما جاء في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: (فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب)، فهذا هو الثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وأما هذه الرواية فقد جاءت من طريق رجل لا يقبل حديثه إلا إذا اعتضد، ووجد له متابع، وليس له متابع، فتكون هذه الرواية غير صحيحة؛ لأنه لم يأت متابع له فيما جاء فيه من هذه الألفاظ؛ التي هي: نوء كذا، وكونه خمس سنين، هذا ما جاء إلا من هذه الطريق، ولكن إضافة المطر إلى النوء جاء في الأحاديث الصحيحة التي مرت.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لو أمسك الله المطر عن عباده ... يقولون: سقينا بنوء المجدع)

    قوله: [أخبرنا عبد الجبار بن العلاء].

    هو البصري، وهو لا بأس به، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي.

    وكلمة (لا بأس به) تعادل صدوق، أي: أن حديثه مما يكون حسناً لذاته؛ لأن صدوق، ولا بأس به، وليس به بأس هي في درجة واحدة، إلا عند يحيى بن معين فإنها تعادل ثقة، وهذا من اصطلاحه هو، أما في اصطلاح المحدثين فإن كلمة (لا بأس به) عندهم تعني: من يقل عن الثقة، ولكن حديثه معتمد، وحديثه من قبيل الحسن، فهو مثل صدوق عندهم.

    [عن سفيان].

    هو ابن عيينة، وقد مر ذكره.

    [عن عمرو].

    هو عمرو بن دينار، وهذا الذي هو عبد الجبار بصري نزل مكة، فهو أصله بصري، ولكنه نزل مكة، يروي عن سفيان بن عيينة وهو مكي، وسفيان يروي عن عمرو وهو ابن دينار، وهو مكي، ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عتاب بن حنين].

    هو أيضاً مكي، مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [عن أبي سعيد الخدري].

    هو سعد بن مالك بن سنان، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو صحابي مشهور، وهو من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    1.   

    مسألة الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره

    شرح حديث: (... اللهم حوالينا ولا علينا ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [مسألة الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره.

    أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل حدثنا حميد عن أنس قال: (قحط المطر عاماً، فقام بعض المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم في يوم جمعة، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قحط المطر، وأجدبت الأرض، وهلك المال، قال: فرفع يديه، وما نرى في السماء سحابة، فمد يديه حتى رأيت بياض إبطيه يستسقى الله عز وجل، قال: فما صلينا الجمعة حتى أهم الشاب القريب الدار الرجوع إلى أهله، فدامت جمعة، فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا: يا رسول الله! تهدمت البيوت، واحتبس الركبان، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لسرعة ملالة ابن آدم، وقال بيديه: اللهم حوالينا ولا علينا، فتكشطت عن المدينة)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: مسألة الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره، والمقصود بالمسألة: كونه يسأل الله عز وجل ويدعوه أن يمنع المطر عنهم، وأن يجعله فيما حواليهم، والمقصود بالمسألة السؤال، أي: سؤال الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره.

    وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي فيه: أنهم لما قحطوا، وحصل الجدب، وطلب بعض المسلمين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو، فرفع يديه ودعا، وأنزل الله الغيث، ومطروا وهم في المسجد، وكثر المطر، حتى أهم الشاب القريب الدار رجوعه إلى المنزل، فهو يجد صعوبة في كونه ينزل؛ من تتابع المطر وكثرة هطوله، يعني أهمه ذلك، ويجد فيه مشقة كونه يصل إلى البيت مع كثرة المطر وشدة هطوله، واستمر المطر إلى الجمعة الأخرى، ثم طلب منه بعض المسلمين أن يدعو لهم برفع المطر ومنعه، فرفع يديه ودعا وقال: [اللهم حوالينا ولا علينا]، [فتكشطت]، يعني: تقطعت، وانزاحت السحب عن المدينة، حتى صارت حولها كما جاء مبيناً في بعض الروايات المتقدمة: فصار كالإكليل، يعني: محيطاً بالمدينة السحب، تمطر حواليها ولا تمطر عليها.

    والمقصود من ذلك: أنه عندما يكثر المطر، ويحصل للناس ضرر بكثرته، فإن الإمام يدعو بهذا الدعاء الذي دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول: [اللهم حوالينا ولا علينا].

    تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم حوالينا ولا علينا ...)

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].

    هو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

    [حدثنا إسماعيل].

    هو ابن جعفر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    وهناك إسماعيل بن علية؛ لأن هذا من شيوخه إسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن علية الذي هو: علي بن حجر، فإذا كان الأمر كذلك: فـإسماعيل بن علية هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا حميد].

    هو حميد بن أبي حميد الطويل، البصري، وهو ثقة، يدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    رفع الإمام يديه عند مسألة إمساك المطر

    شرح حديث: (فرفع يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا ...) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع الإمام يديه عن مسألة إمساك المطر.

    أخبرنا محمود بن خالد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا أبو عمرو الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (أصاب الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقام أعرابيٌ فقال: يا رسول الله! هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، وما نرى في السماء قزعة، والذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله! تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، حتى صارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي، ولم يجئ أحد من ناحيةٍ إلا أخبر بالجود)].

    هنا أورد النسائي رفع الإمام يده في مسألة إمساك المطر؛ لأن الترجمة السابقة: مسألة الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره.

    وقوله: [والذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال].

    أي: كان يرفع يديه فما أنزلهما حتى نزل المطر.